بعض أهل الأهواء يذكر أحياناً آيات يحتج بها على مقتضى هواه، وهو يعلم في قرارة نفسه أن هذا التفسير للآية الذي يطرحه مجرد “أمنية” أكثر من كونه يقين بمعنى الآية، فهو في الحقيقة يتمنى فقط أن يكون معنى الآية كما يريد. لنضرب على ذلك مثلاً قبل أن نتناول هذه القضية، خذ معي هذا المثال: يأتي بعض أهل الأهواء ويحتج على فكرة تكريم الأديان، وتشريف الإنسان بذاته بغض النظر عن هويته الدينية، بقوله تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) وهو يعلم في قرارة نفسه أن هذا “تكريم خَلْقي”، وأما قيمة الإنسان غير المسلم فقد شرحتها النصوص الأخرى كقوله تعالى (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) وقوله (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) وقوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) وأمثال هذا التحقير والإزراء بقيمة الإنسان غير المسلم لاتحتاج لبحث في القرآن.

حسناً ماسبق هو مثال فقط أردنا وضعه على المشرحة كـ”وسيلة إيضاح”، فهذه الحالة السابقة مجرد نموذج لأشخاص كثيرين يستدلون بآيات وهم يعلمون أن تفسيرهم للآية مجرد “أمنية” فقط، أي أنه بودّه لو كان معنى الآية كذلك. كانت هذه الحالة واضحة في ذهني، لكني تفاجأت بأن هذا المعنى منصوص في القرآن، حيث نبه الله على أمنيات التفسير بقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ}. يا ألله .. علمهم بمعاني النصوص هو مجرد أمنيات لا حقائق!

يقول إمام التابعين في التفسير الإمام مجاهد بن جبر:  (كانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون هو من الكتاب، أمانيّ يتمنونها) [الطبري، 2/261].ويشير الإمام ابن تيمية إلى ماتتناوله هذه الآية من المعاني فيقول: (وذم الله الذين “لايعلمون الكتاب إلا أماني”، وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه، ومتناول لمن كتب كتاباً بيده مخالفاً لكتاب الله لينال به دنيا) [درء التعارض].

بالله عليك.. تأمل في كثير من التفسيرات والتأويلات والتجديدات التي تطرح اليوم للنصوص الشرعية، أليس أكثرها مجرد “أمنيات تأويلية” يعلم ملقيها وكاتبها قبل غيره أنه يتمنى فقط!

حين أستمع لشخص من هؤلاء الذين انهمكوا في تقديم خطاب ديني جديد عبر “البرامج الدينية” في الإعلام الليبرالي، أو عبر “الكتابات الفكرية” التي يسمونها التجديد الديني، أتمتم رغماً عني وبشكل تلقائي بهذه الآية: لايعلمون الكتاب إلا أمانيّ.. لايعلمون الكتاب إلا أمانيّ  !

ألا ما أكثر “المتمنّين” اليوم .

أبو عمر

صفر 1431هـ

24 يناير 2010

 

Advertisements