لحـظة فـداء

أضف تعليق

 

قبل فترة قريبة مرّ بي مشهد مؤثر شعرت معه كأنني توقفت عن التنفس .. وفي لحظات يسيرة طافت بذهني ذكريات قصص كثيرة سمعتها .. هذا المشهد الذي رأيته كأنما قدح شرارة في مخزن الذكريات .. ومازالت تتقافز أمام عيني كل ما أتذكره من قصص ذات صلة بهذا المشهد ..   دعوني أحدثكم أولاً عن هذه الذكريات والقصص التي هجمت علي متزاحمة في لحظات يسيرة.. ثم أروي لكم المشهد المؤثر الذي استثارها..   من هذه القصص التي تذكرتها قصة أحد الإخوان الذين لي بهم علاقة خاصة، حكى لي مرة أنه كان نازلاً من الدور الثاني في منزله، ويحمل بين يديه بنيّته التي شارفت إكمال الربيعين من العمر، يقول صاحبي: وأنا في وسط درجات السلّم نازلاً عثرت قدمي، فسقطت وبنيتي بين يدي، فوجدتني بشكل تلقائي سريع أنحرف إلى الأرض بالطرف الآخر من جسمي لأداري عن بنيّتي سقوطها على الأرض، وبسبب رفعي لها بكلتا يدي فإني لم أستطع أن أحمي نفسي، فتسبب لي ذلك بكدمات شديدة، وذهبت بنيّتي تكمل لعبها وهي لاتعلم مالذي جرى لي!   فكنت أتعجب كثيراً من مشاعر الأبوة هذه التي جعلته بشكل عفوي سريع يؤلم نفسه لتسلم بنيته!   قصة أخرى مماثلة تذكرتها أمام ذلك المشهد، وهي قصة صاحب آخر حكى لي مرة أنه لازال يتذكر وهو صغير أنه كان في ليلة من الليالي مريضاً يئن طوال الليل، وأن والدته كانت بجانبه تنظر إليه وتختنق أنفاسها مع كل زفرة من أنينه، وتتوجع له حتى تكاد تخرج روحها من التألم له، ليس هذا كله هو الملفت، وإنما يقول صاحبي أنه كان يسمع والدته -رحمها الله- كانت تتمتم بدعاء وتقول “ياليته فيني ولافيك .. ياليته فيني ولافيك وأنا أمك”.   فكنت أتعجب كثيراً كيف تتمنى تلك الوالدة الحنونة أن يكون المرض فيها وليس في ولدها، يالمشاعر الأمومة هذه التي لايمكن تخيل مدى فدائها لفلذة كبدها..   قصة أخرى شبيهة بما سبق تذكرتها أيضاً أمام ذلك المشهد، يقول لي صاحبي: أنه كان مرة من المرات في غاية الإرهاق ويتضور جوعاً، ولما وصل المنزل طلب من زوجته وجبة هي من أطيب وأشهى الوجبات إلى نفسه، وأخذ يتشاغل بكل شئ ريثما ينتهي إعداد الوجبة، فلما انتهى الأمر ووضع الطبق بين يديه بعد أن كاد يعصره الانتظار، جلس بجانبه طفله الصغير وأخذ يشير إلى الطبق، ثم يشير إلى فمه، وينظر إلى والده، لم يكن الطفل جائعاً بقدر ماهو تطفل الصغار، ومع ذلك فإن هذه التوسلات أنسَت الوالد نفسه وأخذ يلقّم طفله الصغير ونسي نفسه ..   ياللدهشة .. كيف يغيب الإنسان عن نفسه أمام توسلات طفله الصغير .. تلك أحاسيس الأبوة..   وخير من هذه القصص السابقة، وأشرف وأجل منها، قصة أخرى قفزت لذهني حين كنت أمام ذلك المشهد المؤثر، وهي قصة وقعت أمام النبي وأصحابه في السنة الثامنة للهجرة، وذلك أنه حين جاء سبي هوازن رأى النبي فيه أماً حنونة ملهوفة تبحث في السبي عن صبيها، ويروي عمر بن الخطاب القصة فيقول: (قُدِم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسبى، فإذا امرأة من السبى تبتغى إذا وجدت صبيا فى السبى أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله «أترون هذه المرأة طارحة ولدها فى النار». قلنا لا والله وهى تقدر على أن لا تطرحه. فقال رسول الله « لله أرحم بعباده من هذه بولدها » )   [البخاري:5999،  مسلم: 7154]   فتعجب النبي –صلى الله عليه وسلم- من شدة لهفة هذه الأم بصبيها حتى كانت تلتقط صبياً إثر صبي من السبي فتلقمه ثديها !   فياسبحان الله ما أعظم مشاعر الأمومة والأبوة تجاه أطفالهم، وهذا ليس شأناً مختصاً بالبشر، بل حتى الحيوانات العجماوات تحمل من مشاعر الأمومة الحنونة شيئاً مثيراً للأحاسيس وكوامن النفوس، ففي سنن أبي داود عن ابن مسعود أنه قال (كنا مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فى سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمّرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمّرة فجعلت تفرش، فجاء النبى فقال « من فجع هذه بولدها ردوا ولدها إليها» ) [سنن أبي داود: 2677]   فانظر كيف كان هذا الطير يفرش جناحيه ويدنوا إلى الأرض مفجوعاً بفراخه، فكيف تكون مشاعر الآدميين تجاه أطفالهم؟!   بل وفي صحيح البخاري أيضاً أن النبي –صلى الله عليه وسلم- حين ذكر الرحمة التي أنزلها الله في الأرض يتراحم بها الخلق قال عن الحيوانات (حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) [البخاري: 6000] 

المهم .. أن هذه القصص العجيبة الأخاذة المدهشة أخذت تتلاحق أمام عيني بصورة حزينة حين كنت أمام مشهد مؤثر مرّ بي قبل أيام .. أتذكر هذه القصص ثم أعيد التأمل في هذا المشهد الذي استحوذ على أحاسيسي..   أتدري ماهو هذا المشهد المؤثر الذي استثار كل هذه القصص في نفسي يا أخي الكريم؟ إنه بكل اختصار “آية” من كتاب الله كادت تذهب بعقلي وأنا أقرؤها .. فكل ما أعرف من رحمة الأبوة والأمومة بأطفالهم فإنه سيذهب بها هول لحظة مشاهدة النار يوم القيامة فيتمنى الأب العطوف والأم الحنون أن يتخلصوا من هذه النار حتى لو أرسلوا فلذات أكبادهم إليها، يقول الحق تبارك وتعالى في مشهد مرعب: (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ) [المعارج: 11]   يا ألله .. يا فرجنا إذا أغلقت الأبواب .. اللهم السلامة السلامة من هذه النار التي أذهبت عقل الوالدين من شدة أهوالها حتى نسوا أغلى الناس إليهم، بل تمنوا أن يكون أولادهم مكانهم ويتخلصوا منها !   أطفالهم الذين كانوا يفدّونهم ويقدّمونهم على أنفسهم، ستأتي لحظة الفداء الكبرى التي تصعق فيها النفوس من شدة الهلع حين تسمع فوارن نار يوم القيامة وشهيق لهبها وهي تأكل الناس والحجارة .. وأمام ذلك المشهد فإن الوالد يود لو يفتدي من عذاب يومئذٍ ببنيه! يا ألله .. إلى هذه الدرجة يصل الهول والرهبة .. يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذٍ ببنيه..   أمام هذا الذعر المهول تذهب كل تلك الأحاسيس العطوفة .. أي رعب أكثر من هذا الرعب الذي ينسي الوالدين مشاعر الأبوة والأمومة؟! أي مشهد مخيف ذلك الذي ينسي الوالدين فلذات أكبادهم؟!   (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ) .. ياربنا السلامة .. السلامة ..

 

 

أبو عمر

ربيع الأول 1431هـ

23 فبراير 2010

استمداد المذاهب من خارج أهلها

أضف تعليق

   الحمدلله وبعد،،

 يتصور البعض أن المذاهب الفقهية أسوار مغلقة أقرب إلى القنوات المتجاورة التي تسير بجنب بعضها لكنها لاتتمازج، أي أنها كانت تجتهد وتفكر وتنتج داخل فضائها الفقهي الخاص فقط، وهذا غير دقيق، فهناك فقهاء يمكن تسميتهم (الفقهاء العابرين للحدود) وهم فقهاء أثروا على مذاهب أخرى تأثيراً جوهرياً أوجزئياً.   وحين كنت أطالع كتب المذاهب الفقهية الثلاث (الحنفية والمالكية والشافعية) وللأسف ليس لي خبرة دقيقة ومنظمة بها، بل كثيراً ماتمر بي اصطلاحات في كتب المذاهب الأخرى ولاتتبين لي، وخصوصاً المالكية فما أكثر اختصاراتهم، لكنني كنت أراجع بعض المسائل فقط، فكان يدهشني حجم الحضور لأعلام مميزين خارج مذاهبهم.

