إذا كان القرآن كتاب هداية فلماذا يقرأه البعض ويضل؟

أضف تعليق

     سمعت مؤخراً أكثر من واحد من الإخوة يتساءل ويقول: إن أئمة السلف يوصون كثيراً بالقرآن وبأنه كفيل بإزالة كل الشبهات والشهوات، وهذا المعنى منتشر في كلام السلف كثيراً، أي أن القرآن هو الدواء الحاسم لكل مواد الشهوات السلوكية والشبهات العلمية، فيقول بعض الإخوة: إذا كان ذلك كذلك فلماذا قرأ القرآن بعض أهل الأهواء وضلوا، وحملوا آياته على مايوافق ضلالاتهم؟ وإذا كان الشخص قد يقرأ القرآن ويضل فلاداعي لأن نحث الناس على الاقبال على القرآن؟

وهؤلاء الإخوة غاب عنهم أن من قرأ القرآن بالطريقة التي نبه عليها القرآن ذاته فهو له هدى قطعاً لأن الله لايخلف وعده، وأما من خالف طريقة القرآن في قراءة القرآن فسيضل، لا لنقص الهداية في القرآن وإنما لتقصير القارئ، والقرآن فصل وشرح كل القواعد العلمية والايمانية اللازمة للاهتداء بالقرآن، فمن خالف هذه المبادئ فلايلُم القرآن وإنما ليلُم نفسه، ومثل هذا لايقال أنه استهدى بالقرآن فلم يهتدِ، بل يقال قرأ القرآن بمقتضى هواه لابمقتضى القرآن فضل.ومن يقول أن “القرآن ضل به طوائف من أهل الأهواء فلاداعي لتكريس الدعوة إليه” هو كمن رأى شخصاً استعمل دواءً على غير الطريقة التي وصفها له الطبيب فلم ينتفع بالدواء بل ضرّه، فجاء يحذر الناس من استعمال الأدوية لأنها تضر!

وهذه القضية شرحها أهل السنة كثيراً، وسأنتقي هاهنا بعض المعالجات الجميلة لابن تيمية وابن القيم:

–       قال ابوالعباس ابن تيمية: (الناظر في الدليل بمنزلة المترائي للهلال، قد يراه، وقد لا يراه لعشى في بصره، وكذلك أعمى القلب) [مجموع الفتاوى 4/38].

–       قال الإمام ابن تيمية: (لا تعجب من كثرة أدلة الحق وخفاء ذلك على كثيرين، فإن دلائل الحق كثيرة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وقل لهذه العقول التي خالفت الرسول في مثل هذه الأصول “كادها باريها” واتل قوله تعالى “وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون” ) [درء التعارض].

–       وقال ابن القيم في زاد المعاد: (ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة، فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول واعتقاد الشفاء به، وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان، فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور – إن لم يتلق هذا التلقي – لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها، بل لا يزيد المنافقين إلا رجسا إلى رجسهم، ومرضا إلى مرضهم، وأين يقع طب الأبدان منه، فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة والقلوب الحية، فإعراض الناس عن طب النبوة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع، وليس ذلك لقصور في الدواء، ولكن لخبث الطبيعة، وفساد المحل، وعدم قبوله). [زاد المعاد].

–       قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة: (ولا ريب أن القلب إذا طبع عليه أظلمت صورة العلم فيه وانطمست، وربما ذهب اثرها حتى يصير السبب الذي يهتدي به المهتدون سببا لضلال هذا، كما قال تعالى “يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به الا الفاسقين” فأخبر تعالى ان القرآن سبب لضلال هذا الصنف من الناس، وهو هداه الذي هدى به رسوله وعباده المؤمنين، ولهذا اخبر سبحانه إنه إنما يهتدي به من اتبع رضوان الله، قال تعالى “وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ايمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون” ولا شيء اعظم فساداً لمحل العلم من صيرورته بحيث يضل بما يُهتدى به، فنسبته إلى الهدى والعلم نسبة الفم الذي قد استحكمت فيه المرارة إلى الماء العذب)[مفتاح دار السعادة]

–       وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان: (فالقرآن: بصيرة، وتبصرة، وهدى، وشفاء، ورحمة، بمعنى عام وبمعنى خاص، ولهذا يذكر الله سبحانه هذا وهذا، فهو هدى للعالمين وهدى للمتقين، وشفاء للعالمين وشفاء للمؤمنين، وموعظة للعالمين وموعظة للمتقين، فهو في نفسه هدى ورحمة وشفاء وموعظة، فمن اهتدى به واتعظ واشتفى كان بمنزلة من استعمل الدواء الذي يحصل به الشفاء، فهو دواء له بالفعل، وإن لم يستعمله فهو دواء له بالقوة، وكذلك الهدى، فالقرآن هدى بالفعل لمن اهتدى به وبالقوة لمن لم يهتد به، فإنما يهتدى به ويُرحم ويتعظ: المتقون الموقنون. فههنا ثلاثة أشياء: فاعل وقابل وآلة. فالفاعل هو الله تعالى، والقابل قلب العبد، والآلة هو الذي يحصل به الهدى وهو الكتاب المنزل، والله سبحانه يهدي خلقه هدى، كما يقال: دلهم دلالة وأرشدهم إرشادا وبين لهم بيانا. والمقصود: أن المحل القابل هو قلب العبد المتقي المنيب إلى ربه الخائف منه الذي يبتغي رضاه ويهرب من سخطه، فإذا هداه الله فكأنه وصل أثر فعله إلى محل قابل فيتأثر به، فصار هدى له وشفاء ورحمة وموعظة بالوجود والفعل والقبول، وإذا لم يكن المحل قابلاً وصل إليه الهدى فلم يؤثر فيه، كما يصل الغذاء إلى محل غير قابل للاغتذاء فإنه لا يؤثر فيه شيئا، بل لا يزيده إلا ضعفا وفسادا إلى فساده، كما قال تعالى في السورة التي نزلها “فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم” وقال “وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا” ، فتخلف الاهتداء يكون لعدم قبول المحل تارة، ولعدم آلة الهدى تارة، ولعدم فعل الفاعل وهو الهادي تارة، ولا يحصل الهدى على الحقيقة إلا عند اجتماع هذه الأمور الثلاثة. وقد قال سبحانه “ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون” فأخبر سبحانه أنه قطع عنهم مادة الاهتداء وهو إسماع قلوبهم وإفهامها ما ينفعها لعدم قبول المحل فإنه لا خير فيه، فإن الرجل إنما ينقاد للحق بالخير الذي فيه والميل إليه والطلب له ومحبته والحرص عليه والفرح بالظفر به، وهؤلاء ليس في قلوبهم شيء من ذلك، فوصَل الهدى إليها ووقَع عليها كما يصل الغيث النازل من السماء ويقع على الأرض الغليظة العالية التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فلا هي قابلة للماء ولا للنبات، فالماء في نفسه رحمة وحياة ولكن ليس فيها قبول له، ثم أكد الله هذا المعنى في حقهم بقوله “ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون” فأخبر أن فيهم مع عدم القبول والفهم آفة أخرى وهي الكبر والإعراض وفساد القصد، فلو فهموا لم ينقادوا ولم يتبعوا الحق ولم يعملوا به، فالهدى في حق هؤلاء هدى بيان وإقامة حجة، لا هدى توفيق وإرشاد، فلم يتصل الهدى في حقهم بالرحمة، وأما المؤمنون فاتصل الهدى في حقهم بالرحمة، فصار القرآن لهم هدى، ولأولئك هدى بلا رحمة) [إغاثة اللهفان].

وخلاصة القول أن تدبر القرآن بالطريقة التي وصفها القرآن يقود إلى الهداية قطعاً، وأما قراءة القرآن مع مخالفة هذه الطريقة القرآنية فإنه لاينتج أثره، بل قد ينتج نقيض هذا الأثر، ونظير ذلك أن الدواء لايكفي فيه تناول مادته، بل تناول المادة مع طريقة التناول ذاتها.  

 

أبو عمر

صفر 1431هـ

24 يناير 2010

Advertisements

أمنيات التفسير

4 تعليقات

بعض أهل الأهواء يذكر أحياناً آيات يحتج بها على مقتضى هواه، وهو يعلم في قرارة نفسه أن هذا التفسير للآية الذي يطرحه مجرد “أمنية” أكثر من كونه يقين بمعنى الآية، فهو في الحقيقة يتمنى فقط أن يكون معنى الآية كما يريد. لنضرب على ذلك مثلاً قبل أن نتناول هذه القضية، خذ معي هذا المثال: يأتي بعض أهل الأهواء ويحتج على فكرة تكريم الأديان، وتشريف الإنسان بذاته بغض النظر عن هويته الدينية، بقوله تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) وهو يعلم في قرارة نفسه أن هذا “تكريم خَلْقي”، وأما قيمة الإنسان غير المسلم فقد شرحتها النصوص الأخرى كقوله تعالى (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) وقوله (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) وقوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) وأمثال هذا التحقير والإزراء بقيمة الإنسان غير المسلم لاتحتاج لبحث في القرآن.

