عجزوا عن أن يقولوا للظالم ياظالم.. فجاؤوا للمظلوم وقالوا له أنت الظالم أصلاً..! مرعوبون أن يقولوا لمن أكل العقارات لم أكلتها .. فجاؤوا للمغلوب على أمره وقالوا: أين فتاواك في تحريم أكل أموال الناس بالباطل (وهل رأيتم عالماً يفتي بضد ذلك أصلاً؟!). ارتعدت فرائصهم عن أن يقولوا لمن أضاع أموال المسلمين عن بناء التقنية وصناعة التكنولوجيا لماذا أضعتها؟ فجاؤوا لمن ركنت فتاواه جانباً وقالوا له بافتراء بارد: أصلاً طويل العمر يتمزق حسرة على بناء التقنية والمدنية والحضارة لكن الذي أفتيت ضد البرقية والراديو حتى تحطمت مشاعره وترك التقنية والمدنية!
حين أرادوا أن يهمسوا بأن الولايات لاتعطى بناءً على الكفاءة وإنما بناء على النسب نشفت حلوقهم، فاستداروا وقالوا للمولى عليهم: أنتم الذين لاترغبون بالأكفاء لأنكم لم تتجاوبوا مع الفكر السياسي الحديث! أرداو أن يقولوا لمن بيده القرار لماذا وزاراتنا متخلفة وأداؤها يتردى يوماً بعد يوم، وخصوصاً الصحة والاسكان والتعليم، أين خططكم؟ أين برامجكم؟ لماذا الناس من حولنا يحلون مشكلات وزاراتهم إدارياً بكل سهولة ونحن لانزال نراوح في مكاننا؟ اكتشفوا أن هذه المواجهة كلفتها باهضة، فجاؤوا لضحايا هذه الوزارات وقالوا : أنتم الذين لم تتكلموا في الفقه الإسلامي عن طريقة إصلاح الوزارات!
قاموا يريدون أن يجددوا الدين ضد “الفساد السياسي” فاكتشفوا أنفسهم فجأة بين جدران الحاير! فخرجوا يتبسمون للفضائيات ويقولون والله عذراً على سوء الفهم أصلاً يجب أن نجدد الدين من “الفساد السلفي” .. ترى لو كانت السلفية تملك حايراً -ولو حوشاً صغيراً- هل سنرى هذا الفكرة الجديدة؟!
حين أرادوا أن يقولوا لمن بيده القرار لماذا دلقت باب الاختلاط المحرم بين الفتيان والفتيات في كليات الطب وجامعة كاوست ونحوها فأدركهم الهلع حين رأو الرؤوس تتطاير فوق المناصب، فجاؤوا لمن لم تسمع كلمتهم أصلاً وقالوا: أصلاً فتاواكم في تحريم الاختلاط هي التي دفعت من بيده القرار ليتوسع في الاختلاط، ولكل فعل ردة فعل! بلغت قلوبهم الحناجر حين فكروا أن يقولو “سنصدع بالحق في وجه السلطة” .. فغيروا الفكرة وقالوا “سنصدع بالحق في وجه العلماء” !
يرون المنكرات السلوكية تعج بها البلد وتتزايد يوماً بعد يوم، وقفوا مع أنفسهم مرةً وقفة صدق، وفكروا أن يقولوا لمن بيده القرار: أوقف هذه المنكرات المتزايدة، لكنهم عدلوا عن الفكرة التي همسوا لأنفسهم بها مجرد همس، لأن الجدار له أذن، وقالوا: الحقيقة أن المسؤول عن انتشار المنكرات هو فتاوانا السابقة في سد الذرائع! إيييييه .. إنها شجاعة الجبناء ..
إذا رأيت النظام السياسي، والفريق الليبرالي المحيط به، يبدد الأموال من حواليك، ويشجع الكتبة المنحرفين على التطاول على الشريعة، فمن التهور أن تواجه هؤلاء الذين بيدهم المناصب والإعلام، ومن المزعج أن لاترى نفسك شجاعاً، ولذلك فالفكرة الذكية تقتضي أن تتشيجع على “أهل السنة”، فاصفع الجدار القصير من باب الشجاعة، وارفع يد التحية للجدار الطويل من باب التعقل والرزانة! حين تكون في شركة يتسلط فيها الرئيس على المرؤوسين فيلتهم أموال الشركة ويحابي في المناصب فإن انتقدت الرئيس فستجد نفسك خارج الشركة، وإن سكت فسترى نفسك لادور لك، فالمنطق الرائع الذي يسمى “منطق شجاعة الجبناء” يقتضي أن تبدأ في تلاوة اللوم على الموظفين لأنهم هم العائق أمام تطوير الشركة، والرئيس المسكين يتمنى لو طورها لكن أنتم العائق بسبب ضيق أفقكم ومحدودية تفكيركم وعدم وعيكم بالمتغيرات!   يالشجاعة الجبناء!

أبو عمر
صفر 1431هـ
24 يناير 2010

Advertisements