مؤسسة انتقاص السنة النبوية

تعليق واحد

  الحمدلله وبعد.

صباح هذا اليوم الثلاثاء اطلعت في صحيفة الحياة 30/3/2010م، على مقالة كتبها الأستاذ  (حسن بن سالم) دفاعاً عن الأستاذ (يحي الأمير).   حيث يدعي حسن بن سالم أن ما قام به يحي الأمير من وصف حديث الصحيحين بالتوحش إنما هو ( مسلك لتنزيه الأحاديث النبوية عن كل ما قد يؤدي للقدح فيها أو في دين الإسلام) ، واحتج لذلك كما يقول بأن (هذا المسلك سلكه من قبل بعض كبار الأئمة، وأشير في هذا المقام إلى مثالين، أولهما حجة الإسلام الإمام أبو بكر الجصاص، وأما المثال الآخر فهو محمد رشيد رضا).   ثم نقل الأستاذ حسن سالم عن الجصاص أنه رد أحاديث “سحر النبي” صلى الله عليه وسلم التي رواها البخاري، ونقل عن رشيد رضا رده لحديث “إذا وقع الذباب” المروي في البخاري.   توقفت أمام هذه المقالة وتعجبت كثيراً من مواصلة هذا الفريق الليبرالي انتقاص السنة النبوية، وإيذاء المؤمنين في نبيهم ومهابته في نفوسهم، أي قلوب هذه التي مات فيها توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يبرد بعد لهيب جريرة يحي الأمير في التهكم بنصيحة النبي لنا، حتى جاء حسن سالم الآن يبعث الفتنة من جديد.

حين رأيت يحي الأمير منكسراً في البيان التالي استبشرت خيراً بعودة هيبة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء الآن حسن سالم يبحث عن أسانيد تراثية ليشرعن بها التهكم بالحديث النبوي. أي فوضى هذه التي تحدث؟! والله شيء محزن أن تصل مهابة النبي في أرض الحرمين إلى هذا المستوى!   ومكمن الخطورة في هذه المقالة هي أنها مؤشر على أن القوم لازالوا ماضين في مشروعهم في السخرية بالأحاديث النبوية، بل ويبحثون عن جذور تراثية تساندهم في ذلك.  

على أية حال .. دعونا ننظر موضوعياً مدى علمية احتجاجات حسن سالم؟ الحقيقة أن أي طالب علم شرعي سيطلع على مرافعة حسن سالم عن صاحبه يحي الأمير فإنه سيدركه الرثاء والشفقة حين يرى المرء يحتج لنفسه بما هو دليل عليه.   فأما احتجاج حسن سالم بفعل أبي بكر الرازي المعروف بالجصّاص، فإن أبا بكر هذا قد دخل في الاعتزال، وتجرؤه في رد الأحاديث النبوية إنما دخل عليه بسبب اعتزالياته، وليس ثم جديد في كون الفرق الضالة ترد السنن النبوية.

وقد عدّه الإمام ابن تيمية في المعتزلة حين ذكر أقواله، كقول الإمام ابن تيمية (ولهذا أنكر طائفة من المعتزلة كالجبائي وأبي بكر الرازي وغيرهما دخول الجن في بدن المصروع) [الفتاوى، 19/12] . وابن تيمية يشير إلى قول ابي بكر الجصاص الرازي في تفسيره: (ضرر أصحاب العزائم وفتنتهم على الناس غير يسير، وذلك أنهم يدخلون على الناس من باب أن الجن إنما تطيعهم بالرقى التي هي أسماء اللّه تعالى، فإنهم يجيبون بذلك من شاءوا ويخرجون الجن لمن شاءوا، فتصدقهم العامة) [تفسير الجصاص، 1/57] .وعده في المعتزلة كذلك مؤرخ الإسلام الذهبي حيث يقول (وكان يميل إلى الإعتزال، وفي تصانيفه ما يدل على ذلك في مسألة الرؤية وغيرها) [تاريخ الإسلام للذهبي، 26/432] . والذهبي يشير لكون الجصاص شكّك في أحاديث “رؤية الله في الآخرة” بناء على بعض أصوله الاعتزالية كما يقول الجصاص سامحه الله (والأخبار المروية في الرؤية إنما المراد بها العلم لو صحت) [تفسير الجصاص، 4/170].

