ومالعيب في الطائفية؟!

تعليق واحد

 

في الأحداث الأخيرة، أعني حادثة الموازنة بين سب السيستاني للصحابة وسب العريفي للسيستاني، رأيت إدانة تتكرر حتى تشربها البعض باعتبارها مسلمة وهي قولهم (للأسف هذا كلام طائفي)، ويشتقون من هذا الوصف تركيبات كثيرة كقولهم على سبيل الذم والاستهجان (مقالة طائفية)، (فتوى طائفية) ، (بيان طائفي) الخ بل ووصل بعضهم إلى المطالبة بـ (سن قانون لتجريم الطائفية) .  هذا يعني أنه إذا ضلت طائفة عن شئ من الشريعة فلايجوز إدانة هذه الطائفة لأنه سيكون كلام طائفي وفتوى طائفية ومقالة طائفية وجريمة طائفية! وتحولت هذه اللافتة (كلام طائفي) إلى مبرر كافٍ لإدانة أي فتوى ضد الطائفة التي ضلت عن شئ من الشريعة، بمعنى لاتحتاج إلى أية أدلة في نقض الفتوى، بل يكفي فقط أن تثبت أنها فتوى طائفية، بعد ذلك أصلح حنجرتك لترتل لطميات النياحة ضد هذه الفتوى، لماذا؟ لأنها فتوى طائفية!

برغم أن إدانة أي طائفة ضلت عن شئ من الشريعة هذا مبدأ قرآني، وسنأخذ مثالاً قرآنيا لذلك يشابه واقع الطائفة الشيعية اليوم، فقد جاء طائفة من المسلمين في عصر النبي –صلى الله عليه وسلم- وقامو بـ “سب الصحابة” فقالوا عنهم “مارأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسنة” ، فأنزل الله عليهم تكفيراً طائفياً، فقال تعالى في سورة التوبة:  (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ)[التوبة: 66] فهذه إدانة على أساس الطائفة، وبين أنهم كفروا بعد إيمانهم، بمعنى أنهم كانوا مسلمين قبل ذلك، لكن بسبّهم أصحاب النبي كفروا، وكان تكفيرهم على أساس الطائفة، كما قال تعالى في الآية السابقة (إن نعف عن “طائفة” منكم نعذب “طائفة” ).   وطائفة أخرى –أيضاً- منتسبين إلى الإسلام في عصر النبي –صلى الله عليه وسلم- طرحوا فكرة خلاصتها أنه “يجب أن لانشارك في الجهاد الشرعي لأنه ليس لنا فيه مصلحة وطنية” فحكى الله مقالة هذه الطائفة وأدانهم إدانة طائفية فقال تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ) [الأحزاب:13]   وطائفة أخرى –أيضاً- منتسبة إلى الإسلام في عصر النبي منعهم الله من حق المشاركة بسبب تقصيرهم الشرعي السابق كما قال تعالى: (إِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) [التوبة:83]   وعلى أية حال الصراع بين الطوائف في القرآن كثير، ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) [الأعراف: 87]   فالقرآن تعامل مع أية “طائفة” ناقضت شيئاً من الشريعة تعاملاً واضحاً، وأدانها على أساس طائفتها، والمراد أن قولهم (هذا كلام طائفي) و (فتوى طائفية) و (مقالة طائفية) هذا كله نقول في الجواب عنه: نعم هذا صحيح، ونقد الطوائف التي ضلت عن شئ من الشريعة هذا مطلب شرعي وفريضة قرآنية، فكيف صار منهج القرآن في مسلماتكم عيباً ومذمةً؟! فياغربة الدين!

أبو عمر 

صفر 1431هـ

31 يناير 2010

أين “مؤسسة رعاية الشباب” عن “الاختناق المروري” ؟!

