ومالعيب في الطائفية؟!

تعليق واحد

 

في الأحداث الأخيرة، أعني حادثة الموازنة بين سب السيستاني للصحابة وسب العريفي للسيستاني، رأيت إدانة تتكرر حتى تشربها البعض باعتبارها مسلمة وهي قولهم (للأسف هذا كلام طائفي)، ويشتقون من هذا الوصف تركيبات كثيرة كقولهم على سبيل الذم والاستهجان (مقالة طائفية)، (فتوى طائفية) ، (بيان طائفي) الخ بل ووصل بعضهم إلى المطالبة بـ (سن قانون لتجريم الطائفية) .  هذا يعني أنه إذا ضلت طائفة عن شئ من الشريعة فلايجوز إدانة هذه الطائفة لأنه سيكون كلام طائفي وفتوى طائفية ومقالة طائفية وجريمة طائفية! وتحولت هذه اللافتة (كلام طائفي) إلى مبرر كافٍ لإدانة أي فتوى ضد الطائفة التي ضلت عن شئ من الشريعة، بمعنى لاتحتاج إلى أية أدلة في نقض الفتوى، بل يكفي فقط أن تثبت أنها فتوى طائفية، بعد ذلك أصلح حنجرتك لترتل لطميات النياحة ضد هذه الفتوى، لماذا؟ لأنها فتوى طائفية!

برغم أن إدانة أي طائفة ضلت عن شئ من الشريعة هذا مبدأ قرآني، وسنأخذ مثالاً قرآنيا لذلك يشابه واقع الطائفة الشيعية اليوم، فقد جاء طائفة من المسلمين في عصر النبي –صلى الله عليه وسلم- وقامو بـ “سب الصحابة” فقالوا عنهم “مارأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسنة” ، فأنزل الله عليهم تكفيراً طائفياً، فقال تعالى في سورة التوبة:  (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ)[التوبة: 66] فهذه إدانة على أساس الطائفة، وبين أنهم كفروا بعد إيمانهم، بمعنى أنهم كانوا مسلمين قبل ذلك، لكن بسبّهم أصحاب النبي كفروا، وكان تكفيرهم على أساس الطائفة، كما قال تعالى في الآية السابقة (إن نعف عن “طائفة” منكم نعذب “طائفة” ).   وطائفة أخرى –أيضاً- منتسبين إلى الإسلام في عصر النبي –صلى الله عليه وسلم- طرحوا فكرة خلاصتها أنه “يجب أن لانشارك في الجهاد الشرعي لأنه ليس لنا فيه مصلحة وطنية” فحكى الله مقالة هذه الطائفة وأدانهم إدانة طائفية فقال تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ) [الأحزاب:13]   وطائفة أخرى –أيضاً- منتسبة إلى الإسلام في عصر النبي منعهم الله من حق المشاركة بسبب تقصيرهم الشرعي السابق كما قال تعالى: (إِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) [التوبة:83]   وعلى أية حال الصراع بين الطوائف في القرآن كثير، ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) [الأعراف: 87]   فالقرآن تعامل مع أية “طائفة” ناقضت شيئاً من الشريعة تعاملاً واضحاً، وأدانها على أساس طائفتها، والمراد أن قولهم (هذا كلام طائفي) و (فتوى طائفية) و (مقالة طائفية) هذا كله نقول في الجواب عنه: نعم هذا صحيح، ونقد الطوائف التي ضلت عن شئ من الشريعة هذا مطلب شرعي وفريضة قرآنية، فكيف صار منهج القرآن في مسلماتكم عيباً ومذمةً؟! فياغربة الدين!

أبو عمر 

صفر 1431هـ

31 يناير 2010

Advertisements

أين “مؤسسة رعاية الشباب” عن “الاختناق المروري” ؟!

أضف تعليق

 

في كل صباح أخرج فيه إلى عملي يتكدر خاطري حين أترسب في مكاني بسبب الاختناق المروري، وإغلاق بعض الطرق لأعمال الصيانة التي لاتنتهي.. ثم مع زعيق منبهات السيارات من حولي يكاد رأسي يثور في سقف السيارة..   في هذه اللحظة المكتظة بالتوتر والنقمة أجد نفسي أكرر بلا ملل: حسبنا الله على “المؤسسة العامة لرعاية الشباب” .. أين دورها في تنظيم المرور وإصلاح الطرق وتهيئة النقل العام؟! أين المؤسسة العامة لرعاية الشباب عن بناء الجسور التي تمتص كثافة المركبات المتزايدة؟! أين المؤسسة العامة لرعاية الشباب عن ابتكار الحلول المناسبة لتوزيع مسارات الحركة المرورية؟! العالم كله من حولنا يبدع وينتج البدائل لمشكلة المرور والنقل العام بينما الرئاسة العامة لرعاية الشباب إلى الآن لم تطرح مشروعاً واحداً ؟! في أوروبا وأمريكا واليابان والدول المتقدمة تجد القطارات والأندرجراوند والحافلات المنظمة بينما المؤسسة لرعاية الشباب لدينا لم تقدم لنا ولا نصف قطار لحل مشكلة الاختناق المروري؟! إلى متى نقص الوعي، وضيق الأفق، أيتها المؤسسة العامة لرعاية الشباب؟!

      عزيزي القارئ .. أظنك الآن بدأت ترتاب في عقل الكاتب وستقول: ماعلاقة المؤسسة العامة لرعاية الشباب بالمشاكل المرورية؟! حسناً .. إذا استنتجت من الكلام السابق أن ثمة خللاً في عقل الكاتب؛ فأظنك ستشك في عقول كثيرة تكتب اليوم وبكثافة بمثل هذا المنطق تماماً!  

ثمة اليوم شريحة تتوهم أن لديها “وعياً مدنياً” يفوق البسطاء من حولها، أتدري ماذا يكتبون ويقولون؟! يقولون: أين هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الفساد الإداري في العقود الحكومية؟ أين هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن نهب العقارات الحكومية لصالح ملكيات شخصية؟! أين هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر عن ضحايا الأرواح في كارثة سيول جدة؟!   بالله عليك مافرق هذا التساؤلات عن شخص يتوهم أن مصلحة الجمارك هي المسؤولة مشكلة الاتصالات؟!

