مجمــوع نســـائم القــــرآن

الرسالة الرابعة:

جوابات القـرآن

** أثار انتباهي زمناً أن كل الشباب المبتدئين في الثقافة والذين يتبجحون بأفكار مخالفة للقرآن أنك حين تقترب من أحدهم وتبدأ في مناقشته يتكشف لك داخل صدره بالون الغرور المنتفخ .. والزهو المزيف بأنه مطلع ويعرف مصطلحات معقدة بين مجموعة من الجهلة .. الحقيقة أنني لم أستطع أن أربط بين (الغرور) و (الضلال عن آيات الوحي) .. لم يدر في خلدي أن فقاعة الغرور تلك هي التي عصبت عينيه عن إبصار برهانية آيات الوحي .. وحين مررت هذه الأيام بآية في كتاب الله، ارتبطت أمامي أطراف الصورة من جديد .. كم اندهشت حين اكتشفت عبر القرآن أن المريض بخيلاء الثقافة يعاقبه الله بأن يحجب عنه برهانية أنوار الوحي .. قال الحق تبارك وتعالى:

(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا ) الأعراف (146)

 

 

** كنت مرة في صالون ثقافي شهير في شرق الرياض، كان ينظمه أسبوعياً أحد الوجهاء/الأدباء، وفي أحد التعقيبات استلم هذا الوجيه/الأديب اللاقط وانهمر يلمز خطاب أهل السنة والجماعة بأنه خطاب مبني على الكراهية، وأخذ يندد بخطاب الكراهية، وثقافة الكراهية، بكل حجة ممكنة .. إحدى تلك الحجج التي كررها أكثر من مرة، ولفتت انتباهي، بل وفكرت فيها طويلاً، هي قوله (لماذا نكره من يختلف عنا دينياً، هم لم يختاروا أفكارهم إلا لأنهم يرون أنها هي الصواب، هل يعقل أن يعرف المرء أن فكرة ما غير صواب ومع ذلك يتبناها؟ هل يعقل أن يضر المرء نفسه؟ ) .. وتكررت العبارة الأخيرة كثيرا (هل يعقل أن يختار أن يضر المرء نفسه؟ هل يعقل أن يختار أن يضر المرء نفسه؟) .. ثم بعد فترة مررت بآية في كتاب الله هزتني هزاً .. وأخذ سؤال ذلك الوجيه/الأديب يتصدع أمام عيني وينثال كثيباً مهيلاً .. آية في كتاب الله كشفت كيف يعرف المرء الحق أكثر مما يعرف ولده .. ومع ذلك يختار الضلالة .. هل هناك أشد من معرفة الإنسان ولده الذي من صلبه؟ ومع ذلك قد يصل الانسان إلى مثل هذه المعرفة في الوعي بالمطلوب شرعاً لكنه يقرر بمحض إرادته اختيار الباطل بسبب هواه .. قال تعالى:

(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) البقرة (146)

 

 

** ثمة طائفة من الناس ليس لهم جهود في الاحتساب ومدافعة الباطل وأهله، ولكنهم مقرون بتقصيرهم منكسرون لله إزاء استغراقهم وانهماكهم بشؤونهم المعيشية عن نصرة دين الله، ومحبون وموالون لأولئك المحتسبين الذين يجاهدون المنكرات الشرعية ويضحون بوقتهم ومالهم وراحتهم .. فالفريق الثاني ما أقربه إلى الأول ببركة مبدأ “المرء مع من أحب” .. ولكن ثمة فريق ثالث من الناس لم يكتفوا بقعودهم وتقصيرهم في الاحتساب والدعوة .. بل زادوا على ذلك بأن امتهنوا التثبيط والتخذيل وتشجيع التثاقل إلى الأرض، لاتراهم في أي منكر من المنكرات، وإنما تراهم يتصيدون الشبهات والشذوذات يصدون بها الدعاة عن حميتهم وغيرتهم .. وهذا الفريق الثالث توعده الله بخطاب مخيف حين يقول الله عنهم:

(قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ) الأحزاب (18)

 

 