أضف تعليقاً

 

في كل صباح أخرج فيه إلى عملي يتكدر خاطري حين أترسب في مكاني بسبب الاختناق المروري، وإغلاق بعض الطرق لأعمال الصيانة التي لاتنتهي.. ثم مع زعيق منبهات السيارات من حولي يكاد رأسي يثور في سقف السيارة..   في هذه اللحظة المكتظة بالتوتر والنقمة أجد نفسي أكرر بلا ملل: حسبنا الله على “المؤسسة العامة لرعاية الشباب” .. أين دورها في تنظيم المرور وإصلاح الطرق وتهيئة النقل العام؟! أين المؤسسة العامة لرعاية الشباب عن بناء الجسور التي تمتص كثافة المركبات المتزايدة؟! أين المؤسسة العامة لرعاية الشباب عن ابتكار الحلول المناسبة لتوزيع مسارات الحركة المرورية؟! العالم كله من حولنا يبدع وينتج البدائل لمشكلة المرور والنقل العام بينما الرئاسة العامة لرعاية الشباب إلى الآن لم تطرح مشروعاً واحداً ؟! في أوروبا وأمريكا واليابان والدول المتقدمة تجد القطارات والأندرجراوند والحافلات المنظمة بينما المؤسسة لرعاية الشباب لدينا لم تقدم لنا ولا نصف قطار لحل مشكلة الاختناق المروري؟! إلى متى نقص الوعي، وضيق الأفق، أيتها المؤسسة العامة لرعاية الشباب؟!

      عزيزي القارئ .. أظنك الآن بدأت ترتاب في عقل الكاتب وستقول: ماعلاقة المؤسسة العامة لرعاية الشباب بالمشاكل المرورية؟! حسناً .. إذا استنتجت من الكلام السابق أن ثمة خللاً في عقل الكاتب؛ فأظنك ستشك في عقول كثيرة تكتب اليوم وبكثافة بمثل هذا المنطق تماماً!  

ثمة اليوم شريحة تتوهم أن لديها “وعياً مدنياً” يفوق البسطاء من حولها، أتدري ماذا يكتبون ويقولون؟! يقولون: أين هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الفساد الإداري في العقود الحكومية؟ أين هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن نهب العقارات الحكومية لصالح ملكيات شخصية؟! أين هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر عن ضحايا الأرواح في كارثة سيول جدة؟!   بالله عليك مافرق هذا التساؤلات عن شخص يتوهم أن مصلحة الجمارك هي المسؤولة مشكلة الاتصالات؟!

نحن الآن في دولة فيها عدة مؤسسات، كل مؤسسة لها “اختصاص” يصدر به نظام رسمي، لدينا مؤسسات مخولة بمراقبة الفساد السلوكي العام، ومؤسسات مخولة بمراقبة الفساد المالي، فبدلاً من أن يعاتبوا مؤسسات الرقابة المالية ينوحون ويعاتبوا مؤسسات الرقابة السلوكية؟! إنها طرفة متوهمي المدنيّة في نسيان المسؤول الحقيقي، والتشنج في محاسبة غير المسؤول!

لنكن أكثر تفصيلاً، لدينا في السعودية مؤسستان مسؤولتان بشكل جوهري عن “الفساد الاداري والمالي”، وهما: ديوان المراقبة العامة، وهيئة الرقابة والتحقيق. فأما نظام “ديوان المراقبة العامة” الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم (1019) وتاريخ 1390هـ فقد نص في المادة السابعة منه على تكليف الديوان بمراقبة الفساد الاداري والمالي كما تنص المادة:

(يختص الديوان بالرقابة اللاحقة على جميع إيرادات الدولة، ومصروفاتها، وكذلك مراقبة كافة أموال الدولة، المنقولة والثابتة، ومراقبة حسن إستعمال هذه الأموال وإستغلالها والمحافظة عليها)[نظام ديوان المراقبة العامة، م7]

 وهي مادة نظامية شديدة الاتساع والشمول، ولم يكتفِ مجلس الوزراء بذلك، بل خول ديوان المراقبة العامة بصلاحيات واسعة لتحقيق هذه المهمة، حيث ألزم النظام كافة الوزارات والمؤسسات الحكومية بأن تزود الديوان بكافة البيانات الحسابية والمستندات والوثائق التي تمكن الديوان من المراقبة المالية (المادة 10).   والشمول الذي منحته المادة السابعة واضح أنه مقصود فعلاً، حيث أكدته مواد لاحقة في ذات النظام، تنص تفصيلاً على ضبط “المال العام”، ومن ذلك مانصت عليه المادة الثامنة من أنه يختص الديوان بـ

(التحقق من أن كافة أموال الدولة، المنقولة والثابتة؛ تستعمل في الأغراض التي خصصت من أجلها من قبل الجهة المختصة، وأن لدى هذه الجهات من الإجراءات ما يكفل سلامة هذه الأموال، وحسن إستعمالها و إستغلالها، ويضمن عدم إساءة إستعمالها، أو إستخدامها في غير الأغراض التي خصصت من أجلها) [نظام ديوان المراقبة العامة، م 8-2].

