أطالع بين الحين والآخر مقالات يكتبها بعض الشباب السعودي المثقف.. سواء في الصحف أو في المنتديات السعودية.. يتحدثون فيها عن ضرورة “الاصلاح الديني” ..

وأن التنمية تمر أولاً من بوابة (التغيير الديني) ..

وأن جوهر المشكلة في مجتمعنا تتركز في (التصور الديني) ؛ ولذلك فلابد من البداية بتطوير هذا التصور الديني ذاته ..

ويتم في هذا السياق استجلاب حقب تاريخية (كعصر الأنوار مثلاً) للتدليل على أولية هذا المدخل ..

وبعضهم يردد العبارة الطرابيشية (لن يوجد فولتير عربي قبل لوثر مسلم) وهو تكثيف بلاغي يركز هذا الايمان المطلق بهذا المسار التاريخي في التراث الغربي..

وأننا لايمكن أن ننهض إلا وفق (منظور ديني) جديد ..

وسيل من المشاركات الشبابية الإلكترونية واحدة تلو أخرى حول دور المشائخ التقليديين في عرقلة التنمية، ودور المتدينين في توريط المجتمع في حالة المعاناة والبؤس الاجتماعي الخ..

والحقيقة أنني تشبعت تماماً بمثل هذا الكلام .. وأصبحت أحفظ بعض مقطوعاته عن ظهر قلب ولله الحمد.. وتأثرت به كثيراً لدرجة أن فكرت مرة أن لا أترحم على البخاري ومسلم وابن قدامة وابن تيمية حين يرد ذكرهم.. بسبب ماتسببوا فيه من هذه المعاناة الاجتماعية..

فمن غير المعقول أن يتواطأ كل هؤلاء الكتاب على تأكيد هذه الحقيقة .. وتصبح في النهاية مجرد وهم ..

وفعلاً .. بدأت أبحث عن دور ابن كثير وجماعته في مشاكلنا الاجتماعية والاقتصادية..

وأخذت أتأمل “ملفات التنمية”:

هل كان المشائخ هم اللاعب الرئيسي فيها فعلاً؟

هل البعد الديني هو المؤثر الجوهري في الموضوع؟

من المؤكد أن هؤلاء الكتاب رأو شيئاً لم أره .. فيجب البحث عنه..

والحقيقة أنني وجدت قضايا الاصلاح والتنمية المطروحة على مستويين:

إذا كانت قضايا الاصلاح والتنمية هي (قيادة المرأة، وبطاقة المرأة، وتوسيع الاختلاط، والحفلات الموسيقية، والسينما، وحرية التجديف السردي، الخ)

فأعترف بكل وضوح أن المشكلة هاهنا “مشكلة دينية” فعلاً ..

وأعترف تبعاً لذلك أن الصحيحين والمغني وفتاوى ابن تيمية هي المسؤول الأول عن حالة الممانعة الاجتماعية ضد هذه الملفات .. حيث قدمت هذه المصادر مفاهيم وتصورات دينية تتحسس تجاه هذه القضايا ..

لكن إن كانت قضايا الاصلاح والتنمية هي قضايا (الاسكان، والتعليم، والصحة، والمواصلات، والتضخم، والدين العام، والفساد الاداري، الخ)

فلست أدري أين الاشكالية الفقهية هاهنا ياترى؟

ولنكن واقعيين أكثر .. ودعونا نطالع (الأسرة السعودية) ومعاناتها الحقيقية:

يشارف الفرد السعودي اليوم على التقاعد وهو لم يتمتع بمسكن خاص..

وحين يصل الابن لمرحلة الثالث ثانوي تعلن حالة الطوارئ بحثاً عن قبول جامعي..

وحين يتخرج شقيقي تبدأ العائلة كلها في استجداء كل العلاقات حتى الجد العاشر بحثاً  عن واسطة توفر له أية وظيفة .. أية وظيفة ..

وحين تمرض والدتي لا ألجأ إلى الواسطة فقط .. بل ألجأ إلى (الواسطة بالأسانيد) يعني واحد يعرف واحد، وهالواحد يعرف آخر، لين نصل إلى شخص مقرب من مدير المستشفى ليوفر لها سريراً ..