وكذلك فإن الذين ترجموا لأعلام المعتزلة عدّوه منهم، ولذلك أدرجه القاضي عبدالجبار في (فرق وطبقات المعتزلة، ص125) وترجم له ابن المرتضى في (طبقات المعتزلة، ص130)، وإن كانوا يتوسعون في ذلك ويتكثرون بمن ليس منهم.   وبسبب هذه الروح الاعتزالية عند ابي بكر الجصاص فإنك تجد عنده جرأة المعتزلة على أئمة أهل الحديث والأثر، حتى أنه قال عن نافع مولى ابن عمر (قال ذلك نافع بعد ما كبر وذهب عقله) [2/40] وما أبشعها من عبارة.

وكذلك قال عن الإمام حافظ الدنيا سفيان بن عيينة  (وقد كان ابن عيينة سيئ الحفظ كثير الخطأ) [1/186] ومن يقول هذا الكلام عن سفيان بن عيينة الذي هو أحد من دارت عليهم أسانيد طبقة أتباع التابعين؟!   ومثل هذه الجرأة في لمز أئمة أهل الأثر هي من أخص خصائص الروح الاعتزالية، ومن راجع  مقدمة ابن قتيبة لكتابه “تأويل مختلف الحديث” استحوذ عليه العجب من تلك القصص والأخبار التي ساقها ابن قتيبة عن سلوكيات وتصرفات أئمة المعتزلة.  

على أن الإنصاف يقتضي أن نشير إلى أن الجصاص ليس من المعتزلة الخلّص، وإنما شارك المعتزلة في بعض أصولهم، وتسربت إليه بعض ضلالاتهم من بعض شيوخ المعتزلة الذين درس عليهم، وأما كتابه عن “أحكام القرآن” ففيه من نفائس الاستنباطات والمناقشات شيئاً لايستغني عنه طالب العلم، ولكن المراد هنا التنبيه إلى خطأ التذرع والاحتجاج بأخطائه الاعتزالية في رد السنن.  

وأما احتجاج الأستاذ حسن سالم بكون رشيد رضا رد بعض الأحاديث الصحيحة بالذوق المحض، فمثل هذا الاحتجاج يعكس جهلاً بتحولات الأستاذ رشيد رضا، فالأستاذ رشيد رضا مر بثلاث مراحل، كان في مرحلته الأولى صوفياً كما يقول عن نفسه في مقدمة تفسير المنار (كنت من قبل اشتغالي بطلب العلم في طرابلس الشام مشتغلا بالعبادة ميالا إلى التصوف).   ثم في المرحلة الثانية تعرف على مايسمى بالمدرسة الإصلاحية التي كان زعيماها الأفغاني وعبده، وهي مدرسة تحارب الملاحدة وأهل السنة على حد سواء، وتبني أفكارها في صورة إسلام مستغرب، وقد انبهر رشيد رضا بأستاذه محمد عبده وانفعل به كثيراً كما يقول في مقدمة تفسيره (في أثناء هذه الحال الغالبة علي ظفرت يدي بنسخ من جريدة ” العروة الوثقى ” في أوراق والدي ، فلما قرأت مقالاتها أثرت في قلبي تأثيرا دخلت به في طور جديد من حياتي، تلك المقالات التي حببت إلي حكيمي الشرق، ومجددي الإسلام، ومصلحي العصر: السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده المصري).   وبدأت المرحلة الثالثة من وفاة الشيخ محمد عبده حيث تناقص التأثير التغريبي السلبي الذي شحنه به أستاذه محمد عبده، وبدأ يزداد عنده الميل إلى أهل السنة وتعظيم الحديث، وطباعة كتب السلف، وكثرة التنويه بابن تيمية، والدفاع عن دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ولذلك يقول أيضاً في مقدمة تفسيره عن مرحلته الثالثة هذه (هذا وإنني لما استقللت بالعمل بعد وفاته –أي الشيخ محمد عبده- خالفت منهجه رحمه الله بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة).

لكن الشيخ رشيد رضا توفي ولايزال لديه -رحمه الله- أخطاء عظيمة بسبب أنه لم يتوفر له الوقت لاستكمال التصحيح والتخلص من التخليط بين منهج أهل السنة ومنهج متفقهة التغريب، وسائر مايوجد لمشايخ أهل السنة المعاصرين من ثناء على رشيد رضا فإنما هو بسبب ماحمدوه له من التحول الإجمالي إلى نصرة طريقة السلف، كما حمدوا ذلك لأبي الحسن الأشعري مع أنه بقي لديه شُعَبٌ من الكلابية في عقيدته الأخيرة لم يتخلص منها، والمراد أن ثناء مشايخ أهل السنة على رشيد رضا كان من هذا الوجه، فلايعني ذلك تصحيح أفكاره التفصيلية المخالفة لمنهج أهل السنة التي لاتزال موجودة في مجلة المنار وتفسير المنار.   