حسناً ماسبق هو مثال فقط أردنا وضعه على المشرحة كـ”وسيلة إيضاح”، فهذه الحالة السابقة مجرد نموذج لأشخاص كثيرين يستدلون بآيات وهم يعلمون أن تفسيرهم للآية مجرد “أمنية” فقط، أي أنه بودّه لو كان معنى الآية كذلك. كانت هذه الحالة واضحة في ذهني، لكني تفاجأت بأن هذا المعنى منصوص في القرآن، حيث نبه الله على أمنيات التفسير بقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ}. يا ألله .. علمهم بمعاني النصوص هو مجرد أمنيات لا حقائق!

يقول إمام التابعين في التفسير الإمام مجاهد بن جبر:  (كانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون هو من الكتاب، أمانيّ يتمنونها) [الطبري، 2/261].ويشير الإمام ابن تيمية إلى ماتتناوله هذه الآية من المعاني فيقول: (وذم الله الذين “لايعلمون الكتاب إلا أماني”، وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه، ومتناول لمن كتب كتاباً بيده مخالفاً لكتاب الله لينال به دنيا) [درء التعارض].

بالله عليك.. تأمل في كثير من التفسيرات والتأويلات والتجديدات التي تطرح اليوم للنصوص الشرعية، أليس أكثرها مجرد “أمنيات تأويلية” يعلم ملقيها وكاتبها قبل غيره أنه يتمنى فقط!

حين أستمع لشخص من هؤلاء الذين انهمكوا في تقديم خطاب ديني جديد عبر “البرامج الدينية” في الإعلام الليبرالي، أو عبر “الكتابات الفكرية” التي يسمونها التجديد الديني، أتمتم رغماً عني وبشكل تلقائي بهذه الآية: لايعلمون الكتاب إلا أمانيّ.. لايعلمون الكتاب إلا أمانيّ  !

ألا ما أكثر “المتمنّين” اليوم .

أبو عمر

صفر 1431هـ

24 يناير 2010

 

كتائب الاحتساب في عصر ابن تيمية

أضف تعليق

أحد الكتّاب المسيحيين في دمشق، كان يعمل لدى أحد الأمراء واسمه عساف، ونتيجة للدعم السياسي الذي يتمتع به هذا المسيحي فإنه أطلق عبارات جارحة في حق الرسول، فدهش الشباب المسلم ذي الغيرة والحمية وذهبوا للشيخ ابن تيمية يخبرونه بالمنكر، فجمع ابن تيمية الناس وساروا إلى السلطان في كتيبة احتسابية مهيبة تخللتها صعوبات وأحداث مرت بمواجهة الشباب للأمير الذي حمى النصراني وانفلات الوضع ورجم الأمير بالحجارة، ثم سجن ابن تيمية نفسه وجلده بسبب ذلك، ثم مع تصاعد الأزمة أعلن النصراني الإسلام ليحقن دمه، فواصل ابن تيمية المواجهة وألف كتاباً موسعاً جداً يثبت فيه أن حق النبي لايذهب بالإسلام ويجب قتل النصراني الكاتب، وازدادت الأحداث حدة وانتهى الكاتب النصراني والأمير عساف الذي حماه نهاية مأساوية فظيعة. وهذه نصوص المؤرخين الذين جايلوا تلك الفترة أو قاربوها، وهم الثلاثة الكبار حقاً (الذهبي، وابن كثير، وابن حجر) :  
قال الذهبي في تاريخه: (عسّاف ابن الأمير أحمد بن حجيّ. زعيم آل مري. أعرابي شريف، مطاع. وهو الذي حمى النصراني الذي سب، فدافع عنه بكل ممكن. وكان هذا النصراني لعنه الله بالسويداء وقع منه تعرض للنبي صلى الله عليه وسلم، فطلع الشيخان زين الدين الفارقي، وتقي الدين ابن تيمية في جمع كبير من الصلحاء والعامة إلى النائب عز الدين أيبك الحموي، وكلماه في أمر الملعون، فأجاب إلى إحضاره وخرجوا، فرأى الناس عساف، فكلموه في أمره، وكان معه بدوي، فقال: إنه خير منكم. فرجمته الخلق بالحجارة. وهرب عساف، فبلغ ذلك نائب السلطنة، فغضب لافتتان العوام. وإلا فهو مسلم يحب الله ورسوله، ولكن ثارت نفسه السبعية التركية، وطلب الشيخين، فأخرق بهما، وضربا بين يديه، وحبسا بالعذراوية، وضرب جماعة من العامة، وحبس منهم ستة، وضرب أيضاً والي البلد جماعة، وعلق جماعة. ثم سعى نائب السلطنة كما لقن في إثبات العداوة بين النصراني وبين الذين شهدوا عليه من السويدا ليخلصه بذلك. وبلغ النصراني الواقعة فأسلم، وعقد النائب مجلساً، فأحضر القاضي ابن الخويي وجماعة من الشافعية، واستفتاهم في حقن دمه بعد الإسلام، فقالوا: مذهبنا أن الإسلام يحقن دمه. وأحضر الشيخ زين الدين الفارقي، فوافقهم، فأطلق. ثم أحضر الشيخ تقي الدين، فطيب خاطره، وأطلقه والجماعة بعد أن اعتقلوه عدة أيام ثم أحضر النصراني إلى دمشق فحبس، وقام الأعسر المشد في تخليصه، فأطلق وشق ذلك على المسلمين. وأما عساف فقتله بقرب المدينة النبوية في ربيع الأول من هذه السنة ابن أخيه جماز بن سليمان، وفرح الناس) [تاريخ الإسلام، للذهبي، 52/222].
وقال ابن كثير في تاريخه: (واقعة عساف النصراني: كان هذا الرجل من أهل السويداء قد شهد عليه جماعة أنه سب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استجار عساف هذا بابن أحمد بن حجي أمير آل علي، فاجتمع الشيخ تقي الدين بن تيمية، والشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث، فدخلا على الامير عز الدين أيبك الحموي نائب السلطنة فكلماه في أمره فأجابهما إلى ذلك، وأرسل ليحضره فخرجا من عنده ومعهما خلق كثير من الناس، فرأى الناس عسافا حين قدم ومعه رجل من العرب فسبوه وشتموه، فقال ذلك الرجل البدوي: هو خير منكم – يعني النصراني – فرجمهما الناس بالحجارة، وأصابت عسافا ووقعت خبطة قوية، فأرسل النائب فطلب الشيخين ابن تيمية والفارقي فضربهما بين يديه، ورسم عليهما –أي حبسهما- في العذراوية، وقدم النصراني فأسلم وعقد مجلس بسببه، وأثبت بينه وبين الشهود عداوة، فحقن دمه، ثم استدعى بالشيخين فأرضاهما وأطلقهما، ولحق النصراني بعد ذلك ببلاد الحجاز، فاتفق قتله قريبا من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتله ابن أخيه هنالك، وصنف الشيخ تقي الدين بن تيمية في هذه الواقعة كتابه الصارم المسلول على ساب الرسول)  [البداية والنهاية، لابن كثير، 13/396]   -وقال الذهبي في تاريخه أيضاً: (وفيها كانت فتنة عساف بدمشق ورجم العوام له، لكونه حمى نصرانيا سب النبي صلى الله عليه وسلم، فقبض النائب الحموي على جماعة من العلماء، وضرب الشيخ زين الدين الفارقي، رحمه الله تعالى، واعتقله مع ابن تيمية وطائفة بالعذراوية مدة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) [تاريخ الاسلام، للذهبي، 52/33].
وقال ابن كثير في تاريخه أيضاً:(وفيها -في أواخر ربيع الاول- جاء الخبر بأن عساف بن أحمد بن حجى الذي كان قد أجار ذلك النصراني الذي سب الرسول قتل ففرح الناس بذلك) [البداية والنهاية، لابن كثير، 13/401]
وقال ابن حجر: (وكان الحسام –أي حسام الدين الحنفي القاضي- ممن قام في الإنكار في قصة الكاتب النصراني، كاتب عساف أمير العرب. وكان ينقل عنه أنه وقع في حق النبي صلى الله عليه وسلم. فقام في إمرة تقي الدين ابن تيمية، وزين الدين الفارقي. وعقد بسبب ذلك مجالس. وتعصب الشمس الأعشر شاد الدواوين للنصراني، فما وسع النصراني لما خشي على نفسه إلا أنه أسلم فأطلق، فقال القاضي حسام الدين في ذلك: إلام فتور العزم يا آل أحمد … بإبقاء كلبٍ سبًّ دين محمدِ وكان إذا ما أذَّن القوم سبَّه … وكان بذكر القبح فيه بمرصدِ يا سلامة لا يُدرأ الحد بعد ما … تكرر منه الشر من كل موردِ على مثله أهل المذاهب أجمعوا … فكن ممضياً في نحره بمهنّدِ فأنتم ليوث الحرب في كل مَعْرَكٍ … وأنتم سهام العزو في كل مشهدِ وهي طويلة، وهذا عنوان نظمه) [رفع الإصر عن قضاة مصر، لابن حجر] ،
وأما الكتاب الذي ألفه ابن تيمية في هذه الأزمة وهو “الصارم المسلول على شاتم الرسول” فقد قال في مطلعه: (اقتضاني لحادث حدث أدنى ماله –أي رسول الله- من الحق علينا، بل هو ما أوجب الله من تعزيزه ونصره بكل طريق، وإيثاره بالنفس والمال في كل موطن، وحفظه وحمايته من كل موذ، وإن كان الله قد أغنى رسوله عن نصر الخلق، ولكن ليبلوا بعضكم ببعض، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب) [الصارم المسلول، لابن تيمية، 2].
والحقيقة أن ألماسة الكتاب كله قول الإمام ابن تيمية مقولته العابرة لكل مشاعر العزة والاستعلاء بهذا الدين: (فإن الكلمة الواحدة من سب النبي صلى الله عليه وسلم لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار، ولأن يظهر دين الله ظهورا يمنع أحدا أن ينطق فيه بطعن أحب إلى الله ورسوله من أن يدخل فيه أقوام وهو منتهك مستهان) [الصارم المسلول، لابن تيمية، 505]هكذا يفهم ابوالعباس “أولويات الدعوة” .. عزة الدين ومهابته أولى في نفوسنا من إسلام الأعداد الغفيرة وهو مستهان به مزدرى محتقر! فليس لدينا استعداد أن نطاوع النفوذ الإعلامي التغريبي في (تقزيم العقيدة والشريعة) لكي يقبلو بخطابنا الديني .. كلا .. ليست هذه في وارد حساباتنا .. لامساومة بتاتاً على عزة الإسلام وشرفه ومهابته في النفوس .. حرف واحد من الوحي لايمكن بتاتاً أن يكون موضوعاً لصفقة إعلامية مهما كانت المكتسبات ! كما قال ابوالعباس تماماً (ولأن يظهر دين الله ظهورا يمنع أحدا أن ينطق فيه بطعن؛ أحب إلى الله ورسوله من أن يدخل فيه أقوام وهو منتهك مستهان).. إنها غاية “ظهور الدين: التي قال الله عنها في ثلاث مواضع من كتابه في سورة التوبه والفتح والصف: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله).
اللهم أنزل سحائب الرحمات على قبر أبي العباس يارب العالمين .. بنصرته لكتابك ونبيك والسابقين الأولين إلى الإسلام.. اللهم آمين.
أبو عمر
صفر 1431هـ
24 يناير 2010