وتنخفض القوة الشرائية لراتبي مقابل ازدياد قيمة السلع .. وراتبي هو هو لم يتغير ..

وتزداد الطرق كل صباح اختناقاً مرورياً ..

ويتناقص الأمن بصورة مرعبة تبدأ بالأحياء الفقيرة والمكتظة حتى تصل إلى أحياء الطبقات الوسطى .. ليصبح كسر السيارة والتهام كل محتوياتها بما فيها حاسوبك الشخصي الذي يحوي كل ملفاتك وأعمالك = أمراً عادياً لايستدعي من الضابط الذي يتلقى البلاغ إلا أن يشعرك ببروده أن قضيتك عادية جداً، وتصير كل يوم كم مرة، ولا تكبر الموضوع يعني..

وأكثر ساعات قراءتي هذه الأيام تكون في اليوم الذي أراجع فيه وزارة من الوزارات.. لأن ساعات الانتظار الطويلة تتسع لجرد أغلب الكتاب ومشاهدة المارة بالقدر الكافي جداً..

وحين أصل المطار قبل نصف ساعة .. يشيح الموظف بوجهه عني ويقول “الرحلة قفلت”.. وفي الرحلة التي بعدها يؤخروننا ساعة كاملة لأن أحد أبناء الذوات اتصل بهم من جواله الشخصي وقال إنه في الطريق ..

الخ .. الخ .. الخ ..

بالله ياسادة .. إشرحوا كيف استطاع الصحيحان وابن قدامة وابن تيمية خلق كل هذه الأزمات ؟

أين الاشكالية الفقهية التي تسببت في تراكم هذه المشاكل المعقدة ؟

حسناً .. لنمارس شيئاً من الخيال .. افترض أننا استطعنا فعلاً منع “الصحيحين والمغني وفتاوى ابن تيمية” من إعادة طباعتهما ومنعنا تداولهما قطعياً.. ووزعنا بدلاً منهما “فتاوى شحرور وجمال البنا” .. وتجاوز الناس كل محرمات الاسلام.. ولم يعد هناك أية حواجز شرعية ضد أية ممارسة:

فهل سيتوقف نفوذ علية القوم في القضاء تلقائياً؟

وهل سيتوقف الاقطاع العقاري لأبناء الذوات؟

وهل ستتوقف حالات اجتياح شركات رجال الأعمال الناجحين وفرض المشاركة عليهم جبراً؟

وهل سيتوقف صراع اقتسام الكعكة بين الأجنحة المتنافسة على السلطة؟

وهل ستتوقف حمى ارتفاع الأسعار؟

لنكن عقلانيين .. ثمة دول ومجتمعات “لادينية” بكل ماتحمله الكلمة من معنى.. أي لاتعير الدين أصلاً أي اهتمام.. كبعض مجتمعات شرق أوروبا وأفريقيا.. ومع كل هذه النزعة المحايدة تجاه الدين= نجدها تعاني من فساد ضخم ينخر أجهزة الدولة.. وخدمات في غاية السوء.. وحالة أمنية مزرية..

افتراض أن (التساهل الفقهي) هو الذي يجلب (التنمية) اختراع سعودي مضحك ..

وافتراض أن إعادة تفسير النصوص لتتناسب مع المفاهيم الغربية هو الذي سيصلح لنا من أزمات الاسكان والصحة والفساد .. هذا كله مجرد إضاعة وقت، واستفزاز لمشاعر المتدينين فقط..

بل هو تضليل للوعي الاجتماعي عن مصدر الكارثة الحقيقية .. وهذا التضليل يصب في مصلحة المتنفذين طبعاً .. ولذلك يدعمون هذا النوع من الكتاب ..

ثمة مجتمعات “كافرة” أصلاً لاتدين بأية شريعة سماوية .. ومع ذلك تعيش الأكثرية فيها بأحط مستويات دخل الفرد  .. فهل صنع لها هذا الانفلات الديني “تنمية” ؟!

أكبر خديعة معاصرة ابتلعها الشاب السعودي المثقف هي إيهامه أن “مصادر التراث هي التي صنعت أزمة التنمية” !