 أكثر شخص شدني حضوره خارج مذهبه ولم أجد ذلك لعالم آخر في كل التراث الإسلامي، وأستبعد أن يوجد له مثيل، فهو حضور مكثف وغزير وكأنه واحد من أهل المذهب نفسه، إنما هو (ابوحامد الغزالي)، فالغزالي حاضر في المذاهب الأخرى صراحة أو ضمناً بشكل مثير للاستغراب جداً، وهو بحاجة لدراسة لسبب استئثاره بهذا التأثير الأممي في عالم الفقه؟!   وخصوصاً تأثير الغزالي على الفقه المالكي، حتى أنني مرة حين رأيت كثرة ورود الغزالي في كتب المالكية استربت في الأمر، وقلت لعل هذا رجل من المالكية اسمه الغزالي! وراجعت المسألة ووجدته ابوحامد فعلاً! ومن أكثر من أدخل الغزالي على المالكية ابن شاس رحمه الله حتى قال ابن عرفة في أحد مسائل الشهادات (لا أعرف هذه المسألة لأحد من أهل المذهب، إنما ذكرها الغزالي فأضافها ابن شاس للمذهب)، وينص ابن عرفة كثيراً فيقول “نص عليها الغزالي”.   ولاحظت متأخري الحنفية ينقلون كثيراً من إحياء علوم الدين للغزالي، والمالكية ينقلون كثيراً من الوجيز للغزالي، وربما أن السبب هو اختلاف نمط الاحتياجات، فالحنفية يحتاجون للجانب الأخلاقي الذي عرضه ابوحامد، والمالكية يحتاجون للفروع التي فرعها ابوحامد، إذ لم يكن متقدمو المالكية مولعون بالتفريع كما كان الحنفية فلديهم اكتفاء من هذا الجانب.   وحتى في أصول الفقه، فالكتاب المشهور للحنابلة هو (روضة الناظر) وهو مختصر من المستصفى، وابن رشد المالكي صاحب بداية المجتهد لخص المستصفى أيضاً!   ويبدو لي لو بحث أحد الباحثين مصادر الأحاديث الضعيفة التي دخلت على كتب المذاهب الفقهية، فلن أستبعد أن يكتشف أنه بسبب الإحياء، فالإحياء للغزالي هو بوابة الأحاديث الضعيفة على أمة محمد، غفر الله له، وكلما تذكرت كتاب العراقي (المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج مافي الإحياء من الأخبار) أخذت أتعجب من شدة جلد العلماء السابقين، نحن اليوم مع كل الإمكانيات البحثية نتعب في تخريج الحديث وجمع طرقه وتحقيق صحته، بل الواحد منا إذا حقق مائة أومائتي حديث شعر بالزهو، وهذا العراقي يلاحق أحاديث الإحياء الغزيرة والتي أكثرها ليس في دواوين الإسلام المعروفة، فلله در العراقي!   وأكثر متأخري الحنفية ماتريدية، وكتابهم الرئيسي هو (المسايرة) وقد تأثر فيها بالغزالي حتى قال ابن عابدين (المسايرة هي رسالة في علم الكلام ساير بها عقيدة الغزالي).   فالغزالي أعظم شخصية إسلامية مؤثرة في العصر الوسيط ! .

والشاطبي متأثر بالقرافي، والقرافي متأثر بالعز بن عبدالسلام الشافعي تأثيراً جوهرياً شديداً، وقد كنت أقرأ في الفروق للقرافي مواضع تعجبني جداً، ثم أكتشف أنها بنصها في قواعد الأحكام للعز ابن عبدالسلام، وقد أشار لذلك الشاطبي مرةً في الاعتصام فقال (ومما يورد في هذا الموضع أن العلماء قسّموا البدع بأقسام أحكام الشريعة الخمسة، ولم يعدّوها قسما واحدا مذموما، فجعلوا منها ما هو واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرم، وبسط ذلك القرافي بسطاً شافياً، وأصل ما أتى به من ذلك شيخه عز الدين بن عبد السلام).    

وأما المغني لابن قدامة فمادته الجوهرية من ابن المنذر وابن عبدالبر، وخصوصاً مذاهب الصحابة والتابعين، ومذاهب أئمة الأمصار، بل كثيراً ماينقل ابن قدامة أقوال أبي حنيفة ليس من كتب الحنفية بل من كتب فقهاء أهل الحديث كابن المنذر وابن عبدالبر، وهذا هو سبب عدم دقة المغني في نقل مذهب الحنفية على وجه الخصوص، فتجد دوماً للحنفية تفصيلات دقيقة في مسائلهم لاتجدها واضحة حين يناقشهم ابن قدامة في المغني، بل تجده كثيراً ما يسوق قول أبي حنيفة بنفس صياغة ابن المنذر وابن عبدالبر له.

الحقيقة أن ابن عبدالبر لم يكن مورداً أساسياً لابن قدامة فقط، بل إن ابن رشد صاحب بداية المجتهد، إنما كتابه مجرد “تنظيم عقلي” لمادة الاستذكار لابن عبدالبر، ولولا ابن عبدالبر لما راح ابن رشد ولاجاء، وقد صرح بذلك ابن رشد في نفس الكتاب، فحين أنهى كتاب الطهارة ختمه بهذه الجملة (وأكثر ما عوّلت فيما نقلته من نسبة هذه المذاهب إلى أربابها هو كتاب الاستذكار، وأنا قد أبحت لمن وقع من ذلك على وهم لي أن يصلحه).

وفي بقية الكتاب لايصرح ابن رشد باسم ابن عبدالبر إلا حين يورد تصحيحه أو تضعيفه للمرويات، فانظر لحسن أثر “أهل الحديث” على الناس، ولذلك فقد صدق ابن تيمية حين فسّر خفة انحرافات الفلاسفة مثل ابن ملكا وابن رشد (مقارنة بابن سينا والفارابي) بكونهم نشؤوا بين أهل الحديث وانتفعوا بهم.

وأتعجب ممن يكيل الإطراء لكتاب “بداية المجتهد”، وينسى أن مادة الكتاب كله هو من جهد ابن عبدالبر، بل حتى ابن حزم الموسوعي تراه في كتبه يقول كتبت لابن عبدالبر وأخبرني ابن عبدالبر، بل في رسالة لابن حزم تحدث فيها عن علوم أهل الأندلس تحدث بفخامة لاتوصف عن عظمة كتاب التمهيد لابن عبدالبر، وأنه لايوجد مثله في الكلام على فقه الحديث، وهكذا كان يبجله ابن تيمية أيضاً.

ومن أطرف الأخبار في هذا الباب، ويستحق أن يفرد في باب من العلم خاص وهو (باب مانقل فيه أهل المذهب مذهبهم عن غيرهم) حيث وجدت موضعاً طريفاً في رد المحتار لابن عابدين قرر فيه المذهب الحنفي لا بناءً على نص للحنفية، بل بناء على نص لابن تيمية في حكاية المذهب الحنفي، حيث يقول ابن عابدين عن مسألة الساب : (فقد أفاد –أي ابن تيمية- أنه يجوز عندنا قتله إذا تكرر منه ذلك وأظهره، وقوله “وإن أسلم بعد أخذه” لم أر من صرح به عندنا، لكنه نقله عن مذهبنا وهو ثبت فيقبل).   وهذا موقف طريف جداً، فابن عابدين معروف في التشدد والتدقيق في حكاية المذهب، وأعظم من ذلك شدة الاطلاع على كتب الحنفية واستيعابها، ولا أظن في متأخري الحنفية من يضارع ابن عابدين في استيعاب كتب الحنفية والتدقيق فيها، لكن لعظم ثقته في نقل أبي العباس، فقد جعله من المذهب حتى وإن لم يجده عن أئمتهم!   أعتقد أن الإخوان مرت بهم ملاحظات طريفة حول التلاقح المذهبي، وتأثر المذاهب ببعضها، وظاهرة الفقهاء العابرين للحدود، وسيكون ضم هذه الفوائد لبعضها، وتصحيحها وتنقيح التعميمات الخاطئة فيها، ينتج مادة جميلة بإذن الله.   والله أعلم.

 

أبو عمر

جمادى الأولى 1431هـ

22 أبريل 2010

معايير تحديد أولويات المواجهة

أضف تعليق

 

       هناك فريق من الناس يشنع كثيراً على دعاة أهل السنة بالقول بأنهم لايرتّبون الإنحرافات بشكل صحيح، فتراهم يردون على من يخالفهم في بعض الملفات الشرعية، ويدعون العلمانيين الأقحاح، أو يقولون أحياناً: سلِم منكم اليهود والنصارى ولم يسلم منكم مفكرون لازال يشملهم الإسلام. أو يقولون أحياناً: أهل السنة يحتاجون إلى الوعي بأي الحروب أولى بالمواجهة. أو يقولون في أحيان أخرى: هرم الانحرافات يقف بالمقلوب في الوعي السني!

وقد لاحظت أن أغلب من يردد هذه الحجج هم التيارات المنتسبة للاستنارة الإسلامية، والإصلاح السياسي، ويرددها –أيضاً- تيار جديد بدأ يظهر على الساحة الآن وهو تيار (الوطنية الإسلامية) وهو تيار يعلن –بمناسبة وبلامناسبة- ولاءه السياسي الكامل والمطلق، ويتعامل مع المخالفين على أساس أنهم “شركاء في الوطن”، ويؤسس شرعية مطالباته وقائمة أجندته الفكرية على أساس “ثوابت الوطن”، ويتحاشى بطريقة فوبيّة غريبة أية لغة يفهم منها البناء على أسس “عقائدية”.