شجـاعة الجبنـاء

أضف تعليق

   عجزوا عن أن يقولوا للظالم ياظالم.. فجاؤوا للمظلوم وقالوا له أنت الظالم أصلاً..! مرعوبون أن يقولوا لمن أكل العقارات لم أكلتها .. فجاؤوا للمغلوب على أمره وقالوا: أين فتاواك في تحريم أكل أموال الناس بالباطل (وهل رأيتم عالماً يفتي بضد ذلك أصلاً؟!). ارتعدت فرائصهم عن أن يقولوا لمن أضاع أموال المسلمين عن بناء التقنية وصناعة التكنولوجيا لماذا أضعتها؟ فجاؤوا لمن ركنت فتاواه جانباً وقالوا له بافتراء بارد: أصلاً طويل العمر يتمزق حسرة على بناء التقنية والمدنية والحضارة لكن الذي أفتيت ضد البرقية والراديو حتى تحطمت مشاعره وترك التقنية والمدنية!
حين أرادوا أن يهمسوا بأن الولايات لاتعطى بناءً على الكفاءة وإنما بناء على النسب نشفت حلوقهم، فاستداروا وقالوا للمولى عليهم: أنتم الذين لاترغبون بالأكفاء لأنكم لم تتجاوبوا مع الفكر السياسي الحديث! أرداو أن يقولوا لمن بيده القرار لماذا وزاراتنا متخلفة وأداؤها يتردى يوماً بعد يوم، وخصوصاً الصحة والاسكان والتعليم، أين خططكم؟ أين برامجكم؟ لماذا الناس من حولنا يحلون مشكلات وزاراتهم إدارياً بكل سهولة ونحن لانزال نراوح في مكاننا؟ اكتشفوا أن هذه المواجهة كلفتها باهضة، فجاؤوا لضحايا هذه الوزارات وقالوا : أنتم الذين لم تتكلموا في الفقه الإسلامي عن طريقة إصلاح الوزارات!
قاموا يريدون أن يجددوا الدين ضد “الفساد السياسي” فاكتشفوا أنفسهم فجأة بين جدران الحاير! فخرجوا يتبسمون للفضائيات ويقولون والله عذراً على سوء الفهم أصلاً يجب أن نجدد الدين من “الفساد السلفي” .. ترى لو كانت السلفية تملك حايراً -ولو حوشاً صغيراً- هل سنرى هذا الفكرة الجديدة؟!
حين أرادوا أن يقولوا لمن بيده القرار لماذا دلقت باب الاختلاط المحرم بين الفتيان والفتيات في كليات الطب وجامعة كاوست ونحوها فأدركهم الهلع حين رأو الرؤوس تتطاير فوق المناصب، فجاؤوا لمن لم تسمع كلمتهم أصلاً وقالوا: أصلاً فتاواكم في تحريم الاختلاط هي التي دفعت من بيده القرار ليتوسع في الاختلاط، ولكل فعل ردة فعل! بلغت قلوبهم الحناجر حين فكروا أن يقولو “سنصدع بالحق في وجه السلطة” .. فغيروا الفكرة وقالوا “سنصدع بالحق في وجه العلماء” !
يرون المنكرات السلوكية تعج بها البلد وتتزايد يوماً بعد يوم، وقفوا مع أنفسهم مرةً وقفة صدق، وفكروا أن يقولوا لمن بيده القرار: أوقف هذه المنكرات المتزايدة، لكنهم عدلوا عن الفكرة التي همسوا لأنفسهم بها مجرد همس، لأن الجدار له أذن، وقالوا: الحقيقة أن المسؤول عن انتشار المنكرات هو فتاوانا السابقة في سد الذرائع! إيييييه .. إنها شجاعة الجبناء ..
إذا رأيت النظام السياسي، والفريق الليبرالي المحيط به، يبدد الأموال من حواليك، ويشجع الكتبة المنحرفين على التطاول على الشريعة، فمن التهور أن تواجه هؤلاء الذين بيدهم المناصب والإعلام، ومن المزعج أن لاترى نفسك شجاعاً، ولذلك فالفكرة الذكية تقتضي أن تتشيجع على “أهل السنة”، فاصفع الجدار القصير من باب الشجاعة، وارفع يد التحية للجدار الطويل من باب التعقل والرزانة! حين تكون في شركة يتسلط فيها الرئيس على المرؤوسين فيلتهم أموال الشركة ويحابي في المناصب فإن انتقدت الرئيس فستجد نفسك خارج الشركة، وإن سكت فسترى نفسك لادور لك، فالمنطق الرائع الذي يسمى “منطق شجاعة الجبناء” يقتضي أن تبدأ في تلاوة اللوم على الموظفين لأنهم هم العائق أمام تطوير الشركة، والرئيس المسكين يتمنى لو طورها لكن أنتم العائق بسبب ضيق أفقكم ومحدودية تفكيركم وعدم وعيكم بالمتغيرات!   يالشجاعة الجبناء!

أبو عمر
صفر 1431هـ
24 يناير 2010

مجموع نسائم القرآن الرسالة الثالثة: كنت أظنه ظاهرة جديدة

أضف تعليق

مجمــوع نســـائم القــــرآن

الرسالة الثالثة:

كنت أظنه ظاهرة جديدة .

