مؤسسة انتقاص السنة النبوية

تعليق واحد

  الحمدلله وبعد.

صباح هذا اليوم الثلاثاء اطلعت في صحيفة الحياة 30/3/2010م، على مقالة كتبها الأستاذ  (حسن بن سالم) دفاعاً عن الأستاذ (يحي الأمير).   حيث يدعي حسن بن سالم أن ما قام به يحي الأمير من وصف حديث الصحيحين بالتوحش إنما هو ( مسلك لتنزيه الأحاديث النبوية عن كل ما قد يؤدي للقدح فيها أو في دين الإسلام) ، واحتج لذلك كما يقول بأن (هذا المسلك سلكه من قبل بعض كبار الأئمة، وأشير في هذا المقام إلى مثالين، أولهما حجة الإسلام الإمام أبو بكر الجصاص، وأما المثال الآخر فهو محمد رشيد رضا).   ثم نقل الأستاذ حسن سالم عن الجصاص أنه رد أحاديث “سحر النبي” صلى الله عليه وسلم التي رواها البخاري، ونقل عن رشيد رضا رده لحديث “إذا وقع الذباب” المروي في البخاري.   توقفت أمام هذه المقالة وتعجبت كثيراً من مواصلة هذا الفريق الليبرالي انتقاص السنة النبوية، وإيذاء المؤمنين في نبيهم ومهابته في نفوسهم، أي قلوب هذه التي مات فيها توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يبرد بعد لهيب جريرة يحي الأمير في التهكم بنصيحة النبي لنا، حتى جاء حسن سالم الآن يبعث الفتنة من جديد.

حين رأيت يحي الأمير منكسراً في البيان التالي استبشرت خيراً بعودة هيبة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء الآن حسن سالم يبحث عن أسانيد تراثية ليشرعن بها التهكم بالحديث النبوي. أي فوضى هذه التي تحدث؟! والله شيء محزن أن تصل مهابة النبي في أرض الحرمين إلى هذا المستوى!   ومكمن الخطورة في هذه المقالة هي أنها مؤشر على أن القوم لازالوا ماضين في مشروعهم في السخرية بالأحاديث النبوية، بل ويبحثون عن جذور تراثية تساندهم في ذلك.  

على أية حال .. دعونا ننظر موضوعياً مدى علمية احتجاجات حسن سالم؟ الحقيقة أن أي طالب علم شرعي سيطلع على مرافعة حسن سالم عن صاحبه يحي الأمير فإنه سيدركه الرثاء والشفقة حين يرى المرء يحتج لنفسه بما هو دليل عليه.   فأما احتجاج حسن سالم بفعل أبي بكر الرازي المعروف بالجصّاص، فإن أبا بكر هذا قد دخل في الاعتزال، وتجرؤه في رد الأحاديث النبوية إنما دخل عليه بسبب اعتزالياته، وليس ثم جديد في كون الفرق الضالة ترد السنن النبوية.

وقد عدّه الإمام ابن تيمية في المعتزلة حين ذكر أقواله، كقول الإمام ابن تيمية (ولهذا أنكر طائفة من المعتزلة كالجبائي وأبي بكر الرازي وغيرهما دخول الجن في بدن المصروع) [الفتاوى، 19/12] . وابن تيمية يشير إلى قول ابي بكر الجصاص الرازي في تفسيره: (ضرر أصحاب العزائم وفتنتهم على الناس غير يسير، وذلك أنهم يدخلون على الناس من باب أن الجن إنما تطيعهم بالرقى التي هي أسماء اللّه تعالى، فإنهم يجيبون بذلك من شاءوا ويخرجون الجن لمن شاءوا، فتصدقهم العامة) [تفسير الجصاص، 1/57] .وعده في المعتزلة كذلك مؤرخ الإسلام الذهبي حيث يقول (وكان يميل إلى الإعتزال، وفي تصانيفه ما يدل على ذلك في مسألة الرؤية وغيرها) [تاريخ الإسلام للذهبي، 26/432] . والذهبي يشير لكون الجصاص شكّك في أحاديث “رؤية الله في الآخرة” بناء على بعض أصوله الاعتزالية كما يقول الجصاص سامحه الله (والأخبار المروية في الرؤية إنما المراد بها العلم لو صحت) [تفسير الجصاص، 4/170].

وكذلك فإن الذين ترجموا لأعلام المعتزلة عدّوه منهم، ولذلك أدرجه القاضي عبدالجبار في (فرق وطبقات المعتزلة، ص125) وترجم له ابن المرتضى في (طبقات المعتزلة، ص130)، وإن كانوا يتوسعون في ذلك ويتكثرون بمن ليس منهم.   وبسبب هذه الروح الاعتزالية عند ابي بكر الجصاص فإنك تجد عنده جرأة المعتزلة على أئمة أهل الحديث والأثر، حتى أنه قال عن نافع مولى ابن عمر (قال ذلك نافع بعد ما كبر وذهب عقله) [2/40] وما أبشعها من عبارة.