ومن الإنصاف أن نشير -أيضاً- إلى أن بعض أهل السنة لم يطلعوا على سائر نتاجه، ولذلك كانوا يحسنون الظن به، فالإمام ابن عثيمين –مثلاً- يثني في مواضع من كتبه على رشيد رضا بسبب تعظيمه للحديث في زمن قل من ينصره فيه، برغم أن الشيخ ابن عثيمين يشنع في مسائل من العقيدة وأصول التلقي ومنهج الفتيا قد زلت فيها قدم رشيد رضا، لكن الشيخ لم يكن معنياً بتتبع كلام رشيد رضا.   والمراد أن ماوجد من ثناء لمشايخ أهل السنة المعاصرين على رشيد رضا إنما هو ثناء إجمالي على توجهه العام وتحوله لنصرة السنة، وليس على ثناءً على آحاد أفكاره التفصيلية، وماتبقى لديه من دخن التغريب، والزلات العظيمة في أصول التلقي.   ومن الطريف في هذه القضية أن هؤلاء الليبراليين يحتجون بما وقع من أئمة الحديث المتقدمين من نقد المتون، والقضية ليست في نقد المتون بطريقة المحدثين التي تجمع بين علة السند وعلة المتن كالشذوذ والنكارة ونحوها مما يعرف بمقارنة طرق الحديث، وإنما القضية في التبجح برد الأحاديث بالذوق المحض تحت تأثير الثقافة والقيم الغربية، وهذا بخلاف نقد المتون إذا خالفت العقل القطعي أو خالف الراوي من هو أوثق منه ونحو ذلك، وقد توسع ابن القيم في المنار المنيف في ذكر قواعد نقد المتون عند أهل السنة والجماعة.   ولا أخفي أنني لم أستطع أن أكظم تبسمي حين رأيت البعض يحتجّ لفعل يحي الأمير بما يصنعه أئمة الحديث كابن المديني وابن معين ونحوهم! أي إزراء بالعلم وأي استهانة بأئمة الدين أن تفسر تبجحات وتطاولات الصحفيين بأنها من جنس فعل ابن المديني وابن معين؟! هذه والله غاية المهزلة.. أتمنى أن لايأتي اليوم الذي نرى فيه محتجاً يقارن بين منهج ابن بخيت ومنهج الدارقطني في تعليل الأحاديث، أو يقارن منهج ليلى الأحيدب ومنهج الطبري في تفسير القرآن! والله إنني أشعر بالغثيان حين يهان العلم والمعرفة بهذا الإسفاف.   والمراد من هذه المناقشة ليس ذات المسألة، وإنما كونها مجرد أمثلة لتوضيح أزمة الضحالة العلمية لدى شريحة (الليبرالية التنفيذية)، فيحي الأمير ينسب للشنقيطي والألباني أقوالاً اعتماداً على مقالات انترنتية مكذوبة، والمحامي حسن سالم يدافع عن صاحبه اعتماداً على نصوص لايعرف أنها بنيت على أصول المعتزلة، ويظنها من نصوص أهل السنة!   فهذا هو جنس علمهم، وهذه هي طبيعة احتجاجاتهم، والحمدلله على العافية. والمرء حين يقارن أحوال مشايخنا الكبار في طول طلبهم للعلم وكمال ورعهم وتصونهم وتحريهم، ويقارنه بهؤلاء الذين بنو دينهم على مقالات انترنتية، ونقول حاطب ليل؛ فإنه لايستطيع أن يمنع ذهنه من تذكر قوله تعالى  (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) [التوبة:109]   خلاصة القول أن فكرة المحامي حسن سالم هي أن وصف يحي الأمير لحديث الصحيحين بأنه “متوحش” إنما أراد به الدفاع عن النبي وليس القدح فيه، وأن لاينسب للنبي مايسئ إليه، وهذه حجة مستهلكة للعلمانيين يتسترون بها في تحريف الشريعة، وسيأتي هؤلاء تدريجياً وسيجحدون كل حكم شرعي يتعارض مع الثقافة الغربية باسم الدفاع عن النبي حتى لاينسب إليه مايسئ لصورته في الإعلام الغربي، وهكذا تلغى أحكام المرأة، وأحكام الجهاد، وأحكام الكافر، الخ باسم الدفاع عن الإسلام من أن تتشوه صورته في الوعي الغربي.   والمراقب إذا رأى هؤلاء كيف يتجرؤون في وصف حديث الرسول بأنه متوحش، ويصرون على ذلك، ثم إذا قارن ذلك بهلعهم وارتعاد فرائصهم إذا ذكرت عبارات بعض المسئولين الكبار، تعجب كيف صارت منزلة ملك من ملوك الأرض أعظم في قلوبهم من منزلة ملك الملوك سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) [الحشر:13]   أسأل الله أن يعمر قلوبنا جميعاً بتوقير سيد ولد آدم، وتعظيم حرمته، والهيبة عند سماع حديثه صلى الله عليه وسلم.  