سمعته يلوم المقاومة ويتهكم بها بأنهم لو كانوا عقلاء وسمعوا نصيحتنا والتزموا الصمت لما وقع عليهم القتل والذبح .. فظننت أن مثل هذه المواقف إنما هي من الانتكاسات المعاصرة التي لاسابق لها .. حتى قرأت قوله تعالى:

(الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا)

 

ورأيت عدداً من المتثيقفين يردد شعارات الوطنية ويقول أن غزة شأن فلسطيني لسنا مسؤولين عنه، بل يجب أن نركز ثروتنا وطاقتنا في الشأن السعودي فقط، نحن سعوديون أولاً، فتوهمت أن هذا التذرع بالوطنية للتنصل من المسؤولية الدينية في دعم المقاومة إنما هي انحراف معاصر.. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا)

 

ورأيت كاتباً آخر يلوّح بأن اختيار المقاومة فصل الشتاء القارس للتصعيد السياسي جريمة تجعل المسؤولية مسؤوليتها في ضخامة الأضرار .. فظننت أن هذا التعلل بالفصول الأربعة في التهرب عن نصرة المقاومة إنما هو تقليعة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ)

 

ورأيت كاتباً آخر ينهر المحتاجين في غزة، ويعلن في عنوان مقاله بكل فجاجة فيقول (وإذا تبرعنا فهل ستشكرون؟!) فتوهمت أن هذه المنة والأذية وتطلّب الامتنان والتقدير إنما هي مستوى قياسي جديد في التبذل الأخلاقي .. حتى قرأت قوله تعالى:

(قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ)

 

وسمعت أحد نظرائه يعتذر ويبرر ويقول: نحن ليس لدينا مشكلة في التبرع للإسلام، ولكن ليس لهؤلاء الفلسطينيين والإخوانيين والحمساويين القذرين، ففرق كبير بين الاسلام وأتباعه، فالاسلام مقدس أما أتباعه فهم للأسف بشرٌ منحطون، فظننت أن هذا تفصيلاً جديداً في التبرع.. حتى قرأت قوله تعالى:

(هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا)

 

ولطالما سمعت الليبراليين في وطني يتعللون في رفض الأحكام الشرعية والإصرار على تبديلها بحجة المخاطر الأمنية، فيقولون لك هذه الأحكام الشرعية ستسبب لنا إحراجات أمنية كبيرة مع العالم فيجب تبديلها ومحوها وتغييرها، ويشنعون على كل من همس بمثل هذه الأحكام بشماعة المخاطر الأمنية، فكنت أتوهم أن التذرع بالمخاطر الأمنية لرفض الشريعة إنما هي موضة سبتمبرية .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا)

 

ورأيت كثيراً من الكتّاب الخائضين في تبديل الأحكام الشرعية إذا أنكر عليه العاملون للإسلام، ونهوه عن تبديل الأحكام الشرعية، وساقوا له نصوص الوحي في وجوب التمسك بها، يترك مناقشة الأدلة الشرعية ويلوذ باتهام المنكرين عليه بأنهم طلاب سلطة وطموحات سياسية، وأن دفاعهم ضد تبديل الشريعة ليس دفاعاً عقائدياً بل مجرد غطاء للمضمر المصلحي.. فظننت أن اتهام الرافضين للتبديل بأنهم مصلحيون إنما هي تهمة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى:

(يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا)

 

ولطالما لاحظت في النصوص الشرعية بعض المواضع الملتبسة على القارئ، إما لإشكالية ثبوت أو إشكالية دلالة، فكنت أدعها وأتمسك بالنصوص الواضحة الظاهرة، حتى رأيت ثلة جديدة من الكتّاب تتطلب هذه المواضع الملتبسة وتنقب عنها وتجمعها، وتستغلها في توهين التمسك بالأحكام الواضحة الظاهرة، فكنت أتعجب من جهودهم في تتبع المتشابه واستغلاله لتصديع المحكم والتمتع بفتنة الناس في دينهم، وكنت أظن أن هذه ظاهرة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى:

(فأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ)

 

 

وكنت أرى مجموعة من الكتاب يتطلبون الاختلاف والمفارقة عن عامة المتدينين، بل تشعر أحياناً أن معيارهم في إصابة الحق هو “مخالفة المطاوعة”، فيصعب عليهم اتباع الحكم الشرعي الذي يجمعهم بعامة المتدينين، لما امتلأ في قلوبهم من الغرور والزهو الزائف، بل بعضهم إذا أراد الاحتجاج على رد مفهوم معين قال لك: ومافرق كلامك عن كلام دراويش الصحوة؟! فصار المعيار (المفارقة) وليس (البرهان)، فكنت أتعجب كيف يتورط الانسان بترك الشريعة لأجل مخالفة من يزدريهم فقط؟! وكنت أتوهم ذلك أمراً جديداً .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ)

 

بل لقد رأيت عدداً من كبار المثقفين الذين يكتبون في “إعادة قراءة التراث” ينادي بكل صراحة في عدد من كتاباته ومحاضراته بضرورة الاستفادة من التراث الاسلامي، فإن وافق المفاهيم الحديثة استعملناه في تأصيلها، وإن خالف المفاهيم الحديثة تجاوزناه. بمعنى أن العلاقة مع النص صارت علاقة مشروطة، السمع والطاعة إن جاءت بما نريده فقط، فكنت أتصور أن هذه انتهازية معاصرة .. حتى قرأت قوله تعالى:

(يحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا)

 

ورأيت شريحة أخرى لايرفضون الشريعة كلها، ويعلنون الالتزام بها، لكنهم يريدون أن يتوسطوا بين المتدينين الذين يأخذون الاسلام كله وبين العلمانيين الذي يرفضون الشريعة جملة، ويرى أن هذا من سبيل الوسطية والاعتدال بين الفريقين، فكنت أتعجب من هذا الفهم للوسطية! كيف تكون الوسطية هي التوسط بين الإسلاميين والعلمانيين؟! .. وكنت أتوهم هذا فهماً جديداً لمعنى الوسطية .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا)

 

ولطالما التقيت بعدد من المتثيقفين تمتد أمسياتهم الفكرية إلى آخر ساعات الليل.. فإذا أقحم أحد الحضور نصوصاً شرعية تضايقوا وتبرموا وانقبضت وجوههم، ولمزوا المتحدث بأن مقصوده المزايدة ورغبة الهيمنة.. فإذا ذكرت أسماء الأعلام الغربية الرنانة ابتهجوا وانبلجت أسارير وجوههم واستزادوا المتحدث .. فكنت أتوهم ذلك سلوكاً جديداً .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)

 

ورأيت شريحة أخرى تعلن الالتزام بالشريعة والإيمان بها، وأنها المقدس، وأنها عظيمة، لكن هؤلاء في كل دعوتهم وعملهم وخطابهم وكتاباتهم إنما يتحاكمون للثقافة الغربية والقوانين الغربية والدول الغربية .. فكنت أتعجب كيف يدعي الإيمان بالشريعة ويتظاهر بتعظيمها وهو لايتحاكم إليها؟! لم لايصرح ويكشف مرجعيته الحقيقية؟! وكنت أتصور أن هذا تناقض معاصر .. حتى قرأت قوله تعالى:

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ)

 

ورأيت طائفة من مثقفي إعادة قراءة التراث يبثون الارتيابات والتوجسات حول السنة النبوية، حيث يرون أن أحاديث الرسول كلها ليست تشريع، وإنما هي أمور تلقفها النبي من عصره ورددها، فكنت أظن هذا التنقص لمقام الرسول فكرة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى:

(ومِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ)

 

وشهدت عدداً من الكتّاب الشباب لازالت خصومتهم مع المتدينين تتجارى بهم، حتى بلغت بهم أن تورطوا في مقالات مليئة بمحادة النصوص ومشاقة الوحي. كل ذلك بدافع النكاية والمناكفة ومغاضبة المتدينين وإغاظتهم فقط، فكنت أتساءل بدهشة: كيف ينسى المرء ربه لأجل أن يسخر بخصمه فقط؟! وكنت أفترض أن هذه آثار صراعية جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى:

(إنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ)

 

 

ورأيت طائفة من المثقفين يبالغون ويغالون في تعظيم القرآن، وقداسة القرآن، وشمولية القرآن، بصورة انبهارية لايقولها مفسروا أهل السنة أنفسهم! فكنت أتساءل مالمغزى ياترى لهذه التوقير المفاجئ للقرآن؟ فماعهدت القوم نصوصيين! وإذا بهم يتخذون هذه المغالاة في التوقير مجرد مقدمة لينفذوا من خلالها لنفي السنة واغتيالها .. فيجعلون قداسة الله ذريعة لإنكار نصوص رسول الله .. فظننت هذا المدخل المخاتل شيئاً جديداً .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ)

 

ورأيت عدداً من الكتّاب يذكرون ماكان عليه أهل منطقتهم من رقص الرجال والنساء سوياً بكل نقاء وطهارة وصفاء نية، حتى جاءت الصحوة التي لوثت ذلك الصفاء ومنعت تلك المظاهر، فإذا قلت له: ولكن رقص الرجال والنساء سوياً لون من الفواحش التي نهى الله ورسوله عنها. فيستمر يحتج عليك بالماضي الذي دمرته الصحوة! .. فكنت أتوهم هذا التفكير الساذج لون جديد من التفكير .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا)

 

وقرأت لعددٍ من المثقفين الذين يعلنون احترامهم لمرجعية الوحي ومفاهيم القرآن والسنة، لكنه كلما عرض له مفهوم شرعي رده وشنع عليه، فإذا ساءله الناس عن ذلك؟ قال لهم: أنا ليس لدي مشكلة مع “النص”، وإنما مشكلتي مع “تسييس النص”، وهذه الخطابات الدينية كلها خطابات باحثة عن السيطرة.. فصار يتعلل في رد كل حقيقة شرعية بتهمة التسييس وقذف العاملين للاسلام بالبحث عن الهيمنة والنفوذ!. فكنت أعتقد أن اتهام العاملين للاسلام بذلك بهدف التخلص من كلفة الانقياد إنما هي فكرة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى:

(قالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ)

 

