سمعت مؤخراً أكثر من واحد من الإخوة يتساءل ويقول: إن أئمة السلف يوصون كثيراً بالقرآن وبأنه كفيل بإزالة كل الشبهات والشهوات، وهذا المعنى منتشر في كلام السلف كثيراً، أي أن القرآن هو الدواء الحاسم لكل مواد الشهوات السلوكية والشبهات العلمية، فيقول بعض الإخوة: إذا كان ذلك كذلك فلماذا قرأ القرآن بعض أهل الأهواء وضلوا، وحملوا آياته على مايوافق ضلالاتهم؟ وإذا كان الشخص قد يقرأ القرآن ويضل فلاداعي لأن نحث الناس على الاقبال على القرآن؟

وهؤلاء الإخوة غاب عنهم أن من قرأ القرآن بالطريقة التي نبه عليها القرآن ذاته فهو له هدى قطعاً لأن الله لايخلف وعده، وأما من خالف طريقة القرآن في قراءة القرآن فسيضل، لا لنقص الهداية في القرآن وإنما لتقصير القارئ، والقرآن فصل وشرح كل القواعد العلمية والايمانية اللازمة للاهتداء بالقرآن، فمن خالف هذه المبادئ فلايلُم القرآن وإنما ليلُم نفسه، ومثل هذا لايقال أنه استهدى بالقرآن فلم يهتدِ، بل يقال قرأ القرآن بمقتضى هواه لابمقتضى القرآن فضل.ومن يقول أن “القرآن ضل به طوائف من أهل الأهواء فلاداعي لتكريس الدعوة إليه” هو كمن رأى شخصاً استعمل دواءً على غير الطريقة التي وصفها له الطبيب فلم ينتفع بالدواء بل ضرّه، فجاء يحذر الناس من استعمال الأدوية لأنها تضر!

وهذه القضية شرحها أهل السنة كثيراً، وسأنتقي هاهنا بعض المعالجات الجميلة لابن تيمية وابن القيم:

–       قال ابوالعباس ابن تيمية: (الناظر في الدليل بمنزلة المترائي للهلال، قد يراه، وقد لا يراه لعشى في بصره، وكذلك أعمى القلب) [مجموع الفتاوى 4/38].

–       قال الإمام ابن تيمية: (لا تعجب من كثرة أدلة الحق وخفاء ذلك على كثيرين، فإن دلائل الحق كثيرة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وقل لهذه العقول التي خالفت الرسول في مثل هذه الأصول “كادها باريها” واتل قوله تعالى “وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون” ) [درء التعارض].

–       وقال ابن القيم في زاد المعاد: (ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة، فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول واعتقاد الشفاء به، وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان، فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور – إن لم يتلق هذا التلقي – لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها، بل لا يزيد المنافقين إلا رجسا إلى رجسهم، ومرضا إلى مرضهم، وأين يقع طب الأبدان منه، فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة والقلوب الحية، فإعراض الناس عن طب النبوة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع، وليس ذلك لقصور في الدواء، ولكن لخبث الطبيعة، وفساد المحل، وعدم قبوله). [زاد المعاد].

–       قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة: (ولا ريب أن القلب إذا طبع عليه أظلمت صورة العلم فيه وانطمست، وربما ذهب اثرها حتى يصير السبب الذي يهتدي به المهتدون سببا لضلال هذا، كما قال تعالى “يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به الا الفاسقين” فأخبر تعالى ان القرآن سبب لضلال هذا الصنف من الناس، وهو هداه الذي هدى به رسوله وعباده المؤمنين، ولهذا اخبر سبحانه إنه إنما يهتدي به من اتبع رضوان الله، قال تعالى “وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ايمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون” ولا شيء اعظم فساداً لمحل العلم من صيرورته بحيث يضل بما يُهتدى به، فنسبته إلى الهدى والعلم نسبة الفم الذي قد استحكمت فيه المرارة إلى الماء العذب)[مفتاح دار السعادة]