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

31 مارس 2010

هـدية عزيـزة

تعليق واحد

 

من الأمور المشاهدة التي أكدتها التجربة البشرية أن بركات الله إذا فتحها سبحانه على شخص ما أنه لا تحدها حدود، وتبلغ أمداءً لايتصورها البشر، سواءً من بركات الله في العلوم، أو العبودية، أو الأرزاق، أو غيرها من النعم، كما قال تعالى (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا) [فاطر:2]   ومن تأمل أحوال مشايخ أهل السنة في عصرنا -رحم الله أمواتهم وحفظ الله أحياءهم- رأى مصداق هذه الآية فيهم، فعامة مشايخنا الكبار -ولله الحمد- تظهر فيهم آثار الربانية والرسوخ، لكن تجد بعضهم يختص بفتوحات ربانية عجيبة في أبواب معينة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

فمن ذلك -مثلاً- أن الشيخ ابن باز -رحمه الله- رزقه الله شدة استحضار للنصوص الشرعية كأنها أمامه ينتزع منها مايشاء، وما أكثر ما تثور المسألة فيظن الجالسون أنه ليس فيها دليل خاص، فيسترسل الشيخ -رحمه الله- بذكر الآيات المتتابعة في محل النزاع، وما أجمل حدره -رحمه الله- حين يتهدج بصوته: قال تعالى كذا، وقال تعالى كذا، الخ.. وما أكثر مايقول طالب علم: إن فلاناً من العلماء يقول كذا، فيقول الشيخ: هذا غير صحيح، قال تعالى كذا، وقال تعالى كذا. فسبحان من رزقه العيش في جنات النصوص.

والشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- رزقه الله مهارات التعليم والتربية، فالشيخ مدرسة مستقلة في أسلوب التعليم، وللشيخ من الأساليب العجيبة في حسن العرض والتمثيل والتصوير والمناقشة والاطراد شيئاً مدهشاً، وما أكثر ما يقرأ طالب العلم مسألة فتستغلق عليه، فإذا راجع كلام الشيخ تعجب أن تكون المسألة بمثل هذه البساطة والوضوح؟!

والشيخ عبدالرحمن البراك –حفظه الله- رزقه الله أمرين ظاهرين في شخصيته، أولهما : شجاعة في الصدع بالحق لايوجد لها نظير بين مشايخنا، حتى كأن الله وضع بين جنبيه قلب أسد لا قلب بشر. وثانيهما: ولع لسانه بذكر الله، فلاتفوت ثانية من عمره إلا بتسبيح أو تهليل أو تكبير، وهذا يعرفه كل من قابله، فسبحان من جعل لسانه لايفتر من ذكر الله.  

والشيخ عبدالكريم الخضير –حفظه الله- رزقه الله أمرين ظاهرين في شخصيته، أولهما : التبحر في الاطلاع على الكتب (مطبوعها ومخطوطها) وما أكثر ما يظن من يناقشه أن المسألة لم تبحث، فيسرد عليه الشيخ أسماء الكتب المصنفة فيها على سبيل الاستقلال، والشيخ إذا بدأ يتحدث عن الكتب وأنواعها وأغراض مؤلفيها ونُسخِها يكون لكلامه عذوبة عجيبة، ولذلك كثر من طلاب العلم الإلحاح عليه لعقد دورات ومجالس خاصة للحديث عن الكتب، لما لحديثه عنها من سحر خلاب. وثانيهما: انهماكه المذهل في تلاوة القرآن بالساعات الطوال دون كلل، وتفانيه في ختمات القرآن بشكل غريب، وسمعت من الملازمين للشيخ أخباراً عجيبة في تعلقه بتلاوة القرآن، وحدثني أحد الأصدقاء المقربين للشيخ أن الشيخ كان عندهم مرة في المدينة النبوية فكان يجلس يومياً في المسجد النبوي بعد صلاة الفجر إلى قريب الظهر والمصحف بين يديه يتلو ويتلذذ بكتاب الله.

