السـهر المجهـول

أضف تعليقا

الحمدلله وبعد،،

تتحدث كتب النفس وبرامج الاستشارات التلفزيونية والنصائح الطبية ونحوها عن مشكلة يسمونها (مشكلة السهر) .. ويطرحون لها الحلول والعلاجات ويتكلمون عن أضرارها، لكن ثمة نوع آخر من السهر لا أرى له ذكراً بينهم .. إنه سهر من نوع خاص .. سهر يذكره القرآن ويتحدث عنه كثيرا .. وكلما مررت بتلك الآيات التي تتحدث عن هذا السهر شعرت بالخجل من نفسي..

في أوائل سورة الذاريات لما ذكر الله أهوال يوم القيامة توقف السياق ثم بدأت الآيات تلوِّح بذكر فريقٍ حصد السعادة الأبدية واستطاع الوصول إلى (جناتٍ وعيون) .. ولكن ما السبب الذي أوصلهم إلى تلك السعادة بين مجاهل تلك الأهوال؟ إنه (السهر المجهول) .. تأمل كيف تشرح الآيات سبب وصول ذلك الفريق إلى الجنات والعيون:

(إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ)[الذاريات،16-17].

المزيد

مغلـوطات المـال العـام

2 تعليقات

-مدخل:

الحمدلله وبعد،،

يعيش الإنسان المسلم في هذه البلاد هموماً معيشية كثيرة، هم الإسكان ومنزل العمر الذي يتراءى لخياله صبحاً ومساءً، وهم البحث عن سرير لوالدته في أي مستشفى، وهم الطرق المكتظة حتى أواخر المساء، وهم مراجعة الدوائر الحكومية، وهم رحلة طيران ألغيت، وهم قبول لابنه في الجامعة، وهم الابن الذي تخرج ولم يجد وظيفة، وهم قريبةٍ أرملةٍ لا تجد كفايتها، وهم الأسبوع الأخير من الشهر حيث انتهى الرصيد وفي انتظار الراتب، الخ.

المزيد

مصحف البحر الميت

تعليق واحد

-مدخل:

الحمدلله وبعد،،

ماذا يجري في الصحافة السعودية هذه الأيام؟ حسناً .. تأمل معي هذا التصفيق الحار في الصحافة السعودية:

-(أعتقد دون مبالغة أن أركون المجدد الأكبر للإسلام في عصرنا الراهن) [الشرق الأوسط، 16 سبتمبر 2010] 

-(أركون من الكبار الذين كانوا يجاهدون في بث النور، وإحلاله محل الظلمة الكالحة في عالمنا العربي) [الوطن، 18سبتمبر 2010]

- (يظل أركون مشعلاً حقيقياً ) [الوطن، 17 سبتمبر 2010]

-(يهدف أركون إلى استخلاص التجربة الروحية الكبرى للإسلام وتنقيتها من كل ما علق بها على مدار تاريخ المسلمين) [الرياض، 19سبتمبر2010]

-(أركون أول من قدم نقدا للتفكير الخرافي المعارض للمعرفة، وبدد هيمنة الأسطورة في العقل العربي-الإسلامي) [الرياض، 16سبتمبر2010]

-(أركون أحد حكماء المسلمين الكبار) [الشرق الأوسط، 17 سبتمبر 2010]

-(خلال الأيام الثلاثة الأخيرة اشتغلت بكل ما كان متاحاً، ورقياً أو إلكترونياً، بتوديع ثقافتنا لرمز عالمي مثل الراحل الأخير محمد أركون) [الوطن 19سبتمبر2010]

-(أركون أحد هذه الهامات الفكرية من المشهد الثقافي والفكري العربي) [صحيفة اليوم، 19 سبتمبر2010]

-(عمل محمد أركون طوال أكثر من نصف قرن على تقديم قراءة جديدة للإسلام، قراءة تستند إلى مرجعيات ومناهج علمية) [الحياة 16 سبتمبر2010]

-(ساهمت -أفكار أركون- بقوة في الدفاع عن القيم الإسلامية النبيلة ) [الشرق الأوسط، 16سبتمبر 2010]

-(نجح أركون في العودة بالإسلام إلى طابعه الإنساني) [الشرق الأوسط 18سبتمبر 2010]

 

هذه نماذج فقط، ويمكن مراجعة الصحافة السعودية خلال الأسبوع الماضي لتسمع أضعاف هذه الطبول.

 

حسناً .. لماذا هذه الدعاية الصحفية السعودية لأركون؟ ماذا وراء هذا الإمعان في التلميع والمغالاة في ألفاظ المديح لشخصية محمد أركون؟ لماذا تعرض الصحافة السعودية أركون باعتباره: المجدد الأكبر، المجاهد لبث النور ومكافحة الظلام، المشعل الحقيقي، حكيم الاسلام الكبير، الهامة الفكرية، معيد الاسلام لطابعه الانساني، صاحب المنهج العلمي في دراسة الإسلام، الخ الخ ؟

 

ماذا وراء حفلة الإطراء هذه ياترى؟ لماذا تسكب هذه الأوصاف التبجيلية بهذه الحمولة المتجاوزة للوزن المسموح به؟ هذا قطعاً ليس ممارسة عفوية، وليس حدثاً عشوائياً غير مفهوم، بل هذا التمجيد إنما هو لاعتبارات تتعلق بفكر هذا الشخص الممجّد ذاته، هذا يعني أننا لا يمكن أن نصل لتفسير هذه الدعاية إلا بمعرفة ماذا يريد أركون نفسه؟

 

إذن لننتقل إلى إلقاء الضوء على شئ من أفكار أركون، وقبل أن ننتقل لذلك أحب التنويه إلى أنني تعمدت إغفال أسماء الكتّاب لهذه الشواهد الصحفية السابقة لأنني لست معنياً بآحاد وأفراد هؤلاء الكتّاب، وإنما المراد تفسير كامل البنية الإعلامية السعودية وكيف تصنع مثل هذه التوجهات، نريد تناول الإعلام السعودي كنظام ينتج المعرفة بطريقةٍ ما ويروجها للقارئ المحلي، ولذلك جعلت الشواهد السابقة معمّاة الكاتب عمداً لتجريدها من ارتباطاتها الآحادية والفردية، وتحويلها إلى مجرد نماذج لنظام إعلامي.

 

 

 

-مشروع مصحف البحر الميت:

جوهر مشروع أركون هو (إعادة دراسة القرآن على ضوء العلوم الإنسانية)، ويتصور البروفيسور محمد أركون أنه لا يوجد اليوم على وجه الأرض نص صحيح للقرآن، وأن النص القرآني الموجود اليوم نص محرّف، وأن النص الأصلي شبه مفقود، لكن ما الحل في نظر أركون؟ من أطرف مشروعات أركون لحل هذه المشكلة التي يراها أنه لا يمكن أن نصل للنص الصحيح للقرآن إلا إذا وصلنا إلى مخطوطات موجودة في البحر الميت، هذه المخطوطات اللاهوتية في البحر الميت ستوصلنا إلى النص الصحيح للقرآن، كما يقول أركون:

(لنذكر الآن المهام العاجلة التي تتطلبها أية مراجعة نقدية للنص القرآني..، أي نقد القصة الرسمية لتشكيل القرآن، هذا يتطلب منا الرجوع إلى كل الوثائق التاريخية سواءً كانت ذات أصل شيعي أم خارجي أم سني، هكذا نتجنب كل حذف تيولوجي لطرف ضد آخر، بعدها نواجه ليس فقط مسألة إعادة قراءة هذه الوثائق، وإنما أيضاً محاولة البحث عن وثائق أخرى ممكنة الوجود كوثائق البحر الميت التي اكتشفت مؤخراً) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 290]

 

إذن المصحف الموجود بين أيدينا مصحف ناقص، ونحتاج إلى مصحف مبني على مخطوطات البحر الميت.

 

ليس ذلك فقط، بل يرى أركون أن جزءاً من القرآن موجود في خزائن غامضة في الهند واليمن، وإذا استطعنا الوصول لهذه الخزائن فربما أمكننا إعادة كتابة القرآن، كما يقول أركون:

(يفيدنا في ذلك أيضاً سبر المكتبات الخاصة عند دروز سوريا، أو إسماعيلية الهند، أو زيدية اليمن، أو علوية المغرب، يوجد هناك في تلك المكتبات القصية وثائق نائمة متمنعة، مقفل عليها بالرتاج، الشئ الوحيد الذي يعزينا في عدم إمكانية الوصول إليها الآن هو معرفتنا بأنها محروسة جيداً) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 291].

 

أركون حزين لأن الآيات القرآنية التي يمتلكها الرافضة في خزائن سرية في الهند واليمن لا نستطيع الوصول إليها لمعرفة النص الصحيح للقرآن، لكن أركون –أيضاً- للأمانة، ليس حزيناً جداً، لأن هذه الخزائن الخطيرة مربوطة بحراسات مشددة، فربما يفتحها الرافضة لنا يوماً فنصل للنص الصحيح للقرآن.

 

حسناً .. لدينا الآن مصدران هامان لمعرفة نص القرآن الصحيح بحسب أركون، أولهما: مخطوطات البحر الميت، والثانية: الخزائن السرية في الهند واليمن.

وأنا أقرأ هذا الكلام لأركون لا أدري لماذا تذكرت كتباً كانت منذ زمن تباع على الأرصفة عناوينها: مثلث برمودا، لغز يحير العالم، الأطباق الطائرة ومخلوقات الفضاء، تنبؤات نوستراداموس، الخ الخ.

 

ويرى أركون أن هناك مخطوطات ثمينة تدلنا على النصوص المفقودة للقرآن قد تم تدميرها، كما يقول:

)يبدو لي أنه من الأفضل أن نستخلص الدروس والعبر من الحالة اللامرجوع عنها، والتي نتجت عن التدمير المنتظم لكل الوثائق الثيمنة الخاصة بالقرآن، اللهم إلا إذا عثرنا على مخطوطات جديدة توضح لنا تاريخ النص وكيفية تشكله بشكل أفضل) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 45]

 

ولكون أركون يتحدث كثيراً عن مخطوطات مفقودة وأخطاء في نص القرآن؛ فإنه يعتقد أننا يجب أن ننجز “طبعة محققة” من القرآن تتجاوز أخطاء النسخ الموجودة بين أيدينا اليوم، ولكنه يتحسر أن المستشرقين المعاصرين لم يعودوا يفعلون ذلك كما كان يفعله قدماء المستشرقين، كما يقول أركون:

(المعركة التي جرت من أجل تقديم طبعة نقدية محققة عن النص القرآني؛ لم يعد الباحثون يواصلونها اليوم بنفس الجرأة كما كان عليه الحال في زمن نولدكة الألماني وبلاشير الفرنسي) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 44]

 

وهذه المشكلة التي يعتقدها أركون حول ضياع القرآن ليست وليدة العصر بل هي مبكرة، فهو يرى أن علماء الإسلام قاموا بالتلاعب القراءات القرآنية لصناعة نص منسجم، كما يقول أركون:

(نحن نعلم كيف أنهم راحوا يشذبون “قراءات القرآن” تدريجياً، لكي تصبح متشابهة أو منسجمة مع بعضها بعضاً، لكي يتم التوصل إلى إجماع أرثوذكسي) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 111].

 

وفي أحد كتبه عقد مبحثاً بعنوان (فرضيات الخطاب الإسلامي المعاصر) وذكر منها الفرضية التالية: (الفرضية الأولى: أن الصحة التاريخية للمصحف قد تأكدت منذ الجمع الذي تم في خلافة عثمان، وكل تشكيك بظروف هذا التشكيل يعتبر زندقة)، ثم انتقد هذه التي يسميها فرضية وقال (إن طراز وجود الإسلام في التاريخ مرتبط بالحفاظ على هذه الفرضيات، على الرغم من التكذيب القاطع الذي تلقاه من جهة الواقع والنقد العلمي الحديث معاً) [الفكر الاسلامي قراءة علمية، أركون، 66]

 

فهو يرى أن حفظ القرآن وصحة جمعه ليس عقيدة إسلامية، بل “فرضية” يكذبها الواقع والنقد العلمي.

 

ومن أسباب ضياع نص القرآن -كما يتصور أركون- أن الصحابة لم يكونوا أمناء في نقل القرآن من قراءة الرسول إلى التدوين، كما يقول أركون:

 (الخطاب القرآني-وهو- البلاغ الشفهي من الرسول في مواقف استدعت الخطاب، ولن تنقل جميعها بأمانة إلى المدونة الرسمية المغلقة) [نافذة على الإسلام، أركون، 65].

 

ويشير أركون دوماً إلى هذه القضية، وهي أن جمع القرآن فيه خلل يجب تصحيحه، كما يقول:

 (نحن نجد أنفسنا اليوم عاجزين أكثر من أي وقت مضى عن فتح الإضبارات التي أغلقت منذ القرنين الثالث والرابع الهجريين والتي تخص المصحف وتشكله) [الفكر الاسلامي قراءة علمية، أركون، 30].

 

ماسبق يدور حول تصور أركون لنقل القرآن، وأنه نقل محرف، وهو يكثر من طرق هذا الموضوع بصيغ متنوعة، لكن السؤال الآخر: دعنا مما يرى أركون أنه مفقود، ما رأي أركون في الموجود من القرآن حالياً؟

 

أما بالنسبة لمحتوى القرآن الموجود حالياً، فيرى أركون أن النبي –صلى الله عليه وسلم- اقتبس من الأساطير الموجودة في عصره وأدخلها باعتبارها قرآن، كما يقول أركون:

(إن أساطير غلغامش، والاسكندر الكبير، والسبعة النائمين في الكهف؛ تجد لها أصداء واضحة في القرآن) [الفكر الاسلامي قراءة علمية، 84].

 

ويرى أركون أن هذا هو عامة أسلوب النبي في القرآن وهو أسلوب استعمال الأساطير للتأثير على الأتباع، كما يقول:

(ينبغي القيام بتحليل بنيوي لتبيين كيف أن القرآن ينجز أو يبلور بنفس طريقة الفكر الأسطوري الذي يشتغل على أساطير قديمة متبعثرة) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 203].

 

ويتصور أركون أن القصص التي في القرآن أخذها النبي من التوراة مع شئ من التصرف والتعديل، كما يقول:

(مهمة التحليل التاريخي لا تتركز في الكشف عن المؤثرات التي أتت من مصدر موثوق وصحيح وهو التوراة، وبالتالي إدانة الأخطاء والتشويهات والإلغاءات والإضافات التي يمكن أن توجد في النسخة القرآنية بالقياس إلى النسخة التوراتية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 130].

 

وأما المعلومات الأخرى التي تضمنها القرآن فيرى أركون أننا لو درسنا التاريخ لوجدنا أن القرآن فيه مغالطات تاريخية وأخطاء في تصوير الواقع، كما يقول أركون:

(ينبغي القيام بنقد تاريخي لتحديد أنواع الخلط، والحذف، والإضافة، والمغالطات التاريخية؛ التي أحدثتها الروايات القرآنية بالقياس إلى معطيات التاريخ الواقعي المحسوس) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 203]

 

ويرى أركون أن القرآن ظلم المشركين وقسا عليهم دون مبرر، حيث أقصاهم ولم يقدم أي مسوغات لهذا الإقصاء، كما يقول أركون:

(نلاحظ أن وصف المعارضين يختزل إلى كلمة واحدة هي “المشركون” لقد رُمُوا كلياً ونهائياً وبشكل عنيف، في ساحة الشر والسلب والموت، دون أن يقدم النص القرآني أي تفسير أو تعليل لهذا الرفض والطرد) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 96].