وكذلك قال عن الإمام حافظ الدنيا سفيان بن عيينة  (وقد كان ابن عيينة سيئ الحفظ كثير الخطأ) [1/186] ومن يقول هذا الكلام عن سفيان بن عيينة الذي هو أحد من دارت عليهم أسانيد طبقة أتباع التابعين؟!   ومثل هذه الجرأة في لمز أئمة أهل الأثر هي من أخص خصائص الروح الاعتزالية، ومن راجع  مقدمة ابن قتيبة لكتابه “تأويل مختلف الحديث” استحوذ عليه العجب من تلك القصص والأخبار التي ساقها ابن قتيبة عن سلوكيات وتصرفات أئمة المعتزلة.  

على أن الإنصاف يقتضي أن نشير إلى أن الجصاص ليس من المعتزلة الخلّص، وإنما شارك المعتزلة في بعض أصولهم، وتسربت إليه بعض ضلالاتهم من بعض شيوخ المعتزلة الذين درس عليهم، وأما كتابه عن “أحكام القرآن” ففيه من نفائس الاستنباطات والمناقشات شيئاً لايستغني عنه طالب العلم، ولكن المراد هنا التنبيه إلى خطأ التذرع والاحتجاج بأخطائه الاعتزالية في رد السنن.  

وأما احتجاج الأستاذ حسن سالم بكون رشيد رضا رد بعض الأحاديث الصحيحة بالذوق المحض، فمثل هذا الاحتجاج يعكس جهلاً بتحولات الأستاذ رشيد رضا، فالأستاذ رشيد رضا مر بثلاث مراحل، كان في مرحلته الأولى صوفياً كما يقول عن نفسه في مقدمة تفسير المنار (كنت من قبل اشتغالي بطلب العلم في طرابلس الشام مشتغلا بالعبادة ميالا إلى التصوف).   ثم في المرحلة الثانية تعرف على مايسمى بالمدرسة الإصلاحية التي كان زعيماها الأفغاني وعبده، وهي مدرسة تحارب الملاحدة وأهل السنة على حد سواء، وتبني أفكارها في صورة إسلام مستغرب، وقد انبهر رشيد رضا بأستاذه محمد عبده وانفعل به كثيراً كما يقول في مقدمة تفسيره (في أثناء هذه الحال الغالبة علي ظفرت يدي بنسخ من جريدة ” العروة الوثقى ” في أوراق والدي ، فلما قرأت مقالاتها أثرت في قلبي تأثيرا دخلت به في طور جديد من حياتي، تلك المقالات التي حببت إلي حكيمي الشرق، ومجددي الإسلام، ومصلحي العصر: السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده المصري).   وبدأت المرحلة الثالثة من وفاة الشيخ محمد عبده حيث تناقص التأثير التغريبي السلبي الذي شحنه به أستاذه محمد عبده، وبدأ يزداد عنده الميل إلى أهل السنة وتعظيم الحديث، وطباعة كتب السلف، وكثرة التنويه بابن تيمية، والدفاع عن دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ولذلك يقول أيضاً في مقدمة تفسيره عن مرحلته الثالثة هذه (هذا وإنني لما استقللت بالعمل بعد وفاته –أي الشيخ محمد عبده- خالفت منهجه رحمه الله بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة).

لكن الشيخ رشيد رضا توفي ولايزال لديه -رحمه الله- أخطاء عظيمة بسبب أنه لم يتوفر له الوقت لاستكمال التصحيح والتخلص من التخليط بين منهج أهل السنة ومنهج متفقهة التغريب، وسائر مايوجد لمشايخ أهل السنة المعاصرين من ثناء على رشيد رضا فإنما هو بسبب ماحمدوه له من التحول الإجمالي إلى نصرة طريقة السلف، كما حمدوا ذلك لأبي الحسن الأشعري مع أنه بقي لديه شُعَبٌ من الكلابية في عقيدته الأخيرة لم يتخلص منها، والمراد أن ثناء مشايخ أهل السنة على رشيد رضا كان من هذا الوجه، فلايعني ذلك تصحيح أفكاره التفصيلية المخالفة لمنهج أهل السنة التي لاتزال موجودة في مجلة المنار وتفسير المنار.   