والمراد أننا حين نتحدث عن كتاب الله فإن المرء يشعر بالخجل يمزق داخله، كيف لمقصر في حق كتاب الله أن يتحدث عنه؟ لكن حين يتحدث مثل هؤلاء الذين اشتغلوا بكتاب الله فإن المرء يتأثر بهم، لأنه شتان بين النائحة الثكلى والنائحة المستأجرة. ومن أجل ذلك فقد قمت بجمع بعض كلمات الشيخ عبدالكريم الخضير عن تدبر القرآن، والتي ألقاها متناثرة في دروسه، وهي ثمان كلمات، وقد فرغها من دروسه الفريق العلمي الذي يعمل في تنظيم دروس الشيخ، وكل ماقمت به هو أن جمعتها في رسالة واحدة لتسهل قراءتها، فاسأل الله أن يجزي الشيخ خيراً على كلماته، واسأل الله –أيضاً- أن يجزي الفريق العلمي الذي نسخها من الأشرطة خيراً.   اللهم ياحي ياقيوم أغث قلوبنا بالقرآن، اللهم ياحي ياقيوم اجعل هذا القرآن لنا كما وصفته: نوراً تمشون به، ونوراً نمشي به في الناس .. فإنه من لم تجعل له نوراً فما له من نور.  

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

29 مارس 2010

 

————————————————————————-

الملف على هذا الرابط

http://www.m6m3.com/u/uploads/12884602361.zip

من أخبار المتساهلين بالجناب المحمدي

أضف تعليق

 

        في مدينة دمشق، وفي عام (704هـ) كان هناك شخص يقال له “الكمال الأحدب”، وفي أثناء نقاش حاد ألقى هذا الكمال الأحدب عبارة تتضمن الغض من مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال لخصمه أثناء النزاع: (تكذب ولو كنت رسول الله).   فتطور الأمر قضائياً بصورة لم يتوقعها هذا الرجل بتاتاً.. حيث كان قاضي دمشق حينها هو العلامة الفقيه جمال الدين المالكيلألقى ، وقد مكث قاضياً لدمشق ثلاثين سنة، وكان ممن درس على الإمام العز بن عبدالسلام (صاحب قواعد الأحكام).   ولندع المؤرخ ابن العماد الحنبلي يروي لنا القصة بأسلوبه المختصر حيث يقول:   (وفي هذه السنة –أي سنة 704هـ- ضربت رقبة الكمال الأحدب، وسببه أنه جاء إلى القاضي جمال الدين المالكي يستفتيه، وهو لا يعلم أنه القاضي، فقال: ما تقول في إنسان تخاصم هو وإنسان فقال له الخصم “تكذب ولو كنت رسول الله”؟. فقال له القاضي: من قال هذا؟ قال: أنا. قال فأشهد عليه القاضي من كان حاضراً، وحبسه، وأحضره من الغد إلى دار العدل وحكم بقتله) [شذرات الذهب، لابن العماد الحنبلي، 6/9]   وهذا القاضي جمال الدين المالكي استمر في تطبيق حد القتل على من يتعرض لجناب رسول الله، يقول عنه الإمام ابن حجر العسقلاني: (وكان صارماً مهيباً، أراق دم جماعة تعرضوا للجناب المحمدي) [الدرر الكامنة، لابن حجر].   ويقول عنه –أيضاً- المؤرخ صلاح الدين الصفدي: (كان قاضياً يبلغ به الضعيف مرامه، ماضي الأحكام بتاتاً، أراق دم جماعة تعرضوا لجناب النبي صلى الله عليه وسلم) [أعيان العصر، للصفدي]   وممن نقل وقائع قضائية ذات صلة بهذا الموضوع الإمام القاضي عياض -رحمه الله- في كتابه المشهور (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) ومن الأخبار التي نقلها رحمه الله قوله: (وأفتى أبو عبد الله بن عتاب في عشّار -أي جابي المكوس- قال لرجل: أدِّ واشكِ إلى النبي!، وقال: إن سألت أو جهلت فقد جهل وسأل النبي صلى الله عليه وسلم: بالقتل. وأفتى فقهاء الأندلس بقتل “ابن حاتم المتفقه الطليطلى” وصلبه بما شهد عليه به من استخفافه بحق النبي صلى الله عليه وسلم، وتسميته إياه أثناء مناظرته بـ”اليتيم” ، و “ختن حيدرة”، وزعمه أن زهده لم يكن قصداً ولو قدر على الطيبات أكلها، إلى أشباه لهذا.  وأفتى فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل “ابراهيم الفزارى” وكان شاعراً متفنناً في كثير من العلوم، وكان ممن يحضر مجلس القاضى أبى العباس بن طالب للمناظرة، فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب في الاستهزاء بالله وأنبيائه ونبينا صلى الله عليه وسلم، فأحضر له القاضى “يحيى بن عمر” وغيره من الفقهاء، وأمر بقتله وصلبه، فطعن بالسكين وصلب منكساً) [الشفا، للقاضي عياض، 2/218].