 

ويرفض أركون المقولة التي تقول إن المشكلة في الاسلاميين المتطرفين وليست في القرآن، بل يرى أن القرآن هو المسؤول عن إنتاج التطرف، كما يقول أركون:

(إن الأرثوذكسيات الحالية، أقصد الحركات الاسلاموية الناشطة حالياً، إذ تغلب دكتاتورية الغاية السياسية ؛ هي في الواقع مخلصة لسورة التوبة، شكلاً ومضموناً، روحاً ولفظاً) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 96]

 

ويؤكد أركون بشكل متكرر عن مسؤولية القرآن فيما يرى هو أنه تطرف إسلاموي، كما يقول أركون:

(إن الحركات الإسلاموية المعاصرة، بدأً من الإخوان المسلمين، وانتهاءً بالمحاربين الإيرانيين، مروراً بالتنظيمات الأكثر هيجاناً وعنفاً كالتكفير والهجرة؛ تشهد كلها بشكل ساطع على ديمومة النموذج القرآني وفعاليته، على الأقل من الناحية التعبوية والتجييشية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 106].

 

وفي مواضع أخرى يؤكد أركون أن القول بأن المشكلة في الاسلاميين وليست في القرآن، أن هذا تعامي عن أصل المشكلة، بل المشكلة عنده في القرآن ذاته، يصرح أركون بشكل أعم حول مسؤولية القرآن عن إنتاج التطرف فيقول:

(إنه لشئ أساسي أن نفهم أنه منذ المرحلة القرآنية راحت تتجمع وتتشكل كل عناصر الأرثوذكسية الإسلامية الصارمة) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 96].

 

وأما مسألة العنف فأركون يرى أنها ليست مجرد قراءة إسلاموية للقرآن كما يقوله كثير من العلمانيين، بل أركون يرى أن القرآن هو الذي يولد العنف، ولذلك لما استعرض قوله تعالى في سورة التوبة “فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد” قال أركون:

(لقد اخترت الانطلاق من هذه الآية لأنها تشكل بالنسبة لسورة التوبة؛ الذروة القصوى للعنف الموجه لخدمة المطلق، الله المطلق) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 93]

 

وأما مايقوله العلمانيون من أن العلوم الدينية تضاد العقل، فأركون يرى أن المشكلة ليست في علماء هذه العلوم الدينية، وإنما المشكلة في القرآن نفسه، فالقرآن هو المسؤول عن إنتاج علوم تضاد العقل، كما يقول أركون:

(لقد لعب القرآن الدور الحاسم الذي نعرفه في توسع وانتشار ما لا نزال نمارسه الآن تحت اسم العلوم الدينية بصفتها مضادة للعلوم العقلية) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 58].

 

ويزيد أركون حدة التصعيد في التنديد بالقرآن ويرى أن أسلوب القرآن أسلوب متشنج ومكرر كما يقول عن أسلوب القرآن في سورة التوبة أنه:

(يأتي تارةً على هيئة تكرار زائد، أو تبسيطات، أو تشنجات قاسية، تطلبتها طبيعة الظرف التاريخي، كما هو الحال في سورتنا هذه) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 103].

 

ويرى أركون أن النقد الفيلولوجي استطاع أن يكشف القصور في أسلوب القرآن كما يقول:

(لقد ذهب النقد الفيلولوجي إلى حد التقاط وكشف النواقص الأسلوبية في القرآن) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 201].

ولأركون موقف معروف من النقد الفيلولوجي، فهو يرى أنه مفيد، لكن يجب عدم الاقتصار عليه.

 

ولذلك لا يجد أركون أي حرج نفسي في أن يصف القرآن بأنه “فوضوي” بلغة إزرائية كما يقول:

(بالنسبة لعقولنا الحديثة المعتادة على منهجية معينة في التأليف والإنشاء والعرض القائم على المحاجّة المنطقية؛ فإن نص المصحف وطريقة ترتيبه تدهشنا بفوضاها) [الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، أركون، 86].

 

 

حسناً .. سنتوقف عن عرض المزيد من الشواهد حول موقف أركون من كون القرآن قد ضاع منه الكثير، وما تبقى منه أسطوري ويبث العنف ويضاد العقل، سنتوقف لنطرح سؤالاً آخر يبدوا لي أنه الآن يدور في ذهن القارئ بشكل ملح، السؤال هو: كيف يتجرأ أركون على القرآن بهذا الشكل؟ ما الذي يجعله يندفع في إدانة القرآن بهذه البساطة؟

 

في تقديري الشخصي أن السبب الجوهري الذي يجعل أركون يتعامل مع القرآن بهذه الحدة والتشنج هو أنه غير مقتنع أن هذا القرآن من الله -جل وعلا- أصلاً، فأركون يستغرب كثيراً ممن يعتقد أن هذا القرآن كلام نزل من الله، ولذلك يقول أركون مثلاً:

(أصبحوا يقدمون الخطاب القرآني، لكي يُتلى ويُقرأ ويُعاش، وكأنه الكلام الأبدي الموحى به من قبل إله متعالٍ) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 146]

 

فصحة نسبة القرآن إلى الله يعتبرها أركون معضلة، تشابه معضلات النصارى التي لم يجدوا لها حلاً، حيث يقول أركون:

(معضلة عويصة مشتركة لدى المسيحية والإسلام، أقصد تاريخية بعث يسوع المسيح، والصحة الإلهية للقرآن) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 45].

 

ولذلك يعتبر أركون أن مسألة نسبة القرآن إلى الله هي “مزاعم تقليدية” يجب تجاوزها، كما يقول:

(لكي أفتتح حقلاً جديداً من التفكير تصبح فيه المزاعم التقليدية للمسيحية والإسلام معاً مُتَجاوزة، عن طريق دراسة مشاكل ماقبل البعث، والصحة الإلهية للقرآن) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 46]

 

 

ويشير أركون إلى الأدلة التي استدل بها القرآن والنبي –صلى الله عليه وسلم- على صحة نسبة القرآن إلى الله، وهي كون هذا القرآن “معجز” لا يأتي به بشر، ولكن أركون يرى أن هذا دليل غير كافٍ للاعتقاد بكون القرآن من الله، وإنما هذه –بحسب رأيه- مجرد تبجيل للقرآن من أتباعه، كما يقول أركون:

(نلاحظ أن كل نظرية الإعجاز، أو الأصل الإلهي للقرآن؛ تشهد على الانتقال السري الخفي من مشكلة فكرية مثارة في الحالتين، أي حالة البعث وحالة القرآن؛ إلى حلول تبريرية وتبجيلية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 47]

 

ولكن الذي يدهش أركون أن المسلمين لا يعيرون هذه القضية شأناً، بل يعيشون مع القرآن ويستهدون به ولا يشكّون في نسبته إلى الله، ولايشكل لهم أزمة، فهو يلاحظ أن المسلمين متجاوزين لهذا السؤال أصلاً، وهذا أمر يزعج أركون، لأنه غير مقتنع بذلك، ويريد أن تكون للمسألة صدى، يريد أن يعتبر المسلمون أن هذا سؤال ملح فعلاً ولا يوجد فيه يراهين حقيقية، كما يقول أركون:

(وبسبب أن القرآن قد أصبح حقيقة معاشة من قبل المسلمين، على كل مستويات الوجود الفردي والجماعي، فإن أي تساؤل يتعلق بمدى صحته كوثيقة تاريخية يصبح مسألة ثانوية أوهامشية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 129].

تهميش هذا السؤال، والاعتقاد الجازم بأن القرآن من الله؛ أمر كرر أركون تأذيه منه.

 

وتبعاً لكونه يستغرب من اعتقاد المسلمين بنسبة القرآن إلى الله، فهو -أيضاً- يستغرب وبنفس الدرجة كون المسلمين يعتقدون أن الشريعة من الله، كما يقول أركون:

(السؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف حصل أن اقتنع ملايين البشر أن الشريعة ذات أصل إلهي؟) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 296].

 

وهاتان القضيتان السابقتان كانتا واضحتان بشكل مبكر لدى أركون؛ أعني صحة نقل القرآن إلينا عبر المصحف، وصحة نسبة هذا القرآن إلى الله، فكلا المسألتين كان أركون يعاني فيهما من توترات وشكوك وارتيابات، كما يقول في توضيح العناية بكلا المسألتين:

(ينبغي التمييز بين الصحة التاريخية للمصحف، والصحة الإلهية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 83]

 

أعتقد أن سلسلة الأسئلة سوف تتابع، دعنا ننتقل إلى سؤال أعلى من السؤال السابق: طالما أن أركون يرى أنه لايوجد براهين كافية على صحة نسبة القرآن إلى الله، (وأظن أن مسألة الصحة الإلهية للقرآن هي أول بحث نشره ولست متأكداً من ذلك)، فإن السؤال الذي يلي ذلك: هل أركون إذن مؤمن بالله، أم لديه إشكالية في هذا الأمر أيضاً؟

 

الحقيقة أن أي قارئ لكتابات أركون يدرك أن الرجل كان لديه قلقاً كبيراً حيال مسألة الإيمان بالله، تارة يقترب من هذا السؤال بشكل مباشر، وتارة يرى أنه سؤال غير مهم، سواءً إيجاباً أو سلباً، وإنما المهم الوظيفة التي يؤديها الاعتقاد (المنهج الوظيفي في دراسة الأديان)، ومع ذلك كله فلا يرتاب قارئ لكتابات أركون أن الرجل كان يعاني من حيرة شديدة في هذا الموضوع تلمس حرارتها بين السطور.

 

سأضرب بعض الأمثلة التي توحي بهذه الحيرة، ففي أحد المواضع من كتبه كان أركون يعتبر أن مفهوم (الله) إنما اخترعه النبي والصحابة ليصارعوا به خصومهم السياسيين في الجزيرة، كما يقول أركون:

(نلاحظ أن الجماعة الجديدة الطالعة قد بلورت مفهوم “الله” من جديد، ليس من أجل مضامينه الخاصة الصرفة، وإنما بالدرجة الأولى من أجل تسفيه طريقة استخدامه من قبل أهل الكتاب) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 101].

 

ولذلك يرى أركون أنه لا وجود “فعلي” لإله ثابت في الخارج، وإنما هو وجود ذهني في عقول الناس يتغير طبقاً لتغير تصوراتهم الذهنية، كما يقول أركون:

(على عكس ما تظن المسلمة التقليدية التي تفترض وجود إله حي ومتعالٍ وثابت لا يتغير؛ فإن مفهوم “الله” لا ينجوا من ضغط التاريخية وتأثيرها، أقصد أنه خاضع للتحول والتغير بتغير العصور والأزمان) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 102].

 

وتحويل مفهوم (الله) إلى معنى ذهني مجرد لا وجود له في الخارج اتجاه مطروق بكثرة في الفلسفات الإلهية القديمة (يمكن مطالعة مناقشة الإمام ابن تيمية لهذه القضية في الصفدية حين تعرض لقول ابن سينا أن واجب الوجود هو المطلق بشرط الإطلاق: 1/297 تحقيق رشاد سالم.)

 

ونتيجة لهذه الحيرة الأركونية في مسألة وجود الله فإن أركون لا يجد غضاضة في التعبير عن الله بألفاظ غير مؤدبة، وهذا كثير في كتبه، ومن أمثلة ذلك قوله:

(الله نفسه ينخرط مباشرة، حتى في المعارك السياسية، ضد أعدائه) [الفكر الاسلامي قراءة علمية، أركون، 147]

 

مثل هذه الأساليب في التعامل مع القرآن، ومع الله جل وعلا؛ لا تدع مجالاً للشك أن الكاتب يعاني من قلق كبير في الإيمان بهذه القضايا، يستحيل أن يكون القلب معموراً بالإيمان ويتلفظ بعبارات غير مؤدبة تجاه ربه، وكتاب ربه.

 

حسناً .. أخي القارئ ضع في ذهنك الآن ما يقوله أركون من أن: القرآن بعضه مفقود في خزائن الرافضة في الهند واليمن، وأن علماء الإسلام تلاعبوا بالقراءات القرآنية، وأن الصحابة لم يكونوا أمناء في تدوين القرآن، وأن النبي أدخل في القرآن الأساطير، وقصص التوراة بعد أن شوهها، وأن القرآن فيه مغالطات تاريخية، وأن القرآن قسا على المشركين دون مبرر، وأن القرآن هو الذي ينتج التطرف، والعنف، ومضادة العقل، وأن أسلوب القرآن فيه قصور وتكرار زائد وتشنج، وأنه لا يوجد أدلة على صحة نسبة القرآن إلى الله.

 

ضع ما سبق كله في ذهنك، ثم استحضر كيف عرضت الصحافة السعودية أركون بأنه المجدد الأكبر للإسلام، وأحد المجاهدين لمكافحة الظلام وإحلال النور في عالمنا العربي، وأنه مشعل حقيقي، وأنه أحد حكماء الاسلام الكبار، وأحد الهامات الفكرية، والمدافع عن القيم النبيلة.

 

أعرف أخي الكريم أن جوفك يتقاطر مرارةً الآن، وحُق لك ذلك والله، فليس سهلاً أن ترى صحافة بلاد الحرمين وجزيرة الإسلام ومنطلق دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب تبجل وتلمع وتكرم من يهين كتاب الله جل وعلا.

 

أعرف أنك –يا أخي الكريم- تتساءل الآن كما تساءلتُ مثلك: إلى أين يريد أن يذهب بنا هذا الإعلام التغريبي ياترى؟ حتى كتاب الله لم يعد له كرامة؟

 

على أية حال.. الشواهد والمعطيات حول موقف أركون من القرآن كثيرة، وكثيرة جداً، بسب أن أساس ما يسمى مشروع أركون إنما يدور حول القرآن، بمعنى آخر فإن ما يسمى مشروع أركون يرتكز كله حول هدف ووسيلة، فأما (الهدف) فهو: تحرير المسلمين من القرآن ليستطيعوا أن يصلوا إلى الحداثة، وأما (الوسيلة) لتحقيق هذا الهدف فهي: تطبيق العلوم الإنسانية على القرآن، لنحقق ماحققه الغرب في تجاوز الكتاب المقدس. هذا باختصار مكثف كل ماتدور حوله كتابات أركون.

 

ولكن برغم كثرة كلامه حول القرآن إلا أننا يجب فعلاً أن نتوقف عن عرض المزيد من الشواهد، فأظن القارئ المسلم المعظم لله وكتابه لم يعد يطيق أكثر من ذلك، وإنني أشعر أن لهيب الغيرة لله وكتابه قد بلغت غايتها في قلب القارئ الآن، لذلك من الأفضل أن ننتقل لسؤال آخر:

 

ما هو تفسير تشكُّل تصورات وعقيدة أركون بهذه الصورة شديدة الحدة تجاه القرآن ذاته؟ لماذا أعلن أركون الحرب على القرآن منذ أكثر من نصف قرن؟ هذا سؤال يحتاج فعلاً إلى إجابة، وفي تقديري الشخصي أن هناك ثلاثة عوامل صاغت، أو وجّهت على الأقل، بوصلة اعتقادات أركون إلى هذا الاتجاه، وهي: (الطفولة الكنسية، والتشرب الاستشراقي، والعقدة العرقية) وسنحاول إلقاء الضوء على هذه العوامل الثلاث في المحاور القادمة.

 

-مفعول الطفولة الكنسية:

في عام 1868 م أنشأ الكاردينال الكاثوليكي “لافيجري” جمعية علنية في الجزائر عُرِفت باسم الآباء البيض (White Fathers) ، وسبب تسميتهم بهذا الإسم أنهم قرروا أن يلبسوا أردية بيضاء بهدف التناغم مع البيئة الاجتماعية، فأُطلِق عليهم هذا الاسم، ولهم صور فوتوغرافية مبكرة نشروها في كتبهم التي كتبوها عن هذه الحركة يظهرون فيها بهذه الأردية البيضاء.