على أية حال.. لسنا معنيين كثيراً بمن يردد هذه الحجج، ولكن يعنينا هاهنا أن نحلّل مدى شرعية هذه الحجج؟ وهل تتفق مع المنهج الدعوي عند أهل السنة، أم هي بدعة وإحداث في دين الله؟.

حين نعيد تأمل هذه اللافتات التي يرفعونها حول “أولويات بيان الانحرافات والرد على المخالفين” نلاحظ أنها تنطوي على “معيار” ضمني، هذا المعيار هو بكل وضوح أن أولوية الرد على المخالف تتحدد على أساس “حجم الانحراف” فالملحد أولى بالرد من العلماني، والعلماني أولى بالرد من المخالف المنهجي لأهل السنة، والمخالف المنهجي لأهل السنة أولى بالرد على الخطأ الفقهي الجزئي، وهكذا.   ولذلك إذا رأو عالماً أو داعية يرد على “مخالف منهجي” لأهل السنة، قالوا له: سلم منك الملاحدة والعلمانيون وجئت ترد على من يشاركك أكثر الأصول والهموم؟! هذا الموقف منعكس عن مقياس يجعل الأولوية مرتبطة بمراتب الانحراف ذاته. فما مدى صحة هذا الموقف؟.

الحقيقة أنه وبأدنى تأمل في طريقة السلف الصالح وأئمة الهدى فإن الباحث يعرف أن هذا معيار باطل مخالف للمنهج الدعوي عند أهل السنة، ومن تأمل ردود أهل السنة من الصحابة والتابعين وأئمة الأمصار من بعدهم فإنه سيلاحظ أن هناك معياراً مختلفاً كلياً. فالمعيار عند أهل السنة لايربط أولويات المواجهة بـ(حجم الانحراف)، وإنما يربط أولويات المواجهة بـ(حجم الحاجة إلى البيان).

تأمل معي بعض هذه النماذج، في الصحيحين أن عبد الله بن عمرو قال رجعنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر فتوضئوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فأخذ رسول الله ينادي بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار. لو طبقنا معيار الطوائف الفكرية بأن البيان والرد يكون على (حجم الانحراف) لقلنا: لماذا يهتم النبي وينادي بأعلى صوته بقضية جزئية لاتتعدى أن بعض الناس بسبب السرعة نسوا جزءاً يسيراً من أقدامهم لم يمسه الماء؟! هل يسوغ أن نقول: الأمم من حول النبي فيهم اليهود والنصارى وعبدة النار والمشركون، والداخل الإسلامي يعاني من الفقر، ومع ذلك يعتني النبي بقضية جزئية تتصل بأحد جزئيات الطهارة؟.  هذه التساؤلات لايستطيع أن ينفك عنها العقل الذي تشبع بالمعيار الفكري بأن الرد والبيان يكون على حجم الانحراف، أما العقل الرصين الذي تشبع بالمعيار الشرعي بأن الرد والبيان يكون بحسب الحاجة إلى البيان فإنه يفهم هذا الفعل النبوي فهماً صحيحاً.

وهذا المثال طبّقه على سائر مواقف النبي –صلى الله عليه وسلم- التي غضب فيها وأظهر فيها اهتماماً واضحاً في مسائل جزئية فقهية يحتمل الخلاف فيها، وقارنها بحال المجتمع النبوي الذي يحيط به أصناف الكفار، وفي داخله أعتى المنافقين، ويعج بالفقراء والمعوزين، ومع ذلك كله يهتم النبي بجزئيات المسائل ويرد على أناس من الداخل الإسلامي ذاته. وإذا شاء القارئ الفاضل المزيد من هذه النماذج فيمكنه مراجعة بابٍ لذيذٍ إلى الغاية عقده عبقري السنة الإمام البخاري في صحيحه باسم (باب الغضب في الموعظة والتعليم) وهو موجود في  الصحيح في (كتاب العلم) فقد ساق فيه شواهد نبوية على اهتمام النبي وغضبه في مسائل جزئية، وعلى أية حال فكتاب العلم في صحيح البخاري إذا تأمله طالب العلم وجد أنه يحسم كثيراً من مسائل النزاع في المنهج الدعوي لأهل السنة.   خذ مثالاً آخر، حين مات النبي –صلى الله عليه وسلم- كان جيش أسامة لغزو الروم قد عقدت رايته، وفي الداخل الإسلامي ظهرت طائفة تنكر وجوب دفع الزكاة لأحد بعد رسول الله، فجهز أبوبكر الجيوش لقتالهم، برغم أنهم يعلنون أنهم مسلمون ويقولون “لا إله إلا الله”، لكن لديهم تأويل لآيات الزكاة بأن المخاطب والمختص بأخذها هو النبي لاغيره فكانوا يقولون: كيف يحق لأبي بكر أن ينزل نفسه منزلة النبي في هذه الفريضة؟!   وقد شرح الإمام ابن تيمية تأويلهم فقال (وأما مانعوا الزكاة فقد ذكروا أنهم قالوا: إن الله قال لنبيه “خذ من أموالهم صدقة” وهذا خطاب لنبيه فقط، فليس علينا أن ندفعها لغيره، فلم يكونوا يدفعونها لأبي بكر ولا يخرجونها له) [الفتاوى، 28/542]   فهؤلاء منتسبون للإسلام، ومتأولون لا في أصل الزكاة، بل في حق أبي بكر باستلامها، حتى أن بعض كبار الصحابة أشكلت عليه المسألة بادئ الأمر كما قال عمر (كيف تقاتلهم وهم يقولون لا إله إلا الله)، ومع ذلك فقد جرد أبوبكر سيفه وجهز الصحابة لقتالهم، بكل مايتضمنه القتال من سفك الدماء وغنيمة الأموال. فلم يقل أبوبكر: جيش أسامة على تخوم البلقاء يقاوم الروم النصارى، ونحن نقاتل متأولين في مسألة فيها احتمال! بل علم بفقهه الدقيق أن مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة في تحريف الإسلام من الداخل في مثل هذا الظرف لاتقل عن أهمية مواجهة النصارى. فلو طبقنا المعيار الفكري بأن (المواجهة على قدر الانحراف) لقلنا أخطأ ابوبكر، لأن مواجهة نصارى الروم وهم كفار أصليون محاربون أولى من مواجهة متأولين في الداخل المسلم يقولون لا إله إلا الله، فضلاً عن مقاتلتهم!   لكن لو طبقنا المعيار الشرعي بأن (المواجهة على قدر الحاجة إلى البيان) لاستوعبنا حنكة أبي بكر ودقة فقهه وعمق علمه بدين الله، ولذلك تكلم علماء الإسلام كثيراً عن البركات التي حصلت بعزمة أبي بكر على قتال المتأولين في الزكاة.   ويمكن أن نشاهد هذا المعيار السني في تطبيقات الصحابة بشكل عام، كمثل تشديد ابن مسعود على المتأولين في الذكر الجماعي، وتشديد ابن عمر على المتأولين في كون المعاصي مقدرة (وهم الذين سموا القدرية لاحقاً)  برغم أنهم لم ينكروا أصل القدر، بل تأولوا بعض معناه فقط، وبرغم أنهم ينتسبون للعلوم الشرعية كما يصفهم الراوي في صحيح مسلم حين جاء يسأل ابن عمر (فقلت أبا عبد الرحمن: إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم – وذكر من شأنهم – وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف) ، ومع ذلك كله قال فيهم ابن عمر مقالته الشديدة المعروفة. فهل يصح القول: كيف يشدد الصحابة على هذه الاجتهادات في التأويل ويدعون الملاحدة واليهود والنصارى والمجوس والولاة الظلمة والمظالم المالية؟!   بحسب معيار الطوائف الفكرية المعاصرة، نعم، فإن معيارهم سيقودهم إلى التورط بإدانة الصحابة ذاتهم، لكن بحسب المنهج الدعوي عند أهل السنة فهذه المواقف الصحابية معدودوة في مناقبهم ومن شواهد عمق فقههم وعلمهم.

وهكذا –أيضاً- انظر في أقوال الأئمة الأربعة في بدعة تأويل الصفات الإلهية، وكيف كانت مواقفهم الشديدة التي وصلت للحكم بكفر المعين أو لعن المعين على أمثال الجهم بن صفوان وعمرو بن عبيد وحفص الفرد ونحوهم (وأقوال السلف في هذا الباب مجموعة في العلو للذهبي واجتماع الجيوش الاسلامية لابن القيم).   فهل يمكن أن نقول للأئمة الأربعة –أبوحنيفة ومالك والشافعي واحمد- أنتم تصرفون جزءاً من وقتكم في التشديد البليغ على من يتأول بعض نصوص الصفات وهي مسائل تحتملها لغة العرب، وتتركون الملاحدة واليهود والنصارى والفساد السياسي في عصوركم؟!  

هذه الطوائف الفكرية تنتج معايير ولاتراعي أن معاييرها تقودها إلى إدانة السلف ذاتهم! وهم يتفاوتون في الموقف من ذلك، فبعضهم يطرد قاعدته وأصله ولايبالي إن كانت قاعدته تقتضي انتقاص السلف واستجهالهم واستبلاههم، وبعضهم فيه بقية دين فيتحاشى أن يطبق قاعدته على عمل السلف، ويفضل أن يعيش بهذا التناقض على أن يواجه لوازم قاعدته.