هذا بالنسبة للمؤسسة الأولى وهي مؤسسة “ديوان المراقبة العامة”، وأما بالنسبة للمؤسسة الثانية وهي “هيئة الرقابة والتحقيق” فقد خولها النظام باختصاصات دقيقة في مراقبة الفساد الإداري، حيث ينص النظام على:

(تختص الهيئة بإجراء الرقابة اللازمة للكشف عن المخالفات المالية والإدارية) [نظام تأديب الموظفين، م5]

ومنح النظام هيئة الرقابة والتحقيق صلاحيات واسعة للقيام بهذه المهمة والتحقيق مع الجهات الحكومية كما تقول المادة الثامنة مثلاً:

(على الجهات الحكومية تمكين المحقق من الأطلاع على ما يرى لزوم الأطلاع عليه من الأوراق والمستندات وغيرها، وتفتيش أماكن العمل إذا تطلب التحقيق ذلك، بحضور الرئيس المباشر)[نظام تأديب الموظفين، م8]. 

 حسناً .. رأينا الآن كيف تملك هاتان المؤسستان، ديوان المراقبة العامة وهيئة الرقابة والتحقيق، سلطة الرقابة المالية على كل  ظواهر الفساد الإداري والمالي، وكيف منحهما المنظم سلطة التحقيق والتفتيش.

وأما “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” فمن المعلوم لكل أحد أن المنظم حصر هذه المؤسسة في حدود المخالفات السلوكية العامة وتشير لذلك بعض المواد مثل ماجاء في النظام:

(للهيئة حق المشاركة في مراقبة الممنوعات؛ مما له تأثير على العقائد، أو السلوك، أو الآداب العامة) [نظام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، م12]. 

هل تصدق يا أخي الكريم أنني في “كارثة سيول جدة” رأيت بعض الكتّاب يقولون: أين هيئة الأمر بالمعروف عن هذه الكارثة أم هم مشغولون بالاختلاط والخلوة؟! توقعت في البداية أن هؤلاء يمزحون، أو يقولونها من باب المناكدة فقط، لكن لاحظت أن الموضوع استمر!   لازلت إلى الآن أقرأ لبعض السذج (الذين يتوهمون أنفسهم يملكون وعياً مدنياً) يقولون أين هيئة الأمر بالمعروف عن الفساد المالي والإداري..! بدلاً من أن يطالبوا المؤسسة المعنية، ذهبوا يلومون غير المعني! بدلاً من أن يشكرو أشاوس الهيئات على قيامهم بما يفوق المطلوب منهم وتحملهم الأخطار والمضايقات ورمي الإعلام لهم عن قوس واحدة، ذهبو يلومونهم لأنه اجتهدو في القيام بما يخصهم، وأخذوا يعاتبونهم على عدم القيام بما لايملكون “صلاحية نظامية” له؟! ثم يحدثونك عن “الوعي المدني” ..!

كتبَة لايعرفون مؤسسات الدولة، ولايفهمون كيف توزع فيها الصلاحيات النظامية، ثم لايجدون غضاضة في أن يتفلسفوا عليك عن “الوعي المدني” ! عزيزي القارئ.. إذا استيقظت غداً صباحاً .. ورأيت أكوام النفايات في بعض الطرق بشكل غير لائق، فإياك أن تفكر في مسؤولية البلدية، بل حاول أن تكتب مقالة عن “مسؤولية القضاء الشرعي عن سلال المهملات” .. وستجد نفسك في يوم وليلة أحد المفكرين الطليعيين الذي سبق عصره!    