ومن الإنصاف أن نشير -أيضاً- إلى أن بعض أهل السنة لم يطلعوا على سائر نتاجه، ولذلك كانوا يحسنون الظن به، فالإمام ابن عثيمين –مثلاً- يثني في مواضع من كتبه على رشيد رضا بسبب تعظيمه للحديث في زمن قل من ينصره فيه، برغم أن الشيخ ابن عثيمين يشنع في مسائل من العقيدة وأصول التلقي ومنهج الفتيا قد زلت فيها قدم رشيد رضا، لكن الشيخ لم يكن معنياً بتتبع كلام رشيد رضا.   والمراد أن ماوجد من ثناء لمشايخ أهل السنة المعاصرين على رشيد رضا إنما هو ثناء إجمالي على توجهه العام وتحوله لنصرة السنة، وليس على ثناءً على آحاد أفكاره التفصيلية، وماتبقى لديه من دخن التغريب، والزلات العظيمة في أصول التلقي.   ومن الطريف في هذه القضية أن هؤلاء الليبراليين يحتجون بما وقع من أئمة الحديث المتقدمين من نقد المتون، والقضية ليست في نقد المتون بطريقة المحدثين التي تجمع بين علة السند وعلة المتن كالشذوذ والنكارة ونحوها مما يعرف بمقارنة طرق الحديث، وإنما القضية في التبجح برد الأحاديث بالذوق المحض تحت تأثير الثقافة والقيم الغربية، وهذا بخلاف نقد المتون إذا خالفت العقل القطعي أو خالف الراوي من هو أوثق منه ونحو ذلك، وقد توسع ابن القيم في المنار المنيف في ذكر قواعد نقد المتون عند أهل السنة والجماعة.   ولا أخفي أنني لم أستطع أن أكظم تبسمي حين رأيت البعض يحتجّ لفعل يحي الأمير بما يصنعه أئمة الحديث كابن المديني وابن معين ونحوهم! أي إزراء بالعلم وأي استهانة بأئمة الدين أن تفسر تبجحات وتطاولات الصحفيين بأنها من جنس فعل ابن المديني وابن معين؟! هذه والله غاية المهزلة.. أتمنى أن لايأتي اليوم الذي نرى فيه محتجاً يقارن بين منهج ابن بخيت ومنهج الدارقطني في تعليل الأحاديث، أو يقارن منهج ليلى الأحيدب ومنهج الطبري في تفسير القرآن! والله إنني أشعر بالغثيان حين يهان العلم والمعرفة بهذا الإسفاف.   والمراد من هذه المناقشة ليس ذات المسألة، وإنما كونها مجرد أمثلة لتوضيح أزمة الضحالة العلمية لدى شريحة (الليبرالية التنفيذية)، فيحي الأمير ينسب للشنقيطي والألباني أقوالاً اعتماداً على مقالات انترنتية مكذوبة، والمحامي حسن سالم يدافع عن صاحبه اعتماداً على نصوص لايعرف أنها بنيت على أصول المعتزلة، ويظنها من نصوص أهل السنة!   فهذا هو جنس علمهم، وهذه هي طبيعة احتجاجاتهم، والحمدلله على العافية. والمرء حين يقارن أحوال مشايخنا الكبار في طول طلبهم للعلم وكمال ورعهم وتصونهم وتحريهم، ويقارنه بهؤلاء الذين بنو دينهم على مقالات انترنتية، ونقول حاطب ليل؛ فإنه لايستطيع أن يمنع ذهنه من تذكر قوله تعالى  (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) [التوبة:109]   خلاصة القول أن فكرة المحامي حسن سالم هي أن وصف يحي الأمير لحديث الصحيحين بأنه “متوحش” إنما أراد به الدفاع عن النبي وليس القدح فيه، وأن لاينسب للنبي مايسئ إليه، وهذه حجة مستهلكة للعلمانيين يتسترون بها في تحريف الشريعة، وسيأتي هؤلاء تدريجياً وسيجحدون كل حكم شرعي يتعارض مع الثقافة الغربية باسم الدفاع عن النبي حتى لاينسب إليه مايسئ لصورته في الإعلام الغربي، وهكذا تلغى أحكام المرأة، وأحكام الجهاد، وأحكام الكافر، الخ باسم الدفاع عن الإسلام من أن تتشوه صورته في الوعي الغربي.   والمراقب إذا رأى هؤلاء كيف يتجرؤون في وصف حديث الرسول بأنه متوحش، ويصرون على ذلك، ثم إذا قارن ذلك بهلعهم وارتعاد فرائصهم إذا ذكرت عبارات بعض المسئولين الكبار، تعجب كيف صارت منزلة ملك من ملوك الأرض أعظم في قلوبهم من منزلة ملك الملوك سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) [الحشر:13]   أسأل الله أن يعمر قلوبنا جميعاً بتوقير سيد ولد آدم، وتعظيم حرمته، والهيبة عند سماع حديثه صلى الله عليه وسلم.  