نحن الآن في دولة فيها عدة مؤسسات، كل مؤسسة لها “اختصاص” يصدر به نظام رسمي، لدينا مؤسسات مخولة بمراقبة الفساد السلوكي العام، ومؤسسات مخولة بمراقبة الفساد المالي، فبدلاً من أن يعاتبوا مؤسسات الرقابة المالية ينوحون ويعاتبوا مؤسسات الرقابة السلوكية؟! إنها طرفة متوهمي المدنيّة في نسيان المسؤول الحقيقي، والتشنج في محاسبة غير المسؤول!

لنكن أكثر تفصيلاً، لدينا في السعودية مؤسستان مسؤولتان بشكل جوهري عن “الفساد الاداري والمالي”، وهما: ديوان المراقبة العامة، وهيئة الرقابة والتحقيق. فأما نظام “ديوان المراقبة العامة” الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم (1019) وتاريخ 1390هـ فقد نص في المادة السابعة منه على تكليف الديوان بمراقبة الفساد الاداري والمالي كما تنص المادة:

(يختص الديوان بالرقابة اللاحقة على جميع إيرادات الدولة، ومصروفاتها، وكذلك مراقبة كافة أموال الدولة، المنقولة والثابتة، ومراقبة حسن إستعمال هذه الأموال وإستغلالها والمحافظة عليها)[نظام ديوان المراقبة العامة، م7]

 وهي مادة نظامية شديدة الاتساع والشمول، ولم يكتفِ مجلس الوزراء بذلك، بل خول ديوان المراقبة العامة بصلاحيات واسعة لتحقيق هذه المهمة، حيث ألزم النظام كافة الوزارات والمؤسسات الحكومية بأن تزود الديوان بكافة البيانات الحسابية والمستندات والوثائق التي تمكن الديوان من المراقبة المالية (المادة 10).   والشمول الذي منحته المادة السابعة واضح أنه مقصود فعلاً، حيث أكدته مواد لاحقة في ذات النظام، تنص تفصيلاً على ضبط “المال العام”، ومن ذلك مانصت عليه المادة الثامنة من أنه يختص الديوان بـ

(التحقق من أن كافة أموال الدولة، المنقولة والثابتة؛ تستعمل في الأغراض التي خصصت من أجلها من قبل الجهة المختصة، وأن لدى هذه الجهات من الإجراءات ما يكفل سلامة هذه الأموال، وحسن إستعمالها و إستغلالها، ويضمن عدم إساءة إستعمالها، أو إستخدامها في غير الأغراض التي خصصت من أجلها) [نظام ديوان المراقبة العامة، م 8-2].

هذا بالنسبة للمؤسسة الأولى وهي مؤسسة “ديوان المراقبة العامة”، وأما بالنسبة للمؤسسة الثانية وهي “هيئة الرقابة والتحقيق” فقد خولها النظام باختصاصات دقيقة في مراقبة الفساد الإداري، حيث ينص النظام على:

(تختص الهيئة بإجراء الرقابة اللازمة للكشف عن المخالفات المالية والإدارية) [نظام تأديب الموظفين، م5]

ومنح النظام هيئة الرقابة والتحقيق صلاحيات واسعة للقيام بهذه المهمة والتحقيق مع الجهات الحكومية كما تقول المادة الثامنة مثلاً:

(على الجهات الحكومية تمكين المحقق من الأطلاع على ما يرى لزوم الأطلاع عليه من الأوراق والمستندات وغيرها، وتفتيش أماكن العمل إذا تطلب التحقيق ذلك، بحضور الرئيس المباشر)[نظام تأديب الموظفين، م8]. 

 حسناً .. رأينا الآن كيف تملك هاتان المؤسستان، ديوان المراقبة العامة وهيئة الرقابة والتحقيق، سلطة الرقابة المالية على كل  ظواهر الفساد الإداري والمالي، وكيف منحهما المنظم سلطة التحقيق والتفتيش.

وأما “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” فمن المعلوم لكل أحد أن المنظم حصر هذه المؤسسة في حدود المخالفات السلوكية العامة وتشير لذلك بعض المواد مثل ماجاء في النظام:

(للهيئة حق المشاركة في مراقبة الممنوعات؛ مما له تأثير على العقائد، أو السلوك، أو الآداب العامة) [نظام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، م12]. 

هل تصدق يا أخي الكريم أنني في “كارثة سيول جدة” رأيت بعض الكتّاب يقولون: أين هيئة الأمر بالمعروف عن هذه الكارثة أم هم مشغولون بالاختلاط والخلوة؟! توقعت في البداية أن هؤلاء يمزحون، أو يقولونها من باب المناكدة فقط، لكن لاحظت أن الموضوع استمر!   لازلت إلى الآن أقرأ لبعض السذج (الذين يتوهمون أنفسهم يملكون وعياً مدنياً) يقولون أين هيئة الأمر بالمعروف عن الفساد المالي والإداري..! بدلاً من أن يطالبوا المؤسسة المعنية، ذهبوا يلومون غير المعني! بدلاً من أن يشكرو أشاوس الهيئات على قيامهم بما يفوق المطلوب منهم وتحملهم الأخطار والمضايقات ورمي الإعلام لهم عن قوس واحدة، ذهبو يلومونهم لأنه اجتهدو في القيام بما يخصهم، وأخذوا يعاتبونهم على عدم القيام بما لايملكون “صلاحية نظامية” له؟! ثم يحدثونك عن “الوعي المدني” ..!

كتبَة لايعرفون مؤسسات الدولة، ولايفهمون كيف توزع فيها الصلاحيات النظامية، ثم لايجدون غضاضة في أن يتفلسفوا عليك عن “الوعي المدني” ! عزيزي القارئ.. إذا استيقظت غداً صباحاً .. ورأيت أكوام النفايات في بعض الطرق بشكل غير لائق، فإياك أن تفكر في مسؤولية البلدية، بل حاول أن تكتب مقالة عن “مسؤولية القضاء الشرعي عن سلال المهملات” .. وستجد نفسك في يوم وليلة أحد المفكرين الطليعيين الذي سبق عصره!    