ومن تطبيقات هذه الإشكالية: ظاهرة “الإباحية الفقهية” المعاصرة، وهي أن بعض أصحاب تدجين الخطاب الدعوي المتصدرين في الفضائيات اليوم صاروا يسلكون منهج “تتبع رخص العلماء وزلاتهم والفتيا بها” بشكل واضح، بل وباندفاع في هذا المجال وتصفيق إعلامي ملفت، وصار عند هؤلاء “لجان علمية” وظيفتها البحث في كل مسألة عن من أباحها من أهل العلم للفتيا بموجب ذلك، لجان يسمونها علمية كل وظيفتها “البحث عن مبيح”!، وتتاح لهم برامج أوقات الذروة ليحقنوا المسلمين المستهدفين بزلات العلماء، كان الله في عوننا نحن المشاهدين المساكين، فبدلاً من أن نجد علماً يحي قلوبنا، صرنا نجد شبهات تربت على اهوائنا لنستكين على وضعنا، شخصيات تصدرت للناس بدلاً من أن تكون وظيفتها إحياء الإيمان في النفوس، صارت وظيفتها توهين التدين في نفوس الناس، وتوفير مبررات الفتور التعبدي والبرود الدعوي.

المهم.. أنه إذا قام أحد علماء ودعاة أهل السنة ببيان الانحراف في عين فتوى بذاتها، أو تجاه مسلك هذا الرجل بعمومه، قاموا عليه وأخذوا يتساءلون باستغراب: تترك العلمانيين وتأتي لهذا المنتسب للدعوة؟! هذا خلاف فروعي لايستدعي منك أن تكتب في بيانه؟! تترك المخالف في الأصول ترد على المخالف في الفروع؟! ونحو هذه العبارات. وإجابة على هذه الدعوى يقول ابو العباس ابن تيمية رحمه الله مبيناً أن الحاجة للبيان في مثل هذه المسائل قد تفوق الحاجة للبيان في بعض مسائل العقيدة الظاهرة لكل أحد، كما يقول رحمه الله: (فإن فتوى من مفتٍ في الحلال والحرام، برأيٍ يخالف السنة أضر عليهم من أهل الأهواء ، وقد ذكر هذا المعنى الإمام أحمد وغيره ، فإن مذاهب أهل الأهواء قد اشتهرت الأحاديث التي تردها واستفاضت ، وأهل الأهواء مقموعون في الأمر الغالب عند الخاصة والعامة، بخلاف الفتيا فإن أدلتها من السنة قد لا يعرفها إلا الأفراد، ولا يميز ضعيفها في الغالب إلا الخاصة ، وقد ينتصب للفتيا والقضاء ممن يخالفها كثير) [الكبرى، 6/144] .  فبالله عليك تأمل في عمق هذا الفقه، حيث جعل الرد على بعض الفتاوى الفروعية التي شذّت عن طريق أهل العلم، قد تكون أولى بالبيان من بعض البدع الكبرى، لأن الأولى خفيّة والثانية ظاهرة، فجعل المعيار رحمه الله ليس حجم الانحراف، بل مدى حاجة الناس للبيان.

وثمة مقولتان للعلامة المتفنن بكر ّبوزيد كلما قرأتهما رقصت جوانحي طرباً لهما، وما رأيت كلام هذه الطوائف الفكرية في هذا الباب إلا تذكرت عبارته يرحمه الله، وهاتان العبارتان كلاهما مذكورتان في كتابه “الردود”، فأما العبارة الأولى فهي قوله رحمه الله وغفر له: (إذا رأيت من ردّ على مخالف في شذوذ فقهي، أو قول بدعي، فاشكر له دفاعه بقدر ‏ما وسعك، ولا تخذله بتلك المقولة المهينة “لماذا لا يرد على العلمانيين”)[الردود، بكر ابوزيد، 49 ]. وأما العبارة الثانية فهي قوله رحمه الله:  (فقل لي بربك: إذا أظهر المبطلون أهواءهم، والمرصدون في الأمة: واحد يخذّل، وواحد ساكت، فمتى يتبين الحق؟) [الردود، بكر ابوزيد، 17 ]  .

وعلى أية حال .. أولئك الذين يلومون علماء ودعاة أهل السنة على مقاومتهم للانحرافات المنهجية –حتى المنتسبة منها للفكر الإسلامي- بحجة أن مقاومة اليهود والنصارى والملاحدة والعلمانيين أولى إنما يتمسكون بحجة مؤداها الإزراء بجهود النبي وأصحابة وأئمة الهدى من بعدهم في العناية بسائر تشريعات الإسلام كليها وجزئيها، وأن جهود البيان والرد عندهم ليست مرتبطة بحجم الانحراف، بل مرتبطة بمدى حاجة الناس للبيان.

 

 

 

أبو عمر

ربيع الأول 1431هـ

21 فبراير 2010

أسد على العريفي .. نعامة على الأعرجي !

أضف تعليق

في عراق الإسلام .. ومن أعلى مجلس سياسي .. وتحت شمس الفضائيات .. يستعلن عضو مجلس النواب العراقي بهاء الأعرجي بسبّ أخص الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم.. ويقول أن أبابكر –رضي الله عنه- كان “متآمراً” على المسلمين! بل يقول أن “المؤامرة بدأت من عند أبي بكر” !   ومع ذلك يمر الحدث على أصحاب تجديد الخطاب الدعوي بكل برود.. أولئك الذين أتحفونا بمقطوعات “ذم الطائفية” وعبسوا بوجوههم يستعيبون صنيع الدكتور محمد العريفي حين سب السيستاني .. وتفننوا في عبارات (لايليق.. وليس من الحكمة.. وحرمة عرض المسلم.. وحرمة أهل القبلة.. الخ الخ) لم نجد منهم اليوم إلا صمت القبور عن جريمة سب أعظم رجل بعد الأنبياء والرسل..   إغضاب السيستاني وتابعه حسن الصفار استدعى منكم كل ذلك الاستعراض بالأخلاقيات .. أما إغضاب جبار السموات والأرض بالتطاول على أخص الناس بنبي الإسلام فإنما يمر باعتباره جزء من شريط الأخبار الذي يركض أسفل الشاشة .. قد يستدعي انتباهاً لحظياً يزول بمجرد أن يأتي الخبر الذي يليه .. هذا كل شئ..والله العلي العظيم .. لو كان في قلوبنا حرقة وحميّة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما جمدت قلوبنا وعيوننا ونحن نرى صاحب رسول الله يهان بهذا المستوى.. أقسم بالله العظيم لو استحضرنا أن أبابكر هو أعظم رجل في ميزان الله -جل جلاله- بعد الأنبياء والرسل لما مر هذا الحدث بهذا الجمود..   مهما اختلف الناس في ثبوت صحبة رجل من العصر الأول لرسول الله .. فلن يختلفوا في صحبة أبي بكر لرسول الله الذي أثبت الله جل جلاله صحبته إذ قال: (إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة: 40]   الله سبحانه وتعالى –هل نعي أن الله هو الذي يتحدث هاهنا- يسميه “صاحب” رسول الله .. ونحن نرى هذا الصاحب يهان ولاتتحرك فينا شعرة!

بل انظر كيف أن أصحاب رسول الله بذلو الغالي والنفيس وضحوا بحياتهم من أجل رسول الله ومع ذلك يخاطبهم رسول الله –كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد- ويقول لهم (إن أمنّ الناس على فى ماله وصحبته أبو بكر).

يا أهل السنة .. هذا أمنّ الناس على نبيكم .. يقدح في عرضه ويتهمه النائب السياسي بهاء الأعرجي بأنه “متآمر” !   لاحول ولاقوة إلا بالله .. اللهم إنا نشكو إليك موت قلوبنا وجمود غيرتنا..   أمنّ الناس على رسول الله أليس هو أمنّ الناس علينا؟ بل كيف ستكون منته علينا؟! أين الوفاء لهذا الرجل الذي نصر نبينا يوم خذله الناس؟! أين الوفاء لهذا الرجل الذي بادر لتصديق خبر سول الله حين كان يكذبه الناس؟! 

تذكروا بالله عليكم كيف بذل الصحابة لرسول الله، تذكروا تلك التضحيات الصحابية العظيمة، ثم ضعوا بإزاء ذلك قول رسول الله –كما في البخاري عن أبي الدرداء- للصحابة أنفسهم: (هل أنتم تاركو لي صاحبي؟! هل أنتم تاركو لي صاحبي؟! إني قلت يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً، فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدقت). انظر كيف يغضب رسول الله لصاحبه أبي بكر برغم أن القضية برمتها أن عمر أبى أن يستغفر لأبي بكر، هذا كل شئ، فكيف بالله عليكم سيكون غضب رسول الله من رجل يقف في قعر عراق الإسلام يقول عن أبي بكر بأنه “متآمر” ؟!   الواحد منا لو سمع رجلاً يهين أباه أو قبيلته انتفخت أوداجه .. وهانحن نرى أمنّ الناس على رسول الله، وأحق رجل بخلة رسول الله، ومن أغلق رسول الله أبواب الصحابة كلها إلى المسجد إلا باب أبي بكر، ومن كان يسهر مع رسول كل ليلة في شؤون المسلمين، ومن كانت بنته أحب الناس إلى رسول الله، ومن تصدق الصحابة بشطر أموالهم فتصدق هو بماله كله، ومن عاش حياته كلها ليس بين عينيه إلا رسول الله، ومع ذلك تمر علينا جريمة الإهانة لهذا الرجل الذي يجله الله ورسوله بكل فتور نفسي..  

