الطوائف الفكرية المعاصرة ظهر فيها مذاهب طريفة حول (مصادر التلقي)، منها أن بعض هؤلاء المنتسبين للفكر المعاصر يقول: لانأخذ إلا بما في القرآن فقط. وطائفة اخرى تقول: نأخذ القرآن والسنة التي لاتخالف القرآن، أما أي حديث نرى أنه يخالف القرآن فلانأخذ به. وطائفة ثالثة تقول: نلتزم بالإجماع فقط، أما مسائل الخلاف فهي منطقة حرة لايلزمنا الرجوع فيها لكتاب ولاسنة. هذه الطوائف الثلاث سبق أن عرض لها ابن حزم بمناقشة ممتعة يقول فيها:

( ونسأل قائل هذا القول الفاسد: في أي قرآن وجد أن الظهر أربع ركعات، وأن المغرب ثلاث ركعات، وأن الركوع على صفة كذا، والسجود على صفة كذا، وصفة القراءة فيها والسلام، وبيان ما يجتنب في الصوم، وبيان كيفية زكاة الذهب والفضة والغنم والإبل والبقر، ومقدار الأعداد المأخوذ منها الزكاة، ومقدار الزكاة المأخوذة، وبيان أعمال الحج من وقت الوقوف بعرفة وصفة الصلاة بها وبمزدلفة ورمي الجمار وصفة الإحرام وما يجتنب فيه، وقطع يد السارق، وصفة الرضاع المحرم، وما يحرم من المآكل، وصفة الذبائح والضحايا، وأحكام الحدود، وصفة وقوع الطلاق، وأحكام البيوع وبيان الربا، والأقضية والتداعي والأيمان، والأحباس والعمرى والصدقات، وسائر أنواع الفقه؟ وإنما في القرآن جملٌ لو تُرِكنا وإياها لم ندر كيف نعمل فيها، وإنما المرجوع إليه في كل ذلك النقل عن النبي صلى الله عليه و سلم.   وكذلك الإجماع إنما هو على مسائل يسيرة، قد جمعناها كلها في كتاب واحد وهو المرسوم بكتاب المراتب، فلا بد من الرجوع إلى الحديث ضرورة.

ولو أن امرأً قال “لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن” لكان كافراً بإجماع الأمة، ولَكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر، لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للأكثر في ذلك، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال. ولو أن امرأً لا يأخذ إلا بما اجتمعت عليه الأمة فقط، ويترك كل ما اختلفوا فيه مما قد جاءت فيه النصوص، لكان فاسقاً بإجماع الأمة. فهاتان المقدمتان توجب بالضرورة الأخذ بالنقل.

وأما من تعلق بحديث التقسيم، فقال ما كان في القرآن أخذناه، وما لم يكن في القرآن لا ما يوافقه ولا ما يخالفه أخذناه، وما كان خلافا للقرآن تركناه؛ فيقال لهم: ليس في الحديث الذي صح شيء يخالف القرآن. فإن عد الزيادة –أي الزيادة الواردة في الحديث على مافي القرآن- خلافاً للقرآن؛ لزمه أن يقطع في فِلسٍ من الذهب لأن القرآن جاء بعموم القطع، ولزمه أن يحل العذِرة لأن في نص القرآن {قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} والعذِرة ليست شيئا مما ذكر. فالمعترض يسأل: أيحرّم أكل عذرته أم يحلّها؟ فإن أحلها خرج عن إجماع الأمة وكفر، وإن حرمها فقد حرم ما لم ينص الله تعالى على اسمه في القرآن.

ولزمه أيضاً: أن يحل الجمع بين العمة وبنت أخيها، لأن القرآن نص على المحرمات ثم قال {وأحل لكم ما وراء ذلكم} فإن عد الزيادة خلافاً لزمه كما ذكرناه. وقد سألت بعض من يذهب هذا المذهب عن قول الله تعالى وقد ذكر النساء المحرمات في القرآن ثم قال تعالى {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ثم روى أبو هريرة وأبو سعيد أنه عليه السلام حرم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، وليس هذا إجماعا، فعثمان البتي وغيره يرون الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها حلالاً، فقال لي: ليس هذا الحديث خلافاً للآية لكنه مضاف إليها، فقلت له: فعلى هذا لا سبيل إلى وجود حديث مخالف لما في القرآن أصلاً، وكل حديث أتى فهو مضاف إلى ما في القرآن ولا فرق، وبالله تعالى التوفيق). [الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم، مختصراً]

أبو عمر

صفر 1431هـ

1 فبراير 2010

 

Advertisements