أبو عمر

صفر 1431هـ

30 يناير 2010

 

إشكال حول نمط فهم الإسلام

أضف تعليق

        بعد سيل الشبهات الذي لازال يسوط بها الإعلام ظهور الشباب المسلم تساءل أكثر من شاب أمامي وقالوا: هل فهمنا للاسلام في خطوطه العامة هو فهم صحيح؟ أم أننا نحتاج مراجعة كلية لفهم جوهر الإسلام؟  أي بغض النظر عن الخلاف في المسائل التفصيلية. وأنا أقول والله العظيم أن من قرأ كتاب الله صادقاً متجرداً، وقلب نظره في قصص أنبياء الله، الذين حكاهم الله لنا ليس للتسلية وإنما للعبرة والعمل والاهتداء والائتساء، فمن تأمل أخبار الأنبياء، وتأمل في المجتمعات التي بعثوا فيها، ومافيها من الفقر والمظالم والاستبداد، ثم تأمل كيف نظم الرسل أولوياتهم، ومالقضايا التي صرفوا جهودهم فيها؟   ثم لو تأمل الانسان الصادق الباحث عن الحق في سيرة أئمة الهدى بعد الرسل، وهم أصحاب النبي، سيما من اختصوا بالعلم دون الولاية العامة، كابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وزيد بن ثابت، ثم من درس عليهم وسار على نهجهم من التابعين، وأركان التابعين أربعة –كما يقول الإمام ابن تيمية- وهم سعيد بن المسيب والحسن البصري وابراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح، فهؤلاء الأربعة دارت عليهم الفتوى في عصر التابعين، وتدين القرن الثاني الذي فضله الله سبحانه بفتاواهم، وهم حملة علم أصحاب رسول الله.   ثم إذا تدبر الباحث –أيضاً- أئمة القرن الثالث الذي درسو على هؤلاء وواصلو المسيرة، وهم تابعو التابعين، واركان تابعي التابعين أربعة -كما يقول ابن تيمية أيضاً- وهم مالك بن أنس إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث بن سعد إمام أهل مصر، وسفيان الثوري إمام أهل العراق.   فإذا تدبر الباحث مامضى، أعني تدبر مجتمعات الأنبياء التي بعثوا فيها، ثم قارنها بأولويات الأنبياء، ثم تدبر مجتمعات أئمة الدين التي قاموا فيها، وقارنها بجهودهم وأولوياتهم، لم يبق عنده شعرة شك ولا ارتياب أن ماعليه الطوائف الفكرية اليوم كلها مناقض أشد المناقضة لطريقة الرسل وأئمة الهدى، وأن ما أدركنا عليه علماءنا كالإمام ابن باز وابن عثيمين ونحوهما من عيون أئمة أهل السنة والجماعة أنه هو الموافق في الجملة لطريقة الأنبياء وائمة الهدى، ولايشك في ذلك إلا جاهل بسيرة الطرفين، أو صاحب هوى أعماه هواه.   والرسل وأئمة الهدى هم معيار الحق، وكلاهما محل للاقتداء وفهم الوحي على طريقتهم، فالله لما ذكر الرسل قال كما في سورة الأنعام{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} فالله يخبر نبيه عن أن هؤلاء الرسل الذين يحكي خبرهم إنما هم للاقتداء.   ولما ذكر الله أئمة الدين في موضعين من كتابه جعلهم –أيضاً- محلاً للائتساء والاهتداء فقال في سورة الأنبياء{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} وقال في سورة السجدة {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}.

وهذه الطوائف الفكرية لاترى في الوجود إلا القضايا المادية، فالعدل عندها هو العدل المالي، برغم أن كل أوامر الله سبحانه نوع من العدل. ولايعرفون من الظلم إلا المظالم المالية، برغم أن كل مناهي الله سبحانه نوع من الظلم. ولايعرفون من الحقوق إلا الحقوق المالية، برغم أن لكتاب الله حقاً بصيانته من التحريف، ولسنة رسول الله حقاً بصيانتها من الطعن، ولأصحاب رسول الله حق بصيانتهم من القدح، وللفضيلة والأعراض حقوق عظيمة بمقاومة من يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وللعلماء حق بالذب عنهم، الخ .فهؤلاء أهل الأهواء الفكرية لايعرفون من هذه الحياة إلا هذه القضايا المادية، ولذلك يعيبون علماءنا ويسفهونهم، وهم في الواقع إنما مؤدى كلامهم الإزراء بالرسل والصحابة والتابعين، ولكن لجهلهم وهواهم لايتفطنون.   ومن قرأ كلامهم اندهش من اندفاعهم بكل وسيلة ممكنة في تقزيم العقيدة والفقه، واستجهال أهل العلم، ولمز اهتماماتهم.

وأما الاحتكام للوحي فقد عطلوه كلياً، فكلما قال لهم أهل السنة: قال الله وقال رسول الله، قالوا المسألة فيها خلاف، فصار الخلاف حاكماً على الوحي، برغم أن الله أنزل الوحي ليكون حاكماً على الخلاف كما قال تعالى في  سورة النساء (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) وهؤلاء يردون الله والرسول إلى النزاع نسأل الله السلامة، ولذلك قال الشاطبي قولته الخالدة : (وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية؛ حتى صار الخلاف في المسائل معدودا فى حجج الإباحة!).

وإذا قال لهم أهل السنة هذا “منكر” قالوا ليس قطعي الثبوت أو ليس قطعي الدلالة، فحصروا الشريعة في نزر يسير يسمونه القطعي، وصار غالب كلام الله وكلام رسوله لايفيد الهدى ولايصلح للاحتجاج عندهم لأنه إما غير قطعي الثبوت أو غير قطعي الدلالة!   والله تعالى أمر العدد اليسير من الناس أن يبلغ دين الله كما قال تعالى في سورة التوبة (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم) ولوكان الدين بالقطعي لكان هذا التوجيه عبث، إذ النقل الذي يأتي به نفر يسير لايحصل به القطعي.   وقال النبي في أحاديث يبلغ المعنى المشترك فيها درجة التواتر القطعي (بلغو عني ولو آية) وقال (نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه) ولو كان الدين لايثبت ولايحتج فيه إلا بالقطعي الثبوت والدلالة لكان توجيه النبي هذا لغو لاثمرة له، إذ مافائدة أن يبلغ رجل واحد خبراً سيكون غير قطعي الثبوت، وربما دخل تفسيره ظنية المعنى.   وقد تواتر عند أهل التاريخ والسير والحديث، بل كل علوم أهل الإسلام نقلت ذلك، حتى كتب الأدب، أن النبي كان يرسل إلى الأمم رسولاً واحداً يخبرهم بالاسلام كله وليس حديثاً واحداً، ومع ذلك يرتب النبي آثار هذا التبليغ عليهم، ولو كانت الحجة لاتثبت إلا بالقطعي لما آخذ هؤلاء الأمم بخبر واحد في أصول الدين وفروعه!   فانظر كيف اختصروا المطالب الشرعية في القضايا المادية، وكيف عطلوا حاكمية الوحي بتكبيلها بالخلاف والقطعي، فهل هذا بالله عليكم طريقة الأنبياء وأئمة الهدى؟!