** تمر بالمرء آيات كثيرة بين ثنايا المصحف تعظم من شأن الأنبياء .. وتملأ قلب المؤمن إجلالاً لهم وتوقيراً لمنازلهم .. ولكن ثمة آية واحدة ذكر الله فيها موسى عليه السلام .. لا أدري لماذا يقشعر بدني حين أمر بها .. أعرف أن موسى هو الرجل الثالث في ميزان الله بين مليارات البشرية جمعاء في كل تاريخها الطويل .. لكن هذه الآية بلغت من الدلالة على عظمة موسى ماينخلع له قلبي حين أمر بها .. قد يذكر الله صفة عظيمة من صفات نبي .. وهذا لاشك منقبة جليلة .. لكن أن يذكر الله سبحانه وتعالى عن نفسه شيئاً يخص هذا الشخص بعينه، ويذكره بمثل هذه اللغة المليئة بمعاني الفرادة .. فهذا مالم أستطع أن أتمالك نفسي كل مامررت بها .. يقول تعالى عن موسى عليه السلام:

(وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) طه (41)

 

** حين تكون “العلاقة الزوجية” على مايرام فإن الرياح تجري بما تشتهي السفن .. لكن حين تتأزم العلاقة الزوجية وتصل إلى عنق الزجاجة .. ويصبح الطلاق هو الزلزال الوشيك فإن “التقوى وخوف الله” تكون غالباً في أضعف حالاتها .. إن أيام الشجار التي تسبق الطلاق تكون غالباً مليئة بالفجور في الخصومة .. ولذلك ما أكثر ماشدني ولفت انتباهي آيتين متتاليتين في كتاب الله تحدثتا عن أحكام الطلاق .. فبرغم أن الآيتين مكرستين لأحكام الطلاق إلا أن الله سبحانه ذكّر الزوجين فيها بمراعاة “حدود الله” ستة مرات .. في آيتين فقط مخصصتين لأحكام الطلاق ومع ذلك يؤكد ربنا مراعاة “حدود الله” ستة مرات! .. أي إشارة لتأكيد هذا الموضوع أكثر من ذلك .. بالله عليك أقرأ هاتين الآيتين بترسّل .. وانظر كيف يختار الله الموضع الذي يعيد فيه التأكيد على “حدود الله” .. يقول تعالى:

(الطَّلاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ** فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) البقرة (229-230)

 

 

** حين يطالع المرء المقالات والمذاهب المنحرفة التي رواها القرآن عن خصوم الرسل، وحين يطالع المرء –أيضاً- موسوعات فن “الملل والنحل” فإنه يلاحظ ظاهرة حادة الوضوح لايمكن بتاتاً أن تعبر بين عينيه دون أن يحدق فيها .. بل لقد سمعت الكثير من المراقبين لايمل من تكرار تساؤله عن هذه الظاهرة .. ألا وهي ظاهرة (إعادة إنتاج الانحراف) .. فالكثير الكثير من الظواهر الفكرية المنحرفة عن مبادئ الوحي حين تحلل جوهرها تجد أنها فكرة قديمة أكل عليها الدهر وشرب .. صحيح أن هناك تجديد وتغيرات في شكل الصياغة والمكياج اللغوي، لكن جوهر الفكرة المنحرفة فيه تشابه هائل مثير للدهشة .. إنها أشبه بتدوير النفايات من جديد (Recycling) ، فالشكل الخارجي مختلف لكن المادة هي المادة! .. خذ مثلاً: المفكر العلماني المعروف محمد أركون كتب عدة دراسات يلمز القرآن بأنه أسطوري البنية بسبب الوسط الثقافي الذي تشكلت فيه تصورات محمد .. يتصور أن هذه نظرية جديدة! برغم أن الله ساق عن مشركي قريش ذات النظرية (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) .. وهؤلاء هم الليبراليون في أيام غزة صاروا يرددون بأن المقاومة “لو كانوا عقلاء وسمعوا نصيحتنا والتزموا الصمت لما وقع عليهم القتل والذبح” .. برغم أن الله ساق هذه المقالة عن المنافقين حين قالوا  (الذين قالوا لاخوانهم وقعدوا: لو أطاعونا ماقتلوا، قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) .. بل كان بعض السلف يرى أن آية (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم) تكررت في مشهد انحراف فلاسفة الإسلام عن الوحي غرورا بعلومهم العقلية! .. وشواهد هذه الحالة التي يرى المرء فيها المذاهب المنحرفة في القرآن يعاد إنتاجها مع بعض التحسينات الشكلية كثيرة جداً، حتى كان بعض السلف إذا رأى بدعة يتصور بعض الناس أنها جديدة يقول (لكل قوم وارث) أي أن هذه لها أصول قديمة فلاجديد!