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

31 مارس 2010

Advertisements

هـدية عزيـزة

تعليق واحد

 

من الأمور المشاهدة التي أكدتها التجربة البشرية أن بركات الله إذا فتحها سبحانه على شخص ما أنه لا تحدها حدود، وتبلغ أمداءً لايتصورها البشر، سواءً من بركات الله في العلوم، أو العبودية، أو الأرزاق، أو غيرها من النعم، كما قال تعالى (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا) [فاطر:2]   ومن تأمل أحوال مشايخ أهل السنة في عصرنا -رحم الله أمواتهم وحفظ الله أحياءهم- رأى مصداق هذه الآية فيهم، فعامة مشايخنا الكبار -ولله الحمد- تظهر فيهم آثار الربانية والرسوخ، لكن تجد بعضهم يختص بفتوحات ربانية عجيبة في أبواب معينة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

فمن ذلك -مثلاً- أن الشيخ ابن باز -رحمه الله- رزقه الله شدة استحضار للنصوص الشرعية كأنها أمامه ينتزع منها مايشاء، وما أكثر ما تثور المسألة فيظن الجالسون أنه ليس فيها دليل خاص، فيسترسل الشيخ -رحمه الله- بذكر الآيات المتتابعة في محل النزاع، وما أجمل حدره -رحمه الله- حين يتهدج بصوته: قال تعالى كذا، وقال تعالى كذا، الخ.. وما أكثر مايقول طالب علم: إن فلاناً من العلماء يقول كذا، فيقول الشيخ: هذا غير صحيح، قال تعالى كذا، وقال تعالى كذا. فسبحان من رزقه العيش في جنات النصوص.

والشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- رزقه الله مهارات التعليم والتربية، فالشيخ مدرسة مستقلة في أسلوب التعليم، وللشيخ من الأساليب العجيبة في حسن العرض والتمثيل والتصوير والمناقشة والاطراد شيئاً مدهشاً، وما أكثر ما يقرأ طالب العلم مسألة فتستغلق عليه، فإذا راجع كلام الشيخ تعجب أن تكون المسألة بمثل هذه البساطة والوضوح؟!

والشيخ عبدالرحمن البراك –حفظه الله- رزقه الله أمرين ظاهرين في شخصيته، أولهما : شجاعة في الصدع بالحق لايوجد لها نظير بين مشايخنا، حتى كأن الله وضع بين جنبيه قلب أسد لا قلب بشر. وثانيهما: ولع لسانه بذكر الله، فلاتفوت ثانية من عمره إلا بتسبيح أو تهليل أو تكبير، وهذا يعرفه كل من قابله، فسبحان من جعل لسانه لايفتر من ذكر الله.  

والشيخ عبدالكريم الخضير –حفظه الله- رزقه الله أمرين ظاهرين في شخصيته، أولهما : التبحر في الاطلاع على الكتب (مطبوعها ومخطوطها) وما أكثر ما يظن من يناقشه أن المسألة لم تبحث، فيسرد عليه الشيخ أسماء الكتب المصنفة فيها على سبيل الاستقلال، والشيخ إذا بدأ يتحدث عن الكتب وأنواعها وأغراض مؤلفيها ونُسخِها يكون لكلامه عذوبة عجيبة، ولذلك كثر من طلاب العلم الإلحاح عليه لعقد دورات ومجالس خاصة للحديث عن الكتب، لما لحديثه عنها من سحر خلاب. وثانيهما: انهماكه المذهل في تلاوة القرآن بالساعات الطوال دون كلل، وتفانيه في ختمات القرآن بشكل غريب، وسمعت من الملازمين للشيخ أخباراً عجيبة في تعلقه بتلاوة القرآن، وحدثني أحد الأصدقاء المقربين للشيخ أن الشيخ كان عندهم مرة في المدينة النبوية فكان يجلس يومياً في المسجد النبوي بعد صلاة الفجر إلى قريب الظهر والمصحف بين يديه يتلو ويتلذذ بكتاب الله.

والمراد أننا حين نتحدث عن كتاب الله فإن المرء يشعر بالخجل يمزق داخله، كيف لمقصر في حق كتاب الله أن يتحدث عنه؟ لكن حين يتحدث مثل هؤلاء الذين اشتغلوا بكتاب الله فإن المرء يتأثر بهم، لأنه شتان بين النائحة الثكلى والنائحة المستأجرة. ومن أجل ذلك فقد قمت بجمع بعض كلمات الشيخ عبدالكريم الخضير عن تدبر القرآن، والتي ألقاها متناثرة في دروسه، وهي ثمان كلمات، وقد فرغها من دروسه الفريق العلمي الذي يعمل في تنظيم دروس الشيخ، وكل ماقمت به هو أن جمعتها في رسالة واحدة لتسهل قراءتها، فاسأل الله أن يجزي الشيخ خيراً على كلماته، واسأل الله –أيضاً- أن يجزي الفريق العلمي الذي نسخها من الأشرطة خيراً.   اللهم ياحي ياقيوم أغث قلوبنا بالقرآن، اللهم ياحي ياقيوم اجعل هذا القرآن لنا كما وصفته: نوراً تمشون به، ونوراً نمشي به في الناس .. فإنه من لم تجعل له نوراً فما له من نور.  