والله المستعان سبحانه.

أبو عمر

صفر 1431هـ

27 يناير 2010

فائـدة قرآنيـة

أضف تعليق

 ذكر الله تعالى في كتابه ظاهرة “الكذب على الله” في مواضع كثيرة جداً, ولايكثر القرآن من ذكر أمر من الأمور إلا انعكاساً لأهميته القصوى, وكثرة وقوعه وابتلاء الناس به, فتثنية الآيات في موضوع معين إشارة إلهية لنا لنحتفي بالأمر.. إذ القرآن كلام الخالق الخبير سبحانه, فسائر مافيه من تصريح أو تلميح أو كناية أو إشارة أو مفهوم أو نظير أو دلالة أولى أو ترتيب مأمورات أو ترتيب منهيات أو غيرها من أنماط إستفادة المعنى وإنتاج الدلالة فإنها تؤخذ بعين الاعتبار .. وهذا هو مقتضى التدبر والادكار ..
على أية حال .. الآيات التي أشار القرآن فيها إلى ظاهرة “الكذب على الله” كثيرة جداً, ومن ذلك قوله تعالى مبيناً غاية وغرض من يكذب على الله ألا وهو “إضلال الناس” كما يقول تعالى: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (144) سورة الأنعام وقال سبحانه مبيناً عاقبة من يكذب عليه: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} (60) سورة الزمر   وهذه الآيات معروفة معلومة مشهورة ولله الحمد .. ولكن كثيراً من الناس يقصر فهمه عن معنى “الكذب على الله” .. والواقع أن الكذب على الله له مرتبتان: الكذب على الله في “الألفاظ”. والكذب على الله في “المعاني” . وهذان النوعان أشار لهما الإمام ابن تيمية بتقسيم بديع حيث سماهما: تحريف التنزيل، وتحريف التأويل (الاقتضاء، 1/88) فتحريف التزيل يكون في الألفاظ، وتحريف التأويل يكون في المعاني.   فالكذب على الله في الألفاظ (كما في “الوضع” في الحديث) قد أقام علماء الاسلام لمقاومته علم “السنة النبوية ومصطلح الحديث” ، وأما الكذب على الله في المعاني (كما في التأويل للنصوص في غير مواضعها) فقد أقام علماء الاسلام لمقاومته “علمي العقيدة والفقه”.   والكذب على الله في “الألفاظ” ينتشر كثيراً بين “جهلة المتصوفة” فينسبون إلى رسول الله مالم يقله، إما تعبداً لله باختراع الأحاديث، وإما شهوة نيل الجاه بالتأثير في الناس، فيتفانون في تصنيع النصوص الغريبة المرعبة ..   وأما الكذب على الله في “المعاني” فينتشر كثيراً بين النخب المثقفة، ومتفقهة التغريب، حيث يسطون على نصوص الوحي فيفسروها دون استيعاب لبقية النصوص الشرعية الأخرى, ودون استيعاب لتفسير الصحابة وأئمة التابعين, ودون تفطن لمواضع الاجماع، بل بعضهم يفسر الآيات القرآنية بما يعارض تفسير رسول الله لها!   وهذا والله من أعجب المواضع، فلطالما رأيتهم يقولون عن آية من الآيات القرآنية أن معناها كذا، مع أن في الصحاح والمسانيد المشهورة أن رسول الله فسرها بخلاف ذلك!
وقد أكد القرآن كثيراً على ظاهرة “الكذب على الله في المعاني”  .. وأهم تلك الآيات القرآنية التي جرّمت الكذب على الله في المعاني من خلال الممارسات التأويلية آيتان: آية “تحريف الكلم” , وآية “الالحاد في الآيات” .. وهما: -قوله تعالى { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} -قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا}   وقد جاء عن ابن عباس بسند صحيح أنه قال الالحاد في الآيات “أن يوضع الكلام في غير موضعه”.
ومن تأمل تاريخ “النبوات” علم أن أكثر ضلال المليين ليس من جهة جحد الوحي, وإنما من جهة تأويله وإخراج ألفاظ الشارع عن معانيها التي أرادها .. والتأويل وإحداث المعاني في هذه الأمة يتفاوت كثيراً بين عصر السلف وعصرنا، فتأويل أهل البدع في عصور السلف كان أكثره في “الأصول العقدية” كتأويل الصفات الالهية, وتأويل العرش, وتأويل القدر، وتأويل البعث والمعاد, وتأويل الكرسي, وتأويل المعجزات وحقيقة النبوة,  الخ.. وإخراج هذه كلها عن حقائقها، أما الشرائع فقد كانوا معظمين لها، كما كان كثير من الفلاسفة المنتسبين للاسلام يقول أنه “لم يطرق العالم ناموس كناموس محمد” يعنون به شريعته العملية. وتأويل وإحداث مبتدعة عصرنا أكثره في “التشريعات العملية”، حيث خفت تأويل العقائد والغيبيات، وافتتنوا بالتأويلات والمحدثات والبدع في قضايا المصلحة المرسلة, والمقاصد, والحدود الجنائية, والربا, والحجاب, والقوامة, والجهاد, والولاء والبراء, وأحكام الذميين, والحسبة على المنكر, والموقف من المخالف، ومنزلة العلوم الدنيوية، ونحوها من قضايا التشريعات العملية، لحمل نصوص الوحي في هذه المعاني كلها على أن توافق الحضارة الغربية المعاصرة، فاخترعوا معاني يهوونها ونسبوها للشريعة افتراءً على الله وكذباً عليه سبحانه عبر بوابة التأويل. والفريقان كلاهما مبتدِعان محدِثان في دين الله، ومخترعان لمعاني غير شرعية، وهذه حقيقة البدعة، وإنما الفارق الوحيد بينهما: أن المبتدعة في التراث كانو مبهورين بالحداثة اليونانية، فحاولو التلفيق بين غيبيات الوحي وغيبيات اليونان. وأما مبتدعة عصرنا فهم مبهورون بالحداثة الغربية، فحاولو التلفيق بين تشريعات الوحي وتشريعات الغرب.   ومن تأمل حمية السلف وغيرتهم في عصرهم في مقاومة المحدثات والمعاني المخترعة من أن تنسب للشريعة، ورأى تخاذلنا إزاء المحدثات والبدع والمعاني المخترعة التي صارت تنسب للشريعة، علم لماذا فضل الله هاتيك القرون، وعلم منزلة الوحي في تلك النفوس يارحمهم الله.
وفي إشارة مذهلة حين ذكر الله المحرمات في بعض آيات القرآن بدأ بها تصاعدياً فلما بلغ الشرك وهو أعظمها ذكر بعده الافتراء على الله، وهذه إشارة قرآنية لاتخفى في شدة تشنيع الافتراء على الله وهول خطورته كما قال تعالى في آيات عظيمة: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ, مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ, وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ, وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا, وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (33) سورة الأعراف.
وقد حذر نبي الله موسى من عاقبة “الافتراء على الله” تحذيراً مدوياً بأنه مستوجب للاستئصال والاهلاك كما قال تعالى: {قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} (61) سورة طـه   والله سبحانه وتعالى غني عن نصرتنا لدينه، ولكن ليبلو بعضكم ببعض، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب.
أبو عمر
صفر 1431هـ
27 يناير 2010