وسمعت مرة من بعض الليبراليين حنقه الشديد على ابن باز وابن عثيمين، وكان يقول فيهما كلاماً لايقوله المرء في أخس المجرمين، فسألته: ولماذا لاتصرح بذلك؟ ولماذا تستتر بمثل هذا الموقف المتشنج ضدهما؟ فقال لي بكل صراحة: لولا نفوذهم الاجتماعي لأشعلتها عليهم.. فظننت أن ذلك حالة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ)

 

ورأيت كثيراً من المتثيقفين يفاضل بين الناس على أساس معيار مادي بحت، فالكافر العالم خير من المؤمن الجاهل، والكافر الثري خير من المؤمن الفقير، وكنت أتوهم أن هذا المعيار المادي فكرة جديدة لم تنبه إليها النصوص، حتى قرأت قوله تعالى:

(وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ)

 

وتلاحظ أنه حين تثور في المجتمع مسألة شرعية جهادية أو قضائية أو حسبوية أو دعوية أو غيرها فإن كثيراً من الكتّاب يتصدر للفتيا فيها وهو لم يبحثها أصلاً، ويذيع فتواه وينشرها، وينسب رأيه للشريعة بلا تردد، والاجتهاد في الشريعة ليس محصوراً على عرق أو نسب، وإنما هو مقيد بشروط علمية كغيره من التخصصات، فكنت أتعجب من تسابق هؤلاء الكتّاب على الفتيا دون علم.. فلاهم درسوا النصوص، ولا سألوا من يحسن الاستنباط منها، وكنت أظن ذلك شيئاً جديداً حتى قرأت قوله تعالى:

(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)

 

وكنت أسمع هؤلاء المتثيقفين إذا أرادوا أن يحقروا أحداً سموه بـ”الواعظ” تقليلاً لشأنه، وهذا التحقير بهذا الوصف فرع عن كونهم يرون المواعظ أحط مراتب الخطاب وأنقصها قيمة، فتسرب إلى ذهني هذا التحقير للمواعظ بشكل غير مباشر، وصرت مثلهم أعتقد أن المواعظ لاتليق بالخطاب الراقي، حتى رأيت الله تعالى وصف كتبه السماوية بأنها “موعظة” فعلمت أنه من المحال أن يختار الله لأعظم كتبه أحط الأوصاف!

فسمى القرآن موعظة فقال (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ)

وسمى التوراة موعظة فقال (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلا)

وسمى الإنجيل موعظة فقال (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)

 

ولطالما كنت أتوهم أن الاحتجاج على “صحة المبدأ بقوة أتباعه” إنما هي طريقة جديدة ساذجة في التفكير، وأن الناس كانت تدرك أن الحق لاصلة له بالقوة، حتى قرأت قوله تعالى:

(فأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟ )

 

ولطالما كنت أتوهم –أيضاً- أن الاحتجاج على “بطلان المبدأ بضعف أتباعه” إنما هي طريقة جديدة ساذجة في التفكير .. حتى قرأت قوله تعالى:

(قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ)

 

وكنت ألاحظ بعض المتثيقفين يستكبر عن الإنصات للخطاب الشرعي، وإذا عرض له شئ من ذلك، تظاهر باستكبار أنه لايفهم ماذا يقول هذا؟ وربما أخفى كبرياءه في سؤال استعلائي يقول فيه: ماذا يقول هذا الشيخ؟! وكنت أظن أن مثل هذه الأساليب الاستعلائية أساليب جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى

(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا؟)

 

تلاحظ أن كثيراً من المتثيقفين حين تنقل لهم في أصل شرعي كبير تواطؤ أقوال أئمة الإسلام الكبار كفقهاء أصحاب رسول الله، ومفتي التابعين، وأئمة الأمصار المتبوعين، يقول لك: هؤلاء كلهم بشر، حتى لو تتابعوا على أصل معين فإنه لايلزمني، قلت له: هذا يلزم عليه أنهم كلهم ضلوا في أصل كبير من أصول الاسلام، فيقول لك: هذه لوازم لست معنياً بالتفكير فيها، ويبقى أنهم “بشر” .. ويتطور الأمر سوءاً عند بعضهم فلايقبل مروياتهم ولافقههم بحجة أنهم “بشر” .. فكنت ألاحظ كثرة تردادهم لبشرية السلف لبرهنة عدم حجية ماتتابعوا عليه نقلاً أو فقهاً .. وكنت أتوهم أن التذرع بالبشرية لرفض الانقياد للشريعة شأن جديد .. حتى قرأت قوله تعالى:

(فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا)

 

في منتديات وصوالين المتثيقفين تتفاجأ بكثير من العلمانيين الجذريين الذين لايعولون على حاكمية الشريعة في دقيق ولا جليل، وإذا كتبوا في منتديات الانترنت بالاسم المستعار رأيتهم علمانيين جلدين، لكنهم إذا كتبوا للناس بأسمائهم الصريحة في الصحافة أكثروا من ذكر “مع مراعاة ضوابط الشريعة” ، والاستفادة من الفكر الغربي بـ”ما لايعارض الشريعة”، ونحو هذه العبارات.

ولطالما وقفت متأملاً هذا (النفاق الفكري) .. فكنت أتعجب منهم كثيراً كيف يبيتون مالا يرضاه الله من العلمنة ورفض حاكمية الشريعة، فإذا كتبوا للناس أظهروا احترام الشريعة ومراعاتها؟! .. وكنت أظن هذه الحالة شأناً جديداً حتى قرأت قوله تعالى:

(يسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ)

 

وكنت حين أرى متثيقفاً من أصحاب (النفاق الفكري) الذين يسرون في صوالينهم ومنتدياتهم الانترنتية بالعلمانية ويتظاهرون في الصحافة بمراعاة ضوابط الشريعة أقول في نفسي: هل من المعقول أن يكون يخشى من حمية الناس لدينهم أكثر من خشيته وخوفه من الله رب الناس؟ فرأيت الله تعالى يقول:

(لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ)

 

وكثير من المفكرين العرب اليوم يقرر بكل صراحة بأن القضية الفكرية في أكثرها (لعبة لسانية) أو بمعنى آخر (مهارة لغوية) .. بمعنى أن القضية هي تبديل ألفاظ فقط.. ولذلك ترى الليبراليين عندنا يحرفون النصوص تحت شعار (إعادة القراءة) ، ويبدلون أحكام الشريعة تحت شعار (تجديد الخطاب الديني) ، ويدخلون المحرمات تحت شعار (الانفتاح) ، ويلغون الحواجز الشرعية بين الجنسين تحت شعار (المساواة) ، ويهيجون أهل البدع لنشر بدعهم تحت شعار (الحقوق الوطنية) ، وهكذا .. ثم يجمعون هذا الإفساد كله تحت شعار (حقبة الاصلاح) و (عهد الإصلاح الميمون) و (ملك الإصلاح) الخ!

فكنت أتوهم أن هذا التلاعب اللغوي شأن جديد .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)

 

 

ورأيت طائفة من الناس ليسوا بعلمانيين ولا شهوانيين، ولكن غالب وقتهم هو التهكم وانتقاص العاملين للإسلام، فيحصون النقير والقطمير على العاملين للإسلام ويشنعون عليهم بأقل أخطائهم، ولايبصرون الأفاعي في عيون العلمانيين والشهوانيين، بل تجدهم في مجالسهم في غاية اللطف واللين معهم، فكنت أتعجب ممن يمضي عمره في الرقابة على المصلحين وهو لم يقدم شيئاً، ويتلطف للعلمانيين ومروجي الشهوات، وكنت أظن انتقاص جهود العاملين للاسلام سلوك معاصر حتى قرأت قوله تعالى:

(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ)

 

 

بل إن بعض الأخيار في أنفسهم يجادل عن العلمانيين، ويبرر لهم، ويبحث عن التسويغات لأقوالهم، بحجة طلب هدايتهم، في الوقت الذي يتشنج فيه ضد أخطاء المحتسبين .. فكنت أظن افتراق المؤمنين في الموقف من المفسدين إنما هو شأن جديد .. حتى قرأت قوله تعالى:

(فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ)

 

ورأيت آخرين يشاركون في العمل الإسلامي والأنشطة الدعوية، ولكنه شديد التذمر والشكاية، وإذا تأملت محل تذمره ومحل رضاه؛ اكتشفت أنه ليس مبنياً على أساس عقدي رسالي، بل هو مبني على “حظ النفس”، فإذا كان التصرف الدعوي يراعي حظوظه الشخصية رأيته متبنياًً مدافعاًً، وإذا كان التصرف الدعوي ليس له فيه حظ ولاتشريف رأيت نياحته لاتنتهي .. فكنت أظن هذا الانتماء الدعوي المشروط على أساس حظ النفس إنما هو شئ جديد .. حتى قرأت قوله تعالى: (مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ)

وتجد بعض الناس لم يستطع أن يحسم خياراته وسط معركة العقيدة والشريعة والفضيلة هذه .. بل هو يحب أن يكسب العلمانيين ويحب أن يكسب العاملين للإسلام .. ولايحب أن يكون في أحد الكفتين.. وهو صادق في محبته لكلا الطرفين .. فكنت أتعجب من هذه الشريحة التي لم تحسم خياراتها بعد .. وأتساءل عن موقف العاملين للإسلام منها .. حتى قرأت قوله تعالى:

(سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا)

وكنت ألاحظ أن بعض الأخيار يرخي أذنه إلى هؤلاء المحرفين ويستمع لهم، لكن استماعه مع الوقت يتحول من استماع فضول إلى استماع تأثر .. فتتشوش الأمور عنده وتهتز قناعاته.. فيطوح به ذلك الاستماع إلى غيوم الفتنة .. كما قال تعالى:

(يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ)

وكثير من الأخيار يبقى يتلظى بنيران الحيرة، فلا هو استطاع أن يحسم خياراته .. ولا هو استطاع أن يوقف سيل التساؤلات .. ويصبح انتماؤه كغصن عذبته تقلبات الرياح .. فلاهو استلقى على أحد جانبيه .. ولا هو انكسر فاستراح .. ومن جرب عذابات الحيرة والشكوك والارتيابات عرف أنها أكثر ألماً من الضلال ذاته.. ولذلك قال تعالى:

(مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا)

  حين رأيت هذه الأمثلة السابقة كلها ..