أبو عمر

صفر 1431هـ

30 يناير 2010

 

إشكال حول نمط فهم الإسلام

أضف تعليقاً

        بعد سيل الشبهات الذي لازال يسوط بها الإعلام ظهور الشباب المسلم تساءل أكثر من شاب أمامي وقالوا: هل فهمنا للاسلام في خطوطه العامة هو فهم صحيح؟ أم أننا نحتاج مراجعة كلية لفهم جوهر الإسلام؟  أي بغض النظر عن الخلاف في المسائل التفصيلية. وأنا أقول والله العظيم أن من قرأ كتاب الله صادقاً متجرداً، وقلب نظره في قصص أنبياء الله، الذين حكاهم الله لنا ليس للتسلية وإنما للعبرة والعمل والاهتداء والائتساء، فمن تأمل أخبار الأنبياء، وتأمل في المجتمعات التي بعثوا فيها، ومافيها من الفقر والمظالم والاستبداد، ثم تأمل كيف نظم الرسل أولوياتهم، ومالقضايا التي صرفوا جهودهم فيها؟   ثم لو تأمل الانسان الصادق الباحث عن الحق في سيرة أئمة الهدى بعد الرسل، وهم أصحاب النبي، سيما من اختصوا بالعلم دون الولاية العامة، كابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وزيد بن ثابت، ثم من درس عليهم وسار على نهجهم من التابعين، وأركان التابعين أربعة –كما يقول الإمام ابن تيمية- وهم سعيد بن المسيب والحسن البصري وابراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح، فهؤلاء الأربعة دارت عليهم الفتوى في عصر التابعين، وتدين القرن الثاني الذي فضله الله سبحانه بفتاواهم، وهم حملة علم أصحاب رسول الله.   ثم إذا تدبر الباحث –أيضاً- أئمة القرن الثالث الذي درسو على هؤلاء وواصلو المسيرة، وهم تابعو التابعين، واركان تابعي التابعين أربعة -كما يقول ابن تيمية أيضاً- وهم مالك بن أنس إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث بن سعد إمام أهل مصر، وسفيان الثوري إمام أهل العراق.   فإذا تدبر الباحث مامضى، أعني تدبر مجتمعات الأنبياء التي بعثوا فيها، ثم قارنها بأولويات الأنبياء، ثم تدبر مجتمعات أئمة الدين التي قاموا فيها، وقارنها بجهودهم وأولوياتهم، لم يبق عنده شعرة شك ولا ارتياب أن ماعليه الطوائف الفكرية اليوم كلها مناقض أشد المناقضة لطريقة الرسل وأئمة الهدى، وأن ما أدركنا عليه علماءنا كالإمام ابن باز وابن عثيمين ونحوهما من عيون أئمة أهل السنة والجماعة أنه هو الموافق في الجملة لطريقة الأنبياء وائمة الهدى، ولايشك في ذلك إلا جاهل بسيرة الطرفين، أو صاحب هوى أعماه هواه.   والرسل وأئمة الهدى هم معيار الحق، وكلاهما محل للاقتداء وفهم الوحي على طريقتهم، فالله لما ذكر الرسل قال كما في سورة الأنعام{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} فالله يخبر نبيه عن أن هؤلاء الرسل الذين يحكي خبرهم إنما هم للاقتداء.   ولما ذكر الله أئمة الدين في موضعين من كتابه جعلهم –أيضاً- محلاً للائتساء والاهتداء فقال في سورة الأنبياء{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} وقال في سورة السجدة {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}.

وهذه الطوائف الفكرية لاترى في الوجود إلا القضايا المادية، فالعدل عندها هو العدل المالي، برغم أن كل أوامر الله سبحانه نوع من العدل. ولايعرفون من الظلم إلا المظالم المالية، برغم أن كل مناهي الله سبحانه نوع من الظلم. ولايعرفون من الحقوق إلا الحقوق المالية، برغم أن لكتاب الله حقاً بصيانته من التحريف، ولسنة رسول الله حقاً بصيانتها من الطعن، ولأصحاب رسول الله حق بصيانتهم من القدح، وللفضيلة والأعراض حقوق عظيمة بمقاومة من يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وللعلماء حق بالذب عنهم، الخ .فهؤلاء أهل الأهواء الفكرية لايعرفون من هذه الحياة إلا هذه القضايا المادية، ولذلك يعيبون علماءنا ويسفهونهم، وهم في الواقع إنما مؤدى كلامهم الإزراء بالرسل والصحابة والتابعين، ولكن لجهلهم وهواهم لايتفطنون.   ومن قرأ كلامهم اندهش من اندفاعهم بكل وسيلة ممكنة في تقزيم العقيدة والفقه، واستجهال أهل العلم، ولمز اهتماماتهم.