وأما في عصر الإمام ابن تيمية فقد كانت أشهر قضية شارك فيها ابوالعباس ابن تيمية نفسه هي قضية “الكاتب عساف” الذي ألقى عبارة فيها غض من مقام النبوة، فنقل خبر الحادثة لابن تيمية، فجمع ابن تيمية مجموعة من المحتسبين وتحرك لدى القضاء الشرعي، وتعرض ابن تيمية لمصاعب جمة في هذه القضية، حتى أنه اعتقل وجلد رحمه الله، وألف فيها كتاباً موسعاً انتصاراً لجناب النبي من أن ينال بتعريض أو انتقاص، ولندع ابن كثير يروي لنا الحادثة بطريقته السلسة رحمه الله:   قال ابن كثير في تاريخه: (واقعة عساف النصراني: كان هذا الرجل من أهل السويداء قد شهد عليه جماعة أنه سب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استجار عساف هذا بابن أحمد بن حجي أمير آل علي، فاجتمع الشيخ تقي الدين بن تيمية، والشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث، فدخلا على الامير عز الدين أيبك الحموي نائب السلطنة فكلماه في أمره فأجابهما إلى ذلك، وأرسل ليحضره فخرجا من عنده ومعهما خلق كثير من الناس، فرأى الناس عسافا حين قدم ومعه رجل من العرب فسبوه وشتموه، فقال ذلك الرجل البدوي: هو خير منكم – يعني النصراني – فرجمهما الناس بالحجارة، وأصابت عسافا ووقعت خبطة قوية، فأرسل النائب فطلب الشيخين ابن تيمية والفارقي فضربهما بين يديه، ورسم عليهما –أي اعتقلهما- في العذراوية، وقدم النصراني فأسلم وعقد مجلس بسببه، وأثبت بينه وبين الشهود عداوة، فحقن دمه، ثم استدعى بالشيخين فأرضاهما وأطلقهما، ولحق النصراني بعد ذلك ببلاد الحجاز، فاتفق قتله قريبا من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتله ابن أخيه هنالك، وصنف الشيخ تقي الدين بن تيمية في هذه الواقعة كتابه الصارم المسلول على ساب الرسول)  [البداية والنهاية، لابن كثير، 13/396] .

وأما الكتاب الذي ألفه ابن تيمية في هذه الأزمة وهو “الصارم المسلول على شاتم الرسول” فقد قال في مطلعه: (اقتضاني لحادث حدث أدنى ماله –أي رسول الله- من الحق علينا، بل هو ما أوجب الله من تعزيزه ونصره بكل طريق، وإيثاره بالنفس والمال في كل موطن، وحفظه وحمايته من كل موذ، وإن كان الله قد أغنى رسوله عن نصر الخلق، ولكن ليبلوا بعضكم ببعض، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب) [الصارم المسلول، لابن تيمية، 2].