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

29 مارس 2010

 

————————————————————————-

الملف على هذا الرابط

http://www.m6m3.com/u/uploads/12884602361.zip

من أخبار المتساهلين بالجناب المحمدي

أضف تعليق

 

        في مدينة دمشق، وفي عام (704هـ) كان هناك شخص يقال له “الكمال الأحدب”، وفي أثناء نقاش حاد ألقى هذا الكمال الأحدب عبارة تتضمن الغض من مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال لخصمه أثناء النزاع: (تكذب ولو كنت رسول الله).   فتطور الأمر قضائياً بصورة لم يتوقعها هذا الرجل بتاتاً.. حيث كان قاضي دمشق حينها هو العلامة الفقيه جمال الدين المالكيلألقى ، وقد مكث قاضياً لدمشق ثلاثين سنة، وكان ممن درس على الإمام العز بن عبدالسلام (صاحب قواعد الأحكام).   ولندع المؤرخ ابن العماد الحنبلي يروي لنا القصة بأسلوبه المختصر حيث يقول:   (وفي هذه السنة –أي سنة 704هـ- ضربت رقبة الكمال الأحدب، وسببه أنه جاء إلى القاضي جمال الدين المالكي يستفتيه، وهو لا يعلم أنه القاضي، فقال: ما تقول في إنسان تخاصم هو وإنسان فقال له الخصم “تكذب ولو كنت رسول الله”؟. فقال له القاضي: من قال هذا؟ قال: أنا. قال فأشهد عليه القاضي من كان حاضراً، وحبسه، وأحضره من الغد إلى دار العدل وحكم بقتله) [شذرات الذهب، لابن العماد الحنبلي، 6/9]   وهذا القاضي جمال الدين المالكي استمر في تطبيق حد القتل على من يتعرض لجناب رسول الله، يقول عنه الإمام ابن حجر العسقلاني: (وكان صارماً مهيباً، أراق دم جماعة تعرضوا للجناب المحمدي) [الدرر الكامنة، لابن حجر].   ويقول عنه –أيضاً- المؤرخ صلاح الدين الصفدي: (كان قاضياً يبلغ به الضعيف مرامه، ماضي الأحكام بتاتاً، أراق دم جماعة تعرضوا لجناب النبي صلى الله عليه وسلم) [أعيان العصر، للصفدي]   وممن نقل وقائع قضائية ذات صلة بهذا الموضوع الإمام القاضي عياض -رحمه الله- في كتابه المشهور (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) ومن الأخبار التي نقلها رحمه الله قوله: (وأفتى أبو عبد الله بن عتاب في عشّار -أي جابي المكوس- قال لرجل: أدِّ واشكِ إلى النبي!، وقال: إن سألت أو جهلت فقد جهل وسأل النبي صلى الله عليه وسلم: بالقتل. وأفتى فقهاء الأندلس بقتل “ابن حاتم المتفقه الطليطلى” وصلبه بما شهد عليه به من استخفافه بحق النبي صلى الله عليه وسلم، وتسميته إياه أثناء مناظرته بـ”اليتيم” ، و “ختن حيدرة”، وزعمه أن زهده لم يكن قصداً ولو قدر على الطيبات أكلها، إلى أشباه لهذا.  وأفتى فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل “ابراهيم الفزارى” وكان شاعراً متفنناً في كثير من العلوم، وكان ممن يحضر مجلس القاضى أبى العباس بن طالب للمناظرة، فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب في الاستهزاء بالله وأنبيائه ونبينا صلى الله عليه وسلم، فأحضر له القاضى “يحيى بن عمر” وغيره من الفقهاء، وأمر بقتله وصلبه، فطعن بالسكين وصلب منكساً) [الشفا، للقاضي عياض، 2/218].