هذا ابوبكر الذي كان أصحاب رسول الله ينتفضون إجلالاً له لما يعلمون من منزلته عند الله ورسوله حتى كان عمر بن الخطاب يقول كما في صحيح البخاري (والله لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر)..   هكذا كان ابوبكر في عيون أصحاب رسول الله، عمر بن الخطاب يرى الموت بضرب السيف خير له من أن يتأمّر على قوم فيهم ابوبكر! أي تعظيم لأبي بكر أكثر من ذلك؟!   وكان علي بن أبي طالب يقف على منبر الكوفة ويقول (خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر ثم عمر) .. وهذا الخبر بسبب أن علي كان يقوله على المنبر وقد انتشرت إشكالية التفضيل فإنه نقل عن علي من ثمانين وجهاً -كما ذكره ابن تيمية في منهاج السنة- وهذا من أبلغ درجات التواتر .   هذا الرجل “أبوبكر” جعله الله -جل جلاله- صاحب رسول الله، وجعله رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أمنّ الناس عليه، وكان خيار الصحابة يتمنون الموت ولا يتأمرون على قوم فيهم أبوبكر، ومع ذلك كله يُطعن هذا الرجل، يُطعن خير أولياء الله تحت وضح الفضائيات من أعلى مؤسسة سياسية في عراق الإسلام .. وكأن شيئاً لم .. بل لازال بعض إخواننا يردد “يجب أن لانكون طائفيين في تعاملنا مع إخواننا الشيعة”؟!   يا اخواننا ألا يحق لنا أن نبكي على جنازة الإيمان في قلوبنا ؟!

 

أبو عمر

ربيع الأول 1431هـ

18 فبراير 2010

حين تكون الذات أغلى من الله

تعليق واحد

أعرف أحد كتّاب الانترنت منهمك منذ فترة في الحديث عن خطأ الاسلاميين في الموقف من الآخر، وأنه خطأ تاريخي يجب تصحيحه، ويتحدث كثيراً عن أن سائر خصوم الإسلام والسنة (الكافر، والعلماني، والليبرالي، والشيعي) كلهم يجب احترامهم واللطف في خطابهم والبحث عن المشتركات معهم، ويذكر من قصص السيرة النبوية شواهد لما يقول.

 

لم يلفت هذا الموضوع انتباهي كثيراً، لكن قبل فترة زرت أحد هذه المنتديات ورأيت موضوعاً لكاتب إلكتروني مجهول يشتم فيه صاحبنا السابق بأنه منسلخ ومنبطح ومتلون إلخ هذه الأوصاف، لا أنكر أنني تقززت من وصفه بذلك، فهو على أية حال لايزال لديه تعظيماً للنصوص الشرعية بشكل عام.

 

لكن الذي فاجأني أن صاحبنا دخل وبادل شاتِمه بسباب مماثل، لم تكن عبارة واحدة، بل غرز في رده عدة ألفاظ نارية ساخنة ومقذعة.

وقفت مع نفسي أتأمل في هذا الموقف..

ياسبحان الله .. كيف تكون نفس الإنسان أغلى عليه من ربه وخالقه ومولاه؟

 

هذا الرجل تحول إلى إصبع إتهام مشهرٍ في وجوه الدعاة لايكف عن غمز قناتهم بأنهم ينقصهم الوعي بسبب موقفهم من خصوم الإسلام والسنة، وإذا رأيت هجومه المستمر ولمزه المتكرر لأخطاء المحتسبين لاتستطيع أن تدفع عن نفسك الشعور بأنه صار يرى خطأ المنكِر (وهو خطأ تبعي اجتهادي) أغلظ من خطأ صاحب المنكر ذاته (وهو خطأ أصلي ظاهر).

 

مافرق هذا عن رجل يشنع على (المجاهد) أكثر من تشنيعه على (المحارب) ؟! مافرق هذا عن رجل يرى أن خطأ (رجل الأمن) أشنع من خطأ (قاطع الطريق) ؟!

 

المهم ليس هذا .. المهم أنني بدأت أقارن بين موقفه ممن انتقصه، وبين موقفه ممن انتقص دين الله وسنة نبيه؟!

في موقفه ممن انتقص دين الله وسنة نبيه لم نر إلا اللطف والهدوء والدعوة لتفهم الزوايا المضيئة والقواسم المشتركة، وفي موقفه ممن شتمه شخصياً رأينا السباب والشتائم والعبارات النارية المتحديّة!

يا ألله .. هل صارت نفسه أغلى عليه من ذات الله سبحانه وتعالى ؟!

الصورة النهائية التي أمامي أن من غض من دين الله فهو يستحق عنده الاحترام واللطف، ومن غض من قيمته الشخصية صار مستحقاً لأن يرد عليه بالمثل!

 

وثمة شخصية أخرى مشهورة منتسبة للدعوة قريبة من هذا السلوك جداً، يتحدث دوماً عن الهدوء واللطف والأرضيات المشتركة والاجتماع على الكليات وترك الفروق الخ مع كل خصوم الإسلام والسنة، فإذا سئل عن من ينتقد ويتهجم على مشروعاته قال: هؤلاء يعانون من توتر واحتقان، وضيق أفق، ونقص وعي، الخ مفردات التقزيم الممكنة!

 

فيا لله العجب .. صار خصوم القرآن يبحث معهم عن المشتركات، وخصومك يعانون من ضيق الأفق! هل صارت نفسك أغلى عليك من الله؟!

 

وقريب من هذا النمط من الناس –أيضاً- فريق كبير الآن يتسع ويتسع في إعلامنا المحلي، إذا اعتدى أحد على “دين الله” رأيت نشاطه الهائل في تذويب الغيرة والحمية والمطالبة بالعقلانية والرزانة والهدوء والبحث عن المشتركات، وإذا تهكمت أي شخصية سياسية بـ “الوطن” رأيت التفنن في المواجهة والدفاع، وتفتقت عقولهم عن فنون من الحجاج والجدل والإفحام تجاه منتقد الوطن بشئ لاينقضي من العجب.

 

حين ترى ذلك، فبالله عليك ألا يؤلمك أن يكون “وطنهم” أغلى في نفوسهم من “ربهم” ؟!

وأنا أرى هذه المشاهد أتذكر دوماً قول نبي الله هود لخصومه حين راعو جانب قومه أكثر من مراعاة الله سبحانه وتعالى، حيث يقول لهم نبي الله هود:

(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ) [هود:92]

 

فانظر بالله عليك كيف صار رهط هود أعز عليهم من رب هود سبحانه وتعالى؟!

وقارن ذلك بكتبة ومتحدثين كثيرين اليوم يرون مجابهة منتقِد (الوطن) شرفاً، ومجابهة منتقِد (الشرع) ضيق أفق ! وقل لهؤلاء الكتبة والمتحدثين: ياقومِ أوطننا أعز عليكم من الله؟!

 

ومافعله خصوم هود من مراعاة جانب رهطه أكثر من مراعاة جانب الله جل وعلا؛ ليس شأناً خاصاً به، بل حتى خصوم نبي الله صالح كانوا يراعون جانب عشيرة صالح أكثر من مراعاة جانب الله جل جلاله، ولذلك كانوا يقولون:

(قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ) [النمل: 49]

  فالذي كان يعنيهم فقط السلامة من لوم أوليائه وعشيرته، أما ملامة الله فلم تخطر لهم ببال!

 

وهذا أيضاً شأن كثير من المنحرفين فكرياً ممن يخفون في أنفسهم بغضاً لبعض الأحكام الشرعية فإنه يجتهدون في إخفاء ذلك عن عامة الناس وتلبيسه بالعبارات الغامضة المجملة لتكون لهم مخرج طوارئ، وماذلك إلا بسبب ماقام في نفوسهم من الهيبة من الناس أكثر من الهيبة من الله، ولذلك يقول تعالى عن هذا النمط من الناس (لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ) [الحشر: 13].

 

والشئ بالشئ يذكر .. أتذكر أحد الإعلاميين الفضلاء كان يذيل ردوده وجواباته سابقاً بقوله (ولن نتوانى في كل مافيه خدمة ديننا) ونحو هذه العبارات، ثم بعد النغمة الجديدة صار يقول (خدمة ديننا ووطننا) .. ثم صار بعد فترة يقول (خدمة وطننا وديننا) .. ثم قبل أيام يسيرة صرت أراه يقول فقط (كل مامن شأنه خدمة الوطن) .. هكذا مجردةً .. وهي عبارات لها دلالات أبعد من كونها مجرد ألفاظ عرضية .. إنها تحول عميق في أسس الشرعية الاجتماعية في مناخنا الفكري المعاصر.. إنه تبدل بنيوي في مرتكزات الشرعية التي يحال إليها ويستند عليها.. إنه انقلاب في مصادر الاستمداد العميقة في الوعي..

إنه بعبارة أخرى .. إنتقال من توحيد الله، إلى الشركة بين الله والوطن، ثم أخيراً إلى توحيد الوطن ..!