 

وقد كتب عن هذه الجمعية بغزارة كلا الطرفين، أعني مؤرخي الجزائر ومؤرخي الكنيسة على حد سواء، وممن كتب عنها مؤرخ الجزائر الأشهر ابوالقاسم سعد الله صاحب الموسوعات في تاريخ الجزائر (تاريخ الجزائر الثقافي عشر مجلدات، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر خمس مجلدات، وغيرها) ، وكُتِب عن تاريخ لافيجري منشئ الجمعية كتب خاصة مثل دراسة الأستاذ سعيدي مزيان، وهي رسالة ماجستير بعنوان (النشاط التنصيري للكاردينال لافيجري في الجزائر).

 

وكان الآباء البيض –كما جاء في تاريخهم- يستهدفون مناطق البربر (منطقة القبائل) بعناية أكثر، وفي مدينة وهران (شمال غرب الجزائر) أنشأ الآباء البيض مدارس لتحقيق أغراضهم ضمن أنشطة أخرى.

 

والحقيقة أن الكتابات عن نشأة أركون وطفولته محدودة، ولكن الباحثة د.أورسولا قامت بإعداد رسالتها للدكتوراة عن أركون في جامعة هامبورج في ألمانيا، ثم طرحت خلاصة لهذه الدراسة باللغة الانجليزية ضمن كتاب يرصد النشاط العلماني في الأوساط السنية، بعنوان:

(Modern Muslim intellectuals and the Quran ).

 

عرضت الدكتورة أورسولا فصلاً استعرضت فيه السيرة الذاتية لأركون، وتبرز أهمية هذه السيرة من جهتين: أن أركون هو أحد مدراء المعهد الذي رعى الدراسة، وأن الباحثة أخذت من أركون مباشرة عبر حوارات ومراسلات كما ذكرت ذلك.

 

في هذه السيرة الهامة (p.127) يذكر أركون بأنه من (البربر)، وأنه ولد في عام 1928م في قرية (تاوريرت ميمون) ونشأ في عائلة فقيرة، وكان والده يملك متجراً صغيراً في قرية اسمها (عين الأربعاء) شرق وهران، فاضطر ابنه محمد أن ينتقل مع أبيه، ويحكي أركون عن نفسه بأن هذه القرية التي انتقل إليها كانت قرية غنية بالمستوطنين الفرنسيين وأنه عاش فيها “صدمة ثقافية”، ولما انتقل إلى هناك درس في مدرسة “الآباء البيض” التبشيرية، والأهم من ذلك كله أن أركون شرح مشاعره تجاه تللك المدرسة حيث يرى أنه (عند المقارنة بين تلك الدروس المحفزة في مدرسة الآباء البيض مع الجامعة، فإن الجامعة تبدو كصحراء فكرية) [p.128].

 

وقد لفت أركون انتباه المبشرين، وظهرت محطة أخرى من الرعاية الكنسية، وهي دور المستشرق/المبشّر لويس ماسينيون، فبعد محطة (الآباء البيض) جاءت محطة (المبشر ماسينيون)، وماسينيون ليس مستشرقاً علمانياً ككثير من المستشرقين، بل الحقيقة أن أكثر مشاهير المستشرقين علمانيين، لكن ماسينيون لم يكن كذلك أبداً، بل كان مجاهراً بكاثوليكيته والدعوة إليها وقيادة مؤسسات تبشيرية بكل وضوح، وكان من أهم الأفكار التي يروجها ماسينيون، واشتهر بذلك، هو إمكانية تأصيل المسيحية من داخل الإسلام ذاته، أي الاستدلال على عقائد المسيحية بالقرآن، ولذلك كان الراحل ادوارد سعيد، برغم أنه معجب بموسوعية ماسينيون، إلا أنه تحدث عن “تدينه العميق” ثم قال عنه:

(ماسينيون يؤمن بإمكان اختراق عالم الإسلام، لا من طريق الدراسة العلمية فحسب، بل بتكريس النفس لجميع أنشطة ذلك العالم، ولم يكن أقلها أهمية عالم المسيحية الشرقية داخل عالم الإسلام، وكان ماسينيون يشجع بحرارة إحدى جماعاتها الفرعية، وهي جمعية البدلية الخيرية الكاثوليكية) [الاستشراق، إدوارد سعيد، ص 411، ترجمة عناني].

 

ولما رأى ماسينيون الحلاج صوفياً تأملياً انتهت حياته بالصلب، استولى عليه نموذج الحلاج باعتباره شبيها بما يعتقده في المسيح، وهو أنه ضحى بنفسه للصلب، فكرس سنوات كثيرة لجمع المادة عنه، وأخرجها في كتاب موسوعي ترجم إلى اللغة العربية (شرح مراحل تأليف الكتاب ع.بدوي في موسوعته)، وكان ماسينيون يرى أن الحلاج هو أعظم إنسان في الإسلام، وأنه استطاع أن يتفوق على النبي محمد الذي لم يقبل الصلب، يشرح إدوارد سعيد دلالات هذه الفكرة لدى ماسينيون قائلاً:

(كان ماسينيون يرى أن الشخص المثالي هو الحلاج، الذي حاول تحرير ذاته بسعيه ووصوله آخر الأمر إلى الصلب، وإن محمداً رفض عمداً الفرصة التي أتيحت له بسد الفجوة التي تفصله عن الله، ومن ثم فإن إنجاز الحلاج يتمثل في تمكنه من تحقيق الوحدة الصوفية مع الإله) [الاستشراق، إدوارد سعيد، 413، ت عناني].

 

وأما المنصب السياسي الذي كان يعمل فيه ماسينيون فهو مستشار الادارة الفرنسية الاستعمارية للشؤون الاسلامية، ويبدأ الدور الذي لعبه ماسينيون في كون ماسينيون هو الذي تدخل شخصياً لكي ينتقل أركون إلى السوربون، ودرس هناك على ماسينيون وغيره، ولما أعلنت وفاة أركون كان من أطرف ما في الأمر أن الذي أعلن الوفاة لوسائل الإعلام هو الأب المسيحي كريستيان ديلورم، وهو الذي شرح حيثيات وصية أركون بأن يدفن في المغرب، وليس في الجزائر، ووصفته وسائل الإعلام بأن الأب ديلورم مقرّب من أركون، وكان مما قاله ديلورم (أن أركون درس في السوربون بتدخل من الدكتور ماسينيون)، وهذا كان ظاهراً في إعلانات وفاته في وسائل الإعلام في الأسبوع الماضي.

 

ثم لما درس لدى ماسينيون في باريس ظهرت آثار أفكار ماسينيون على أركون، مثل مركزية مفهوم الديانات الابراهيمية، وانتقاص اللغة العربية، والكتابة عن الحركات السرية، فكل هذه المشاغل التي عمل عليها ماسينيون رددها أركون لاحقاً.

 

حسناً .. حين نضع هذا الاهتمام الذي كثفه ماسينيون تجاه أركون في كفة، حيث تدخل ليدرس أركون في السوربون، ونقارن في الكفة الأخرى الاضطهاد الذي كثفه ماسينيون ضد مالك بن نبي بسبب توجهاته الإسلامية، فإن الصورة ستكون أكثر وضوحاً.

 

وقد روى مالك بن نبي قصة الضغوط والعراقيل والملاحقات التي نفذها ماسينيون ضده بشكل مختصر في كتابه القديم (مذكرات شاهد للقرن) وشرحها باستفاضة في كتابه الصادر أخيراً بعد موته (العفن) وهو جزء من سيرته الذاتية.

 

بدأ اضطهاد ماسينيون لمالك بن نبي بعد أن ألقى مالك بن نبي محاضرة في باريس على الطلبة الجزائريين والعرب بعنوان (لماذا نحن مسلمون؟) عام 1931هـ، وبعد ثلاثة أيام وصل إلى مالك رجل أمن، عرفه بهويته، وقال له: من الذي ينفق عليك؟ فقال له مالك: والدي. ثم انصرف رجل الأمن مباشرة.

 

ثم تلقى مالك استدعاء من ماسينيون، فاستغرب مالك بن نبي من صيغة الدعوة من كونها غير مباشرة وفيها فوقية، فلم يأبه لها. وبعد زمن قصير وصل إلى مالك خبر من أبيه في الجزائر يخبره فيه أنه يعاني من مضايقات في عمله ويحتاج تدخل ماسينيون لإصلاح وضعه، وانتهت هذه المضايقات بخروج أبيه من وظيفته وضياع حقوقه وهو في الثمانين من العمر.

 

يقول مالك بن نبي بمرارة عن حادثة رجل الأمن:

(لم أضع في ذهني أي صلة بين هذا الحادث التافه ومحاضرتي أمام الطلبة، وخصوصاً بينه وبين مركز أبي الموظف الصغير بالجزائر…، فتحطمت السمكة الصغيرة رخوة لينة بفتور على شفتي ماسينيون) [مذكرات شاهد للقرن، مالك بن نبي، 237-242 ].

 

دعنا نتوقف هاهنا لنتأمل الاستنتاجات المتوقعة، هذه الرعاية الكنسية لأركون منذ محطة الآباء البيض، ومروراً بمحطة ماسينيون، وخصوصاً دعم ماسينيون لأركون وحربه على مالك بن نبي، وانتهاءً بعلاقات أركون العميقة مع رجال الدين النصارى في باريس.

 

ماذا يمكن أن نستنتج من هذه المعطيات؟ أعتقد أن القول بأن أركون لديه ميول تنصيرية هو أطروحة في غاية السطحية، خصوصاً لمن طالع كتابات أركون وما فيها من العلمانية الجذرية التي تستخف بالأديان كلها.

 

إذن ليس هذا هو أثر هذه النشأة والدعم النصراني، وإنما مفعولها يقع في مستوى آخر، وهو أن هذه النشأة والدعم الكنسي منذ طفولته المبكرة وحتى إجراءات دراسته في فرنسا كان لها أثر جوهري في (تقويض الحواجز الإيمانية بين أركون والقرآن)، وهذا من أهم العوامل التي تفسر اندفاعه في التنديد بالقرآن والسخرية بمحتواه وأسلوبه، فالإخاء المبكر مع هؤلاء المنصرين وشكوكهم المستمرة في نسبة القرآن إلى الله، وأن النبي –صلى الله عليه وسلم- أخذه من التوراة والانجيل، وأن القرآن هو مصدر العنف؛ هذه الأفكار النصرانية كلها امتصها أركون وكررها في كتاباته، وإن كان في صيغة علماني لا نصراني.

 

-إعادة إنتاج الاستشراق:

تشرّب أركون كتابات المستشرقين، ثم أعاد إنتاجها في صيغ مختلفة، والجميل في الأمر أن أركون لا يخفي أبداً مديونيته الباهضة للمستشرقين، بل يجاهر بأنه لم يفهم القرآن إلا من دراسات نولدكة وطبقته، كما يقول أركون مثلاً:

((تقدم الدراسات القرآنية قد تم بفضل التبحر الأكاديمي الاستشراقي منذ القرن التاسع عشر) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 70].

 

ويؤكد دوماً الدعوة إلى تبني نتائج المستشرقين في نقد القرآن وشكرهم عليها، كما يقول أركون في لغة هتافية:

(لنكن متواضعين في ذات الوقت ولنعترف بمكتسبات العلم الاستشراقي وانجازاته، ولذا فإني أحيي بكل اعتراف بالجميل جهود ومكتسبات رواد الاستشراق) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 32].

 

وحاول أركون أن يعرض قائمة بأسماء الدراسات التي طورت الدراسات القرآنية (يعني بالتطوير محاولة إثبات أن نص القرآن محرف، أو أن الموجود منه أخذه النبي محمد من التوراة والانجيل، الخ) ولكن حين عرض هذه الأسماء التي تزيد على اسم عشرين باحثاً، تفطن إلى أن كل الأسماء المذكورة هم باحثون مستشرقون! ويبدوا أنه شعر بالحرج، ولذلك وبعد عدة صفحات رجع وقال:

(كنت قد ذكرت آنفاً لائحة بأسماء الباحثين الرواد، الذين ساهموا في الدراسات القرآنية بشكل علمي، وأدوا إلى تقدمها، وإلى تقدم معرفتنا العلمية بالقرآن، وربما كان القارئ قد لاحظ أني لم أذكر إلا أسماء مستشرقين، وعدم ذكري لأي مفكر مسلم يكفي لإلغاء دراستي هذه، أو الحط من قيمتها في نظر المؤمنين الأرثوذكسيين) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 39].

 

ولا يتوقف الأمر عند القرآن بل حتى العقيدة الإسلامية (التي يسميها التيولوجيا) يرى أنها تحتاج لإعادة نظر بعد أن درسها المستشرقون، كما يقول أركون:

(فيما يخص الإسلام، فإننا نجد أن أعمال هنري لاوست وهنري كوربان؛ تكفي للإقناع بالحاجة الملحة إلى افتتاح تفكير تيولوجي آخر ومختلف قائم على أسس جديدة كلياً) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 121].

والتيولوجيا في نظر أركون هي كما يقول (علم أصول الدين يطابق ما نسميه اليوم بالتيولوجيا)[الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 171].

وهكذا فإن أصول الدين تحتاج عند أركون لإعادة قراءة بعد أبحاث المستشرقَين لاوست وكوربان.

 

حسناً .. لماذا يرفض المسلمون دراسات المستشرقين التشكيكية حول القرآن؟ هذا سؤال أرّق اركون، وطرحه في أكثر من موضع من كتاباته، وهو يرى أن المسلمين يرفضون هذه الدراسات الاستشراقية لأنها لا تدعم الأساطير التي يؤمنون بها! كما يقول أركون:

(من هنا نفهم السر في رفض المسلمين، بالأمس واليوم، للعلم الاستشراقي المطبّق على دراسة الحديث والسيرة والقرآن، فهذا العلم يحط من قدر المعرفة الأسطورية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 175].

 

ويتحدث أركون بلغة حزينة مأتمية شفقةً على المسلمين لماذا يرفضون دراسات المستشرقين التي تشكك في القرآن، كتب أركون في هذه الشأن مقطوعات رثاء مبكية فعلاً، يرثي فيها لحالة المسلمين في يقينهم بالقرآن، ورفضهم تشكيكات المستشرقين، يقول أركون:

(حتّامَ يستطيع المسلمون أن يستمروا في تجاهل الأبحاث الأكثر خصوبةً وتجديداً؟ قصدت بالطبع أبحاث العلماء الغربيين الذين يدعونهم بالمستشرقين، أقول ذلك وأنا أفكر بأبحاث نولدكة، وجوزيف شاخت، وجوينبول عن الحديث النبوي، وغيرهم كثير، كلهم متجاهلون تماماً من قبل المسلمين، أو يُهاجمون من قبل الفكر الإسلامي دون تمييز. حتّامَ يُهملون، أو يُمررون تحت ستار من الصمت، أو يحذفون كلياً من الساحة الثقافية العربية أو الإسلامية؟ هل يمكن أن يستمر هذا الوضع إلى أبد الآبدين؟ ولمصلحة من؟) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 54]

 

بعد هذه المقطوعة البكائية لأركون، وهذا اللطم والتفجع على عدم قبول المسلمين لتشكيكات المستشرقين في القرآن والسنة؛ من المهم التنويه إلى أن أركون برغم أنه يتظاهر أحياناً بنقد (الاستشراق الفيلولوجي) في مقابل الانتصار لما يسميه (الاسلاميات التطبيقية) أي تطبيق كامل العلوم الإنسانية، لا الاقتصار فقط على المنهج الألسني الفيلولوجي كما اعتاد على ذلك الاستشراق التقليدي؛ إلا أنه ومع ذلك كله فهو لا يعتبر الاستشراق التقليدي تجاوز في نقد الاسلام، بل يعتبره قصر في النقد فقط!