وأما في عصر الإمام ابن تيمية فقد كانت أشهر قضية شارك فيها ابوالعباس ابن تيمية نفسه هي قضية “الكاتب عساف” الذي ألقى عبارة فيها غض من مقام النبوة، فنقل خبر الحادثة لابن تيمية، فجمع ابن تيمية مجموعة من المحتسبين وتحرك لدى القضاء الشرعي، وتعرض ابن تيمية لمصاعب جمة في هذه القضية، حتى أنه اعتقل وجلد رحمه الله، وألف فيها كتاباً موسعاً انتصاراً لجناب النبي من أن ينال بتعريض أو انتقاص، ولندع ابن كثير يروي لنا الحادثة بطريقته السلسة رحمه الله:   قال ابن كثير في تاريخه: (واقعة عساف النصراني: كان هذا الرجل من أهل السويداء قد شهد عليه جماعة أنه سب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استجار عساف هذا بابن أحمد بن حجي أمير آل علي، فاجتمع الشيخ تقي الدين بن تيمية، والشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث، فدخلا على الامير عز الدين أيبك الحموي نائب السلطنة فكلماه في أمره فأجابهما إلى ذلك، وأرسل ليحضره فخرجا من عنده ومعهما خلق كثير من الناس، فرأى الناس عسافا حين قدم ومعه رجل من العرب فسبوه وشتموه، فقال ذلك الرجل البدوي: هو خير منكم – يعني النصراني – فرجمهما الناس بالحجارة، وأصابت عسافا ووقعت خبطة قوية، فأرسل النائب فطلب الشيخين ابن تيمية والفارقي فضربهما بين يديه، ورسم عليهما –أي اعتقلهما- في العذراوية، وقدم النصراني فأسلم وعقد مجلس بسببه، وأثبت بينه وبين الشهود عداوة، فحقن دمه، ثم استدعى بالشيخين فأرضاهما وأطلقهما، ولحق النصراني بعد ذلك ببلاد الحجاز، فاتفق قتله قريبا من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتله ابن أخيه هنالك، وصنف الشيخ تقي الدين بن تيمية في هذه الواقعة كتابه الصارم المسلول على ساب الرسول)  [البداية والنهاية، لابن كثير، 13/396] .

وأما الكتاب الذي ألفه ابن تيمية في هذه الأزمة وهو “الصارم المسلول على شاتم الرسول” فقد قال في مطلعه: (اقتضاني لحادث حدث أدنى ماله –أي رسول الله- من الحق علينا، بل هو ما أوجب الله من تعزيزه ونصره بكل طريق، وإيثاره بالنفس والمال في كل موطن، وحفظه وحمايته من كل موذ، وإن كان الله قد أغنى رسوله عن نصر الخلق، ولكن ليبلوا بعضكم ببعض، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب) [الصارم المسلول، لابن تيمية، 2].

والحقيقة أن جوهرة كتاب ابن تيمية هي هذه الجملة  المضمخة بكل معاني العزة والاستعلاء بهذا الدين وتوقير نبيه في القلوب حيث يقول رحمه الله: (فإن الكلمة الواحدة من سب النبي -صلى الله عليه وسلم- لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار، ولأن يظهر دين الله ظهورا يمنع أحدا أن ينطق فيه بطعن أحب إلى الله ورسوله من أن يدخل فيه أقوام وهو منتهك مستهان) [الصارم المسلول، لابن تيمية، 505].

 لامساومة بتاتاً على جناب رسول الله ومهابته في النفوس، وهكذا كانت سيرة أئمة وفقهاء وقضاة المسلمين، لم يكونوا يعتبرون أي عبارة فيها غض من مقام النبوة مسألة “خلاف فكري” و “وجهات نظر” تتم مناقشتها على طاولة الحوار، بل كانوا يعتبرونها قضية تعرض على سيف القضاء الشرعي، بالطرق المشروعة، ويختص بتنفيذها ولي الأمر فلايفتأت عليه.   هكذا كانت منزلة جناب رسول الله في نفوس المسلمين..

 

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

28 مارس 2010

الترغيب والترهيب في قصقصة الأحكام الشرعية

أضف تعليق

   الحمدلله وبعد،

الوسائل التي يستعملها من يبحثون عن تشذيب الإسلام ليتوافق مع ثقافة الغرب المنتصر تتفاوت بحسب طبيعة الشخصية المستهدفة، فتارة يستعملون مع الشخصية المستهدفة أسلوب “الترغيب”، فيوضع في برامج فضائية في أوقات الذروة، ويطبل له كتاب الأعمدة الليبرالية باعتباره نموذج “الشيخ الواعي”، وتزداد المدائح الصحفية بمقدار جرأة “الشيخ الواعي” على مواصلة مسلسل حصد الأحكام الشرعية.

والأسلوب الأخر هو أسلوب “الترهيب”، وهو غالباً يتم بترويع الشخصية المستهدفة عبر سيناريوهات يبدعها خيالهم حول مخاطر الأحكام الشرعية والتي تنتهي دوماً بتفجير حزين، تخيلات سينمائية تبدأ بأي فتوى ولا تنتهي القصة إلا على حطام الألغام المتناثرة!