 وغيرها كثير كثير .. لايمكن الإطالة بذكره ..

علمت بالضبط ماذا يعني أن القرآن تبيان لكل شئ..

حينها وحينها فقط .. أدركت شيئاً من أسرار قوله تعالى:

(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ..

أمثال مضروبة في القرآن فيها الإجابة عن كل شئ في حياتك .. من شعائرك ومعاملاتك إلى دقائق الصراعات الفكرية والسياسية ..

دع عنك المظاهر والرسوم .. ورفرف بين أمثلة القرآن .. وتأمل المعنى المشترك بين (المثل القرآني)  و (الصورة المعاصرة) وستنكشف لك سجف الحقائق ..

صدق القائل سبحانه:

(وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)

من كل مثل .. من كل مثل ..

 

أبو عمر

صفر 1431هـ

23 يناير 2010

مجموع نسائم القرآن الرسالة الرابعة: جوابات القرآن

أضف تعليق

مجمــوع نســـائم القــــرآن

الرسالة الرابعة:

جوابات القـرآن

** أثار انتباهي زمناً أن كل الشباب المبتدئين في الثقافة والذين يتبجحون بأفكار مخالفة للقرآن أنك حين تقترب من أحدهم وتبدأ في مناقشته يتكشف لك داخل صدره بالون الغرور المنتفخ .. والزهو المزيف بأنه مطلع ويعرف مصطلحات معقدة بين مجموعة من الجهلة .. الحقيقة أنني لم أستطع أن أربط بين (الغرور) و (الضلال عن آيات الوحي) .. لم يدر في خلدي أن فقاعة الغرور تلك هي التي عصبت عينيه عن إبصار برهانية آيات الوحي .. وحين مررت هذه الأيام بآية في كتاب الله، ارتبطت أمامي أطراف الصورة من جديد .. كم اندهشت حين اكتشفت عبر القرآن أن المريض بخيلاء الثقافة يعاقبه الله بأن يحجب عنه برهانية أنوار الوحي .. قال الحق تبارك وتعالى:

(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا ) الأعراف (146)

 

 

** كنت مرة في صالون ثقافي شهير في شرق الرياض، كان ينظمه أسبوعياً أحد الوجهاء/الأدباء، وفي أحد التعقيبات استلم هذا الوجيه/الأديب اللاقط وانهمر يلمز خطاب أهل السنة والجماعة بأنه خطاب مبني على الكراهية، وأخذ يندد بخطاب الكراهية، وثقافة الكراهية، بكل حجة ممكنة .. إحدى تلك الحجج التي كررها أكثر من مرة، ولفتت انتباهي، بل وفكرت فيها طويلاً، هي قوله (لماذا نكره من يختلف عنا دينياً، هم لم يختاروا أفكارهم إلا لأنهم يرون أنها هي الصواب، هل يعقل أن يعرف المرء أن فكرة ما غير صواب ومع ذلك يتبناها؟ هل يعقل أن يضر المرء نفسه؟ ) .. وتكررت العبارة الأخيرة كثيرا (هل يعقل أن يختار أن يضر المرء نفسه؟ هل يعقل أن يختار أن يضر المرء نفسه؟) .. ثم بعد فترة مررت بآية في كتاب الله هزتني هزاً .. وأخذ سؤال ذلك الوجيه/الأديب يتصدع أمام عيني وينثال كثيباً مهيلاً .. آية في كتاب الله كشفت كيف يعرف المرء الحق أكثر مما يعرف ولده .. ومع ذلك يختار الضلالة .. هل هناك أشد من معرفة الإنسان ولده الذي من صلبه؟ ومع ذلك قد يصل الانسان إلى مثل هذه المعرفة في الوعي بالمطلوب شرعاً لكنه يقرر بمحض إرادته اختيار الباطل بسبب هواه .. قال تعالى:

(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) البقرة (146)

 

 

** ثمة طائفة من الناس ليس لهم جهود في الاحتساب ومدافعة الباطل وأهله، ولكنهم مقرون بتقصيرهم منكسرون لله إزاء استغراقهم وانهماكهم بشؤونهم المعيشية عن نصرة دين الله، ومحبون وموالون لأولئك المحتسبين الذين يجاهدون المنكرات الشرعية ويضحون بوقتهم ومالهم وراحتهم .. فالفريق الثاني ما أقربه إلى الأول ببركة مبدأ “المرء مع من أحب” .. ولكن ثمة فريق ثالث من الناس لم يكتفوا بقعودهم وتقصيرهم في الاحتساب والدعوة .. بل زادوا على ذلك بأن امتهنوا التثبيط والتخذيل وتشجيع التثاقل إلى الأرض، لاتراهم في أي منكر من المنكرات، وإنما تراهم يتصيدون الشبهات والشذوذات يصدون بها الدعاة عن حميتهم وغيرتهم .. وهذا الفريق الثالث توعده الله بخطاب مخيف حين يقول الله عنهم:

(قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ) الأحزاب (18)

 

 

** تمر بالمرء آيات كثيرة بين ثنايا المصحف تعظم من شأن الأنبياء .. وتملأ قلب المؤمن إجلالاً لهم وتوقيراً لمنازلهم .. ولكن ثمة آية واحدة ذكر الله فيها موسى عليه السلام .. لا أدري لماذا يقشعر بدني حين أمر بها .. أعرف أن موسى هو الرجل الثالث في ميزان الله بين مليارات البشرية جمعاء في كل تاريخها الطويل .. لكن هذه الآية بلغت من الدلالة على عظمة موسى ماينخلع له قلبي حين أمر بها .. قد يذكر الله صفة عظيمة من صفات نبي .. وهذا لاشك منقبة جليلة .. لكن أن يذكر الله سبحانه وتعالى عن نفسه شيئاً يخص هذا الشخص بعينه، ويذكره بمثل هذه اللغة المليئة بمعاني الفرادة .. فهذا مالم أستطع أن أتمالك نفسي كل مامررت بها .. يقول تعالى عن موسى عليه السلام:

(وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) طه (41)

 

** حين تكون “العلاقة الزوجية” على مايرام فإن الرياح تجري بما تشتهي السفن .. لكن حين تتأزم العلاقة الزوجية وتصل إلى عنق الزجاجة .. ويصبح الطلاق هو الزلزال الوشيك فإن “التقوى وخوف الله” تكون غالباً في أضعف حالاتها .. إن أيام الشجار التي تسبق الطلاق تكون غالباً مليئة بالفجور في الخصومة .. ولذلك ما أكثر ماشدني ولفت انتباهي آيتين متتاليتين في كتاب الله تحدثتا عن أحكام الطلاق .. فبرغم أن الآيتين مكرستين لأحكام الطلاق إلا أن الله سبحانه ذكّر الزوجين فيها بمراعاة “حدود الله” ستة مرات .. في آيتين فقط مخصصتين لأحكام الطلاق ومع ذلك يؤكد ربنا مراعاة “حدود الله” ستة مرات! .. أي إشارة لتأكيد هذا الموضوع أكثر من ذلك .. بالله عليك أقرأ هاتين الآيتين بترسّل .. وانظر كيف يختار الله الموضع الذي يعيد فيه التأكيد على “حدود الله” .. يقول تعالى:

(الطَّلاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ** فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) البقرة (229-230)

 

 