 

ولذلك ترى كثيراً من الناس اليوم لايجد أية غضاضة في التمييز بين الناس على أساس الوطن، سواء في الخدمات الحكومية، أو الانتماء القلبي، لكن التمييز بين الناس على أساس الدين، أو التمييز بين الناس على أساس القرب من السنة والبعد عنها؛ هذا كله عنده تشنج وضيق أفق وطائفية مقيته وإقصاء الخ!

سبحان الله .. إقصاء غير المواطن مطلب، وإقصاء غير المسلم مذمة!

 

ودعني أضرب لك مثالاً مفترضاً، لو قلت لكثير من النخب المنتسبة للثقافة الصحفية إننا سنخصص الخدمات الصحية المجانية للمواطن، وسنحرم منها غير المواطن حتى لو كان مسلماً سنياً متمسكاً، لما رأو في ذلك إشكالاً بل لرأوه تنظيماً مطلوباً. لكن لو قلت لهم: إن الخدمات الصحية ستكون لكل مسلم، وسيحرم منها أي مواطن يثبت أنه يستغيث بغير الله كالاستغاثة بالحسين ونحوه حتى يتوب من ذلك. فإنهم سيهجمون عليك ويشعلون في وجهك غازات الإعلام، ويجعلونك وثن الإقصاء والتخلف!

 

فانظر كيف انقلبت الموازين، فصار التمييز على أساس (الوطن) تقدم وحضارة، والتمييز على أساس (لا إله إلا الله) تخلف وانحطاط!

 

على أية حال.. لنعد لموضوعنا .. ضع في ذهنك أولئك المنتسبين للدعوة الذين يناضلون بلغة ساخنة عن أنفسهم ومشروعاتهم أكثر من دفاعهم عن سنة رسول الله، ثم قارن ذلك بموعظة الله لنا في القرآن حين حذرنا أن نجتهد في صيانة أنفسنا أكثر من اجتهادنا في صيانة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال تعالى (وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) [التوبة: 120]

 

والمراد .. أن هؤلاء الذين ينتفخون إذا انتُقِدوا، بينما هم في غاية البرود إذا انتُقِد دين الله..

ويتهكمون بمن ينتقد مشروعاتهم الشخصية، بينما يتلطفون لمن ينتقد الأحكام الشرعية..

ويلبسون لأمة الحرب إذا انتُقِد الوطن، بينما يتحولون إلى مخذّلين إذا انتهكت محارم الله..

هؤلاء كلهم يجب عليهم بشكل إسعافي عاجل مراجعة منزلة الله في قلوبهم، وليتذكروا أن من أعظم ينابيع النفاق الخفية في القلب ماذكره الله تعالى بقوله (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) [آل عمران: 154]

 

أبو عمر

ربيع الأول 1431هـ

17 فبراير 2010

وماذا سنفعل بنصوص (جهاد الغزو) ؟

أضف تعليق

اللاعبون الكبار في العالم اليوم يعرفون أنه لايمكن ضبط مصالحهم السياسية ونفوذهم الدولي إلا بتدجين كل الخطابات الدينية الكبرى لتنسجم مع متطلبات الهيمنة الغربية عامة والأمريكية خاصة. ولذلك تنفق المؤسسات الأمريكية المعنية ثروات ضخمة على مراكز البحوث والدراسات وتقارير الرصد الدقيق والمستمر لكل بؤر التوتر بشكل عام، والحراك الديني الإسلامي بشكل خاص. ومن أطرف الدراسات التي يطرحها الأمريكيون تلك الأوراق التي تستعرض الخطابات الدينية الإسلامية وتوازن بينها لتحديد أفضل تلك الخطابات في التناغم مع الهيمنة الأمريكية وعدم التحرش بها أو التشويش عليها.

أما أبرز وسائل السياسة الأمريكية لتحقيق هذا الغرض فهو –كما يعرف الجميع- الضغط المباشر وغير المباشر على النظم السياسية العربية لتمكين الآيديولوجيات المنسجمة أو المتحاشية لإرباك استقرار المصالح الأمريكية، ولذلك تجد المساحة الواسعة في وسائل إعلامنا لليبرالية (آيديولوجية الغرب) ورموز الخطاب الدعوي المدجّن الذين يدفعون باتجاه إماتة مفاهيم العزة العقدية والاستعلاء الديني على الفكر الغربي، وحقن المستمع بمشاعر الانكسار والهزيمة أمام الغرب الهائل المتفوق المبدع الحضاري المتقدم في جميع مجالات الحياة الخ الخ من الأوصاف التهويلية التي تستبعد من الصورة الانحطاط الغربي في أعظم المطالب كالجهل بالله –وهو أعظم مطلوب- والفواحش، والجريمة، والمادية البائسة، والحياة الحيوانية البهيمية التي وصفها الله بقوله في سورة الفرقان (إنهم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا).

المهم أن هؤلاء الرموز الذين بدأو في سلسلة تدجين الخطاب الدعوي، مدعومين بالأذرعة الإعلامية الليبرالية، صارو بين فينة وأخرى يطرحون تأويلات للأحكام الشرعية المتعارضة مع المصالح الغربية والنظرة والغربية والقيم الغربية، وبعضهم فيه سذاجة فيتعجل بالطرح فينكشف ويسقط، وبعضهم فيه دهاء فطري بحيث يطرح سلسلة التدجين تدريجياً وبلغة هادئة لتتشربها الشريحة المستهدفة بشكل بطئ لكنه أكيد المفعول، وقد وصف الإمام ابن تيمية هذا الأسلوب لأهل الأهواء بقوله:

وهذا شأن كل من أراد أن يظهر خلاف ما عليه أمة من الامم من الحق؛ إنما يأتيهم بالأسهل الأقرب إلى موافقتهم، فان شياطين الانس والجن لا يأتون ابتداءً ينقضون الأصول العظيمة الظاهرة، فإنهم لا يتمكنون..، والغرض هاهنا التنبيه على أن دعاة الباطل المخالفين لما جاءت به الرسل يتدرجون من الأسهل الأقرب إلى موافقة الناس، إلى أن ينتهوا إلى هدم الدين) [بيان تلبيس الجهمية، لابن تيمية]    

كثير من الشباب اليوم يتوهم أنه يعيش انفتاح وتجديد بين مجموعة من المنغلقين، ولايعلم أنه ضحية لمؤامرة سياسية كبرى تستهدف بطرق متنوعة إعادة ترميم الإسلام لينسجم مع مصالح اللاعبين الكبار، وأطرف مافي الأمر أن بعض هؤلاء الشباب ينعى على علماء ودعاة أهل السنة ضعف الوعي السياسي، ولايعلم أنه هو الذي يدار بخيوط السياسة من بعيد!

كان أحد الأصدقاء يقول لي أليس من السذاجة أن  تفكرون أن ثمة مؤامرة؟! قلت له: إذا كنت تتصور امبراطورية عسكرية بحجم أمريكا ولاتفكر بإدارة مصالحها، وأن تتكيف مع هيمنتها الخطابات الثقافية عبر العالم؛ فهذه والله هي السذاجة. إذا كنت ترى كيف هبطت عشرات المقالات في يومين في صحافتنا المحلية كلها تهاجم شخصاً واحداً أعقب ذلك مباشرة فصله من الوظيفة، ولازلت تفكر بأنه ليس هناك مؤامرات؛ فهذه والله هي السذاجة! إذا كنت ترى القرآن نفسه يتحدث ويصف ويصور المؤامرات كما يقول تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا) [الأنعام: 123] فانظر كيف أن المتآمرين موجودون في كل بقعة من الأرض كما تنص الآية، وأنهم يتآمرون! بل ووصف الله تعالى تواصل مؤامراتهم وعدم انقطاعها كما في قوله تعالى (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) [سبأ:33] ووصف الله شدة شدة مؤامرات أهل الضلال بقوله (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) [إبراهيم: 46]  . والمراد أن “التفسير التآمري” حقيقة قرآنية وواقع مشهود لاينكره إلا مستغفل أو مستفيد، وليس الخطأ في الوعي بهذه المؤامرات التي تحاك الليل والنهار حتى تكاد تزول منها الجبال، وإنما الخطأ هو التهور في المغالاة في هذا الأمر حتى يجعل ماليس فيه قرائن مؤامراتيه مؤامرة، فهذا هو الخطأ، ولكن هذا الخطأ لايعالج بإلغاء المفهوم القرآني والواقعي!  

لنعد إلى موضوعنا..

         تأمل في كل الملفات الشرعية الملتهبة اليوم تجدها في المسائل محل التعارض بين الوحي والغرب: الولاء والبراء، الجهاد، تحكيم الشريعة، قتل المرتد، الحجاب، الاختلاط، السفر بلامحرم، القوامة، الرقية الشرعية، المعازف، الخ الخ هل إثارة الغبار في وجه هذه المسائل دون غيرها حدث هكذا اعتباطاً!  

أحد هذه المفاهيم التي بدأ اليوم يرددها هؤلاء، أعني رموز تدجين الخطاب الدعوي؛ هو زعمهم بأن (الجهاد في الاسلام هو جهاد دفع فقط)! وحاولوا أن يحتجوا بالنصوص التي أمرت المسلمين أن يدافعوا، ثم يؤكدون ذلك بأن غلاة الجهاديين هم الذين استحدثوا هذه المفاهيم!  

