الحمدلله وبعد،،

 يتصور البعض أن المذاهب الفقهية أسوار مغلقة أقرب إلى القنوات المتجاورة التي تسير بجنب بعضها لكنها لاتتمازج، أي أنها كانت تجتهد وتفكر وتنتج داخل فضائها الفقهي الخاص فقط، وهذا غير دقيق، فهناك فقهاء يمكن تسميتهم (الفقهاء العابرين للحدود) وهم فقهاء أثروا على مذاهب أخرى تأثيراً جوهرياً أوجزئياً.   وحين كنت أطالع كتب المذاهب الفقهية الثلاث (الحنفية والمالكية والشافعية) وللأسف ليس لي خبرة دقيقة ومنظمة بها، بل كثيراً ماتمر بي اصطلاحات في كتب المذاهب الأخرى ولاتتبين لي، وخصوصاً المالكية فما أكثر اختصاراتهم، لكنني كنت أراجع بعض المسائل فقط، فكان يدهشني حجم الحضور لأعلام مميزين خارج مذاهبهم.

 أكثر شخص شدني حضوره خارج مذهبه ولم أجد ذلك لعالم آخر في كل التراث الإسلامي، وأستبعد أن يوجد له مثيل، فهو حضور مكثف وغزير وكأنه واحد من أهل المذهب نفسه، إنما هو (ابوحامد الغزالي)، فالغزالي حاضر في المذاهب الأخرى صراحة أو ضمناً بشكل مثير للاستغراب جداً، وهو بحاجة لدراسة لسبب استئثاره بهذا التأثير الأممي في عالم الفقه؟!   وخصوصاً تأثير الغزالي على الفقه المالكي، حتى أنني مرة حين رأيت كثرة ورود الغزالي في كتب المالكية استربت في الأمر، وقلت لعل هذا رجل من المالكية اسمه الغزالي! وراجعت المسألة ووجدته ابوحامد فعلاً! ومن أكثر من أدخل الغزالي على المالكية ابن شاس رحمه الله حتى قال ابن عرفة في أحد مسائل الشهادات (لا أعرف هذه المسألة لأحد من أهل المذهب، إنما ذكرها الغزالي فأضافها ابن شاس للمذهب)، وينص ابن عرفة كثيراً فيقول “نص عليها الغزالي”.   ولاحظت متأخري الحنفية ينقلون كثيراً من إحياء علوم الدين للغزالي، والمالكية ينقلون كثيراً من الوجيز للغزالي، وربما أن السبب هو اختلاف نمط الاحتياجات، فالحنفية يحتاجون للجانب الأخلاقي الذي عرضه ابوحامد، والمالكية يحتاجون للفروع التي فرعها ابوحامد، إذ لم يكن متقدمو المالكية مولعون بالتفريع كما كان الحنفية فلديهم اكتفاء من هذا الجانب.   وحتى في أصول الفقه، فالكتاب المشهور للحنابلة هو (روضة الناظر) وهو مختصر من المستصفى، وابن رشد المالكي صاحب بداية المجتهد لخص المستصفى أيضاً!   ويبدو لي لو بحث أحد الباحثين مصادر الأحاديث الضعيفة التي دخلت على كتب المذاهب الفقهية، فلن أستبعد أن يكتشف أنه بسبب الإحياء، فالإحياء للغزالي هو بوابة الأحاديث الضعيفة على أمة محمد، غفر الله له، وكلما تذكرت كتاب العراقي (المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج مافي الإحياء من الأخبار) أخذت أتعجب من شدة جلد العلماء السابقين، نحن اليوم مع كل الإمكانيات البحثية نتعب في تخريج الحديث وجمع طرقه وتحقيق صحته، بل الواحد منا إذا حقق مائة أومائتي حديث شعر بالزهو، وهذا العراقي يلاحق أحاديث الإحياء الغزيرة والتي أكثرها ليس في دواوين الإسلام المعروفة، فلله در العراقي!   وأكثر متأخري الحنفية ماتريدية، وكتابهم الرئيسي هو (المسايرة) وقد تأثر فيها بالغزالي حتى قال ابن عابدين (المسايرة هي رسالة في علم الكلام ساير بها عقيدة الغزالي).   فالغزالي أعظم شخصية إسلامية مؤثرة في العصر الوسيط ! .

والشاطبي متأثر بالقرافي، والقرافي متأثر بالعز بن عبدالسلام الشافعي تأثيراً جوهرياً شديداً، وقد كنت أقرأ في الفروق للقرافي مواضع تعجبني جداً، ثم أكتشف أنها بنصها في قواعد الأحكام للعز ابن عبدالسلام، وقد أشار لذلك الشاطبي مرةً في الاعتصام فقال (ومما يورد في هذا الموضع أن العلماء قسّموا البدع بأقسام أحكام الشريعة الخمسة، ولم يعدّوها قسما واحدا مذموما، فجعلوا منها ما هو واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرم، وبسط ذلك القرافي بسطاً شافياً، وأصل ما أتى به من ذلك شيخه عز الدين بن عبد السلام).    