وأما الاحتكام للوحي فقد عطلوه كلياً، فكلما قال لهم أهل السنة: قال الله وقال رسول الله، قالوا المسألة فيها خلاف، فصار الخلاف حاكماً على الوحي، برغم أن الله أنزل الوحي ليكون حاكماً على الخلاف كما قال تعالى في  سورة النساء (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) وهؤلاء يردون الله والرسول إلى النزاع نسأل الله السلامة، ولذلك قال الشاطبي قولته الخالدة : (وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية؛ حتى صار الخلاف في المسائل معدودا فى حجج الإباحة!).

وإذا قال لهم أهل السنة هذا “منكر” قالوا ليس قطعي الثبوت أو ليس قطعي الدلالة، فحصروا الشريعة في نزر يسير يسمونه القطعي، وصار غالب كلام الله وكلام رسوله لايفيد الهدى ولايصلح للاحتجاج عندهم لأنه إما غير قطعي الثبوت أو غير قطعي الدلالة!   والله تعالى أمر العدد اليسير من الناس أن يبلغ دين الله كما قال تعالى في سورة التوبة (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم) ولوكان الدين بالقطعي لكان هذا التوجيه عبث، إذ النقل الذي يأتي به نفر يسير لايحصل به القطعي.   وقال النبي في أحاديث يبلغ المعنى المشترك فيها درجة التواتر القطعي (بلغو عني ولو آية) وقال (نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه) ولو كان الدين لايثبت ولايحتج فيه إلا بالقطعي الثبوت والدلالة لكان توجيه النبي هذا لغو لاثمرة له، إذ مافائدة أن يبلغ رجل واحد خبراً سيكون غير قطعي الثبوت، وربما دخل تفسيره ظنية المعنى.   وقد تواتر عند أهل التاريخ والسير والحديث، بل كل علوم أهل الإسلام نقلت ذلك، حتى كتب الأدب، أن النبي كان يرسل إلى الأمم رسولاً واحداً يخبرهم بالاسلام كله وليس حديثاً واحداً، ومع ذلك يرتب النبي آثار هذا التبليغ عليهم، ولو كانت الحجة لاتثبت إلا بالقطعي لما آخذ هؤلاء الأمم بخبر واحد في أصول الدين وفروعه!   فانظر كيف اختصروا المطالب الشرعية في القضايا المادية، وكيف عطلوا حاكمية الوحي بتكبيلها بالخلاف والقطعي، فهل هذا بالله عليكم طريقة الأنبياء وأئمة الهدى؟!

والله المستعان سبحانه.