** حين يطالع المرء المقالات والمذاهب المنحرفة التي رواها القرآن عن خصوم الرسل، وحين يطالع المرء –أيضاً- موسوعات فن “الملل والنحل” فإنه يلاحظ ظاهرة حادة الوضوح لايمكن بتاتاً أن تعبر بين عينيه دون أن يحدق فيها .. بل لقد سمعت الكثير من المراقبين لايمل من تكرار تساؤله عن هذه الظاهرة .. ألا وهي ظاهرة (إعادة إنتاج الانحراف) .. فالكثير الكثير من الظواهر الفكرية المنحرفة عن مبادئ الوحي حين تحلل جوهرها تجد أنها فكرة قديمة أكل عليها الدهر وشرب .. صحيح أن هناك تجديد وتغيرات في شكل الصياغة والمكياج اللغوي، لكن جوهر الفكرة المنحرفة فيه تشابه هائل مثير للدهشة .. إنها أشبه بتدوير النفايات من جديد (Recycling) ، فالشكل الخارجي مختلف لكن المادة هي المادة! .. خذ مثلاً: المفكر العلماني المعروف محمد أركون كتب عدة دراسات يلمز القرآن بأنه أسطوري البنية بسبب الوسط الثقافي الذي تشكلت فيه تصورات محمد .. يتصور أن هذه نظرية جديدة! برغم أن الله ساق عن مشركي قريش ذات النظرية (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) .. وهؤلاء هم الليبراليون في أيام غزة صاروا يرددون بأن المقاومة “لو كانوا عقلاء وسمعوا نصيحتنا والتزموا الصمت لما وقع عليهم القتل والذبح” .. برغم أن الله ساق هذه المقالة عن المنافقين حين قالوا  (الذين قالوا لاخوانهم وقعدوا: لو أطاعونا ماقتلوا، قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) .. بل كان بعض السلف يرى أن آية (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم) تكررت في مشهد انحراف فلاسفة الإسلام عن الوحي غرورا بعلومهم العقلية! .. وشواهد هذه الحالة التي يرى المرء فيها المذاهب المنحرفة في القرآن يعاد إنتاجها مع بعض التحسينات الشكلية كثيرة جداً، حتى كان بعض السلف إذا رأى بدعة يتصور بعض الناس أنها جديدة يقول (لكل قوم وارث) أي أن هذه لها أصول قديمة فلاجديد!

المهم ليس ماسبق كله .. المهم أنني كنت أتصور أن هذه الملاحظة هي مجرد فرضية في قراءة تاريخ الملل والنحل، وليس هناك استقراء واضح يؤكد كونها فعلاً ظاهرة تاريخية .. ولكم كانت دهشتي في غايتها حين وقفت على آية عظيمة تشرح هذا القانون التاريخي الذي تعيد فيه الانحرافات إنتاج ذاتها، وتبدد وهمي السابق أنها مجرد ملاحظة عابرة يبديها بعض المختصين .. يقول الحق تبارك وتعالى:

(مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ) فصلت (43)

 

 

** من الأمور اللافتة للانتباه أن هذا القرآن العظيم برغم كونه هدى وشفاء وبيان ونور وحجة وبرهان الخ الخ .. إلا أنه من الغريب فعلاً أنه ليس كل الناس ينتفعون بهذا الهدى والبيان! وطالما ثار في ذهني تساؤل غريب: مادام أن هذا القرآن هدى وبيان لم لم يهتد به الناس جميعاً؟ بل كنت أرى ظاهرة وأتحرز من التصريح بها خوفاً من أكون انتهكت هذا الوصف القرآني، حيث كنت أرى بكل وضوح خلال تاريخنا أن كثيراً من المنتسبين للمعرفة يتورطون في تحريف وجحد بعض معاني القرآن لتوافق ثقافة المنتصر (تحريف الغيبيات لتوافق الثقافة اليونانية، وتحريف التشريعات لتوافق الثقافة الغربية) .. فبكل صراحة كنت أقول في نفسي هؤلاء لما قرءوا القرآن لم يهتدوا، بل ولم يخِفّ ضلالهم، وإنما زاد ضلالهم، فبعد أن كان ضلالاً بسيطاً، صاراً ضلالاً مركباً، لكنني كنت أتخوف من أن أصارح نفسي بمثل هذه النتيجة، وأتوقف كثيراً أمامها، وأعود للتساؤل: هل يمكن أن يقرأ الإنسان القرآن ويزداد ضلالاً؟ .. وبعد مدة وقفت على الجواب في القرآن، وكشف الحق تبارك وتعالى عن هذه الظاهرة بكل وضوح، حيث أوضح أن القرآن لبعض الناس زيادة هدى، ولبعض الناس زيادة ضلال بسبب أهوائهم، تأمل بالله عليك كيف يصف القرآن حال الناس عند نزول سورة جديدة من سور القرآن:

(وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) [ التوبة: 124-125]

 

 

** إذا كان الله سبحانه وتعالى عاتب سيد الخلق عليه الصلاة والسلام بسبب أنه تصدى لبعض النافذين يريد هدايتهم، لما يرجوا من هداية من ورائهم بهم، وانشغل عن أحد الضعفاء، من باب موازنة المكتسبات الدعوية .. ومع ذلك عاتبه الله في آيات تتلى إلى يوم القيامة .. فكيف –بالله عليكم- برجل منتسب إلى المشيخة يؤول آيات القرآن ليستحوذ على إعجاب الإعلام وصناع القرار! يقول تعالى في واحد من أعظم دروس الدعوة:

(أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّىٰ) عبس (5-6)

 

 

** كثير من المتثيقفين المعاصرين يصورون أي خطاب ديني يعظم من قيمة “حياء المرأة” على أنه خطاب ذكوري متسلط يريد إضعاف المرأة ليستولي عليها، فهم يريدون المرأة أن تتحدث علناً كما يتحدث الرجال لأنه في نظرهم مقتضى المساواة .. يا ألله لاتدري كم شعرت بالأسى لهؤلاء المساكين وأنا أقرأ تصوير القرآن لحياء فتاة مدين .. ذلك التصوير الذي يحمل تثميناً ضمنياً .. يقول تعالى:

(فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) القصص (25)

 

 

-كلما عظم شأن الرسالة عظم شأن ناقلها، فأي رسالة أعظم من أن يكون المتكلم بها رب العالمين، ونزل بها من السماء سيد الملائكة، واستقبلها على الأرض قلب سيد البشر: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ، عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) [الشعراء:192-194]

ولذلك فإن كل من نقل هذه الرسالة القرآنية وبثها في الناس فقد تشرف بارتباطه بهذه السلسله، ألا ترى النبي في الصحيح يقول (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).

 

-إذا كان الله نهى نبيه عن مقاطعة القرآن بالقرآن، فكيف بمن يقاطع القرآن بأمر الدنيا، (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ) [طه:114]

 

-تختلف طرائق الدعاة في تذكير الناس، فبعضهم يستعمل القصص والأمثال، وبعضهم بذكر الأهوال، وبعضهم بالأصوات الزاجرة، وأشرف من ذلك كله إيقاظ القلوب بالقرآن، ألا ترى الله يقول عن نبيه (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ) [الأنبياء: 45]

 

 

-ما قرأت هذه الآية إلا شعرت بالخجل من جنس بني آدم، كيف عبر عن غيرنا بالعموم وعبر عنا بالجزء : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) [الحج: 18]

 

-حين يكون مع المبدأ شئ من حظ النفس يُقبِل الكثيرون، وحين يكون مع المبدأ شئ من الكلفة يكثر التعلل والتنصل، ألا ترى الله تعالى يقول (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ) [التوبة:42] وهذا مايفسر للمراقب: لماذا في وقت نفوذ الدعوات ينتسب لها الرسالي والنفعي، وفي فترات الضعف يتساقط النفعيون؟!

 

-إذا عمر القلب بإرادة وجه الله والدار الآخرة استكثر أدنى تقدير يبديه من حوله تجاهه، فتراه ممتناً لأبسط اهتمام تبذله زوجته له، وخجولاً من أقل توقير يبديه أقرانه تجاهه، ألا ترى الله يقول عن هذا الصنف (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لانُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاشُكُورًا) [الإنسان: 9]

وإذا شحن القلب بحظوظ النفس استقل كل حشمة يحيطه من حوله بها، ويتطلب فيمن حوله أن لاتنقطع إشادتهم وتنويههم بما قام به، لذا تراه دائم التذمر والنقمة ولمز من حوله بجحد فضائله، وينسى أنه يعمل العمل لنفع نفسه أصلاً، ألا ترى الله يقول عن هذا الصنف (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاتَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ) [الحجرات: 17]

 

 

-لو فتشت في خفايا كثير من النفوس لوجدت تصورات مطمورة بأن هذه الأمم الغربية قوة لاتقهر، بل لقد صرح بذلك كثير من “أهل الأهواء الفكرية” فرددوا في كتاباتهم مصطلح “المعجزة الغربية” بما يحمله من إيحاءات الاستسلام وتأبيد الهزيمة .. ولأن العليم الخبير سبحانه يعلم مايتسرب إلى النفوس من هذه التصورات فقد نبه سبحانه لذلك مسبقاً فقال (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ) [النور: 57]

 

-في سورة النور ذكر الله ثمان آيات متصلة كلها في تعظيم “الانقياد للوحي” (الآيات 47-54) ، ثم أعقبها بآية عن “الاستخلاف والتمكين” (55) ، فكأن هذا –والله أعلم- إشارة إلى أن التمكين ثمرة الانقياد.