المهم ليس ماسبق كله .. المهم أنني كنت أتصور أن هذه الملاحظة هي مجرد فرضية في قراءة تاريخ الملل والنحل، وليس هناك استقراء واضح يؤكد كونها فعلاً ظاهرة تاريخية .. ولكم كانت دهشتي في غايتها حين وقفت على آية عظيمة تشرح هذا القانون التاريخي الذي تعيد فيه الانحرافات إنتاج ذاتها، وتبدد وهمي السابق أنها مجرد ملاحظة عابرة يبديها بعض المختصين .. يقول الحق تبارك وتعالى:

(مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ) فصلت (43)

 

 

** من الأمور اللافتة للانتباه أن هذا القرآن العظيم برغم كونه هدى وشفاء وبيان ونور وحجة وبرهان الخ الخ .. إلا أنه من الغريب فعلاً أنه ليس كل الناس ينتفعون بهذا الهدى والبيان! وطالما ثار في ذهني تساؤل غريب: مادام أن هذا القرآن هدى وبيان لم لم يهتد به الناس جميعاً؟ بل كنت أرى ظاهرة وأتحرز من التصريح بها خوفاً من أكون انتهكت هذا الوصف القرآني، حيث كنت أرى بكل وضوح خلال تاريخنا أن كثيراً من المنتسبين للمعرفة يتورطون في تحريف وجحد بعض معاني القرآن لتوافق ثقافة المنتصر (تحريف الغيبيات لتوافق الثقافة اليونانية، وتحريف التشريعات لتوافق الثقافة الغربية) .. فبكل صراحة كنت أقول في نفسي هؤلاء لما قرءوا القرآن لم يهتدوا، بل ولم يخِفّ ضلالهم، وإنما زاد ضلالهم، فبعد أن كان ضلالاً بسيطاً، صاراً ضلالاً مركباً، لكنني كنت أتخوف من أن أصارح نفسي بمثل هذه النتيجة، وأتوقف كثيراً أمامها، وأعود للتساؤل: هل يمكن أن يقرأ الإنسان القرآن ويزداد ضلالاً؟ .. وبعد مدة وقفت على الجواب في القرآن، وكشف الحق تبارك وتعالى عن هذه الظاهرة بكل وضوح، حيث أوضح أن القرآن لبعض الناس زيادة هدى، ولبعض الناس زيادة ضلال بسبب أهوائهم، تأمل بالله عليك كيف يصف القرآن حال الناس عند نزول سورة جديدة من سور القرآن:

(وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) [ التوبة: 124-125]

 

 

** إذا كان الله سبحانه وتعالى عاتب سيد الخلق عليه الصلاة والسلام بسبب أنه تصدى لبعض النافذين يريد هدايتهم، لما يرجوا من هداية من ورائهم بهم، وانشغل عن أحد الضعفاء، من باب موازنة المكتسبات الدعوية .. ومع ذلك عاتبه الله في آيات تتلى إلى يوم القيامة .. فكيف –بالله عليكم- برجل منتسب إلى المشيخة يؤول آيات القرآن ليستحوذ على إعجاب الإعلام وصناع القرار! يقول تعالى في واحد من أعظم دروس الدعوة:

(أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّىٰ) عبس (5-6)

 

 

** كثير من المتثيقفين المعاصرين يصورون أي خطاب ديني يعظم من قيمة “حياء المرأة” على أنه خطاب ذكوري متسلط يريد إضعاف المرأة ليستولي عليها، فهم يريدون المرأة أن تتحدث علناً كما يتحدث الرجال لأنه في نظرهم مقتضى المساواة .. يا ألله لاتدري كم شعرت بالأسى لهؤلاء المساكين وأنا أقرأ تصوير القرآن لحياء فتاة مدين .. ذلك التصوير الذي يحمل تثميناً ضمنياً .. يقول تعالى:

(فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) القصص (25)

 

 

-كلما عظم شأن الرسالة عظم شأن ناقلها، فأي رسالة أعظم من أن يكون المتكلم بها رب العالمين، ونزل بها من السماء سيد الملائكة، واستقبلها على الأرض قلب سيد البشر: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ، عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) [الشعراء:192-194]

ولذلك فإن كل من نقل هذه الرسالة القرآنية وبثها في الناس فقد تشرف بارتباطه بهذه السلسله، ألا ترى النبي في الصحيح يقول (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).