هل انتهت قضايا الأنبياء في عصرنا؟

أضف تعليق

الأنبياء بعثوا إلى مجتمعات كانت تعاني من الفقر، وظلم الغني للفقير، والاستبداد السياسي، مجتمعات ليس فيها تداول سلطة، ولارقابة على المال العام، ولا حرية رأي.. وكثير من الأنبياء بعثوا إلى أمم ليس فيها علوم عقلية، ولافنون، ولامدنية، الخ الخ  ومع ذلك وضع الأنبياء هذه القضايا كلها في مرتبة تالية وبدؤوا أول مابدؤوا بإشعال المعركة مع الشركيات، وإخلاص كل عبادة لله، بدأ من الشعائر وانتهاءً بالتشريعات، فلايستغاث إلا بالله، ولايُشرّع إلا الله، هذا هو التوحيد الذي بعثت به الأنبياء، وهو أعظم قضاياهم، وهو أمر لايخالف فيه حتى أكثر الباحثين مغالطة وتأويلاً. فبين تعالى إرسال الرسل “كلهم” بتوحيد العبادة والشعائر فقال (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25] وبين تعالى –أيضاً- إرسال الرسل “كلهم” بتوحيد الطاعة والتشريع فقال (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) [النساء:64] والثاني من أفراد الأول، لكنه خصه لأهميته.

يأتي بعض الناس اليوم ويقول: نحن نعظّم الأنبياء ونجلّهم ونحترمهم، ولاشك أنهم قاموا بالواجب، ولكن الأولويات عندنا تغيرت! وكأنه ليس في كثير من بقاع عالمنا الإسلامي على مستوى العامة أفظع مظاهر وثنية الشعائر التي أرقت الأنبياء، وكأنه ليس في كثير من النخب الثقافية أفظع مظاهر وثنية التشريع، وكأنه ليس في كثير من القوانين والنظم مواداً مناقضة لتوحيد التشريع.

هل هذا يعني التزهيد باصلاح القضايا المالية والسياسية؟ لا قطعاً، ولكن بحّت حلوق أهل السنة وهم يقولون: رتبوا الأولويات بشكل صحيح كما رتبها الأنبياء، بل صرنا اليوم فيما هو أسوأ، صار البعض يجعل أولويات الرسل قضايا هامشية فيسخر ويتهكم من جهود أهل السنة في إصلاح التوحيد!

إلى أولئك الذين يظنون أن قضايا الأنبياء انتهت وأننا نعيش اليوم “أولويات، ومتغيرات، وتركيبة اجتماعية مختلفة، ونمط حياة جديد، الخ الخ” من هذه الشعارات أهديهم هذه الزفرات التي كتبها الشيخ أحمد الصويان يحكي فيها قصة مدهشة عند زيارته لأحد الدول العربية المجاورة.

أبو عمر

صفر 1431هـ

26 يناير 2010

خـــاطرة قرآنــية

تعليق واحد

تلاحظ دوماً أن ثمة علاقة تنمو تدريجياً بين “التفريط الديني” وبين نزعة “التهكم بالمتدينين”.. مالسبب ياترى في هذه العلاقة الحميمية بين التفريط والسخرية؟

الحقيقة أن الإنسان منذ أن يتعثر في أودية التفريط تحاصره لسعات التأنيب الداخلية.. ومن أشد مايؤذيه لحظات الإخلاد الهادئة حين يستعرض شريط التناقض بين المطلوب والواقع..    والنفس البشرية عادة تدفع باتجاه الانسجام الداخلي والتخلص من التناقضات.. فإما أن يعدل الإنسان سلوكه لينسجم مع قناعته.. وهذا هو سلم الصلاح.. وإما أن يعدل من قناعته لتنسجم مع سلوكه.. وهذه منحدرات الضلال.. أما حالة الكدمات المتواصلة بين القناعة والسلوك فهي حالة مؤذية جداً.. وهذا مايجعل النفس البشرية الضعيفة تفرح بالفتوى المتساهلة لأنها تشل عنها تلك الطرقات الداخلية المستمرة.. ولذلك لخص السلف هذه الحالة في عبارة مجازية تدلك على جمع السلف بين دقة التفكير والبلاغة الأدبية حيث قالوا (المعاصي بريد الكفر)..    حسناً .. كيف يتخلص الإنسان كلياً من ضغط التأنيب الداخلي؟

الحقيقة أن السخرية بالمتدينين من أهم الوسائل التي توفر للإنسان الراحلة الكلية من هذه الضغوط.. وضع الصورة المطلوبة في قالب هزلي يبدد نفوذها على النفس البشرية .. ولذلك نبه القرآن إلى هذه العلاقة بين “التفريط” و “السخرية” فقال تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) [الزمر: 56] .