 

لنأخذ أمثلة على ذلك: تجد خطاً جديداً من “بعض” المستشرقين الجدد يسعون لأن يكونوا منصفين مع الإسلام، ويتجاوزوا خطأ الاستشراق التقليدي، فتراهم يثنون على بعض جوانب الإسلام، كثنائهم على عظمة القرآن وأخلاقياته، وهذا الأمر يؤلم أركون، فهو لا يريد أي إنصاف للإسلام والقرآن، يريد المستشرقين أن يمارسوا نقداً جذرياً، تأمل معي كيف يلوم أركون هذه الظاهرة الجديدة، ويعاتبهم لارتكابهم جريمة إنصاف، كما يقول:

(نسجل هنا ظهور كتب عديدة في المكتبات الفرنسية والانكليزية وغيرها، مكرسة للاسلام التقليدي والثوري، إنها مؤلفات مجامِلة وتبجيلية، وهي تؤخر من مجئ لحظة التجديد للفكر الإسلامي) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 110].

 

وتجد “بعض” المستشرقين، وخصوصاً المتأخرين منهم، يحاول أن يكون محايداً في قضايا شرعية معينة، فينقل فيها أقوال علماء الإسلام دون أن يتدخل ليبدي رأياً شرعياً، باعتباره مجرد قائ من الخارج، هذا الأمر يزعج أركون جداً، فهو يحرض المستشرقين على أن لا ينقلوا آراء علماء الإسلام، ويطلب منهم التدخل وإنتاج عقيدة وفقه شرعيين، يقول أركون عن هذا الاتجاه:

(فيما يخص المستشرقين فقد لاحظنا ميلهم إلى مجرد نقل ما يقوله المسلمون عن الإسلام، من اللغة العربية إلى اللغات الأوروبية، بشكل موضوعي، ولكنهم لا ينخرطون في المراجعات والتجديدات المنهجية والابستمولوجية التي أصبحت ضرورية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 110].

 

من المزعج لأركون جداً أن يقترف المستشرق جناية الموضوعية مع الإسلام!

 

وهذا ليس خاصاً بالمستشرقين، بل أي مفكر غربي يكتب كلاماً فيه بعض الإنصاف للإسلام والقرآن يهاجمه أركون مباشرة، كما يقول مثلاً:

(نلاحظ اليوم ظهور تيار آيديولوجي في الغرب، يدّعي الانتماء إلى المراسيم الجامعية، والتمسك بالقيم الأكاديمية في البحث، ولكنه ينشر ويعمم في اللغات الأجنبية شعارات الخطاب الإسلامي المعاصر، وكلامه الردئ المبتذل. أفكر هنا بالمؤلفات التبجيلية التي كتبها معتنقون جدد للإسلام كروجيه غارودي مثلاً) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، ص14، وحاشية ص 43].

 

على أية حال .. فالمراد أن ما يصنعه أركون من نقد في بعض الأحيان للاستشراق، وخصوصاً الاستشراق التقليدي، ليس في جوهره تراجعاً عن التطاول الاستشراقي على القرآن، بل هو رغبة في زيادة التطاول، فهو مزايدة من أركون على المستشرقين، باتجاه المزيد من التهجم على القرآن، والتشكيك فيه.

 

ومن هذه الكتب الاستشراقية الحاقدة يبني أركون تصوراته، ولا يرى أي غضاضة في الإشادة والتنويه بها، بل يزايد عليها ويطلب منها المزيد والمزيد من التهجم.

 

أعتقد أن السؤال الموضوعي هاهنا: وما الإشكال في هذه الدراسات الاستشراقية التي ينوه بها أركون؟

الحقيقة أن هذا سؤال موضوعي يستحق الجواب عنه، لكن يستحيل قطعاً في هذه الورقة المختصرة عرض كل الشواهد على لا علمية هذا الطابور الطويل من المستشرقين الذي يجرجره أركون معه في كتبه، وأن دراساتهم مبنية على الشكوك المحضة والتلفيق والخلط، ومتأثرة بالمحضن الاستعماري والتبشيري الذي يمولها.

 

ولكن من الممكن أن نعرض نماذج مختصرة على ذلك، فلنأخذ أشهر رمز يؤكد أركون أنه لم يفهم القرآن فهماً علمياً إلا بعد قراءة كتابه، وهو تيودور نولدكة (Theodor Noldeke) المتوفي عام 1930م، والذي دشن موسوعة (تاريخ القرآن) والذي أصله رسالته للدكتوراة التي أنجزها عام (1858م ) وقد اهتم بهذا العمل وواصل تطويره شفالي وفيشر وبرجشتر، ومن بعدهم بلاشير، وغيرهم كثير.

 

سنأخذ عينات من هذا الكتاب المؤثر على عقول أجيال المستشرقين الغربيين، ومعيدي إنتاج الاستشراق من العرب، حيث يعتبرون هذا الكتاب أرقى دراسة استشراقية حول القرآن، خذ مثلاً نماذج من الكتاب حتى تعرف مدى الجدية العلمية:

(في حين أن سورة الفاتحة تظهِر قرباً كبيراً من الصلوات اليهودية والمسيحية، فإن لسورتي القسم –الفلق والناس- خلفية وثنية واضحة، إن الذي وضع هذه الصلوات في مكانها الحالي في القرآن أراد لها أن تكون نوعاً من جدار حماية له) [تاريخ القرآن، نولدكة، 274]

يشكك نولدكة في صحة كون الفاتحة والفلق والناس من القرآن، ويرى أن الفاتحة  مأخوذة من اليهود والنصارى، والفلق والناس مأخوذتان من الوثنية العربية.

 

ويقول نولدكة عن آية الرجم التي نسخ لفظها وبقي حكمها:

(لا يمكن أن تكون هذه الآية المسماة آية الرجم من القرآن لأن هذه القوانين الجزائية الرهيبة لم تظهر إلا بعد موت محمد) [تاريخ القرآن، نولدكة، 276].

يفترض أن رجم الزاني المحصن عقوبة تم اختراعها بعد وفاة النبي –صلى الله عليه وسلم- ولذلك لا يمكن تكون آية الرجم آية منسوخة لفظاً من القرآن.

 

ومن المسائل التي أظهر نولدكة عناية بتفسيرها هي: ما سر اختيار ابوبكر لزيد بن ثابت ليجمع القرآن؟ ويفترض نولدكه من جملة خيالاته أن ذلك بسبب أن زيد بن ثابت شاب صغير وسيكون ابوبكر قادراً على تطويعه بخلاف الموظفين كبار السن، يقول نولدكة:

(أما عن شباب زيد بن ثابت فثمة تفهم عند الدارسين لهذا الموضوع، إذا ينتظر المرء من شاب مطاوعة أكبر لأوامر الخليفة، من موظف كبير في السن وعنيد) [تاريخ القرآن، نولدكة، 251].

 

وضمن محاولة نولدكة للتشكيك في جمع القرآن في عهد أبي بكر افترض نولدكة قصة خيالية للوصول لذلك، وهي أن قصة جمع أبي بكر للقرآن قصة تمت صناعتها وفبركتها في سياق الصراع مع عثمان بن عفان، لتجريده من منقبة السبق! يقول نولدكة:

(بعد أن اضطر المؤمنون إلى التكيف مع الحقيقة المرة، وهي أن عثمان بن عفان، الحاكم العاجز وغير المحبوب، قد أصبح الأب الروحي للنسخة الرسمية للقرآن، أرادوا، على الأقل، منطلق المساواة، أن ينسبوا لسلفه، الذي يفوقه أهمية بمقدار كبير، جزءاً مما سبق من عمل على هذه النسخة) [تاريخ القرآن، نولدكة، 255].

 

هكذا يلاحظ القارئ أن البحث العلمي صار رخيصاً جداً، مجرد فرضيات وخيالات وشكوك وتوجسات، دون أية براهين أو معطيات حقيقية، ويعاملون الرواية المنخولة في البخاري التي تجالد في تمحيصها فحول المحدثين، بنفس الموثوقية التي يعاملون بها رواية نسجها الأصفهاني في كتاب الأغاني ذات مساء عليل، ويضيفون لذلك ما يتيسر من توهمات؛ ويسمون هذه العشوائية  تطوراً في البحث العلمي!

 

هذا الكتاب ذي النزعة الروائية التخيلية، أعني كتاب نولدكة عن تاريخ القرآن، هو الذي يقول عنه أركون بأنه زوده بـ”الفهم العلمي” للقرآن، ويتحسر بأن الجهود توقفت عن مواصلة مسار نولدكة!

 

على أية حال .. ماسبق كان عرضاً موجزاً لكيفية تشرب أركون للخطاب الاستشراقي في أسوأ صوره، وكيف أصبح يعيد إنتاج هذا الخطاب الاستشراقي في شكوكه التقليدية بصحة القرآن في نسبته إلى الله، وصحة نقل الصحابة له.

 

-العقدة العرقية:

يشكل (البربر) في الجزائر أحد أعمدة الإسلام الذين نصروه واعتزوا به، وكان منهم فقهاء تضلعوا في العربية والعلوم الشرعية، وواسطة العقد في هؤلاء فقيه الإصلاح الشيخ عبدالحميد بن باديس، وكان البربر –أيضاً- من أول من رفع راية الجهاد في سبيل الله ضد الاستعمار الفرنسي ومن أشهرها ثورة المقراني، ولهم فضائل ومناقب كثيرة لا يجحدها إلا مكابر.

 

ولكن كان هناك في الجزائر “بعض” الصراعات العرقية النابعة من شُعب الجاهلية والتي شجعها الاستعمار الفرنسي بكثافة لاستغلالها في بسط هيمنته، ونشأ في ثنايا هذه الظروف اتجاه علماني بربري حاقد لديه عقدة عرقية ضد الإسلام واللغة العربية باعتبارها دين ولغة العرب.

 

والحقيقة أن قراءة سلوكيات أركون تجاه القرآن واللغة العربية، ومشاعره التي نقلها عن نشأته؛ توحي بأنه كان يعاني من هذه العقدة العرقية ضد الإسلام واللغة العربية، يحكي أركون عن نفسه أنه (عندما انتقل إلى قرية عين الأربعاء واجه لأول مرة التهميش والازدراء لكونه ليس من الناطقين بالعربية ولا من الناطقين بالفرنسية، وكان عليه أن يعالج هذا الصراع الداخلي لهذا التمييز، سواءً كان هذا الرفض بسبب النظام الاستعماري، أو بسبب صراع المكانة الاجتماعية المختلفة بين الجزائريين العرب والجزائريين البربر).

[U. Gunther, Mohammed Arkoun, p.127]

 

ولذلك تجد كثيراً لدى أركون لمز اللغة العربية بسبب ارتباطها بالمفاهيم العقدية القرآنية، ويرى أنها مفاهيم ثقيلة تقيدها، في مقابل تفخيم شأن الفرنسية وحيويتها، يقول مثلاً:

(سوف يشيعون في الوقت ذاته العقبات المعرفية المتعلقة بالإرث اللاهوتي الثقيل للغة التي اختارها الله في القرآن، كانت هذه المحاجة قد ضغطت دائماً بشكل إيجابي لصالح التصور الذي يمتلكه العرب-المسلمون عن الدين واللغة) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 41]

 

وقد شرح مالك بن نبي –رحمه الله- شيئاً من ظروف ومعطيات تلك المرحلة، وكيف كانت المؤسسة الاستعمارية الفرنسية تغذي المشاعر العرقية لدى البربر ضد الإسلام، لصناعة ذراع بربري يخدم أغراضها الاستعمارية، يقول مالك بن نبي:

(بدأت باريس تعد عدتها لاستقبال زوار معرض المستعمرات، افتتح المعرض بعد أسابيع، وكان الزائر الذي يدخل من الباب الرئيسي يشاهد على يساره جناحاً لـ”الآباء البيض”، تعرض فيه نسخ العهد القديم والجديد، ويوزع فيه كتاب بعنوان “الرسائل الجزائرية” يتناول صاحبه المحامي الجزائري التقاليد الاسلامية بنقد فيه التشويه والتشنيع، كأنما أراد به الزلفى لدى الآباء البيض، وكان الأمر الأهم في المعرض بالنسبة للزوار الجزائريين كان بلا ريب كتاب “الرسائل الجزائرية” لأنه يندرج في تلك الملابسات التي كانت فيها الإدارة الاستعمارية تهئ “الظهير البربري” كخطوة أولى لتنصير مراكش) [مذكرات شاهد للقرن، مالك بن نبي، 228-232، مختصراً].

 

وهذه العقدة العرقية التي كان يعانيها أركون ضد العرب ولغة العرب ودين العرب؛ ربما تكون هي التي دفعته بشدة إلى تبني الهوية الفرنسية (هوية الغالب) للانتقام من الهوية العربية (هوية المغلوب)، وتشرب أركون للهوية الفرنسية بكل مكوناتها وأحاسيسها عملية غريبة فعلاً، وهي تستحق دراسة نفسانية، حتى أن أركون يتمثل نفس مشاعر الغرور الفرنسية في مواجهة بقية الهويات الغربية، ففي أحد كتبه التي ترجمت من الفرنسية إلى الانجليزية يمارس فيها ذات الاستعلاء الفرنسي التقليدي على القارئ الانجلوساكسوني، حيث يقول فيها مخاطباً الناطقين بالانجليزية:

(القراء باللغة بالانجليزية قد يكون يكونون أقل ألفة لهذه المفاهيم من القراء باللغة الفرنسية، وهذا عائد لكون الطلاب في المدارس الفرنسية يدرسون شيئاً من الفلسفة في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية).

[M. Arkoun, The Unthought in Contemporary Islamic Thought, 2002, pp. 15-16]

 

حتى أمريكا وبريطانيا واستراليا وكندا الخ لم تسلم من مزايدة أركون على الفلسفة الفرنسية، والنمط الفرنسي في المعرفة والفكر والتعليم!

 

ولكن العبودية تظل عبودية، والرق يظل رقاً، فحين نستعيد التاريخ ونتذكر أنه في الوقت الذي طُرِدت فرنسا وانتهى استعمارها للجزائر عام 1962م لم يكن أركون حينذاك صغيراً، بل كان عمره آنذاك  34 سنة، أي أنه عاش ثلث قرن تحت إهانة الاستعمار الفرنسي لهويته الجزائرية، ومع ذلك يتشرب هوية المستعمر بطريقة في غاية الغرابة.

 

كيف يبلغ الوضع بالمرء أن يحتضن في قلبه سيف من استعمره؟ لا أشك أن أركون كان مصاباً بمتلازمة استوكهولم ( Stockholm Syndrome)، ولذلك حين انتقده بعض الفرنسيين لمقالته عن قضية سلمان رشدي عام 1989م؛ طاش لبه وأصابته نوبة غضب غريبة، لماذا؟ لأنه يستنكر كيف يطعنون في ولائه للفرنسيين؟ وقد شرح ذلك مطولاً في كتابه (الإسلام، أوروبا، الغرب) وقد قال فيه كلاماً ذا دلالات عميقة على عمق مشاعر العبودية والرق التي يعيشها أركون في علاقته مع الفرنسيين، حيث يقول:

(في الوقت الذي دعوا إلى نبذي وعدم التسامح معي، راحوا يدعون للتسامح مع سلمان رشدي، وهذا موقف نفساني شبه مرضي، أو ردّ فعل عنيف تقفه الثقافة الفرنسية في كل مرة تجد نفسها في مواجهة أحد الأصوات المنحرفة لبعض أبناء مستعمراتها السابقة، لقد عشت لمدة شهور طويلة بعد تلك الحادثة حالة المنبوذ، يمكن للفرنسي الأصلي أن ينتقد أشياء كثيرة دون أن يحاسبه أحد، لكن الفرنسي ذا الأصل الأجنبي مُطالَب دائماً بتقديم أمارات الولاء والطاعة والعرفان الجميل) [الاسلام أوروبا الغرب، أركون، 105]

 

على أية حال .. هذه العوامل الثلاث –في تقديري الشخصي- هي من أهم العوامل التي صاغت تفكير أركون وحركته بهذا الاتجاه، وهي الطفولة الكنسية، والتشرب الاستشراقي، والعقدة العرقية.