فياسبحان من أعطاهم هذه الخصوبة التخيلية.. يقولون لك احذر أن تتحدث عن نواقض الإسلام، لأنه ربما فهم منك (شاب متهور) تطبيق هذه الأحكام بنفسه، فيقوم بعملية تكفير وتفجير! احذر أن تتحدث عن (كفر الحكم بغير ما أنزل الله)، لأنما ربما فهم منك (شاب متهور) أنه يمكن أن يطبق ذلك بنفسه، فيقوم بعمليات تفجيرية ضد النظم العربية الوضعية! احذر أن تتحدث عن (كفر من سب الله ورسوله)، لأنه ربما فهم منك (شاب متهور) أنه يمكن أن يقوم بذلك بنفسه، فيبدأ في سلسلة اغتيالات للمثقفين الذين يتهكمون بالأحاديث النبوية! احذر أن تتحدث عن (كفر تارك الصلاة) لأنه ربما فهم منك (شاب متهور)أنه يمكن أن يطبق ذلك بنفسه فيبدأ في التصفية الجسدية لبعض أقاربه! واحذر.. واحذر.. واحذر.. لم؟ حتى لاتهجم علينا من جديد قصة (الشاب المتهور)! يامسكين هذا (الشاب المتهور) صار للأحكام الشرعية بالمرصاد!

أتدري أين المشكلة؟ المشكلة أن دروس مشايخ أهل السنة حضرها مئات الآلاف من الشباب عبر أجيال مستمرة، وهم يسمعون هذه الأحكام الشرعية ولم يفهموها بالطريقة الفوضوية التي يصورها أصحاب (هوليود الفتاوى) .. وبالمقابل فإن المجموعات الشبابية المحدودة التي تورطت في حركة (الغلو في التكفير والقتال) تبيّن من سيرهم الذاتية أن جمهورهم لم يكن مواظباً على ملازمة أهل العلم وحضور الدروس الشرعية!   فانظر كيف أن هذه الدروس الشرعية للربانيين من أهل العلم والتي كشفت الأحداث أنها هي الضمانة الصحيحة للعلم المنضبط صارت تصور أنها هي المشكلة!

على أية حال .. أوصي القارئ الكريم حين يقرأ القرآن أن يخفت صوته حين يمر بأي آية كفر أو قتل، لأنه ربما يكون بجانبه لاسمح الله (شاب متهور) فماهي إلا دقائق ويسمع دوي الانفجار بجانبه!

 

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

28 مارس 2010

لم نفعلها .. وحُسِبت علينا !

أضف تعليق

 

حين يقف الإنسان في اليوم الآخر لحظة تسليم الصحائف والاطلاع على محتوياتها، فإن الإنسان ربما لن يتفاجأ كثيراً من خطايا نفذها فعلاً وقام بها، فهو قد علم مسبقاً بأنه سيراها في صحيفته.. ولكن المفاجأة المذهلة أن يجد الإنسان في صحيفته خطايا لم يفعلها هو، ومع ذلك يجدها مدونة في كتاب أعماله.. ربما يجد الإنسان في صحيفته خطايا لعشرات الأشخاص، بل ربما لمئات الأشخاص، بل ربما لملايين الأشخاص؛ وكلها محسوبة  في صحيفة سيئاته، وسيحاسبه الله عليها..