أبو عمر

صفر 1431هـ

26 يناير 2010

رسالة إلى علماء مصر ودعاتها بقلم الشيخ أحمد الصويان

أضف تعليق

 قبل أكثر من ثمانين عاماً – تقريباً – كتب أديب العربية الأستاذ الكبير مصطفـى لطفي المنفلوطي – رحمه الله تعالى – مقالة بعنوان : (دمعة على الإسلام) ، تأسَّف فيها كثيراً على خبرٍ وَصَله من أحد علماء الهند عن تعظيم بعض المنتسبين إلى الإسلام من الهنود التاميل لقبر عبد القادر الجيلاني وغيره من الأولياء، ثم قال متألِّماً متوجِّعاً من تلك الأفعال: (يعلم الله أنني ما أتممت قراءة رسالته حتى دارت بي الأرض الفضاء، وأظلمت الدنيا في عيني، فما أُبصر ممَّا حولي شيئاً حزناً وأسفاً على ما آلت إليه حال الإسلام بين أقوام نكروه بعدما عرفوه، ووضعوه بعدما رفعوه، وذهبوا به مذاهب لا يعرفها، ولا شأن له بها. أيُّ عين يجمل بهــا أن تستبقي في محاجرها قطرة واحدة من الدمع فلا تريقها أمام هذا المنظر المؤثر المحزن؛ منظر أولئك المسلمين وهم ركَّعٌ سجَّدٌ على أعتاب قبر ربما كان بينهم من هو خير من ساكنه في حياته، فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته)   تذكَّرْت هذه المقالــة في زيارتـي الأخيـرة إلى مصــر – حرسها الله من كل سوء – واستشعرت أَلَم المنفلوطي وأنا أدخل في قلب القاهرة إلى مسجد الحسين؛ لقد أفزعني ما رأيت، وهالني تزاحم الناس عند القبر، وتوجُّههم إليه بالدعاء والاستغاثة!   كنت أظن – بادئ الأمر – أن ما يفعلونه دروشة مجردة ورغبة في إجلال ومحبة الحسين – رضـي الله عنــه وأرضــاه – وقد يكون الأمر كذلك عند بعضهم، ولكنني صُعقت – والله – من الشرك الصريح الذي يمارسه بعض الجهلة دون نكير!   والله الذي لا إله إلا هو! إنني أُصبت برعشة وقشعريرة تسري في جسدي وأنا أرى أحدهم يجثو على ركبتيه، ويقول بكل تخشُّع وانكسار: مدد يا سيدنا الحسين… مدد…!   سلَّمت على أحدهم في المسجد وسألته: ماذا يفعل الناس عند القبر؟ لماذا هم مجتمعون هكذا؟   فنظر إليَّ باستغراب ونكير وقال: هذا قبر سيدنا الحسين؟ فقلت له: وماذا يفعلون عنده؟   قال: يا بني! إذا كنت محتاجاً، أو مريضاً، أو مهموماً، فالتمس العون من سيدنا الحسين.   قلت له: ولِمَ لا نتوجَّــه إلــــى ربِّ الحسين – سبحــانه وتعالى – وهــو يقــول لنا: {أَمَّن يُجِيبُ الْـمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 26]؟   قال: لهؤلاء الأولياء مكانة عظيمة لا نستطيع نحــن الضعفـــاء الوصـــول إليها؛ فنحن نتوسل بهم إلى الله !   ثم اجتمع حولنا بعض العامة، وقال أحدهم: هؤلاء الأولياء: سيدنا الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة… أئمة الهدى، وتحت أعتابهم تُستجلَب الرحمات، وبدعائهم يستغيث ذوو الحاجات.   قلت له: أَوَتَظن أن الله – تعالى – هو الذي يفرِّج كَرْبك أم الحسين والسيدة زينب؟   قال بكل استغراب: الله – جل جلاله – هو الذي يفرِّج الكربات، لكنه يضع سِره عند بعض أوليائه، فإذا رضي عنك الولي، كان ذلك سبباً لرضا الله! ثم قال لي آخر (بشيء من الغلظة والنكير): أسيادنا يقولون للشيء: كن، فيكون…!   وبينما أنا خارجٌ من المسجد وقد دارت بي الدنيا وأظلم الطريق في وجهي، إذا بامرأة عجوز تخرج من باب النساء باكية، وترفع صوتها قائلة: ابني تعب من المرض يا سيدنا الحسين… ابني تعب من المــرض يا ســـيدنا الحســـين!   يا سبحان الله!   أيحدث هذا في بلد الإسلام وقلعته الحصينة؟   أيحدث هذا في بلد الأزهر معقِل العلم والعلماء…؟   أنْ يحدث مثل هذا الشرك في بعض مجاهل الهند وأدغال إفريقيا النائية أمر ليس بمستغرب، بسبب اندراس العلم وقلَّة العلماء، لكن الغريب كل الغرابة أن يحدث مثل هذا في مأرز الإسلام وقلبه النابض!   حقيق بكل مسلم غيور على الملَّة أن يبكي بدل الدموع دماً وهو ينظر أو يسمع عن تلك الشركيات المحادَّة لدين الله تعالى!   حقيق بكل داعية مخلص أن يتفطر قلبه ألماً وحزناً، وهو ينظر إلى هؤلاء الناس وأولئك وهم يتيهون في بيداء الشرك و يتخبطون في ظلمة الخرافة.   حقيق بكل عالم وَرِع يريد السلامة وبــراءة الـــذمــة، أن لا يهنأ بطعام ولا شراب، ولا يتلذذ بمنام أو متاع، حتى يؤدي زكاة عِلْمه، ويمحض النصيحة لأمته، ويجدد ما أفسده العوام وأهل الأهواء من عقيدة الإسلام. وليتذكروا قـول الله – تعالى -: {أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأعراف: 561].   وما زاد من ألمي كثيراً أنني قرأت عند مدخل جامع الحسين فتوى فقهية معلَّقة على لوحة كبيرة تؤكد جواز الصلاة في المساجد التي فيها قبور، وترد على القائلين بالتحريم.   يا قرَّاء الإسلام!   أنتم حفظة القرآن الكريم وقرَّاء الإسلام، تُقرئوننا قول الله – تعالى -: {وَأَنَّ الْـمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 81]، وقوله – تعالى -: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [الأعراف: 92]، وقوله – عز وجل -: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ #^12^#) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}. [البقرة: 12 – 22] ولا يخفى عليكم أنه لا يوجد فـــي كتـــاب الله – جل وعلا – أوضح ولا أبين ولا أصرح من الدعوة إلى التوحيد، والبراءة من الشرك، وسدِّ ذرائعه، وقطع أسبابه.   يا علماء مصر!   