أبو عمر

صفر 1431هـ

27 يناير 2010

فائـدة قرآنيـة

أضف تعليقاً

 ذكر الله تعالى في كتابه ظاهرة “الكذب على الله” في مواضع كثيرة جداً, ولايكثر القرآن من ذكر أمر من الأمور إلا انعكاساً لأهميته القصوى, وكثرة وقوعه وابتلاء الناس به, فتثنية الآيات في موضوع معين إشارة إلهية لنا لنحتفي بالأمر.. إذ القرآن كلام الخالق الخبير سبحانه, فسائر مافيه من تصريح أو تلميح أو كناية أو إشارة أو مفهوم أو نظير أو دلالة أولى أو ترتيب مأمورات أو ترتيب منهيات أو غيرها من أنماط إستفادة المعنى وإنتاج الدلالة فإنها تؤخذ بعين الاعتبار .. وهذا هو مقتضى التدبر والادكار ..
على أية حال .. الآيات التي أشار القرآن فيها إلى ظاهرة “الكذب على الله” كثيرة جداً, ومن ذلك قوله تعالى مبيناً غاية وغرض من يكذب على الله ألا وهو “إضلال الناس” كما يقول تعالى: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (144) سورة الأنعام وقال سبحانه مبيناً عاقبة من يكذب عليه: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} (60) سورة الزمر   وهذه الآيات معروفة معلومة مشهورة ولله الحمد .. ولكن كثيراً من الناس يقصر فهمه عن معنى “الكذب على الله” .. والواقع أن الكذب على الله له مرتبتان: الكذب على الله في “الألفاظ”. والكذب على الله في “المعاني” . وهذان النوعان أشار لهما الإمام ابن تيمية بتقسيم بديع حيث سماهما: تحريف التنزيل، وتحريف التأويل (الاقتضاء، 1/88) فتحريف التزيل يكون في الألفاظ، وتحريف التأويل يكون في المعاني.   فالكذب على الله في الألفاظ (كما في “الوضع” في الحديث) قد أقام علماء الاسلام لمقاومته علم “السنة النبوية ومصطلح الحديث” ، وأما الكذب على الله في المعاني (كما في التأويل للنصوص في غير مواضعها) فقد أقام علماء الاسلام لمقاومته “علمي العقيدة والفقه”.   والكذب على الله في “الألفاظ” ينتشر كثيراً بين “جهلة المتصوفة” فينسبون إلى رسول الله مالم يقله، إما تعبداً لله باختراع الأحاديث، وإما شهوة نيل الجاه بالتأثير في الناس، فيتفانون في تصنيع النصوص الغريبة المرعبة ..   وأما الكذب على الله في “المعاني” فينتشر كثيراً بين النخب المثقفة، ومتفقهة التغريب، حيث يسطون على نصوص الوحي فيفسروها دون استيعاب لبقية النصوص الشرعية الأخرى, ودون استيعاب لتفسير الصحابة وأئمة التابعين, ودون تفطن لمواضع الاجماع، بل بعضهم يفسر الآيات القرآنية بما يعارض تفسير رسول الله لها!   وهذا والله من أعجب المواضع، فلطالما رأيتهم يقولون عن آية من الآيات القرآنية أن معناها كذا، مع أن في الصحاح والمسانيد المشهورة أن رسول الله فسرها بخلاف ذلك!
وقد أكد القرآن كثيراً على ظاهرة “الكذب على الله في المعاني”  .. وأهم تلك الآيات القرآنية التي جرّمت الكذب على الله في المعاني من خلال الممارسات التأويلية آيتان: آية “تحريف الكلم” , وآية “الالحاد في الآيات” .. وهما: -قوله تعالى { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} -قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا}   وقد جاء عن ابن عباس بسند صحيح أنه قال الالحاد في الآيات “أن يوضع الكلام في غير موضعه”.
ومن تأمل تاريخ “النبوات” علم أن أكثر ضلال المليين ليس من جهة جحد الوحي, وإنما من جهة تأويله وإخراج ألفاظ الشارع عن معانيها التي أرادها .. والتأويل وإحداث المعاني في هذه الأمة يتفاوت كثيراً بين عصر السلف وعصرنا، فتأويل أهل البدع في عصور السلف كان أكثره في “الأصول العقدية” كتأويل الصفات الالهية, وتأويل العرش, وتأويل القدر، وتأويل البعث والمعاد, وتأويل الكرسي, وتأويل المعجزات وحقيقة النبوة,  الخ.. وإخراج هذه كلها عن حقائقها، أما الشرائع فقد كانوا معظمين لها، كما كان كثير من الفلاسفة المنتسبين للاسلام يقول أنه “لم يطرق العالم ناموس كناموس محمد” يعنون به شريعته العملية. وتأويل وإحداث مبتدعة عصرنا أكثره في “التشريعات العملية”، حيث خفت تأويل العقائد والغيبيات، وافتتنوا بالتأويلات والمحدثات والبدع في قضايا المصلحة المرسلة, والمقاصد, والحدود الجنائية, والربا, والحجاب, والقوامة, والجهاد, والولاء والبراء, وأحكام الذميين, والحسبة على المنكر, والموقف من المخالف، ومنزلة العلوم الدنيوية، ونحوها من قضايا التشريعات العملية، لحمل نصوص الوحي في هذه المعاني كلها على أن توافق الحضارة الغربية المعاصرة، فاخترعوا معاني يهوونها ونسبوها للشريعة افتراءً على الله وكذباً عليه سبحانه عبر بوابة التأويل. والفريقان كلاهما مبتدِعان محدِثان في دين الله، ومخترعان لمعاني غير شرعية، وهذه حقيقة البدعة، وإنما الفارق الوحيد بينهما: أن المبتدعة في التراث كانو مبهورين بالحداثة اليونانية، فحاولو التلفيق بين غيبيات الوحي وغيبيات اليونان. وأما مبتدعة عصرنا فهم مبهورون بالحداثة الغربية، فحاولو التلفيق بين تشريعات الوحي وتشريعات الغرب.   ومن تأمل حمية السلف وغيرتهم في عصرهم في مقاومة المحدثات والمعاني المخترعة من أن تنسب للشريعة، ورأى تخاذلنا إزاء المحدثات والبدع والمعاني المخترعة التي صارت تنسب للشريعة، علم لماذا فضل الله هاتيك القرون، وعلم منزلة الوحي في تلك النفوس يارحمهم الله.
وفي إشارة مذهلة حين ذكر الله المحرمات في بعض آيات القرآن بدأ بها تصاعدياً فلما بلغ الشرك وهو أعظمها ذكر بعده الافتراء على الله، وهذه إشارة قرآنية لاتخفى في شدة تشنيع الافتراء على الله وهول خطورته كما قال تعالى في آيات عظيمة: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ, مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ, وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ, وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا, وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (33) سورة الأعراف.
وقد حذر نبي الله موسى من عاقبة “الافتراء على الله” تحذيراً مدوياً بأنه مستوجب للاستئصال والاهلاك كما قال تعالى: {قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} (61) سورة طـه   والله سبحانه وتعالى غني عن نصرتنا لدينه، ولكن ليبلو بعضكم ببعض، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب.
أبو عمر
صفر 1431هـ
27 يناير 2010