 

-يكثر في كتابات أهل الأهواء الفكرية أنهم حين يستعرضون أصحاب المكتشفات العلمية أو الأعمال الإنسانية أن يجزموا بأن هذه الشخصيات في الجنة حتى وإن لم يؤمنوا بنبوة محمد، وتراهم يقولون “كيف يكون هؤلاء في النار وقد نفعوا البشرية جمعاء؟!” ، فلست أدري كيف يتجرأ هؤلاء على تحدي حكم الله الذي اشترط الإيمان بنبوة محمد  (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) [التوبة:54]

 

-مروجوا الشهوات لايقتصر ضررهم على أنفسهم كما يتصور البعض، بل يورطون أقوامهم معهم إذا أتاحوا الفرصة لهم، ألا ترى الله يقول (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) [إبراهيم:28]

 

-مارأيت أحداً من المجادلين في دين الله بلامخزون علمي إلا وأدهشني كيف يلوي عنقه استكباراً إذا واجهته الأدلة التي تحرج جدله، وقد أشار القرآن لهذه العلاقة فقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِير،  ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [الحج: 8-9]

 

-لايحصل العلم بلقاء عابر، وإنما بملازمة ومتابعة العلماء، ألا ترى موسى يقول للخضر  (قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) [الكهف:66]

 

-أي بشاعة للتقصير في بر الوالدين أكثر من كون الله جعله جريمة “جبروت” فقال عن عيسى (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) وقال عن يحي (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) [مريم: 32، 14]

 

أبو عمر

صفر 1431هـ

23 يناير 2010

مجموع نسائم القرآن الرسالة الثانية: تطويل الطريق

تعليق واحد

مجمــوع نســـائم القــــرآن

الرسالة الثانية:

تطويـل الطـريق

حين أسمع بعض المفكرين الإسلاميين يتكلمون عن ضرورة مقاومة وتفنيد الأفكار الضالة الجديدة عبر دراسات فكرية موسعة؛ فلا أخفي أنني أحترم تماماً حرصهم على سلامة التصورات الإسلامية من الاجتياح العلماني المعاصر .. لكنني أرتاب كثيراً في نجاعة هذا الأسلوب الذي يريدون .. عندي وجهة نظر لكني لا أبوح بها كثيراً .. لأني أرى بعض المفكرين الإسلاميين يتصور أنها نوع من التثبيط والتخذيل، فلذلك ألوذ بالصمت .. وجهة نظري هذه بكل اختصار هي أن أمر الانحرافات الفكرية المعاصرة أسهل بكثير بكثير مما نتصور .. فلو نجحنا في تعبئة الشباب المسلم للاقبال على القرآن، وتدبر القرآن، ومدارسة معاني القرآن، لتهاوت أمام الشاب المسلم -الباحث عن الحق- كل التحريفات الفكرية المعاصرة ريثما يختم أول “ختمة تدبر” ..

بالله عليكم لو قرأ الشاب المسلم –الباحث عن الحق- آيات القرآن في حقارة الكافر .. وآيات القرآن في وسيلية الدنيا ومركزية الآخرة .. وآيات القرآن في التحفظ والاحتياط في العلاقة بين الجنسين .. وآيات القرآن في إقصاء أي فكرة مخالفة للوحي .. وآيات القرآن في وجوب الوصاية على المجتمع عبر شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وآيات القرآن في تقييد الحريات الشخصية بالانكار والاحتساب .. وآيات القرآن في أزلية الصراع بين الحق والباطل .. وآيات القرآن في وجوب هيمنة الشريعة على كل المجتمعات .. وآيات القرآن في نفي النسبية وإثبات اليقين .. وآيات القرآن في مسخ أقوام قردة خاسئين لما تسلطوا على ألفاظ النصوص بالتأويل لتوافق رغباتهم وأهوائهم .. وآيات القرآن في ارتباط الكوارث الكونية بالمعاصي والذنوب .. وآيات القرآن في ترتيب جدول أولويات النهضة بين التوحيد والإيمان والفرائض والفضيلة وإعداد القوة المدنية ..   الخ الخ

فبالله عليكم قولي لي ماذا سيتبقى -بعد ذلك- من أطلال الانحرافات الفكرية المعاصرة ؟!

حين يقرأ الشاب المسلم –الباحث عن الحق- مثل هذه الآيات فإنه ليس أمام “خطاب فكري” يستطيع التخلص منه عبر مخرج “الاختلاف في وجهة النظر” .. بل هو أمام “خطاب الله” مباشرة .. فإما الانصياع وإما النفاق الفكري .. ولاتسويات أو حلول وسط أمام أوامر ملك الملوك سبحانه وتعالى .. لنجتهد فقط في تحريض وتأليب العقل المسلم المعاصر على الإقبال على القرآن، وتدبر القرآن، في تجرد معرفي صادق للبحث عن الحقيقة .. وصدقوني سنتفاجأ كثيراً بالنتائج ..

قراءة واحدة صادقة لكتاب الله .. تصنع في العقل المسلم مالاتصنعه كل المطولات الفكرية بلغتها الباذخة وخيلائها الاصطلاحي ..

قراءة واحدة صادقة لكتاب الله .. كفيلة بقلب كل حيل الخطاب الفكري المعاصر رأساً على عقب ..

هذا القرآن حين يقرر المسلم أن يقرأه بـ”تجرد” .. فإنه لايمكن أن يخرج منه بمثل مادخل عليه .. هذا القرآن يقلب شخصيتك ومعاييرك وموازينك وحميتك وغيرتك وصيغة علاقتك بالعالم والعلوم والمعارف والتاريخ ..

وخصوصاً .. إذا وضع القارئ بين عينيه أن هذا القرآن ليس مجرد “معلومات” يتعامل معها ببرود فكري .. بل هو “رسالة” تحمل قضية ودويا ..

وإن من أكثر الأمور لفتاً للانتباه في هذا القرآن العظيم .. هي ماحكاه الله عن انفعال الأنبياء بالقرآن انفعالا وجدانيا وعاطفيا عميقاً .. خذ مثلاً .. لما ذكر الله مسيرة الأنبياء عقب بذكر حالهم إذا سمعوا آيات الوحي حيث يقول تعالى:

{أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58]

يا ألله .. هذه الآية تصور “جنس الأنبياء” لا بعضهم .. فانظر بالله عليك كيف يبلغ اتصالهم بـ”كلام الله” مبلغ الخرور إلى الأرض ودموعهم تذرف بكاءً وتأثراً .. أي انفعال وجداني أعظم من ذلك؟!

ويصف تعالى مشهداً آخر يأسر خيال القارئ، حين يصور أهل الإيمان وهم يستقبلون آيات الوحي فيقول تعالى:

{وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} [المائدة:83]

ويصف تعالى مرة أخرى أثر القرآن الجسدي وليس الوجداني فقط فيقول تعالى:

{ اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْوَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ}

على أية حال .. لو أفلحنا في إقناع الشاب المسلم بالإقبال على القرآن بالتدبر الصادق المتجرد للبحث عن الحق .. فاعتبروا أن “الدور المعرفي” تقريباً انتهى .. وبقيت مرحلة الإيمان .. فمن كان معه إيمان وخوف من الله فسيحمله على الانقياد والانصياع لله سبحانه .. ومن أرخى لهواه العنان .. فسيتخبط في شُعب النفاق الفكري .. حيث سيبدأ في أن يعلن على الملأ –كما يعلن غيره- أنه “يحترم ضوابط الشريعة” .. لكنه في دخيلة نفسه يدرك أن كل مايقوله مخالف للقرآن ..!

بقي الاستثناء الوحيد هاهنا .. وهو أنني أقول أن من كانت نفسيته المعرفية سوية .. أعني أنها تنظر في “جوهر البرهان” وليس في “شكليات الخطاب” فلن يحتاج إلا لقراءة القرآن بتجرد .. أما من كان يعاني من عاهات في شخصيته الفكرية .. بحيث أنه يقدم وهج الديكور اللغوي على جوهر البرهان .. فهذا النوع المريض من الناس قد يحتاج فعلاً بعض الكتابات الفكرية التي تخدعه ببعض الطلاء التسويقي .. كما قال الامام ابن تيمية في حادثة مشابهة في كتابه “الرد على المنطقيين” :

(وبعض الناس: يكون الطريق كلما كان أدق وأخفى وأكثر مقدمات وأطول كان أنفع له, لأن نفسه اعتادت النظر الطويل في الأمور الدقيقة, فإذا كان الدليل قليل المقدمات, أو كانت جلية, لم تفرح نفسه به.., فإن من الناس من إذا عرف ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم, أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته, لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم, فيحب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات)

ختاماً .. أعطوني ختمة واحدة بتجرد .. أعطيكم مسلماً سنياً سلفياً حنيفاً .. ودعو عنكم خرافة الكتب الفكرية الموسعة ..

أبو عمر

صفر 1431هـ

23 يناير 2010

Older Entries Newer Entries