 

لننتقل الآن إلى محاولة فهم الدور الذي لعبه أركون في فرنسا بعد ذلك.

 

-مفكر أم سياسي؟ :

في أواسط عام 1426هـ تقريباً التقيت بمفكر فرنسي مشهور متعاطف مع الحركات الإسلامية ويتحدث العربية، وطوال اللقاء لم أسأله إلا سؤالاً واحداً: ما هو موقع أركون في الساحة الثقافية الفرنسية؟ فتحفظ في الجواب أولاً، ثم قال كلاماً معناه أن أركون يعرض خدماته على الحكومة لخدمة أهدافها الثقافية، هذا معنى كلامه ولا أتذكر عبارته بالضبط.

 

منذ قال لي هذا المفكر هذه العبارة، بدأت أتنبه لمعطيات كثيرة لم أكن أتنبه لها مسبقاً حول شخصية أركون والدور الذي يقوم به.فمثلاً:

 

 ما سبب الكثرة المفرطة للجان الحكومية الفرنسية التي يعمل فيها أركون؟ لماذا توظفه الحكومة بهذا الشكل؟ ومنها لجنة الحكماء العشرين التي وضعه شيراك فيها، والتي أقرت منع النقاب، ودافع هو عن هذا القرار الإجرامي في وسائل الإعلام.

ما سبب كون أركون يكثر في كتبه من القول بأن هذا مشروع ضخم، ولكنه يحتاج إلى باحثين ومؤسسات، وسيكون له دور كبير في علمنة المسلمين، الخ هذه الرسالة التي توحي بطلب التمويل يوجهها لمن؟

 

ماسبب كون أركون يدخل بنفسه على المسؤولين الفرنسيين الكبار يطالب بإقامة مؤسسات بحثية لمشروعاته كما يقول عن نفسه (طلبت لقاء “ميتران” في قصر الاليزيه لكي أشرح له ضرورة تأسيس معهد كبير للدراسات الإسلامية في فرنسا على غرار المعهد الكاثوليكي أو المعهد البروتستانتي) [صحيفة الراية القطرية، 21فبراير2010 ]

 

ما سر هذا النفوذ لأركون في المؤسسات الأكاديمية الفرنسية حتى أنه يملك الترشيحات للمفكرين العرب الذين ينسجمون مع توجهاته؟

 

يذكر بعض المراقبين أنه لما انتشر في المغرب علاقة أركون بالتمويلات الفرنسية نشط كثير من المرتزقة في الثناء على أركون ومحاولة الارتباط به، وقد نقل هذه الظاهرة المخزية المفكر الإسلامي المغاربي محمد بريش، فحين بدأ يلمع نجم أركون مطلع الثمانينات لفت ذلك نظر الدكتور بريش، فبدأ برصد كتاباته باللغة الفرنسية وحضر دروسه بل وذهب لبعض أقاربه وسألهم عنه، ثم أنجز دراسة بدأ بنشرها على شكل حلقات في مجلة الهدى، وعمر هذه الدراسة الآن أكثر من ربع قرن! يقول الدكتور بريش شارحاً ظروف بحثه:

 (هذه الورقات حررت سنة 1985 ميلادية، كانت الغاية منها الوقوف في وجه تيار يريد أن يحد من بلورة شعب الدراسات الإسلامية حديثة النشأة في الجامعات بالمغرب، والملاحظ من فجاءة نمو نشاط أركون على أصعدة متعددة، ولمعان إعلامي مصاحب له، أن الأستاذ قد امتطى الفرس المسرج له من منبر السربون لإنجاز بعض المهام هي في الأساس فكرية، لكنها بفضل ما حشد لها من وسائل وترويج أضحت إيديولوجية، وازداد الأمر لدي إلحاحا لما علمت أن عددا من الأساتذة يرغبون في تسجيل أطروحة الدكتوراه بإشراف الأستاذ الفاضل لمجرد الحظوة بمباركة الجهات التي تدعمه) [د.بريش، حاشية على بحث: دراسة فكر الدكتور أركون]

 

مفكر وباحث مشهور بحجم جورج طرابيشي يتحدث عن أركون بصيغة توحي بالنفوذ السياسي لأركون، كما يقول طرابيشي: (قُيّض لي إثر هجرتي إلى فرنسا عام 1984 أن ألتقيت أركون شخصياً وأن أحظى بموافقته لتقديم أطروحة دكتوراه إلى السوربون تحت إشرافه)[الحياة 16سبتمبر 2010]

 

وتزداد هذه الملاحظات السابقة تعزيزاً إذا استحضرنا الفارق الجوهري بين تعامل (السياسي الفرنسي) مع أركون، وتعامل (المثقف الفرنسي) مع أركون، فالسياسي الفرنسي شديد الاهتمام بأركون ويضعه في مناصب ولجان حكومية كثيرة، بينما المثقفون الفرنسيون لا يعيرونه اهتماماً، كما نراهم -مثلاً- شديدي الحفاوة بإدوارد سعيد، وقد روى أركون مرارته الشديد من إهمال المثقفين الفرنسيين لدراساته، واعتبارهم أن دراسات أركون ليس فيها إضافة، بل هي تكرار لما يقوله الفرنسيون أنفسهم، يقول أركون عن المثقفين الفرنسيين:

(يقولون لي –بشكل انتقادي ومعاكس- : ما الذي تفعله أنت؟ أنت تردد بشكل ناقص الأفكار والمواقع والانتقادات نفسها التي كنا نحن الغربيين قد بلورناها تجاه تراثنا الديني منذ زمن طويل، أنت لم تأت بشئ جديد، كل ما تفعله شئ تافه، مللنا منه، عفا عليه الزمن) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 23]

 

ويعبر أركون عن موقف المثقفين الفرنسيين وعدم احترامهم لبحوث أركون بصيغة أخرى فيقول:

(نلاحظ أن المثقفين الغربيين، أو قسماً كبيراً منهم، يحاولون جاهدين التقليل من أهمية مشروعي، بل واعتباره تحصيل حاصل) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 31].

 

بل وعبّر أركون عن ازدراء المثقفين الفرنسيين له بطريقة تستدر الرحمة بصراحة، حيث يقول:

(عندما قدمت هذا المشروع لأول مرة عام 1984 م لم أكن قد وصلت إلى هذا المستوى من المرارة والخيبة فيما يخص العلاقة مع الباحثين الغربيين) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 32].

 

حين نوازن بين عناية المؤسسة السياسية الفرنسية بأركون، في مقابل ازدراء المثقفين الفرنسيين لأركون واعتباره ليس لديه جديد ولا إضافة؛ فإن ذلك يطرح السؤال من جديد: هل أركون مفكر أم سياسي؟ هل هذا الحضور لأركون بسبب مؤهلات فكرية أم بسبب دور سياسي معين يقوم به؟

 

ومن تأمل هذه المعطيات السابقة ورأى التمجيد والتبجيل والتقديس الذي يريقه هاشم صالح على هوامش أركون، وكيف يصف بالعبقرية كلاماً عادياً جداً لأركون، وكيف يتظاهر هاشم صالح بالدهشة من كلام أركون العادي الذي يعرفه هاشم صالح قبل أن يقوله أركون أصلاً، وكيف وقف نفسه على ترجمة كتب أركون، برغم أن هاشم صالح قارئ جاد وليس بحاجة “فكرية” إلى هذا الدور التبعي الذي يقوم به وراء أركون؛ من تأمل ذلك كله فإنه سيتذكر حتماً عبارة الدكتور بريش، وأن هاشم صالح ليس جاداً أبداً في هذا الثناء، وإنما يبحث عن حظوة الجهات التي تدعم أركون لا أقل ولا أكثر.

 

ويتردد السؤال بصيغة أخرى: هل أركون “مثقف” أم مجرد “مدير ثقافي” تستعمله المؤسسة السياسية الفرنسية لترويج الآيديولوجية الفرنكفونية؟ ليس لدي جواب حاسم عن هذه الإشكالية، لكنها مجرد تساؤلات ومؤشرات تعزز ملاحظة ذلك المفكر الفرنسي.

 

أعتقد أننا أطلنا في استعراض الظروف التي شكلت أفكار أركون، والدور الذي يلعبه في الساحة الفرنسية، دعنا نعود إلى مناقشة بعض المكونات الفكرية لكتابات أركون.

 

-دعوى ابتكار (الإسلاميات التطبيقية) :

يكثر أركون من القول بأنه أول من نقد الاستشراق التقليدي بكونه لم يستفد من التطور في مناهج العلوم الإنسانية، وأن أركون لهذا الغرض سبك مفهوم (الإسلاميات التطبيقية) أي التي تطبِّق جميع مفاهيم العلوم الإنسانية، في مقابل (الاستشراق الكلاسيكي) الذي يستخدم مناهج تقليدية وخصوصاً الفيلولوجيا، أو المنهج الوصفي المحض فقط، ويُغرِق أركون في الثناء على نفسه بهذا الذي يراه منجزاً وسبقاً.

 

ويشير أركون كثيراً إلى الفرق بين الإسلاميات التطبيقية كما يقترحها، والاسلاميات الكلاسيكية كما يعمل عليها المستشرقون، كقول أركون مثلاً:

(من أجل أن نحدد مفهوم “الاسلاميات التطبيقية” فإنه من اللازم أن نذكر بالمساهمات التي قدمتها ماسنسميه “الاسلاميات الكلاسيكية” ) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 51].

 

ومن هذا التمدح الذي يكثر منه أركون قوله:

(دعوت إلى تجديد جذري لمنهجية الاستشراق الكلاسيكي، وإلى تطبيق أحدث مناهج العلوم الإنسانية على التراث العربي الإسلامي، ولكن لا سميع لمن تنادي، فزملائي المستشرقين لا يزالون مصرين على عدم الاكتراث) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 82].

 

حسناً .. عبارة (الإسلاميات التطبيقية) ،مصطلحاً ومضموناً، كلها مطروقة قبل أركون، ولم يأت بجديد، بل هوكلام مستهلك.

 

فأما عبارة (الإسلاميات التطبيقية) من حيث المصطلح، فهي كانت مجرد تطبيق مباشر لفكرة الفرنسي باستيد، وليس فيها أي ابتكار، فبعد أن أصدر الانثروبولجي الفرنسي باستيد كتابه الشهير (الانثروبولوجيا التطبيقية) عام 1971 كتب أركون بعده مقالة بعنوان (في الاسلاميات التطبيقية) عام1976.

 

يشير الدكتور واردينبيرج  -المتخصص في الإسلاميات- إلى ذلك، ويلمح إلى أن هذا المفهوم تحصيل حاصل، فيقول:

(أركون ربما سبك تعبير “الإسلاميات التطبيقية” بالقياس إلى تعبير “الانثروبولوجيا التطبيقية”، والتي كان الانثروبولوجي الفرنسي روجر باستيد أنتجها. بطريقةٍ ما، كل الاسلاميات، التي ليست أكاديمية نظرية، تشكل نوعاً من المعرفة “التطبيقية”، علاوةً على ذلك حتى المعرفة النظرية تلعب دوراً في المجتمع، وفي العلاقة بين الناس من مجتمعات مختلفة)

 [J. Waardenburg, Islam: historical, social, and political perspectives, p. 156   ]

 

 

ويقول الدكتور كريستين –محاضر الدراسات الإسلامية في كلية الملك في لندن- في بحثه عن الإسلام والتهجين الثقافي حين تعرض لأركون:

(برنامج “الإسلاميات التطبيقية” تم طرحه أولاً في عام 1973، ثم استفاض فيه أركون في مقالة بعنوان “لأجل إسلاميات تطبيقية” عام 1984. بينما كان هذا اللقب مأخوذاً من روجر باستيد “الانثروبولوجيا التطبيقية” عام 1973، فإن البرنامج التصوري يعتمد على الاستعارة من نطاق واسع من منجزات العلوم الإنسانية الغربية في القرن العشرين).

[C. Kersten, Islam, cultural hybridity and cosmopolitanism, JIGS]

 

وفي أول دراسة طرحها أركون في باريس عن مفهوم الإسلاميات التطبيقية؛ عقد فقرة بعنوان (مفهوم الإسلاميات التطبيقية) ابتدأها باقتباس مكون من أربعة أسطر من كتاب روجر باستيد (الانثروبولوجيا التطبيقية) مستنداً إليه في توضيح الفرق بين العلم والتطبيق، ثم قال أركون:

(لن نستعرض هنا كل التحليلات التي قدمها روجيه باستيد، لكننا ندعو القارئ بإلحاح إلى العودة إليها) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 54].

 

حسناً .. دعنا الآن من استعارة أركون للمصطلح من باستيد بشكل حرفي ومباشر، ولننظر في المحتوى والمضمون للفكرة، وهي نقد الاستشراق التقليدي بكونه متخلف عن ثورة العلوم الإنسانية، فهذه الفكرة –أيضاً- مطروقة قبل أركون، ففي الخمسينات والستينات كانت العلوم الإنسانية مزاج العصر، وكُتِب عن ذلك في شتى الاتجاهات.

 

وفي تقديري أن النقد الأهم هو ورقة عالم الاجتماع المصري (أنور عبدالملك) التي نشرها مطلع الستينات ونقد فيها الاستشراق التقليدي في جملة قضايا ومنها تخلف الاستشراق التقليدي عن تطور مناهج البحث العلمي في العلوم الإنسانية، وكان لهذه الورقة أصداءً حادة في الطرفين المؤيد والمعارض، وسماها بعض المراقبين الطلقة الأولى في نقد الاستشراق، والمؤرخون لنقد الاستشراق، وما يسمى (مدرسة النقد مابعد الكولونيالي) يشيرون دوماً إلى ورقة أنور عبدالملك باعتبارها افتتاحية هذا الاتجاه.

 

ففي شتاء عام 1963 نشر أنور عبدالملك أطروحته (الاستشراق في أزمة) في مجلة (ديوجين)، وهذه الورقة التاريخية تضمنت أربع قضايا أساسية: أثر المحضن الاستعماري لأبحاث الاستشراق، وخلل المستشرقين العلمي في طريقة جمع المعلومات والبيانات عن الشرق، وأن التحولات الدولية الجذرية (حركات التحرر، وظهور القوميات والدول الاشتراكية، الخ) تستوجب إعادة فهم الشرق من جديد، وقصور أدوات ومناهج الاستشراق عن تطور العلوم الإنسانية والاجتماعية.

 

ومما جاء في ورقة أنور عبد الملك قوله:

(أصبح المختصون –بل حتى عموم الناس- واعين فجأةً بالفجوة الزمنية، ليس بين علم الاستشراق والمادة المدروسة فقط، ولكن –أيضا-ً بين مفاهيم ومناهج وأدوات العمل في العلوم الانسانية والاجتماعية وتلك المستعملة في الاستشراق، الاستشراق التقليدي وجد نفسه غير متواكب مع تطور البحث العلمي، من أجل ذلك يجب التفكير في مجمل الإشكالية بصورة جديدة)

[A. Abdel-Malek, Orientalism in crisis, Diogenes, 1963, p.112]

 

وكان هذا هو روح تلك المرحلة أصلاً، حتى أنه في نفس الفترة التاريخية فإن مؤتمر المستشرقين غير اسمه من الاستشراق إلى العلوم الإنسانية، كما ينقل الباحث هوبينتي في بحثه عن ماضي وحاضر الاستشراق فيقول:

(في باريس في 1973 غير المؤتمر عنوانه من “المؤتمر الدولي للمستشرقين” إلى “المؤتمر الدولي للعلوم الإنسانية في آسيا وشمال أفريقيا” )

[T. Hubinette, Orientalism past and present]

 

لكن هناك طبعاً فارق جذري بين دعوة أنور عبد الملك المبكرة، ودعوة أركون اللاحقة، فأنور عبد الملك يرى أن ثورة العلوم الإنسانية والاجتماعية تفضح تجني الاستشراق على المسلمين، بينما أركون يرى أن ثورة العلوم الإنسانية تفتح المزيد للمستشرقين لإدانة المسلمين وتاريخهم وقرآنهم.