–       وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان: (فالقرآن: بصيرة، وتبصرة، وهدى، وشفاء، ورحمة، بمعنى عام وبمعنى خاص، ولهذا يذكر الله سبحانه هذا وهذا، فهو هدى للعالمين وهدى للمتقين، وشفاء للعالمين وشفاء للمؤمنين، وموعظة للعالمين وموعظة للمتقين، فهو في نفسه هدى ورحمة وشفاء وموعظة، فمن اهتدى به واتعظ واشتفى كان بمنزلة من استعمل الدواء الذي يحصل به الشفاء، فهو دواء له بالفعل، وإن لم يستعمله فهو دواء له بالقوة، وكذلك الهدى، فالقرآن هدى بالفعل لمن اهتدى به وبالقوة لمن لم يهتد به، فإنما يهتدى به ويُرحم ويتعظ: المتقون الموقنون. فههنا ثلاثة أشياء: فاعل وقابل وآلة. فالفاعل هو الله تعالى، والقابل قلب العبد، والآلة هو الذي يحصل به الهدى وهو الكتاب المنزل، والله سبحانه يهدي خلقه هدى، كما يقال: دلهم دلالة وأرشدهم إرشادا وبين لهم بيانا. والمقصود: أن المحل القابل هو قلب العبد المتقي المنيب إلى ربه الخائف منه الذي يبتغي رضاه ويهرب من سخطه، فإذا هداه الله فكأنه وصل أثر فعله إلى محل قابل فيتأثر به، فصار هدى له وشفاء ورحمة وموعظة بالوجود والفعل والقبول، وإذا لم يكن المحل قابلاً وصل إليه الهدى فلم يؤثر فيه، كما يصل الغذاء إلى محل غير قابل للاغتذاء فإنه لا يؤثر فيه شيئا، بل لا يزيده إلا ضعفا وفسادا إلى فساده، كما قال تعالى في السورة التي نزلها “فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم” وقال “وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا” ، فتخلف الاهتداء يكون لعدم قبول المحل تارة، ولعدم آلة الهدى تارة، ولعدم فعل الفاعل وهو الهادي تارة، ولا يحصل الهدى على الحقيقة إلا عند اجتماع هذه الأمور الثلاثة. وقد قال سبحانه “ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون” فأخبر سبحانه أنه قطع عنهم مادة الاهتداء وهو إسماع قلوبهم وإفهامها ما ينفعها لعدم قبول المحل فإنه لا خير فيه، فإن الرجل إنما ينقاد للحق بالخير الذي فيه والميل إليه والطلب له ومحبته والحرص عليه والفرح بالظفر به، وهؤلاء ليس في قلوبهم شيء من ذلك، فوصَل الهدى إليها ووقَع عليها كما يصل الغيث النازل من السماء ويقع على الأرض الغليظة العالية التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فلا هي قابلة للماء ولا للنبات، فالماء في نفسه رحمة وحياة ولكن ليس فيها قبول له، ثم أكد الله هذا المعنى في حقهم بقوله “ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون” فأخبر أن فيهم مع عدم القبول والفهم آفة أخرى وهي الكبر والإعراض وفساد القصد، فلو فهموا لم ينقادوا ولم يتبعوا الحق ولم يعملوا به، فالهدى في حق هؤلاء هدى بيان وإقامة حجة، لا هدى توفيق وإرشاد، فلم يتصل الهدى في حقهم بالرحمة، وأما المؤمنون فاتصل الهدى في حقهم بالرحمة، فصار القرآن لهم هدى، ولأولئك هدى بلا رحمة) [إغاثة اللهفان].

وخلاصة القول أن تدبر القرآن بالطريقة التي وصفها القرآن يقود إلى الهداية قطعاً، وأما قراءة القرآن مع مخالفة هذه الطريقة القرآنية فإنه لاينتج أثره، بل قد ينتج نقيض هذا الأثر، ونظير ذلك أن الدواء لايكفي فيه تناول مادته، بل تناول المادة مع طريقة التناول ذاتها.  

 

أبو عمر

صفر 1431هـ

24 يناير 2010

Advertisements