 

-إذا كان الله نهى نبيه عن مقاطعة القرآن بالقرآن، فكيف بمن يقاطع القرآن بأمر الدنيا، (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ) [طه:114]

 

-تختلف طرائق الدعاة في تذكير الناس، فبعضهم يستعمل القصص والأمثال، وبعضهم بذكر الأهوال، وبعضهم بالأصوات الزاجرة، وأشرف من ذلك كله إيقاظ القلوب بالقرآن، ألا ترى الله يقول عن نبيه (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ) [الأنبياء: 45]

 

 

-ما قرأت هذه الآية إلا شعرت بالخجل من جنس بني آدم، كيف عبر عن غيرنا بالعموم وعبر عنا بالجزء : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) [الحج: 18]

 

-حين يكون مع المبدأ شئ من حظ النفس يُقبِل الكثيرون، وحين يكون مع المبدأ شئ من الكلفة يكثر التعلل والتنصل، ألا ترى الله تعالى يقول (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ) [التوبة:42] وهذا مايفسر للمراقب: لماذا في وقت نفوذ الدعوات ينتسب لها الرسالي والنفعي، وفي فترات الضعف يتساقط النفعيون؟!

 

-إذا عمر القلب بإرادة وجه الله والدار الآخرة استكثر أدنى تقدير يبديه من حوله تجاهه، فتراه ممتناً لأبسط اهتمام تبذله زوجته له، وخجولاً من أقل توقير يبديه أقرانه تجاهه، ألا ترى الله يقول عن هذا الصنف (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لانُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاشُكُورًا) [الإنسان: 9]

وإذا شحن القلب بحظوظ النفس استقل كل حشمة يحيطه من حوله بها، ويتطلب فيمن حوله أن لاتنقطع إشادتهم وتنويههم بما قام به، لذا تراه دائم التذمر والنقمة ولمز من حوله بجحد فضائله، وينسى أنه يعمل العمل لنفع نفسه أصلاً، ألا ترى الله يقول عن هذا الصنف (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاتَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ) [الحجرات: 17]

 

 

-لو فتشت في خفايا كثير من النفوس لوجدت تصورات مطمورة بأن هذه الأمم الغربية قوة لاتقهر، بل لقد صرح بذلك كثير من “أهل الأهواء الفكرية” فرددوا في كتاباتهم مصطلح “المعجزة الغربية” بما يحمله من إيحاءات الاستسلام وتأبيد الهزيمة .. ولأن العليم الخبير سبحانه يعلم مايتسرب إلى النفوس من هذه التصورات فقد نبه سبحانه لذلك مسبقاً فقال (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ) [النور: 57]

 

-في سورة النور ذكر الله ثمان آيات متصلة كلها في تعظيم “الانقياد للوحي” (الآيات 47-54) ، ثم أعقبها بآية عن “الاستخلاف والتمكين” (55) ، فكأن هذا –والله أعلم- إشارة إلى أن التمكين ثمرة الانقياد.

 

-يكثر في كتابات أهل الأهواء الفكرية أنهم حين يستعرضون أصحاب المكتشفات العلمية أو الأعمال الإنسانية أن يجزموا بأن هذه الشخصيات في الجنة حتى وإن لم يؤمنوا بنبوة محمد، وتراهم يقولون “كيف يكون هؤلاء في النار وقد نفعوا البشرية جمعاء؟!” ، فلست أدري كيف يتجرأ هؤلاء على تحدي حكم الله الذي اشترط الإيمان بنبوة محمد  (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) [التوبة:54]

 

-مروجوا الشهوات لايقتصر ضررهم على أنفسهم كما يتصور البعض، بل يورطون أقوامهم معهم إذا أتاحوا الفرصة لهم، ألا ترى الله يقول (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) [إبراهيم:28]

 

-مارأيت أحداً من المجادلين في دين الله بلامخزون علمي إلا وأدهشني كيف يلوي عنقه استكباراً إذا واجهته الأدلة التي تحرج جدله، وقد أشار القرآن لهذه العلاقة فقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِير،  ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [الحج: 8-9]

 

-لايحصل العلم بلقاء عابر، وإنما بملازمة ومتابعة العلماء، ألا ترى موسى يقول للخضر  (قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) [الكهف:66]

 

-أي بشاعة للتقصير في بر الوالدين أكثر من كون الله جعله جريمة “جبروت” فقال عن عيسى (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) وقال عن يحي (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) [مريم: 32، 14]

 

أبو عمر

صفر 1431هـ

23 يناير 2010

Advertisements