أنتم تعلمون أن أخص خصائص دين الإسلام: (التوحيد الخالص)، كما قال – تعالى -: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْـخَالِصُ} [الزمر: 3]، وكما قال – سبحانه -: {وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]. به بعث جميع الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – كما قال المولــى – سبحانه وتعالى -: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 52]، وكما قال – تعالى – أيضاً: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 63]. ثم رفع رايته سيد وَلَد آدم #؛ فقد تواترت النصوص النبوية الشريفة التي تأمر بذلك وتدل عليه، ومنها قـول عبد الله بن مسعود – رضـي الله عنه -: قــال رجــل: يا رسول الله! أي الذنب أكبــر عند اللـه؟ قال: «أن تدعو لله نداً وهو خَلَقك»، قال: ثم أي؟ قال: «ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قال: ثم أي؟ قال: «ثم أن تزاني حليلة جارك». فأنزل الله تصديقها: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْـحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 86] .   بل من شدة إشفاق النبي # على أمته أنه حتى مع شدة مرضه الذي مات فيه كــان يحذِّر أصحـابه – رضي الله عنهم – من الزيغ والانحراف عنه؛ ففي الصحيحين عن عائشة وعبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – قـالا: لَـمَّا نزل برسـول الله # (يعني: الموت) طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم كشـفها عن وجهـه، فقـال، وهو كـذلك: «لعنة اللــه على اليهود والنصارى اتخذوا قبـور أنبيائهـــم مساجد» يحذِّر ما صنعوا .   ومِن حرص النبي # على البلاغ المبين أنه لم يكتفِ بسماع بعض أصحابه له، بل حرص أن يكون العلم بذلك عامّاً راسخاً؛ فقد روى أسامة بن زيد – رضي الله عنهما – أن رسول الله # قـال في مرضـه الذي مات فيـه: «أَدخلوا عليَّ أصحابي»، فدخلوا عليه وهو متقنِّع ببردة معافري، فكشف القناع، فقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .   وإني مذكِّركم – أيها الإخوة علماء مصر ودعاتها – بحديث شريف أنتم أعلم به مني، وهو حديث أبي الهيــاج الأسدي؛ حيث قال: قـال لي علــي بن أبــي طالــب – رضـــي اللــه عنـه -: ألا أبعثـك علـى ما بعثني عليـه رسـول اللـــه #: «أن لا تدع تمثــالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته» .   إن التوحيد وإفراد الله – تعالى – بالعبادة بمنزلة الرأس من الجسد؛ فما قيمة الجسد إذا فقد رأسه؟ ولن يجد الإنسان الأُنس والأمن ولذة الحياة إلا في ظل العبودية الخالصة لله – عز وجل – كما قال – تعالى -: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 28]، وقد فسَّر النبي # الظلم في هذه الآية بالشرك .   وكلما ازداد افتقار العبد لمولاه – سبحانه وتعالى – وانكساره بين يديه، والتجاؤه إليه وحده لا شريك له، كانت ثَمَّ طمأنينته وسعادته. يقول – سبحانه -: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 82].   أيها العلماء الأجلاء والدعاة النبلاء!   إنَّ سكوت بعض العلماء وتكاسل بعض الدعاة، وتتابع الناس على ذلك جيلاً إثر جيل، أدَّى إلى رواج سوق الأضرحة وارتفاع أعلامها وتطاوُل مناراتها في كل الأقاليم والمحافظات والمدن والقرى الكبيرة والصغيرة، حتى إن بعض الباحثين في مصر ذكر أن عددها تجاوز ستة آلاف ضريح ، يقام في معظمها موالد حاشدة يجتمع حولها الناس، وتُشدُّ إليها الرحال، وتُذبح لها الذبائح، وتُدفع لها النذور . ويحدث فيها من ألوان الخرافة والدجل والعبـث ما لا يخطر على بال، وأقل ما يقال في كثير من تلك الممارسات إنها مَسْخ للدين وإزراء بأهل الإسلام وتغييب لعقولهم.   إنها ليست مجرد مظاهر عارضة عابرة، بل هي ممارسات متجذرة في قلوب كثير من الناس، وبقاء هذه الأضرحة والمشاهد حتى اليوم يدل على أن الأمر مستفحل استفحالاً شديداً، وأن كثيراً من البسطاء والعوام لا زالوا يجهلون الحق الذي دلت عليه محكمات الشريعة وقواطع الأدلة.   والمؤلم حقاً أن بعض الطرقية في الآونة الأخيرة راح يحيي بعض معالم القبورية من جديد، ويشيِّد أركانها، ويجدد الدعوة إليها، بل يروِّج لها في كثير من وسائل الإعلام.   أعلم أنه قد تتابع تحذير علمــاء مصــر من هذا الشرك، وسرني جداً قول مفتي مصر الشيخ عبد اللطيف عبد الغني حمزة – رحمه الله – بعد أن ذكر بعض الأحاديث النبوية: (من هذه الأحاديث وغيرها يتبين النهي عن البناء على القبور، سواء كان هذا البناء متعلقاً بالميـت: كالقبــة، أو بالحي: كحُجرة، أو مدرسة، أو خباء، أو مسجد، أو بيوت للاستراحة فيها عند الزيارة وغيرها، أو ما كان على القبر نفسه ليرتفع من أن يوطأ، كما يفعله كثير من الناس، وقد حمله الأئمة على الكراهة إذا لم يُقصَد به الزينة والتفاخر، وإلا كان حراماً) .   وسرني أيضاً قول فضيلة الشيخ حسن مأمون شيخ الأزهر، ومفتي الديار المصرية: (أصل الدعوة الإسلامية يقوم على التوحيد، والإسلام يحارب جاهداً كل ما يقرِّب الإنسان من مزالق الشرك بالله، ولا شك أن التوسل بالأضرحة والموتى أحد هذه المزالق، وهي رواسب جاهلية؛ فلو نظرنا إلى ما قاله المشركون عندما نعى عليهم الرسول # قالوا له: {مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، فهي الحجة نفسها التي يسوقها اليوم الداعون للتوسل بالأولياء لقضاء حاجة عند الله أو التقرب منه، ومن مظاهر هذه الزيارة أفعال تتنافى كليــة مع عبادات إسلامية ثابتـة؛ فالطــواف فـي الإسـلام لم يُشْـرع إلا حول الكعبة الشريفة، وكل طواف حول أي مكان آخر حرام شرعاً، والتقبيل في الإسلام لم يُسَن إلا للحجر الأسود، وحتى الحجر الأســود قال فيــه عمر – رضي الله عنه – وهو يقبِّله: والله! لولا أنـي رأيت رسول اللــه # يقبِّلـك ما فعلت؛ فتقبيل الأعتــاب، أو نحاس الضـــريح، أو أي مكان به حرام قطعاً) .   