والحقيقة أن جوهرة كتاب ابن تيمية هي هذه الجملة  المضمخة بكل معاني العزة والاستعلاء بهذا الدين وتوقير نبيه في القلوب حيث يقول رحمه الله: (فإن الكلمة الواحدة من سب النبي -صلى الله عليه وسلم- لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار، ولأن يظهر دين الله ظهورا يمنع أحدا أن ينطق فيه بطعن أحب إلى الله ورسوله من أن يدخل فيه أقوام وهو منتهك مستهان) [الصارم المسلول، لابن تيمية، 505].

 لامساومة بتاتاً على جناب رسول الله ومهابته في النفوس، وهكذا كانت سيرة أئمة وفقهاء وقضاة المسلمين، لم يكونوا يعتبرون أي عبارة فيها غض من مقام النبوة مسألة “خلاف فكري” و “وجهات نظر” تتم مناقشتها على طاولة الحوار، بل كانوا يعتبرونها قضية تعرض على سيف القضاء الشرعي، بالطرق المشروعة، ويختص بتنفيذها ولي الأمر فلايفتأت عليه.   هكذا كانت منزلة جناب رسول الله في نفوس المسلمين..

 

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

28 مارس 2010

الترغيب والترهيب في قصقصة الأحكام الشرعية

أضف تعليق

   الحمدلله وبعد،

الوسائل التي يستعملها من يبحثون عن تشذيب الإسلام ليتوافق مع ثقافة الغرب المنتصر تتفاوت بحسب طبيعة الشخصية المستهدفة، فتارة يستعملون مع الشخصية المستهدفة أسلوب “الترغيب”، فيوضع في برامج فضائية في أوقات الذروة، ويطبل له كتاب الأعمدة الليبرالية باعتباره نموذج “الشيخ الواعي”، وتزداد المدائح الصحفية بمقدار جرأة “الشيخ الواعي” على مواصلة مسلسل حصد الأحكام الشرعية.

والأسلوب الأخر هو أسلوب “الترهيب”، وهو غالباً يتم بترويع الشخصية المستهدفة عبر سيناريوهات يبدعها خيالهم حول مخاطر الأحكام الشرعية والتي تنتهي دوماً بتفجير حزين، تخيلات سينمائية تبدأ بأي فتوى ولا تنتهي القصة إلا على حطام الألغام المتناثرة!

فياسبحان من أعطاهم هذه الخصوبة التخيلية.. يقولون لك احذر أن تتحدث عن نواقض الإسلام، لأنه ربما فهم منك (شاب متهور) تطبيق هذه الأحكام بنفسه، فيقوم بعملية تكفير وتفجير! احذر أن تتحدث عن (كفر الحكم بغير ما أنزل الله)، لأنما ربما فهم منك (شاب متهور) أنه يمكن أن يطبق ذلك بنفسه، فيقوم بعمليات تفجيرية ضد النظم العربية الوضعية! احذر أن تتحدث عن (كفر من سب الله ورسوله)، لأنه ربما فهم منك (شاب متهور) أنه يمكن أن يقوم بذلك بنفسه، فيبدأ في سلسلة اغتيالات للمثقفين الذين يتهكمون بالأحاديث النبوية! احذر أن تتحدث عن (كفر تارك الصلاة) لأنه ربما فهم منك (شاب متهور)أنه يمكن أن يطبق ذلك بنفسه فيبدأ في التصفية الجسدية لبعض أقاربه! واحذر.. واحذر.. واحذر.. لم؟ حتى لاتهجم علينا من جديد قصة (الشاب المتهور)! يامسكين هذا (الشاب المتهور) صار للأحكام الشرعية بالمرصاد!

أتدري أين المشكلة؟ المشكلة أن دروس مشايخ أهل السنة حضرها مئات الآلاف من الشباب عبر أجيال مستمرة، وهم يسمعون هذه الأحكام الشرعية ولم يفهموها بالطريقة الفوضوية التي يصورها أصحاب (هوليود الفتاوى) .. وبالمقابل فإن المجموعات الشبابية المحدودة التي تورطت في حركة (الغلو في التكفير والقتال) تبيّن من سيرهم الذاتية أن جمهورهم لم يكن مواظباً على ملازمة أهل العلم وحضور الدروس الشرعية!   فانظر كيف أن هذه الدروس الشرعية للربانيين من أهل العلم والتي كشفت الأحداث أنها هي الضمانة الصحيحة للعلم المنضبط صارت تصور أنها هي المشكلة!