وأما المغني لابن قدامة فمادته الجوهرية من ابن المنذر وابن عبدالبر، وخصوصاً مذاهب الصحابة والتابعين، ومذاهب أئمة الأمصار، بل كثيراً ماينقل ابن قدامة أقوال أبي حنيفة ليس من كتب الحنفية بل من كتب فقهاء أهل الحديث كابن المنذر وابن عبدالبر، وهذا هو سبب عدم دقة المغني في نقل مذهب الحنفية على وجه الخصوص، فتجد دوماً للحنفية تفصيلات دقيقة في مسائلهم لاتجدها واضحة حين يناقشهم ابن قدامة في المغني، بل تجده كثيراً ما يسوق قول أبي حنيفة بنفس صياغة ابن المنذر وابن عبدالبر له.

الحقيقة أن ابن عبدالبر لم يكن مورداً أساسياً لابن قدامة فقط، بل إن ابن رشد صاحب بداية المجتهد، إنما كتابه مجرد “تنظيم عقلي” لمادة الاستذكار لابن عبدالبر، ولولا ابن عبدالبر لما راح ابن رشد ولاجاء، وقد صرح بذلك ابن رشد في نفس الكتاب، فحين أنهى كتاب الطهارة ختمه بهذه الجملة (وأكثر ما عوّلت فيما نقلته من نسبة هذه المذاهب إلى أربابها هو كتاب الاستذكار، وأنا قد أبحت لمن وقع من ذلك على وهم لي أن يصلحه).

وفي بقية الكتاب لايصرح ابن رشد باسم ابن عبدالبر إلا حين يورد تصحيحه أو تضعيفه للمرويات، فانظر لحسن أثر “أهل الحديث” على الناس، ولذلك فقد صدق ابن تيمية حين فسّر خفة انحرافات الفلاسفة مثل ابن ملكا وابن رشد (مقارنة بابن سينا والفارابي) بكونهم نشؤوا بين أهل الحديث وانتفعوا بهم.

وأتعجب ممن يكيل الإطراء لكتاب “بداية المجتهد”، وينسى أن مادة الكتاب كله هو من جهد ابن عبدالبر، بل حتى ابن حزم الموسوعي تراه في كتبه يقول كتبت لابن عبدالبر وأخبرني ابن عبدالبر، بل في رسالة لابن حزم تحدث فيها عن علوم أهل الأندلس تحدث بفخامة لاتوصف عن عظمة كتاب التمهيد لابن عبدالبر، وأنه لايوجد مثله في الكلام على فقه الحديث، وهكذا كان يبجله ابن تيمية أيضاً.

ومن أطرف الأخبار في هذا الباب، ويستحق أن يفرد في باب من العلم خاص وهو (باب مانقل فيه أهل المذهب مذهبهم عن غيرهم) حيث وجدت موضعاً طريفاً في رد المحتار لابن عابدين قرر فيه المذهب الحنفي لا بناءً على نص للحنفية، بل بناء على نص لابن تيمية في حكاية المذهب الحنفي، حيث يقول ابن عابدين عن مسألة الساب : (فقد أفاد –أي ابن تيمية- أنه يجوز عندنا قتله إذا تكرر منه ذلك وأظهره، وقوله “وإن أسلم بعد أخذه” لم أر من صرح به عندنا، لكنه نقله عن مذهبنا وهو ثبت فيقبل).   وهذا موقف طريف جداً، فابن عابدين معروف في التشدد والتدقيق في حكاية المذهب، وأعظم من ذلك شدة الاطلاع على كتب الحنفية واستيعابها، ولا أظن في متأخري الحنفية من يضارع ابن عابدين في استيعاب كتب الحنفية والتدقيق فيها، لكن لعظم ثقته في نقل أبي العباس، فقد جعله من المذهب حتى وإن لم يجده عن أئمتهم!   أعتقد أن الإخوان مرت بهم ملاحظات طريفة حول التلاقح المذهبي، وتأثر المذاهب ببعضها، وظاهرة الفقهاء العابرين للحدود، وسيكون ضم هذه الفوائد لبعضها، وتصحيحها وتنقيح التعميمات الخاطئة فيها، ينتج مادة جميلة بإذن الله.   والله أعلم.

 

أبو عمر

جمادى الأولى 1431هـ

22 أبريل 2010

Advertisements