ونظائر هذه الفتاوى كثيرة جداً، وجهود الدعاة والمصلحين في القديم والحديث مذكورة مشكورة، لكنَّ الخطب عظيم ويحتاج الأمر إلى مزيد تأكيد ومضاعفة تذكير؛ فالدعوة إلى التوحيد هي أجلُّ شأن اشتغل به العلماء والمصلحون. {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِـحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنَ الْـمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].   نعم! ربما كان لبعض الجهلة والمتنفذين من أهل الأهواء مصالح شخصية ومطامع دنيوية تدفعهم إلى خداع العوام، ومن مثل هؤلاء سخر شاعر النيل حافظ إبراهيم بقوله:   أحـياؤنـا لا يُـرزقُون بـدرهَمٍ   وبـألفِ ألـفٍ يُرزقُ الأمواتُ   مـَن لِي بحـظِّ النـائمين بحفـرةٍ   قامَت على أحجارِها الصلواتُ   يسـعى الأنـامُ لها ويجـري حولَها   بحـرُ النـذورِ وتُقـرأ الآياتُ   ويقالُ: هذا القطبُ بابُ المصـطفَى   ووسيـلةٌ تُقضى بِهــا الحاجاتُ   لكن الأمر جِدُّ خطير، والأمانة في أعناق العلماء والدعاة كبيرة جداً، قال الله – تعالى -: {وَإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 781]. وسيأتي اليوم الذي يقف فيه العلماء والدعاة بين يدي ربهم ويسألهم – سبحانه – عن هذه الأمانة: هل بلَّغوها للناس حق البلاغ، أم أنهم فرَّطوا وتكاسلوا؟   صحيح أن اقتلاع البدعة من جذورها أمر شاق وعسير، بسبب غربة الدين، وإلف الناس لها، وتتابع الأجيال عليها، وكثرة المنافحين عنهـــا، لكنَّ استحضار قصـص الأنبيــاء – عليهم الصـلاة والسلام – مع أقوامهم من أعظم ما يثير الحمية والغيرة على دين الإٍسلام. والشرف كل الشرف أن يسير العالِم والداعية في ركاب الأنبياء، ويقتدي بآثارهم، ويعض على منهجهم بالنواجذ. قال الله – تعالى -: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 09]، وقال – سبحانه وتعالى -: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّـمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْـحَمِيد} [الممتحنة: 6].   ولهذا؛ فإن الواجب أن يكون العلماء الربانيون والدعاة الصادقون في طليعة المنافحين عن الدين، المجددين لشـــريعة ســيد المرســلين عليه أفضل السلام وأتم التسليم.   ولا يضـرنَّهم تطــاوُل المفسدين، وتعصُّب العوام. قال الله – تعالى -: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْـمُشْرِكِينَ} [الحجر: 49] وما أجمل قول أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز – رحمه الله -: (إن الناس لو كان إذا كبُر عليهم أمر تركــوه، ما قــام لهــم دين ولا دنيا!) . وقديماً وصف إمام العربية مصطفى صادق الرافعي علماء الكنانة بأنهم: «أَسْهُمٌ نافذة من أسهم الله، يرمي بها من أراد دينه بالسوء»، ثم بيَّن – رحمه الله – رسالة الأزهر في: (أن يجدد عمل النبوة في الشعب، وأن ينقي عمل التاريخ في الكتب، وأن يبطل عمل الوثنية في العادات، وأن يعطي الأمة دينها الواضح السمح الميسر، وقانونها العملي الذي فيه سعادتها وقوتها) .   إنَّ الشعـــب المصــري مـــن أرقِّ النـــاس أفئدة، وأكثرهم عاطفة؛ فهــــو محبٌّ بطبعـــه للإسلام وعلمــــائه؛ فلنستثمر هـــذه العـــاطفــة الجياشة في نشر العلم وحمـــــاية جنــــاب التوحيــــد، ولْنـــرعـــــها بتعظـيم السّــــُنة ومحـــــبة الهَدْي النبـــــــوي.   أيها العلماء والدعاة!   استمعوا إلى المنفلوطي وهو يخاطب أهل عصره قائلاً: (هل تعلمــون أن السلف الصالــح كانوا يجصِّصــون قبـــراً، أو يتوسلون بضريح؟   وهل تعلمون أن واحداً منهم وقف عند قبر النبي # أو قبر أحد من أصحابه وآل بيتـه يسأله قضــاء حاجــة أو تفريج همٍّ؟   وهل تعلمون أن الرفاعي والدسوقي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين؟   وهل تعلمون أن النبي # حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل، نهى عنها عبثاً ولعباً، أم مخافة أن تُعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟   وأي فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبــور ما دام كل منها يجرُّ إلى الشرك ويفسد عقيدة التوحيد؟).   أيها العلماء.. أيها الدعاة!   إنني – واللهِ – أحفظ لكم أقداركم، وأُكبر فيكم قوَّتكم وجَرأتكم في الحق، وما هذه الرسالة إلا عرفان بفضلكم، وتذكير بواجبكم: {وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْـمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55]، وأداء لبعض حقكم علينا من النصيحة، وقد جمع النبي # الدين كله في النصيحة، فقال – بأبي هو وأمي -: «الدين النصيحة» .   وليس الهدف من هذه الرسالة هو التحرير العلمي لأطراف الموضوع ومسائله؛ فلذلك مقامه، وإنما هي إشارات مختصرات، ودعوة من القلب لاستنقاذ هؤلاء العوام من أوحال الخرافة التي يتقحمون فيها بلا علم ولا هدىً.   إنها دعوة لأشياخنا وأساتذتنا لاستنهاض الهمم ونصرة الدين.   إنها زفرة ألم أبثها إلى أهل الغيرة وعلماء الملَّة وورثة الأنبياء والدعاة النابهين اللهم هل بلغت!… اللهم فاشهد!

 أحمد بن عبد الرحمن الصويان رئيس تحرير مجلة ” البيان “.

 

أبو عمر

صفر 1431هـ

25 يناير 2010

Older Entries