 

الوعي بتخلف مناهج المستشرقين عن ثورة الانثروبولوجيا أول من طرحه -فيما أعلم- هو الرائد أنور عبدالملك، ولكن شتان بين من يرى أن التطور العلمي يكشف تجني المستشرقين، وبين من يرى أن التطور العلمي يتيح المزيد من التجني للمستشرقين.

 

 

فلا أدري سر هذا التمدح الذي أصم أركون آذاننا به، طالما أن المصطلح والمضمون، كلاهما؛ مسبوقان، وبكثافة؟!

 

 

-إشكالية تطبيق العلوم الإنسانية على الوحي:

بغض النظر عن كون أركون مسبوق بنقد تخلف مناهج المستشرقين عن تطور العلوم الإنسانية، وبغض النظر عن كون أركون لم يقدم أي تطبيق حقيقي منظم لهذه الدعوة، بغض النظر عن ذلك كله؛ إلا أن هناك في هذه الدعوة الأركونية ثلاث إشكاليات قاتلة لم يستطع أركون ولا مشايعوه تقديم أي جواب مقنع حولها، وهي (الاستعمال الاستسلاحي، إهدار هامش التحيز، وتغييب خلافية المفاهيم) وسنستعرضها فيما يلي :

 

-الإشكالية الأولى: استعمال أركون لمفاهيم العلوم الإنسانية هو استعمال (استسلاحي) وليس استعمال (علمي) بتاتاً، أعني أنه لا يستخدم هذه المفاهيم العلمية للوصول لتفسير “علمي” لقضايا التراث، وإنما يستعملها كأسلحة وذخيرة للنكاية بما يسميه الإسلام السياسي، فالنتيجة موجودة مسبقاً، وإنما شعار العلوم الإنسانية هاهنا مجرد (استغلال) لوهج تطورها المعاصر.

 

أعني أن تحويل العلوم الإنسانية إلى أدوات قتالية ضد القرآن، هذا صنيع عقلية تبحث عن إحراز أهداف حركية/علمانية وليست تبحث عن العلم، ولذلك كان شحرور يدعي أنه يستخدم الرياضيات (نظرية المجموعات) ضد الخطاب الشرعي، وكان الماركسيون يدعون أنهم يستعملون الاقتصاد ضد الفكر الاسلامي، ونصر ابوزيد يدعي أنه يستخدم الهرمنيوطيقيا، وكل هذا دجل خالص وإنما هو استغلال علمانوي لأجزاء من بعض العلوم للتظاهر بالعلمية، وهكذا.

 

ونتيجةً لهذا التوظيف العلمانوي للعلوم الإنسانية تجد أركون يستبعد من العلوم الانسانية ما يتعارض مع آيديولوجيته العلمانية، كمثال على ذلك: أية أبحاث في علم النفس تثبت أثر الإيمان بالغيب على الاستقرار النفسي والتطور فإنه يتحاشاها، لأنه يبحث عن ما يدين هذه الغيبيات لا ما يعززها، وهكذا أي أبحاث إنسانية تثبت عظمة النص القرآني يستبعدها، لأنه يريد إدانة القرآن فقط.

 

الطريف في الأمر فعلاً أن أركون يعيب على الإسلاميين أصحاب مشروع (أسلمة المعرفة) الذي تبناه المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ويرى أن جهدهم هو (أدلجة للعلوم الإنسانية) لأنهم يستخدمونها في سبيل خدمة الفكر الإسلامي، بينما ما يقوم به أركون من أدلجة للعلوم الإنسانية واستعمالها في محاربة الفكر الإسلامي، فإنه يرى ذلك كله لا صلة له بالأدلجة!

 

وبسبب هذه العقلية القتالية المستعجلة فإن تصور أركون لمفاهيم العلوم الإنسانية، وتصويره لها؛ هو تصور تبسيطي ومختزل وتغلب عليه النزعة العدائية بسبب أنه قرأ هذه المفاهيم ليس بعقلية موضوعية تنشد العلم، وإنما قرأها تحت ضغط التفتيش عن أي سند لتهديم القرآن، وأي قارئ لكتاب موجز في اللسانيات أو الانثروبولوجيا أو القانون أو الاقتصاد ونحوها يدرك مباشرة حجم الاختزال والتسطيح الذي يمارسه أركون حول مفاهيم العلوم الإنسانية، وهوعرض فوضوي وفيه كثير من الخلط.

 

خذ مثالاً على تبسيطية وتسطيح مفاهيم العلوم الإنسانية لدى أركون، يقول:

(إن معارفنا التقليدية غير الدقيقة ينبغي تجاوزها كما ينصحنا بذلك غاستون باشلار)[تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 44].

سألتك بالله هل رأيت تسطيحاً أكثر من ذلك؟! تجاوز “المعرفة غير الدقيقة” هذه بدهية لدى كل المفكرين في كل الحضارات، وليست هذه فكرة لباشلار!

هذا لا يختلف عن شخص يقول لك: (الشيخ ابن باز يقول يجب أن نؤمن بالاسلام) ! الإيمان بالإسلام بدهية عند كل علماء المسلمين.

ثم ما هذه الصيغة التربوية في عرض فكرة باشلار “كما ينصحنا بذلك باشلار” ؟!

 

العلوم الانسانية المعاصرة علوم غزيرة وفيها تفاصيل هائلة متفاوتة، وهذا الاستعراض العشوائي السطحي لبعض مفاهيمها في كتابات أركون هو عرض ضار للمعرفة والعلمية، ويقوض الثقافة بشكل عام.

 

ولذلك حين قرأت مرةً قول الناقد علي حرب (صاحب الحواشي والهوامش على مشروعات الفكر العربي!) ورأيت كيف انخدع بتلخيصات أركون المختزلة تألمت كثيراً لتدهور ما يسمى الفكر العربي إلى هذا الدرك، يقول علي حرب:

(لا بد أن أعترف بأني ممن يتوفرون على قراءة أركون ومطالعة كتبه وتتبع نتاجه، وأنا أفيد منه فائدة مزدوجة، يتمثل وجهها الأول في اطلاعي من خلال قراءته على مالم يتح لي الاطلاع عليه من نتاجات الفكر الغربي المعاصر، ذلك بأن أركون يستعرض في مقالاته معظم الكشوفات الراهنة في علوم الإنسان) [نقد النص، علي حرب، 71].

 

يا حسرةً على من يسمون أنفسهم “المفكرين العرب”! صار يتلقى العلوم الإنسانية من تلخيصات أركون العشوائية والمليئة بالخلط والتشويه الآيديولوجي، ثم لا يجد في نفسه غضاضة أن يذم التقليد ويدعوا للاجتهاد ويشنع على طلاب العلوم الشرعية أنهم “عقول نقلية” !

 

-الإشكالية الثانية: أركون يتجاهل ويتهرب بشكل مستمر من المشكلة الجوهرية المطروحة حول (تحيز العلوم الإنسانية الغربية)، لا يستطيع القارئ الموضوعي أن يخفي رثاءه وهو يرى تعامل أركون مع مفاهيم العلوم الإنسانية باعتبارها أطعمة مسبقة الصنع جاهزة للتناول مباشرة.

 

ومشكلة التحيز في الانثروبولوجيا الغربية مشكلة عميقة استدعت الكثير من التأكيدكيدأ من كثير من المفكرين النابهين، تأمل فيما يقوله الراحل ادوارد سعيد منذ نهاية السبعينات عن حجم التسييس في العلوم الاجتماعية:

(بل إن العلوم السياسية وعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع في الدراسات الأكاديمية الحديثة هي علوم آيديولوجية، ومن هنا كان التسليم بأن دراساتهم دراسات “سياسية” ) [الاستشراق، ادوارد سعيد، ت عناني، 54].

 

ولذلك فإن الدكتور المسيري مطلع التسعينات قاد انتفاضة ثقافية (طبقاً لتعبير هويدي) للكشف التفصيلي عن جوانب التحيز في العلوم الإنسانية الغربية المعاصرة، وتمخض عن هذه الاجتماعات والمؤتمرات التي نفذوها في الرياض ثم القاهرة أن جمعوا خلاصة أبحاثهم في (سبعة مجلدات) كان عنوانها العام (إشكالية التحيز) وهي مطبوعة، وقد روى المسيري قصة تلك الاجتماعات ومن حضرها من المفكرين السعوديين بشكل خاص في بداية المشروع في كتابه (رحلتي الفكرية، ص456). ومما قاله المسيري في الخطاب الذي وجّه للمشاركين في المؤتمر:

 

(ثمة إحساس غامر لدى الكثير من العلماء العرب بأن المناهج التي يتم استخدامها في الوقت الحاضر في العلوم العربية والإنسانية ليست محايدة تماماً، لعله قد حان الوقت لكي يتم الإفصاح عن هذه الاجتهادات الفردية بشكل أكثر وضوحاً وتحديداً) [رحلتي الفكرية، المسيري، 457].

 

ومن أكثر المفكرين السعوديين وعياً بقضية التحيز في العلوم الإنسانية الغربية الناقد الأدبي الدكتور سعد البازعي، وهوعلامة بارزة في هذا المجال، ومن كتبه المهمه في هذا السياق: كتاب استقبال الآخر 2004، وكتاب المكون اليهودي في الحضارة الغربية 2003. وقد اعتنى د.البازعي بتحليل التسليم المطلق بفكرة عالمية المناهج والمفاهيم الغربية، وربما العيب الوحيد في كتابات البازعي هو الوقار الأكاديمي المفرط الذي يحرم شريحة كبيرة من القراء من الاستفادة من كتاباته.

 

بل حتى المستشرقين التقليديين أنفسهم أكثر وعياً من أركون بمشكلة التحيز في العلوم الإنسانية، فهذا مكسيم ردونسون أحد أشهر المدافعين عن الاستشراق ضد نقاده، ومن خصوم ادوارد سعيد، ومع ذلك يقول عن تحيز العلوم الإنسانية:

(العلوم الاجتماعية والإنسانية -مثلاً- مشروطة بالمجتمع الذي يعيش به المؤلف، وبأفكار عصره بالذات، وبأفكاره هو) [مكسيم رودنسون، حوار أجراه حسين الشيخ ونشر في مجلة أرابيسك]

 

-الإشكالية الثالثة: هذه العلوم الإنسانية، أوبشكل أدق كثير من مفاهيم العلوم الإنسانية، هي مفاهيم خلافية بشكل حاد، وليست حقائق مثبتة معملياً.

خذ مثلاً على ذلك أحد أكثر مصطلحين يدوران في كتابات أركون وهو مصطلح “التفكيك”، فهو مفهوم خلافي كلياً، فبينما يرى أركون أن التفكيك مفهوم علمي جبّار، ومن أعظم منجزات العلوم الانسانية، ويجب استخدامه عاجلاً في حفر التراث، تجد مفكرين غربيين كثيرين يغالون في الاستهتار بمفهوم التفكيك وأنه عبثي، ربما أكثر من قرأت له من هذا الاتجاه الناقد الايطالي المشهور إمبرتو إيكو، فقد وصل به الإزراء لمفهوم التفكيك أن اعتبره حالة “هرمسية”، وأن اعتبار التأويل لا متناهي يقتضي أن كل الأفكار صحيحة حتى لو تناقضت، وهذا يقوض مبادئ العقلانية المؤسسة للحضارة الغربية  (التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، إمبرتو إيكو، ترجمة بنكراد).

 

الفيلسوف الأمريكي المشهور والمعاصر “جون سيرل” سبق أن تحدث بتهكم عن تفكيكية دريدا وأسلوبه في الكتابة، يقول سيرل:

(ميشيل فوكو ذات مرة صوّر أسلوب درّيدا بأنه يمارس “إرهاب الغموض”، نص دريدا مكتوب بلغة غامضة جداً لدرجة أنك لا تستطيع أن تستنتج بالضبط ماهي الأطروحة؟، لذلك هو “غامض”، وبعد ذلك إذا أراد الشخص أن ينتقد الكتاب سيقول له دريدا: “أنت أسأت فهمي، أنت مغفل”، لذلك هو “إرهابي” )

 [J. Searl, The word turned upside down, NYRB, 1983]

 

والحقيقة أن هذه العبارة المتضمنة لتندر الفيلسوفين فوكو وسيرل بأطروحة دريدا عبارة شائعة في هذا المجال، والمراد من ذلك فقط طرح نموذج كاشف لحجم الخلاف داخل هذه السياقات الفكرية، مما يجعل شعار الاستعجال في تطبيق الإنسانيات على الوحي شعار فيه فهم متواضع لواقع الانثروبولوجيا الغربية، ومافيها من النزاع حول هذه المفاهيم ذاتها.

 

بل يصل أمر الجدل الخلافي داخل الانسانيات إلى تولُّد صراع سياسي حول اتجاهات العلوم الإنسانية، فكل مدرسة سياسية تدعم التيارات والمدارس الانثروبولوجية التي تحقق أغراضها، وهذه الظاهرة واقعةٌ باعتراف أحد المبهورين بالغرب ذاته، كما يقول هاشم صالح في اعتراف أليم:

(من المعروف أن آيديولوجيا اليمين الفرنسي، انظر جريدة الفيغارو وكل المؤسسات الضخمة الملحقة بها، تحارب بعنف العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة، وخصوصاً إذا كانت ذات توجه يساري وتحرري عميق، فهي تروج –مثلاً- لأفكار ريمون بودون، عالم الاجتماع الرسمي المرتبط بالأجهزة الشرعية، وتحارب بيير بورديو الخارج على شرعية اليمين والمفكك لآيديولوجيته) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، هامش لهاشم صالح، 178].

 

لاحظ أن المفكرين الفرنسيين الكبار، مثل بورديو وريمون، خاضعون لتجاذبات سياسية، بكل ما تملكه تلك القوى من مؤسسات ضخمة، لو تأمل أركون ومشايعوه بشكل كافٍ في مثل هذه الظواهر لاستوعبوا إشكالية أن العلوم الانسانية الغربية هي استجابة أولاً لإشكاليات العقل الغربي وظروفه ومطامحه وتوازناته، وبالتالي فهي مفاهيم خلافية، وفيها احتمالات واسعة للتحيز، و وهذا يفرض جهداً مضاعفاً في فحص مفاهيم العلوم الغربية، وليس الاندفاع في الهتاف بضرورة تطبيقها مباشرة كما يصنع أركون.

 

وربما يتضح الفرق أكثر لو قارنّا تسطيح أركون للعلوم الإنسانية، مع مفكرين عرب آخرين تعاملوا مع العلوم الإنسانية بجدية وعلمية، خذ مثلاً الدكتورة المعروفة يمنى الخولي في كتابها (مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها) عام 1990، فقد تعاملت مع العلوم الإنسانية في أساساتها المعرفية ذاتها وناقشتها بجدية، فإذا قارنا ذلك بالتسطيح الأركوني استبانت الصورة بشكل أوضح.