وهذه الخديعة بالذات هي أكبر خدمة تلقاها المتنفذون على مر تاريخنا المحلي ..

حين يستطيع المتنفذون تصريف طاقة النضال في الشاب من الشجاعة في الصدع بالحق في وجوه الظلمة إلى الشجاعة في التجرأ على عقيدة المجتمع ذاته.. فهذا مكسب سياسي لا محدود..

فأفضل وسيلة للاحتفاظ بالنفوذ (تغذية النزاعات الخفيفة المحدودة والمحكومة استراتيجياً) كما كان يقول العم كيسنجر.

لكن من أين جاء هذا الوهم ياترى؟

أقصد كيف تصور هؤلاء الشباب المخدوعون أن المشكلة التنموية هي مشكلة دينية في الأساس؟

ربما من مصادر هذا الوهم النقل الحرفي لتجربة عصر الأنوار في التراث الغربي باعتبارها مسار حتمي ..

ومع ذلك ففي تقديري أن أهم عوامل هذا الوهم الشائع هو (التصور المبالغ فيه لنفوذ المشايخ) في مجتمعنا ..

البعض يتصور أن المشايخ عندنا قادرين على تحريك خيوط اللعبة كلها .. وأنهم لو ضغطوا باتجاه ما .. لسارت الدولة في هذا الاتجاه .. وتفريعاً على تغولهم السياسي هذا فالمسؤولية مسؤوليتهم ..

وأن المشايخ لو أججوا الشارع للمصالح الشعبية لتحققت ثورة نهضوية، ونحو هذه التصورات البسيطة جداً ..

والحقيقة أن هذا –مع كل احترامي- تصور طفولي مبالغ فيه جداً ..

لايمكن لأي دارس للحالة السعودية إلا أن يوقن أن “الدولة” هي اللاعب الرئيسي والحقيقي في بيئتنا المحلية .. وأن كل القوى الأخرى قوى ثانوية جداً ..

بل وفي خاطري أن أقول هي اللاعب الوحيد أصلاً، لكني خجلت من تهمة المبالغة فقط..

لنحاول أن نقرأ هذا النفوذ الموهوم للمشايخ .. تعالوا لنقرأ أهم القضايا التي تحمس لها المشايخ وماذا استطاعوا أن يحققوا منها :

أكثر قضية حساسة في وعي كل مسلم هي “الربا” .. ومع كل التعبئة الاجتماعية ضده فرضه النظام حيث كان يعنيه الأمر .. ووفر له أقوى الأجهزة الإشرافية..

بذل المشايخ من أيام حظوتهم كل الفتاوى الغليظة ضد “التنباك” و “الشيشة” .. ومع ذلك تصادفك لياتها المتدلية في كل زاوية على الشارع.. وتعرض عليك بكل نكهاتها .. وتوفر البكتات لطلاب المرحلة المتوسطة والثانوية !

وتحرك المشايخ بكل مافي وسعهم لمقاومة “الحفلات الغنائية” .. ومع ذلك بقيت جزءاً من الفعاليات الصيفية كل سنة..

وظل المشايخ يقاومون عقود التأمين التجاري.. وصار اليوم “إجبارياً” ..

وصنع المشايخ كل مافي وسعهم لمقاومة “توسعة المسعى” .. ومع ذلك فرضه النظام حين أراده..

واجتمع العلماء والدعاة كلهم، ووقعوا على مايشبه الميثاق الاصلاحي حينها “مذكرة النصيحة” ، والتي شملت جميع مرافق الوطن ..

ومع ذلك تعرض كل مهندسي المذكرة إلى تطورات سلبية في حياتهم الشخصية.. وانفض السامر!

بالله .. هل لازال هناك من يصدق حكاية نفوذ المشايخ!

وبالتالي فإن أول قواعد الاصلاح السياسي هي أن (المسؤولية على قدر السلطة) وطالما أن الفقهاء في مجتمعنا لايملكون النفوذ الموهوم .. فهذا يعني أن التفكير من خلال هذا المدخل إمعان في الوهم..