هل انتهت قضايا الأنبياء في عصرنا؟

أضف تعليقاً

الأنبياء بعثوا إلى مجتمعات كانت تعاني من الفقر، وظلم الغني للفقير، والاستبداد السياسي، مجتمعات ليس فيها تداول سلطة، ولارقابة على المال العام، ولا حرية رأي.. وكثير من الأنبياء بعثوا إلى أمم ليس فيها علوم عقلية، ولافنون، ولامدنية، الخ الخ  ومع ذلك وضع الأنبياء هذه القضايا كلها في مرتبة تالية وبدؤوا أول مابدؤوا بإشعال المعركة مع الشركيات، وإخلاص كل عبادة لله، بدأ من الشعائر وانتهاءً بالتشريعات، فلايستغاث إلا بالله، ولايُشرّع إلا الله، هذا هو التوحيد الذي بعثت به الأنبياء، وهو أعظم قضاياهم، وهو أمر لايخالف فيه حتى أكثر الباحثين مغالطة وتأويلاً. فبين تعالى إرسال الرسل “كلهم” بتوحيد العبادة والشعائر فقال (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25] وبين تعالى –أيضاً- إرسال الرسل “كلهم” بتوحيد الطاعة والتشريع فقال (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) [النساء:64] والثاني من أفراد الأول، لكنه خصه لأهميته.

يأتي بعض الناس اليوم ويقول: نحن نعظّم الأنبياء ونجلّهم ونحترمهم، ولاشك أنهم قاموا بالواجب، ولكن الأولويات عندنا تغيرت! وكأنه ليس في كثير من بقاع عالمنا الإسلامي على مستوى العامة أفظع مظاهر وثنية الشعائر التي أرقت الأنبياء، وكأنه ليس في كثير من النخب الثقافية أفظع مظاهر وثنية التشريع، وكأنه ليس في كثير من القوانين والنظم مواداً مناقضة لتوحيد التشريع.

هل هذا يعني التزهيد باصلاح القضايا المالية والسياسية؟ لا قطعاً، ولكن بحّت حلوق أهل السنة وهم يقولون: رتبوا الأولويات بشكل صحيح كما رتبها الأنبياء، بل صرنا اليوم فيما هو أسوأ، صار البعض يجعل أولويات الرسل قضايا هامشية فيسخر ويتهكم من جهود أهل السنة في إصلاح التوحيد!

إلى أولئك الذين يظنون أن قضايا الأنبياء انتهت وأننا نعيش اليوم “أولويات، ومتغيرات، وتركيبة اجتماعية مختلفة، ونمط حياة جديد، الخ الخ” من هذه الشعارات أهديهم هذه الزفرات التي كتبها الشيخ أحمد الصويان يحكي فيها قصة مدهشة عند زيارته لأحد الدول العربية المجاورة.

أبو عمر

صفر 1431هـ

26 يناير 2010

مدخلات قديمة

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 333 other followers