 

على أية حال .. هذه الإشكاليات الثلاث (الاستعمال الاستسلاحي، وإهدار هامش التحيز، وتغييب خلافية المفاهيم) لم يجب عنها أركون، ولا مشايعوه، إلى الآن، وإنما هم في غاية الاندفاع وبطريقة هتافية لتطبيق العلوم الإنسانية على القرآن حتى نتخلص منه ونصل للحداثة!

 

كم هو مثير للشفقة أن ترى أركون ومشايعيه لا يتحدثون إلا عن (تطبيق، تنفيذ، تفعيل) مفاهيم العلوم الإنسانية، وكأننا عبيد مسترقّون لا حق لنا في مناقشة هذه المفاهيم الغربية، أصبحت مهمتنا فقط أن نبادر، وعلى وجه الاستعجال، إلى تطبيق هذه المفاهيم الانثروبولوجية على التراث.

حسناً .. توقفوا قليلاً، أليس من حقنا قبل أن نندفع في تطبيق هذه المفاهيم أن نناقش مدى علميتها وموضوعيتها؟ أليس من حقنا أن نقترح مفاهيم بديلة؟ أليس من حقنا أن نعدل بالإضافة والحذف والشطب في عناصر هذه المفاهيم لتتوافق مع قناعاتنا؟

 

 أركون ومشايعوه يريدون منا أن نكون (مندوب مبيعات) دورنا فقط هو توصيل (منتجات الانثروبولوجيا الغربية) إلى المستهلكين بأوسع نطاق ممكن، ولا حق لنا كمندوبي مبيعات الاعتراض على مواصفات المنتج، فهذا حق حصري للمصنع الغربي فقط!

 

والمراد أن مواجهة خطاب أركون وزمرته يجب أن تكون مواجهة مزدوجة: تخليص التراث الإسلامي من تحريفهم إياه لإسقاطه، وتخليص العلوم الإنسانية من تحريفهم لها لخدمة أغراضهم العلمانية التقليدية.

 

-بحوث “يجب أن نبحث” :

منذ السبعينيات وأركون يقول لدي برنامج عمل لتطبيق العلوم الإنسانية، يجب أن نطبق العلوم الإنسانية، يجب أن ندشن، يجب ويجب ويجب..الخ. منذ أربعين سنة وهو يردد وجوبيات البحث، ولكنه لم يبحث فعلاً.

حسناً .. تفضل يا أركون وقدم لنا تطبيقاً للعلوم الإنسانية على التراث، لا يقدم لك شيئاً، وإنما يطرح عمومات، مع عشرات المرادفات للفظة يجب، ويفترض، وندشن، ونبدأ وهكذا.

 

كل مايقوله أركون هو “إعلانات بحوث” وليس “بحوث فعلية”، يبدوا أن أركون لم يفرق جيداً بين معنى قولنا (فلان بحث المسألة) وقولنا (فلان يقول يجب أن نبحث المسألة)، كل ما يفعله أركون ينتمي للجملة الثانية، وهو توزيع واجبات البحوث بأقصى كثافة ممكنة، هذا كل شئ.. خذ مثلاً بعض الأمثلة:

(بالطبع فإني لن أستطيع إنجاز هذا المشروع الكبير والعويص كله في هذه الدراسة وحدها، وإنما سوف أقدم بعض المعالم والصوى الضرورية التي لا بد منها لإنجاز مسار طويل عريض)[الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 86].

 

ويتحدث عن نصوصه البحثية فيقول:

(ليست النصوص المجموعة بين دفتي هذا الكتاب إلا معالم على الطريق الطويل والصعب، لتأسيس تاريخ منفتح وتطبيقي للفكر الإسلامي) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 11].

 

ويتحدث مرةً أخرى عن وجوبيات البحث:

(ينبغي أن نقوم بنقد جذري لكل التراث ضمن الخط الذي افتتحه –مثلاً- الفيلسوف بول ريكور في كتابيه: فن السرد، والزمن والحكاية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 174].

 

وهكذا يستمر على هذا الأسلوب، وبسبب أن كل كتاب جديد لأركون، ينتظر فيه القراء وعوده الواسعة بتطبيق العلوم الإنسانية على التراث؛ يكتشفون مجدداً أن الكتاب هو إعادة لنفس النغمة “يجب أن نطبق العلوم الإنسانية على التراث” ، وبسبب ذلك فقد تعرض أركون لنقد لاذع، وقد كشف ذلك في أحد كتبه يقول:

(كان قرائي يعيبون علي دائماً أني أتوقف كثيراً وطويلاً عند الاعتبارات النظرية والمنهجية، دون أن أقدم أمثلة تطبيقية مقنعة على هذه التنظيرات) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 52].

 

وبدلاً من أن يقدم ما وعد به خلال أربعين سنة، راح أركون في كل كتاب جديد يلخص بعض كلام المستشرقين التقليدي في التطاول على القرآن، ويضيف إليه تعديد مجرد لطابور مصطلحات أنثروبولوجية لإيهام القارئ أن هناك شيئاً خطيراً مدهشاً يملكه أركون!

 

آمل عزيزي القارئ أن تستمتع بحجم التمثيل في الشاهد التالي، وتأمل محاولة خداع القارئ بأن هناك شيئاً مدهشاً خطيراً لا يستوعبه، يقول أركون:

(الذي يرسخ مجموعة أطروحات ومفاهيم مجمعة وملخصة داخل الميتافيزيك الكلاسيكي، نذكر من هذه المفاهيم: الانطولوجيا المتعالية، والزمن البروميثيوسي للتقدم المطرد، والتطور المطرد أو المثالي، ثم مفهوم التنمية بعدئذ، ومفهوم الفضاء المحسوس للإنتاجية، والعقل العلماني أو الدنيوي الذي يمنح الشرعية ثم الإدارة القمعية للأجساد الراغبة مع المونتاجات أو التركيبات الاستيهامية والهلوسية والتي تتيح ظهور الرجال العظام، أقصد الدولة والأمة القومية الحديثة) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 50].

 

أعرف عزيزي القارئ أنك غارق في الضحك الآن، لكن صدقني أنه لا يلجأ لمثل هذه المسرحيات الاصطلاحية إلا شخص خالي الوفاض من مضامين حقيقية يقدمها.

إذا كان هذا هو النقد الفكري فهوعملية رخيصة جداً، أستطيع أنا بالمقابل أن ألتقط من معاجم العلوم الإنسانية قافلة مصطلحات مع عبارات من مثل يجب أن نبحث وأن نستفيد من العلوم الإنسانية إلخ. ولأضرب على ذلك مثالاً يوضح سهولة التلاعب بمثل ذلك، أستطيع شخصياً أن أقول:

(إن الخطاب العلماني والليبرالي العربي، حتى في أكثر مستوياته جذرية؛ لا يزال غير قادر على التعامل بشكل صحيح مع الغرب والدولة العربية والخطاب الديني، وهذا ناتج عن تدهور ميكانيزمات الفهم نتيجة عدم استثمار فتوحات العلوم الإنسانية المعاصرة، نحن بحاجة ماسة وسريعة لتوظيف نظرية “الالتباسات المترسبة”، ومفهوم “فيتيشية السلعة”، ومحاولة فهم ما يسمى “آلية الإقفال” وعلاقتها بالتطورات الفكرية للمجتمع، الواقع اليوم يؤكد –بما لا مجال للشك فيه- دور “الاستعارات العضوانية” وآلية “الدراما المقدسة”، في صياغة أكثر المظاهر تعقيداً، لذا لا بد من التمييز الملح بين الجانسبينية المتطرفة والمعتدلة، إن فشلنا في ضبط توازنات الخطاب عائد لبعدنا عن الخصوبة التي يقدمها اليوم علم اللغة العصبي (نيورولينجويستيك) وما يمكن أن يقدمه لنا من فهم علمي لما يسمى ألسنياً “مخزن العلامات” …الخ الخ).

 

ألا تلاحظ؟ العملية رخيصة جداً، وربما تسألني من أين أتيت بهذه المصطلحات؟ أبداً، التقطت من الرف بجانبي قاموساً للعلوم الإنسانية وانتزعت منه بعض المصطلحات ذات الصلة بالقضايا الفكرية، وبنفس الوقت “ذات الرنين الاصطلاحي”.

طبعاً لا أنا، ولا غيري من الإسلاميين يرضى أن ينزل إلى هذا المستوى من الخداع، وإنما يتقبل القيام بهذا الدور من تنازل عن أخلاقيات العلم.

 

وما يكتبه أركون برغم أنه مجرد إعلانات بحوث، ففيه تكرار وإعادة بطريقة مثيرة للسآمة بشكل عجيب، فكل كلام أركون الكثير، والكثير جدا؛ لا يخرج عن إعادة تقليب وعرض متكرر لعدة مصطلحات لا تتجاوز العشرة مثل: الأسطورة، اللامفكر فيه، المخيال، الابستيما، التقديس، الأرثوذكسية الإسلامية، مجتمعات الكتاب، التاريخانية، وجوب الاستفادة من العلوم الإنسانية!

 

وكل كتبه التي بلغت العشرات هي تنويع وتقليب، واعادة عرض، وتكرار، وتوسيع ثم اختصار، واختصار ثم توسيع، لهذه المصطلحات المحدودة، وهكذا، ولذلك قراءة أي كتاب لأركون تعني ضمناً قراءة الكتاب الآخر.

بل لو أعطيت شخصاً صفحتان فيهما تعريف لهذه المصطلحات فسيعتبر كلام أركون عجن للمعجون!

 

-الخداع اللغوي:

لي صديق حميم بيني وبينه أخوة علمية قديمة، قلت له مرةً: يا أخي استغرب من حفاوة بعض الشباب بكتابات أركون، كلها خداع لغوي وتلاعب لفظي. فقال لي: هل من المعقول ذلك، هل من المعقول أن يكون كلامه فارغ ومع ذلك يتحدث عنه الإعلام وله قراء الخ؟

حسناً دعني أضرب لك بعض الأمثلة التي تبرهن أن مايفعله أركون وأمثاله مجرد خداع لغوي لا يحتوي أي قيمة علمية حقيقية.

دعنا نضرب مثالاً من المظلة العامة لمشروعه (الإسلاميات التطبيقية)، ومثالاً من أكثر أداة إجرائية يستعملها وهي (اللامفكر فيه).

 

فأما شعار (الإسلاميات التطبيقية) التي يتمدح أركون بأنه اخترعها، والتي يعني بها تطبيق العلوم الإنسانية على التراث، فأستطيع أنا شخصياً أن أكذب على الناس وأتظاهر بأن لدي مشروع فكري تجديدي وأسميه (الإسلاميات التجريبية) وتعني تطبيق العلوم الطبيعية على التراث، فأركون دعا لتطبيق العلوم الإنسانية، وأنا سأدعوا لتطبيق العلوم الطبيعية، سنضع في البرنامج مختبرات ومعامل لتمحيص وفحص كل الدعاوى التراثية حسب أحدث نظريات الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وآليات القياس والرصد، سنقوم بتجارب معملية مثلاً لفحص صحة دخول الجني في الإنسي؟ ونقوم بوضع تجارب لرجل وامرأة في حالة خلوة ونختبر بأحدث الآليات المخبرية هل هناك فعلاً شيطان يقوم بدور الثالث بينهما؟ ونقوم بتصميم رحلات فضائية لاستكشاف صحة مايقوله القرآن عن انشقاق القمر ورجم الشياطين بالشهب وأنه لا فطور في السماء الخ الخ وهكذا سنضع كل القضايا الشرعية الغيبية والعملية تحت مجهر مختبرات العلوم الطبيعية وستكون ثورة في فهم الإسلام على أسس علمية.

 

وسأقول حينها في مقدمة هذا البرنامج المزيف، أو في خطبة المؤتمر: لقد حان الوقت، أكثر من أي زمن مضى، وبشكل ملح وعاجل، لنستثمر العلوم الطبيعية في تمحيص الخطابات الدينية المطمورة، لا وقت لدينا لمجاملة الأورثوذكسية الإسلامية، بمثل ذلك، وبمثل ذلك فقط؛ سنضع خطواتنا الأولى في درب الحداثة!

 

هذه القصة المتخيلة السابقة أردت بها أن أوضح أن الغدر بالقراء البسطاء أمر ميسور، والتظاهر بالانتساب للعلوم الحديثة من أجل تمرير الزندقة شأن ممكن، لكن الإنسان النبيل يرفض أن يستغل العلوم المعاصرة لتمرير قناعات علمانية متطرفة.

 

تعال لننظر في المثال الثاني وهو أكثر مصطلح يردده أركون، أعني مصطلح (اللامفكر فيه)، وأول كتاب صدر لأركون بالانجليزية كان عنوانه (اللامفكر فيه)، لو تأملت في هذا المصطلح الذي يدعي أركون أن فيه مضامين جديدة، لاكتشفت أنه ليس فيه أي جديد، أي جديد بتاتاً.

 

فهذا المصطلح هو نفسه حين نقول (هذه مسألة غير مطروقة) (هذا سؤال لم يُبحث) (لم يسبق أن طرح أحد هذه الإشكالية) الخ ، فمالجديد في هذا المفهوم، كل ما في الأمر بدلاً من أن تقول: لم يطرح ولم يطرق، تقول: اللامفكر فيه، فلا داعي للتهويل واستدعاء الانبهار بافتعال واضح.

 

سواء سميتها: اللامطروق، أو اللامبحوث، اللامُتنبه إليه، أو المهمّش، أو المقموع، أو التفكير خارج الصندوق الخ، فالقضية لا تعدوا مجرد اشتقاق لفظي لممارسة علمية معروفة منذ الأزل، فالخداع اللغوي يوهم القارئ البسيط أن اللفظ الجديد يقتضي أن فيه محتوى جديد!

 

ثم إن تطبيق أركون لهذا المفهوم تطبيق مضحك، فهو دوماً يخلط بين أمرين (اللامفكر فيه) و (المفكر فيه لكنه مرفوض)، فيجعل الثاني لامفكراً فيه، وهذا خطأ محض، وسأضرب مثالاً لتوضيح ذلك:

أشهر وأكثر تطبيق لهذا المفهوم يكرره في كتبه قوله أن: مسألة الخطأ في تدوين القرآن وجمعه هو من اللامفكر فيه، وهذا بصراحة سذاجة علمية خالصة، فمسألة احتمال تحريف القرآن أثناء جمعه مسألة مبحوثة بكثافة، وفيها سجالات كثيرة بين أهل السنة وخصومهم، ورد أهل العلم على هذه الأطروحة بكثرة، وفيها عشرات الرسائل الجامعية في مناقشة المستشرقين في هذه القضية، فكيف تكون أطروحة لا مفكراً فيها؟! لو قال أنها أطروحة مفكر فيها لكنها مرفوضة لكان كلامه صحيحاً.

 

ثم إننا نستطيع أن نشتق ألفاظ جديدة لممارسات معروفة مسبقاً وندعي أن هذا تجديداً كما يفعل أركون، فبخصوص هذا المصطلح (اللامفكر فيه) الذي لا يعني شيئاً أكثر من معنى (غير مطروق) نستطيع أن نأتي لممارسة معروفة في البحث العلمي وهي ضرورة مراعاة الزمن في الإفتاء بالأحكام الشرعية، وأي فتوى شرعية لم يراع فيه الزمن فهي مختلة، حسناً سنشتق لفظاً جديداً لهذه الممارسة وسنسميه (اللامزمن) ونعني به أي حكم  شرعي لم يراع فيه الزمن، وسنطالب يإعادة قراءة التراث على ضوء مفهوم (اللامزمن) من أجل تخليص التراث من أي حكم شرعي يناقض مفهوم (اللامزمن)، وننتج المقالات تلو المقالات في عبقرية هذا المفهوم وكونه (مفهوم شغال)! فهل يقبل طالب علم يحترم نفسه أن يلعب هذا الدور التمثيلي؟!