أولاً : يجب أن نقرر أن حركة (الغلو في الجهاد والتكفير) التي صار لها دوي إعلامي في الحقبة السابقة، ليست بالنسبة للاتجاه الاسلامي العام إلا شريحة محدودة جداً، أما جماهير الشباب الإسلامي –والله الحمد- فهم يحبون ويعتزون بالجهاد الشرعي المنضبط بضوابط الشريعة، ولايكفرون إلا من كفّره الله ورسوله، ويرجعون لأهل العلم الربانيين في أمثال هذه المسائل، لكن الإعلام الليبرالي يضخم شريحة الغلاة ليخلق مسوغات ومبررات وجوده، فالليبراليون جميعاً يعلمون أن مبرر وجودهم لدى الحكومة هو مايسمونه “الخطر الجهادي والتكفيري”، ولذلك يهولون في تصوير هذا الخطر للاحتفاظ بدورهم، وليس من مصلحة الليبراليين أبداً نهاية هذه الشريحة، لأنه يعني أنه انتهت خدماتهم، تماماً كما أن الحارس عادة يبالغ في تصوير انتشار اللصوص ليزيد علاوته.

وأما ثانياً فإن “شريحة الغلاة” المحدودة جداً، والتي لاتتجاوز قائمة مطلوبين صغيرة مع مثلهم من المتعاطفين؛ لم يقاومها إلا علماء ودعاة أهل السنة، فهم الذين وأدوا الفتنة في مهدها، وأما إذا كانت الصحافة الليبرالية تتوقع أنها هي التي أقنعت الشباب الإسلامي بخطأ أفكار الغلاة فهم يعيشون أوهاماً لذيذة!  

حسناً لنعد الآن إلى رموز تدجين الخطاب الدعوي، ومايقولونه من أن الجهاد في الإسلام ليس إلا جهاد الطلب، أريد فقط أن أسألهم سؤالاً وأقول لهم: هبوا أننا فعلاً أوّلنا كل نص في القرآن يأمر بالجهاد على أنه (جهاد الدفع) ، فماذا سنفعل بنصوص الغزو، والغزاة، والغازي؟! ماذا سنفعل بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا) [آل عمران:156] فهؤلاء خارجون للغزو، ولم يكونوا باقين في بلدهم للدفع فقط! ولذلك قال المنافقون لو كانوا عندنا! فبالله عليكم قولوا لنا: كيف سنفعل بآية (جهاد الغزو) هذه؟   وكيف سنفعل بأحاديث (جهاد الغزو) في الصحيحين؟! كحديث البخاري عن أنس (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا غزا بنا قوما؛ لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم) فبالله عليكم الرسول يصبح القوم غازياً، ويغير عليهم، فهل هذا جهاد دفع أيضاً؟! ، وما أكثر نصوص فضل الغزو وتجهيز الغازي في الصحيحين. وتأملوا يارحمكم الله في قوله تعالى (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) [التوبة:92]. فبالله عليكم هل يسافر الرسول –صلى الله عليه وسلم- لأجل جهاد دفع؟! ويعجز بعض أصحابه عن مشاركته لعدم وجود عدة السفر، هل يكون ذلك في جهاد دفع؟! أم هي حرب طلب استباقية لمجرد الخبر بوجود استعدادات رومانية؟! 

حسناً.. دعونا مما سبق كله، أنتم تقولون أن الجهاد دفع لا طلب، ألا تستحون من كون الله تعالى نص على النوعين وقسمهما هذا التقسيم فقال تعالى ( وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا) [آل عمران: 167] فلو كان الدفع هو المقاتلة فلم ميّز بينهما إذن؟!

     ولو تأملت في مفهوم (جهاد الدفع) وهو أن تدافع عن نفسك ضد من يهاجمك، فهذا أمر تقره الثقافة النظرية الغربية، لأنها ثقافة مادية، لكن جهاد الطلب لايعرفه إلا أصحاب المبادئ الذين يضحون بأرواحهم لأجل المبدأ، ولذلك يقول ابن القيم في ملاحظة ذكية:

(جهاد الدفع يقصده كل أحد، ولا يرغب عنه إلا الجبان المذموم شرعاً وعقلاً، وجهاد الطلب الخالص لله يقصده سادات المؤمنين) [الفروسية، لابن القيم]

كنا سابقاً نحزن أن الله لم يشرفنا بالمشاركة في جهاد شرعي سني صحيح يوجهه الربانيون من أهل العلم، كما كان لرسول الله وأصحابه وأئمة الهدى من بعدهم، لكن كنا نؤمل عفو الله بحبل أخير بيننا وبين ربنا وهو أننا كنا “نحدث أنفسنا بالغزو” ونأمل من الله أن يسلمنا من النفاق بمثل ذلك، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه؛ مات على شعبة من نفاق)، ثم جاء هؤلاء وحرمونا من هذه الصلة الأخيرة مع الله، وصاروا يقولون حتى تحديث النفس بالغزو خطأ لأن الجهاد في الإسلام ليس فيه غزو! حتى هذه الرابطة القلبية الأخيرة مع الله حرمتمونا منها، وصرنا لاغزو ولاتحديث نفس بالغزو، فاللهم رحماك رحماك من شعب نفاق تردينا، وإنا لله وإنا إليه راجعون من غربة دين الله في هذا الزمان.   على أية حال .. ليس المهم الآن القيام بهذه الشعيرة، لأننا قد نكون معذورين بعدم وجود الإعداد الكافي للقيام بجهاد الطلب، لكن المهم الآن -وهو الذي لن يسامحنا الله فيه- إنما هو (المحافظة على المفاهيم الشرعية ضد التزوير) الذي يتم عبر تأثير موجّه ومتنوع من الضغوط الأمريكية على النظم العربية لتمكين الخطابات الفكرية والدعوية المدجنة المنسجمة مع متطلبات النفوذ الأمريكي.

أبو عمر

صفر 1431هـ

6 فبراير 2010

هل مجتمعنا خير من مجتمع رسول الله؟

تعليق واحد

أعرف أحد المنتسبين للثقافة إذا طرح أي فكرة في مقالاته لابد أن يذيلها بمقولة ( مع الالتزام طبعاً بضوابط الشريعة)، ولايمل من تكرار هذه الجملة بشكل يطمئن القارئ، لكنه في المجالس الفكرية المحدودة يعلن صراحة بأنه كما يقول: (يارجل لاحل لنا إلا بالعلمانية، وتحويل الدين إلى خيار شخصي محترم فقط، كل المجتمعات المعاصرة لم تتقدم إلا بالعلمانية، الدين شئ رائع ونبيل ولكنه يجب أن يبقى ممارسة ذاتية).

تأملت في هذا التناقض الجذري بين الأسلمة في المقالات العامة، والعلمنة في المجالس الخاصة؛ وقلت لصاحبي: أنا لا أشك أن هذه حالة (نفاق فكري)! فقال لي صاحبي وهو رجل في غاية الطيبة: كيف تدمغه بوصف النفاق وهو يقول لا إله إلا الله ويصلي ويصوم ويتصدق؟! لا أنكر أنني تهيبت وسكتّ.

مضى زمن على هذه القصة وصرت بعدها أهتم كثيراً بمراقبة طريقة استعراض القرآن للشخصية المنافقة؟ وماهي مشاعرها الداخلية وكيف تتحرك داخل المجتمع المسلم؟ كم كنت مندهشاً حين رأيت القرآن يتحدث عن المنافقين بأنهم يصلون ويتصدقون ويذكرون الله!   فأشار القرآن إلى كون المنافقين يصلون، بل إلى أنهم يذكرون الله، كما في قوله تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا)[النساء: 142]   يا ألله المنافق يصلي .. بل ويذكر الله قليلاً .. ومع ذلك لم يخرجه ذلك عن وصف النفاق! وأشارت الآية الأخرى إلى صلاة المنافق بقوله تعالى (وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى)[التوبة: 54].   وأشار القرآن –أيضاً- إلى كون المنافقين يتصدقون كما قال تعالى (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ) [التوبة:53]   بل إن النبي –صلى الله عليه وسلم- شرح كيف أن من ابتلاه الله بنفاق في قلبه يجد مشقة كبيرة في الصلاة ولذلك يجعلها في أواخر الوقت دوماً كما في صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال (تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان؛ قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا)[صحيح مسلم: 1443]   بالله عليك ألم يرعبك هذا الحديث؟ والله إنه نص مخيف بكل مافي الكلمة من معنى، تأخير الصلاة لآخر وقتها جعلها النبي “صلاة منافق” برغم أنه أخّر العصر لوقت الضرورة وهو وقت تضيف الشمس للغروب، فكيف بمن يطبق على إخراج الصلوات عن أوقاتها؟ اليس ذلك أمارة قوية على أن ثمة نفاقاً خفياً في القلب؟!

بل انظر في أمر أعمق دلالة مما سبق، وهو أن الطائفة التي تهكمت بأصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- وكفرها الله من فوق سبع سماوات؛ كانوا يقولون كما قال تعالى عنهم (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ** لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التوبة:65]   هؤلاء لم يخطر في بالهم أن الموضوع قد يصل إلى الكفر، لأن القضية عندهم كانت مزاحاً وطرافةً، ولكن مقاييس القرآن تختلف كثيراً عن أوهامنا.