على أية حال .. أوصي القارئ الكريم حين يقرأ القرآن أن يخفت صوته حين يمر بأي آية كفر أو قتل، لأنه ربما يكون بجانبه لاسمح الله (شاب متهور) فماهي إلا دقائق ويسمع دوي الانفجار بجانبه!

 

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

28 مارس 2010

لم نفعلها .. وحُسِبت علينا !

أضف تعليق

 

حين يقف الإنسان في اليوم الآخر لحظة تسليم الصحائف والاطلاع على محتوياتها، فإن الإنسان ربما لن يتفاجأ كثيراً من خطايا نفذها فعلاً وقام بها، فهو قد علم مسبقاً بأنه سيراها في صحيفته.. ولكن المفاجأة المذهلة أن يجد الإنسان في صحيفته خطايا لم يفعلها هو، ومع ذلك يجدها مدونة في كتاب أعماله.. ربما يجد الإنسان في صحيفته خطايا لعشرات الأشخاص، بل ربما لمئات الأشخاص، بل ربما لملايين الأشخاص؛ وكلها محسوبة  في صحيفة سيئاته، وسيحاسبه الله عليها..

حسناً .. من أين جاءته هذه الأعمال التي لم يعملها؟ استمع إلى هاتين الآيتين العجيبتين اللتين تكشفان هذه الحقيقة المرعبة: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ) [النحل:25] (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ) [العنكبوت:13]   يا ألله .. كم من كلمة نطقنا بها في مجلس من المجالس وقلنا فيها على الله بغير علم، فتأثر بها أحد الجالسين فتجرأ على المعصية، فصارت خطيئته في صحائفنا ونحن لانعلم.. وكلما كرر معصيته .. تكررت في صحائفنا..   كم من مقالة أثار فيها كاتب من الكتّاب شبهة شوشت على آلاف القراء فتساهلوا في ذلك الحكم الشرعي، ونقلوا هم بدورهم تلك الشبهة إلى آلاف آخرين .. فيأتي ذلك الكاتب يوم القيامة يجرجر في صحيفته خطايا آلاف وآلاف من الناس لايعرفهم..   كم من منتسب للدعوة مكّنه التغريبيون من فضائياتهم ليوفر لهم لغة شرعية مشحونة بمضامين غير شرعية .. فانخدع به ملايين من العامة وثقوا في لحيته ومشلحه ولحنه بألفاظ تشبه ألفاظ المشايخ.. فصار يدفع باتجاه توهين التدين في نفوسهم وأوقعهم في شذوذات فقهية وشبهات عقدية كانوا في سلامةٍ منها..   كنت مرةً أتحدث مع بعض الإخوة عن أحد متفقهة التغريب المذبذبين الذين ليسوا مع أهل السنة ولا مع أهل الضلال.. فقال لي أحدهم محتجاً: ولو .. هذا الرجل يستمع له الملايين في الفضائيات..   الحقيقة أنني حين سمعت مثل هذا الاعتراض أطرقت وشعرت بحزن عميق، وأخذت أقول في نفسي: مسكين .. لايعلم أن زيادة الأرقام تعني زيادة عدد الضحايا.. لايعلم أن زيادة الأرقام تعني زيادة أوزار المضللين التي ربما يحملها يوم القيامة..   والله إن الإنسان إذا جلس مع نفسه وأخذ يتذكر خطاياه أدرك أنها كافية أن توبق مستقبله الأخروي .. فكيف إذا انضم إلى ذلك أن يحمل فوق ظهره معاصي أشخاص آخرين لايعرفهم .. والله إن الغبن كل الغبن أن يرى المرء نفسه يوم القيامة يصطلي بنار جهنم لا لمعصية فعلها هو وإنما لمعصية فعلها غيره! إنها مجرد كلمة متهورة في حكم شرعي استحسنها المرء بذوقه وغفل عن تبعاتها المفتوحة..   إذا كان الأمر بمثل هذه الخطورة فكيف غفلنا عنه؟ إنه الرين الذي غلف القلوب حتى غفلت عن فظائع وأهوال هي أقرب للمرء من شراك نعله..

  أخي الغالي .. والله إني لأحب لك ما أحب لنفسي .. فياليتنا يا أخي الكريم إذا أثيرت في مجلس من المجالس مسألة شرعية أن نتلوا في أنفسنا قوله تعالى (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ) .. وقوله تعالى (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ).. فياليتنا نسلم من معاصينا فضلاً عن أن نسلم من معاصي الآخرين..

 

 

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

27 مارس 2010

Older Entries