 

والمراد من هذه الأمثلة إثبات أن الخداع اللغوي لإيهام القراء أن اللفظ الجديد يعني أن فيه محتوى جديد عملية ميسورة، لكن تأباها النفوس السامية.

 

سلوكيات غريبة:

يتمتع أركون بسلوكيات في غاية الغرابة، تقلص من احترامه لدى القارئ، خذ بعض الأمثلة:

نحن نعرف أن العلوم الانسانية والاجتماعية علوم متفرعة تتشظى باستمرار، فعلم الاجتماع –مثلاً- يتفرع إلى فروع ثانوية في كل منها نتاج هائل من البحوث، وكذلك اللسانيات والاقتصاد والقانون والنقد الأدبي والعلوم السياسية الخ، ولذلك تجد مثلاً متخصص مشهور في القانون تسأله بعض الأسئلة فيقول بكل ثقة “ليس لدي تصور أنا متخصص فقط في الحقل الفلاني من القانون، يمكنك أن تسأل فلان”، وهذه الظاهرة واجهتها كثيراً لدى المتخصصين الغربيين، وهي ظاهرة طبيعية، فغزارة النتاج البحثي المعاصر في العلوم الحديثة فرض ظاهرة جديدة وهي أن المتخصص في علم واحد لا يستطيع ملاحقة بحوث ذلك العلم بذاته، فيحتاج إلى التخصص داخل التخصص.

 

ولكن أركون –ماشاء الله تبارك الله- يدعي بأنه يطلع على “جميع البحوث” التي تكتب عن “جميع فروع” العلوم الإنسانية والاجتماعية، بـ “جميع اللغات” الغربية، لكن ليس لديه وقت لنقلها للغة العربية، ولذلك يترك مهمة النقل للعربية للمترجمين، كما يقول عن نفسه:

(لم يتسع لي الوقت مع الأسف لأقوم بعملين مهمين مجهدين في وقت واحد وهما: متابعة التيارات العلمية المختلفة في العلوم الإنسانية والاجتماعية بالاطلاع على جميع مايصدر من كتب باللغات الغربية، ثم إيجاد المصطلحات اللازمة لنقل أجهزة المفهومات المتجددة والمتحولة من كل لغة من اللغات الأصلية، الانجليزية والفرنسية والألمانية خاصةً، إلى العربية، إني أعترف بأهمية هذا العمل، ولا أزال أقوم به في محاضراتي الجامعية) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، 7].

 

لا أعرف مفكراً غربياً معاصراً لديه من الصفاقة ما يكفي لإطلاق هذه الدعوى، إن من يقول هذا الكلام هو المسؤول الأول عن تسرب الشك في صدقية الكاتب لدى القارئ، هذا لا يورثنا الشك فقط فيما لم يعرضه أركون من العلوم الإنسانية، بل يورثنا الشك –أيضاً- فيما يعرضه من هذه العلوم هل اطلع عليها بشكل كافي أم مجملات وعمومات لإيهام القارئ بالاطلاع؟، فالصدقية إذا انهارت أكلت الأخضر واليابس.

 

العلم الواحد من العلوم الإنسانية لا يمكن متابعة بحوثه الغزيرة في الدوريات العلمية بلغة واحدة كالانجليزية، فكيف يدّعي أركون أنه يطلع على “جميع” البحوث، عن “جميع”  العلوم الإنسانية، بـ”جميع اللغات” الغربية !

 

والقارئ لكتابات أركون السطحية يكتشف بسهولة حجم الاندفاع في هذا التمدح، حتى أن الكاتب العلماني المحارب محمد المزوغي (المشغول بإسقاط ابويعرب) يقول عن أركون:

(المُتتبع لفكر أركون يستطيع بسهولة أن يحدس الحقيقة التالية: وهي أن مصادره الأساسية لا تتعدى مجال الفكر الفرنسي، وما يُدعّم ذلك هو التطابق الواضح بين أطروحاته الفكرية، وخلاصة أعمال أولئك المفكرين) [العقل في التاريخ، محمد المزوغي].

 

هذه دعوى ممكنة جداً، وهي أن أركون متابع لمجمل الأطروحات “الفكرية” في الساحة الفرنسية، أما الاطلاع على “العلوم الإنسانية” بجميع فروعها ولغاتها الغربية؛ فهذا دجلٌ محض تمنيت أن أركون لم يورط نفسه فيه.

 

ومن سلوكيات أركون الغريبة -أيضاً- محاولة فرض نفسه على الباحثين الآخرين بالقوة، تجده كثيراً يعاتب الباحثين بطريقة غير لائقة لماذا لم يشيروا إليه؟! خذ بعض الأمثلة:

يقول أركون عن المفكر المغربي المعروف عبدالله العروي:

(بعد أن اطلعت على كتاب العروي “مفهوم العقل” وجدت أن نقاط الاتفاق بيننا في ما يخص التوجهات الأساسية عديدة جداً، إلى درجة أني دهشت لأنه لم يشِر إلى أي كتاب من كتبي، أو إلى أي فكرة من أفكاري) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 56].

 

وفي حادثة أخرى فإن الباحثة العلمانية دلال البزري روت قصة تحضيرها ومناقشتها لرسالتها الدكتوراة في فرنسا، وكان في لجنة المناقشة أركون، ومما قالته الكاتبة:

(أركون يأخذ على اطروحتي أموراً لا تأتي على بالي، مثل عدم تطرّقها إلى كتبه..، يتابع ويستفيض بعرض نتاج معرفته هو، واستنكاره الشديد غالباً لعدم ورود ذكره في أطروحتي) [المستقبل اللبنانية، 26سبتمبر 2010].

 

وثمة سلوكيات غريبة أخرى لا مجال لعرضها.

 

 

-الاعتراف المر:

برغم العلمانية الإلحادية المتطرفة التي يتبناها أركون، وبرغم حقده على القرآن، وبرغم كراهيته الشديدة للتيار الإسلامي؛ إلا أن الإسلاميين فرضوا أنفسهم بتميزهم، ولذلك اضطر أركون –برغم حقده- إلى أن يعترف بأن الاسلاميين سبّاقين إلى العلوم النافعة حتى لو كانت في المجتمع الغربي، يقول أركون عن إقبال الإسلاميين على العلوم الطبيعية:

(نلاحظ مثلاً أن دارسي العلوم الفيزيائية والرياضية والطبية وغيرها ينخرطون في صفوف هذه التيارات –أي الإسلامية- أكثر  بكثير من المختصين بعلوم الإنسان والمجتمع، وقد عرفنا أثناء المعارك والاشتباكات التي جرت في جامعات تونس والجزائر والقاهرة الخ أن المتعصبين والمتزمتين ينتمون بشكل خاص إلى كليات العلوم، إنها ظاهرة تستحق التأمل والتفكير) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 26].

 

وفي موضع آخر يؤكد أركون هذا الاعتراف فيقول:

(نحن نعرف أن الكثير من طلاب الكليات العلمية والتقنية ينتسبون للحركات الأصولية السلفية) [الفكر الإسلامي: قراءة علمية، 181]

 

حسناً يا مسيو أركون، طالما أن الإسلاميين المعظمين للقرآن يتسابقون إلى العلوم الطبيعية والتقنية النافعة، فهذا ينسف جذرياً كل ما تقوله من أن القرآن يقف حائلاً بيننا وبين التقدم، هذا ينسف كل ما تقوله من أن الفكر الإسلامي ضد التقدم، طالما أن الإسلاميين المعظمين للقرآن أكثر استيعاباً منك للفيزياء والهندسة والطب والتقنية الخ فهذا يعني أنك أنت المتخلف وهم المتقدمون!

 

-تكفير الغزالي والقرضاوي لأركون:

في منتصف الثمانينات كان الأستاذ (مولود قاسم) نظم ملتقى اسمه (ملتقى الفكر الإسلامي)، في مدينة بجاية الجزائرية، وكان عن الغزو الثقافي، وكان من ضمن الضيوف الشيخ محمد الغزالي وأركون، ووجه الغزالي –تغمده الله برحمته- نقداً حاداً لأركون، وقال له إن كنت تعتقد هذه العبارة (عبارة وردت في ترجمة عادل العوا لكتابه الأول) فأنت مرتد، وغضب أركون حينها، واحتد النزاع.

 

وقد تكلم الكتّاب الجزائريون شهود ذلك الملتقى كثيراً عن تلك الحادثة، يقول الكاتب الجزائري أمين الزاوي الكاتب في جريدة الفجر الجزائرية المعروفة، يقول:

(كان محمد أركون حدثا فكريا في كل مشاركاته في دورات ملتقى الفكر الإسلامي الذي كان ينظمه المرحوم مولود قاسم بالجزائر، كانت نقاشاته مع الشيخ الغزالي إشارة فارقة للاختلاف بين فكرين يعيشان داخل مجتمع واحد ويدرسان متنا واحدا، لقد كفر الشيخ الغزالي محمد أركون وهو ما يؤكد قصور الفكر الديني) [صحيفة الفجر الجزائرية، 15سبتمبر2010]

 

وكان الشيخ يوسف القرضاوي ينشر في صحيفة الخبر الجزائرية سلسلة مذكرات له، وفي أحد تلك الحلقات قال عن أركون أنه لايؤمن بالشريعة الإسلامية، فثارت ثائرة الكتاب العلمانيين في الجزائر، فتحت عنوان (القرضاوي يكفِّر أركون) كتبت صحيفة الفجر الجزائرية :

(جزم الدكتور يوسف القرضاوي، في مذكراته التي تنشرها يومية “الخبر” بأن البروفيسور محمد أركون المتخصص في دراسات الفكر الإسلامي، لا يؤمن بالشريعة الإسلامية..، القرضاوي يستخف بقامة فكرية بحجم أركون، فيطلق عليه رصاصة الرحمة، متهما إيّاه بالخروج من ملة الإسلام) [الفجر الجزائرية، 15سبتمبر2010].

 

وفي حادثة أخرى تكلم الشيخ القرضاوي عن معاداة أركون للنصوص الشرعية فقال:

(هناك صنف آخر يقفون ضد النصّوص بدعوى أخرى، يعني هم ضد المقاصد، يقولون إن دعاة الشريعة يستخدمون المقاصد حيلة لتطبيق الشريعة؛ وهذه المدرسة الأركونية، محمد أركون والجماعة الذين يعيشون في فرنسا ويعتمدون على اللسانيات وعلى غيرها) [الموقع الرسمي للقرضاوي]

 

-خلاصات أخيرة:

بعد هذه الجولة حول كتابات أركون فإنني أتألم كثيراً من ضحايا الدعاية الإعلامية، فحين أرى شباناً وفتياناً صغاراً يتحدثون أو يكتبون، ويتناقشون طويلاً، ويرددون عبارات من نوع: (قراءة في مشروع أركون) ، و (دراسة تحليلية في خطاب أركون) ، (مفهوم كذا عند أركون) ، و أركون يرى وأركون لا يرى، .. الخ الخ  فوالله إنه لتهبط علي غيوم الغبن والرثاء كيف استطاع الاعلام التغريبي أن يخدع هؤلاء المساكين ويضيعون أعمارهم العلمية الثمينة في دردشات “يجب أن نبحث” و “مصحف البحر الميت” ؟!

 

أو يأتيك بعض المخدوعين يقول “نحتاج دراسات فكرية معمقة عن أركون وعن فلان وفلان” .. ووالله لا نحتاج دراسات فكرية عنهم ولا غيره، بل نحتاج فقط أن نوضح للقارئ المسلم الدجل الفكري الذي يمارسه هؤلاء، وحجم الجهل الفظيع عندهم سواءً بالعلوم الإنسانية المعاصرة أو بالتراث الإسلامي، لكي لا تتصرم الفترة الذهبية للتحصيل العلمي عند الشباب المسلم في ملاحقة هلوسات فكرية يكتبها بعض المرتزقة.

 

إذا كنا سنعتبر دردشات صاحب (مصحف البحر الميت) و كتابات (يجب أن نبحث)؛ أبحاثاً فكرية تستحق الدراسة والمناقشة والتحليل؛ فهذه بحد ذاتها مشاركة في صناعة الوهم، ياجماعة افتحوا عقولكم والله لا مشروع ولا خطاب ولا غيره .. ليس إلا متملق يتزلف أسياده الفرنسيين ليضعوه في مناصب أكاديمية ويمولونه مالياً باعتباره مهندس العلاقة مع الباحثين الذين سيقنعون المسلمين بالتبعية لفرنسا!

 

لو كان لي من أمر الدعوة الإسلامية شيئاً لأوصيت جميع الدعاة بتكثيف الكلام عن أهمية استعمال (العقل) ، لم ينخدع شبابنا بجهلة الفرنكفونيين إلا بسبب ضعف استعمال العقل.. ولا يبتعد الشاب عن القرآن وينهمك في هذه الترهات الفكرية إلا بسبب ضعف استعمال العقل.. ولا يستسلم الإنسان للشهوات برغم عاقبتها إلا بسبب ضعف استعمال العقل لحظة الخطيئة .. ولذلك لا عجب أن كرر القرآن وأعاد وأبدى لمبدأ (أفلا يعقلون)..

 

أخي الغالي على نفسي، يا من لازلتَ تستعمل الدهشة في التعامل مع أمثال هذه الكتابات الفكرية، أرجوك “حرك عقلك” قليلاً، وستكتشف أن هذه الترهات لا تستحق منك الدهشة بتاتاً، فلا تضيع عمرك العلمي الثمين.

 

لا شك أن المشهد مؤلم جداً، رجلٌ يهين القرآن، ويدعي أنه محرف وأن الصحابة لم يكونوا أمناء في نقله، وأننا نحتاج مخطوطات في البحر الميت وخزائن الرافضة في الهند واليمن لنصل للنص الصحيح للقرآن، ثم بعد ذلك، بعد ذلك كله، يكرّم في صحافتنا، ويقدم باعتباره المجدد الأكبر، من يجاهد لبث النور ومكافحة الظلام، أحد حكماء الإسلام الكبار، المشعل الحقيقي، الهامة الفكرية، الخ.

 

ثم يقولون لك بعد ذلك، وبكل براءة ومسكنة: ليس هناك أي تغريب، سبحان الله أين التغريب؟! إنما هو تنمية وتطوير!

 

بل أتدري ما هو أكثر إيلاماً من ذلك؟ تفضل اقرأ هذا الخبر من صحيفة الجزيرة السعودية:

(تحتفي “الاثنينة” بدار الأستاذ عبدالمقصود خوجة في جدة مساء يوم الاثنين 25/12/1427هـ بالأستاذ الدكتور محمد أركون، المفكر الإسلامي المعروف والبروفيسور الفخري بجامعة السوربون بباريس، وذلك تكريماً له ولمشواره العلمي والعملي، وإسهاماً في توثيق تلك المسيرة الطويلة ضمن فعاليات “الاثنينة” ) [الجزيرة، 11يناير2007].

رجل يعلن الحرب على القرآن يكرم بأموال سعودية، وفي محفل عام، على جزيرة الإسلام..

معركتنا مع الإعلام التغريبي ليست معركة حول مسائل اجتهادية، بل هي معركة حول القرآن والسنة ذاتهما، فتارة يصرحون بتعظيم من يهينهما، وتارة يغمغمون ويتدثرون بالخلاف الفقهي، أو يستأجرون أي منتسب للدين من اصقاع العالم، حتى لو كان موظف إداري في جامع الزيتونة؛ لكي يقدم فتوى تناسب أي قرار تغريبي يطبخ في مكانٍ ما.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

(أفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الرعد، 19].

أبو عمر

شوال 1431هـ

2 أكتوبر 2010

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 387 other followers