كنت أتصور سابقاً أن “المنافق” يعلم من نفسه أنه منافق! ويالسذاجة تصوري السابق! اكتشفت أن المنافق قد لايعلم بذلك، بل قد يظن نفسه حين أطلق بعض العبارات إنما أطلقها مزاحاً !   وكنت سابقاً أتوهم أن “النفاق” هو قرار يتخذه المرء، فيقرر بأنه سيكون منافق يظهر الإسلام ويبطن الكيد له، كنت أظن النفاق مؤامرة كبرى تتخذ بتخطيط شامل، ولم أتوقع بتاتاً أن النفاق قد يقع في القلب بأمور نعدها في موازيننا من هوامش الأمور!   بالله عليك .. هل تتوقع أن قوماً عاهدوا أنفسهم بأنه إن رزقهم الله مالاً أنهم سيتصدقون به، فلما رزقهم الله، شحّت نفوسهم، فسبب لهم ذلك قيام النفاق في قلوبهم! هل تتصور ذلك؟! انظر ماذا يقول تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ** فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ** فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) [التوبة:75-77]   انظر .. إنهم قوم يؤمنون بالله لدرجة أنهم عاهدوا ربهم، ولم يفعلوا أكثر من البخل بالمال بعد المعاهدة، ومع ذلك هجم النفاق على قلوبهم بسبب ذلك! ولم يتأخر الأمر كثيراً .. بل كما عبر القرآن (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم) ! 

ومالذي يؤمننا نحن حين نقصر في أمر علمنا تعظيم الله له أن لايعقبنا ذلك نفاقاً في قلوبنا؟ ومالذي يؤمننا حين ننتهك أمراً علمنا حرمته عند الله أن لايعقبنا ذلك نفاقاً في قلوبنا؟!   بل وكيف يأمن أقوام تتلى عليهم آيات الله في “انحطاط الكافر” ، ومع ذلك يتفننون في أظهار عبارات احترام ملل الكفر ومساواتها لغيرها؟! كيف يأمنون أن لايعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم؟!   وأقوام يرون آيات الله تتلى كلها في التحفظ والاحتياط والتصون في العلاقة بين الجنسين، ومع ذلك يتهورون في إطلاق الانفتاح بين الجنسين، كيف لايأمنون أن يعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم؟!   وأقوام يرون آيات الله تتلى كلها في تعظيم كمال اهتداء السابقين الاولين، ومع ذلك يطلقون عبارات لايلقون لها بالاً في أن “تجربة السلف لاتلزمنا”، كيف لايأمنون أن يعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم؟!   وأقوام يرون الله في القرآن يأمر صراحة برد الخلاف والنزاع إلى النص، وهؤلاء يتذرعون بالخلاف في تعطيل النصوص، كيف لايأمنون أن لايعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم؟!   وأقوام يرون الله في القرآن يأمر صراحة بموالاة المصلحين ومنافاة المضلين، ثم يرددون صبحاً ومساءً بأن كل القضية مجرد خلاف داخل الوطن ويجب ترك الاصطفاف والتحزب والاستقطاب، كيف لايأمنون أن يعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم؟!  

حين رأيت الله تعالى يقول عن رجل بخل بعد أن عاهد على النفقة، هذا كل ماصنع، شح بماله بعد أن عاهد ربه على الصدقة، ومع ذلك يقول الله عنه (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه) استطعت أن أفهم قلق أصحاب رسول الله من النفاق!   والله العظيم إنني كنت أفهم حديث ابن أبي مليكة المعروف عن قلق الصحابة من النفاق على أن سببه هو “ورع الصحابة” فقط، وهو الحديث الذي يقول فيه ابن أبي مليكة (أدركت ثلاثين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كلهم يخاف النفاق على نفسه) [صحيح البخاري، 48]   كنت أقول إن هذا من باب الاحتياط المستحب فقط الذي يصنعه الصحابة، لكن هذه الآية العجيبة ( فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم ) والتي شاهد الصحابة واقعتها عياناً، وشاهدوا نظيرها؛ هي التي جعلتهم يفهمون النفاق على أنه “أثر” لسلوكيات معينة، وليس “قراراً” يتخذه المرء! أي أن الإنسان قد يقوم بأقوال أو أفعال فيها مصادمة لكتاب الله تقوده للنفاق وهو لايعلم! وليس بالضرورة أن يكون النفاق “إرادة واعية” .

المهم .. أنني عدت لصاحبي وقلت له إن القرآن صور المنافقين أنهم يصلون ويتصدقون ويذكرون الله ومع ذلك لم يستنقذهم ذلك من ورطة “النفاق”. فسكت صاحبي برهة ثم قال لي: ولكن هل يمكن لنا أن نعرف المنافق؟ أليس المنافق شخص متستر؟ أليس النفاق حالة قلبية لايمكن الاطلاع عليها؟

بصراحة شعرت أن عبارة صاحبي الطيب فيها “ورع” ، لكن هل الأمر شرعاً كما ذكر؟! لنحاول أن نحلل هذا الورع على ضوء القرآن، لنكتشف هل هو ورع فيكون محموداً، أم هو خور فيكون مذموماًَ؟.

الله تعالى بيّن صراحة أن بعض المنافقين مستترين لايعرفون، وبعضهم يصرح لبعض الناس لكن لايعلن ذلك، وبعضهم يظهر النفاق فقط من ملامح أفكاره وخطابه، كما يقول تعالى (وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) [محمد:30] فياترى .. كم من خطاب فكري معاصر يجد القارئ في لحن خطابه شُعَباً من النفاق التي لاتحصى؟!.

ولذلك كان الصحابة يعرفون بعض المنافقين بأعيانهم بسبب أفكارهم ولحن خطابهم كما صور ذلك كعب بن مالك بعبارة بديعة في حديثه الطويل في صحيح البخاري حين قال: (فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء) [البخاري: 4418] .  لله در العرب ما أبلغ عباراتهم، والمراد أن بعض المنتسبين للاسلام في مجتمع الرسول كانوا “مغموصاً” عليهم النفاق،أي مطعونين ومتهمين بذلك! فإذا كان أصحاب رسول الله يغمصون بعض الناس بالنفاق، فكيف يقال أن وصف النفاق لايمكن إطلاقه لأنه حالة قلبية مستترة؟! . وفي صحيح مسلم في شأن صلاة الجماعة يقول الصحابي (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، أو مريض) [مسلم 1519] فقوله “منافق معلوم النفاق” فرع عن كون الصحابة يعينون آحاد وأعيان المنافقين، وهذا يدل على أن الصحابة لم يكونوا يقولون (إن النفاق حالة قلبية مستترة لايمكن معرفتها)!

بل إن هذه المقولة (أن النفاق حالة قلبية مستترة لايمكن معرفتها) تفضي إلى تعطيل جملة من أحكام القرآن في المنافقين، وسأحاول الإشارة لنماذج من هذه الأحكام القرآنية: فمن ذلك أن الله أمرنا في موضعين من القرآن، في سورتي التوبة والتحريم، أن “نجاهد المنافقين” كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) [التوبة 73، التحريم9] والأمر بجهاد المنافقين فرع عن إمكانية معرفتهم بأعيانهم، ولو كان المنافق لايمكن تعيينه لكان هذا الأمر القرآني عبثاً، حاشا القرآن ذلك.

وكذلك نهانا الله عن الانقسام في الموقف من المنافقين، وأمرنا الله أن نكون كلمة واحدة في مواجهتهم، وغالباً مايكون الانقسام بسبب أن بعض الأخيار يطمع في هداية المنافقين فيقصر في مجاهدتهم، كما قال تعالى: (فمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ) [النساء: 88] ولو كان المنافقون لا يمكن تعيينهم لكان نهي القرآن عن الانقسام إزاءهم عبثاً لامعنى له، حاشا القرآن ذلك.كما أن القرآن نهى عن الميل لنصائح المنافقين والرضوخ لضغوطهم فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) [الأحزاب: 1] ونهانا الله عن إرخاء الآذان لهم فقال تعالى:  (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) [التوبة: 47]   والمراد أن هناك منظومة أحكام قرآنية تنسق منهج التعامل مع المنافقين، فالقول بأن المنافقين لايمكن تعيينهم يفضي إلى تعطيل هذه الأحكام القرآنية، فانظر إلى هذا الذي يتوهم أنه متورع كيف أفضى به “وهم الورع” إلى تعطيل القرآن!

حسناً .. ماعلاقة كل ذلك بعنوان هذه الخاطرة (هل مجتمعنا خير من مجتمع رسول الله) ؟ الحقيقة أنه مرّ بي حديث في صحيح البخاري فيه أن حذيفة جاء إلى حلقة في المسجد فيها مجموعة من التابعين فقال لهم كما في البخاري: (عن الأسود قال: كنا في حلقة عبد الله، فجاء حذيفة حتى قام علينا فسلم ثم قال: لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم) [البخاري: 4602]   يعني حذيفة أنه إذا كان مجتمع النبي الذي كان الوحي فيه يتنزل، والمعجزات تظهر على يدي رسول الله، ومع ذلك وقع تورط بعض الناس في ذلك المجتمع بالنفاق، فكيف بمجتمعكم؟ إذا كان ذلك في عصر من بعد النبي، فكيف نقول عن عصرنا نحن؟ حقاً .. صدق حذيفة رضي الله عنه .. لقد أنزل النفاق على قوم خير منا.. فكيف نستبعد وجود المنافقين بيننا؟!

أبو عمر

صفر 1431هـ

5 فبراير 2010

Older Entries