وهذا يعني أن أولئك الشباب المساكين الذين أضاعوا أوقاتهم، وأوقاتنا معهم، في قضايا إعادة قراءة النص، وإعادة تأويل الاسلام، والارتياب في معطيات المصادر الشرعية؛ أنهم كلهم يخدمون مصالح المتنفذين بصورة غير مباشرة ..

لماذا؟  الجواب وببساطة .. لأن تحريف “النصوص الشرعية” لن يجعل الأمة مكتوفة الأيدي تقرأ بتبسم وبرود .. بل سيتحرك الغيورون ليدافعوا عن دينهم أولاً .. قبل أن يدافعوا عن مصالحهم المدنية ..

أرأيتم كيف أن ترهات التأويل الديني تضر الاصلاح أكثر مما تنفعه ؟!

ولذلك لطالما كنت مؤمنا أن المسؤول عن تراجع الاصلاح السياسي ليس هو النظم العربية الفاسدة فهي أضعف من كبت اندفاع الشباب.

والاصلاحيون السياسيون أيضا ليسوا ممنوعين عن الاعلام فهم يستضافون في الحوارات الفضائية، وتنتشر مقالاتهم في شبكة الانترنت.

فلماذا انسحب كثير من الشباب المسلم عن دعاة الاصلاح السياسي؟  ولماذا تراجع وهجه هذه الأيام؟

المسؤول عن تراجع الاصلاح السياسي ليس هو النظم العربية الفاسدة, وليس هو الشخصيات الحكومية, وإنما المسؤول الرئيسي عن ذلك هم الاصلاحيون السياسيون أنفسهم!

نعم .. هذه حقيقة يجب أن نعترف بها لكي نتمكن من معالجتها بشكل صحيح.. إذا كان فينا شعرة حمية وغيرة على الاصلاح السياسي فيجب أن نعترف بهذه الحقيقة لكي نعالجها.

فكثير من المنتسبين للاصلاح السياسي جعلوا الاصلاح السياسي نقيض الاصلاح العقدي.

وكثير من المنتسبين للاصلاح السياسي -تحت وطأة رغبتهم في حشد الاهتمام للاصلاح السياسي- تورطوا في تسفيه بقية الاهتمامات الشرعية الأخرى من عقدية وفقهية .. مما سبب ارتياب كثير من الشباب المتدين في هذا الاتجاه ..

والبعض يقول إن مسؤولية الفقهاء تكمن في “كونهم أشغلوا الأمة بفتاوى العبادات والمعاملات عن قضايا الاصلاح السياسي” ..

وهذا طرح في غاية التبسيط .. لأنه هذا كمن يقول للمربين: أشغلتم الناس بقضايا الأسرة والطفل عن قضايا الإصلاح !

أو من يقول للاعلاميين: أشغلتم الناس بأخبار العالم عن قضايا الاصلاح!

أو من يقول للأدباء: أشغلتم الناس بالشعر والقصة عن قضايا الاصلاح!

أو من يقول للرياضيين: أشغلتم الناس بالرياضة عن قضايا الإصلاح!

وهكذا .. دواليك ..

فهل يقول هذا عاقل!

الفقيه له دور واضح يجب أن يقوم به وهو “بيان الموقف الشرعي في عبادات ومعاملات الناس”..

وبقية الخبراء والمتخصصين والقياديين والسياسيين في الأمة لهم أدوارهم الخاصة ..

هل هذا يعني أن الناس إذا سألوا عن كيفية طهارتهم، وصلاتهم، وطوافهم، ونسكهم، وذبحهم، وبيعهم، ورهنهم، الخ فيجب أن يقول لهم الفقيه:

أولاً عيب عليكم تسألون عن الصلاة والربا والغرر بينما المجتمع يعاني من مشكلات الإسكان!

اذهبوا أولاً وقبل كل شئ واضغطوا شعبياً لأجل مصالحكم ثم تعالوا اسألوا عن الصلاة والربا والغرر!

هذا إزراء بأهمية أحكام القرآن ذاتها !

المهم ..كل الذي أردت أن أصل إليه في هذه الخاطرة أن:

(الاصلاح في السعودية .. ليس مسألة فقهية بل إرادة سياسية .. وكل طرح بخلاف ذلك تضليل للوعي).

أبو عمر

20 رمضان 1429هـ

21 سبتمبر 2010