حسناً .. من أين جاءته هذه الأعمال التي لم يعملها؟ استمع إلى هاتين الآيتين العجيبتين اللتين تكشفان هذه الحقيقة المرعبة: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ) [النحل:25] (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ) [العنكبوت:13]   يا ألله .. كم من كلمة نطقنا بها في مجلس من المجالس وقلنا فيها على الله بغير علم، فتأثر بها أحد الجالسين فتجرأ على المعصية، فصارت خطيئته في صحائفنا ونحن لانعلم.. وكلما كرر معصيته .. تكررت في صحائفنا..   كم من مقالة أثار فيها كاتب من الكتّاب شبهة شوشت على آلاف القراء فتساهلوا في ذلك الحكم الشرعي، ونقلوا هم بدورهم تلك الشبهة إلى آلاف آخرين .. فيأتي ذلك الكاتب يوم القيامة يجرجر في صحيفته خطايا آلاف وآلاف من الناس لايعرفهم..   كم من منتسب للدعوة مكّنه التغريبيون من فضائياتهم ليوفر لهم لغة شرعية مشحونة بمضامين غير شرعية .. فانخدع به ملايين من العامة وثقوا في لحيته ومشلحه ولحنه بألفاظ تشبه ألفاظ المشايخ.. فصار يدفع باتجاه توهين التدين في نفوسهم وأوقعهم في شذوذات فقهية وشبهات عقدية كانوا في سلامةٍ منها..   كنت مرةً أتحدث مع بعض الإخوة عن أحد متفقهة التغريب المذبذبين الذين ليسوا مع أهل السنة ولا مع أهل الضلال.. فقال لي أحدهم محتجاً: ولو .. هذا الرجل يستمع له الملايين في الفضائيات..   الحقيقة أنني حين سمعت مثل هذا الاعتراض أطرقت وشعرت بحزن عميق، وأخذت أقول في نفسي: مسكين .. لايعلم أن زيادة الأرقام تعني زيادة عدد الضحايا.. لايعلم أن زيادة الأرقام تعني زيادة أوزار المضللين التي ربما يحملها يوم القيامة..   والله إن الإنسان إذا جلس مع نفسه وأخذ يتذكر خطاياه أدرك أنها كافية أن توبق مستقبله الأخروي .. فكيف إذا انضم إلى ذلك أن يحمل فوق ظهره معاصي أشخاص آخرين لايعرفهم .. والله إن الغبن كل الغبن أن يرى المرء نفسه يوم القيامة يصطلي بنار جهنم لا لمعصية فعلها هو وإنما لمعصية فعلها غيره! إنها مجرد كلمة متهورة في حكم شرعي استحسنها المرء بذوقه وغفل عن تبعاتها المفتوحة..   إذا كان الأمر بمثل هذه الخطورة فكيف غفلنا عنه؟ إنه الرين الذي غلف القلوب حتى غفلت عن فظائع وأهوال هي أقرب للمرء من شراك نعله..

  أخي الغالي .. والله إني لأحب لك ما أحب لنفسي .. فياليتنا يا أخي الكريم إذا أثيرت في مجلس من المجالس مسألة شرعية أن نتلوا في أنفسنا قوله تعالى (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ) .. وقوله تعالى (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ).. فياليتنا نسلم من معاصينا فضلاً عن أن نسلم من معاصي الآخرين..

 

 

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

27 مارس 2010

تنبيه على ماورد في لقاء يحي الأمير

أضف تعليق

الحمدلله وبعد….

 صباح هذا اليوم تلقيت رسالة الكترونية من الإعلامي المعروف عبدالعزيز قاسم مرفق بها حلقة تسجيلية للقائه مع الأستاذ يحي الأمير في برنامج البيان التالي، وفي الجزء الأول من حلقات اللقاء المسجلة وجدت الأستاذ يحي الأمير يقول: (في حديثي لم أكن أتناول عن هذا الحديث، وإنما السياق كان عن عدة أحاديث، منها ماضعفه العلماء، مثل حديث أن “المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان”، هذا الحديث الشيخ محمد بن الأمين والشيخ الألباني –رحمهم الله- وغيرهم وقفوا عنده وأنكروه، وقالوا: هذا حديث منكر).   والحقيقة أن هذا خطأ محض على سنة رسول الله، فحديث (إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان) ليس بحديث منكر، ولم يضعفه لا الشنقيطي، ولا الألباني. فالحديث أصلاً موجود في صحيح مسلم [برقم 3473]. وأما الشنقيطي فلم يضعفه في أي كتاب من كتبه. وأما الألباني فقد صححه بشواهده، وأشار لذلك في أكثر من كتاب من كتبه (انظر على سبيل المثال: السلسلة الصحيحة 235،  صحيح الجامع 1940، صحيح أبي داود 1867).   فإذا كان الأمر كذلك فهل يحي الأمير هو الذي افترى على الشنقيطي ونسب له القول بتضعيفه؟ أميل إلى القول أن الأستاذ يحي الأمير برئ من هذه الفرية، وإنما هو ضحية للمفبرك الأساسي لهذه الكذبة على الشنقيطي، وسأشرح القصة باختصار:   في أحد المنتديات يوجد كاتب انترنتي اسمه (محمد الأمين) هذا الكاتب قال عن هذا الحديث الصحيح (والحديث مضطرب مردود لانقطاع سنده، ووجود النكارة الشديدة فى متنه). فجاء الصحفي “إسلام بحيري” –وهو مشارك في هذا المنتدى أصلاً- وأعجبته هذه العبارة، فذهب وكتب مقالة نشرها في مجلات أخرى ونسب عبارة الكاتب الانترنتي بشكل يوهم القارئ أن قائلها هو الشيخ (محمد الأمين الشنقيطي)، وليس الكاتب الانترنتي (محمد الأمين)، حيث يقول الصحفي إسلام بحيري في مقالة كتبها عن هذا الحديث: (ولكن المؤسف أن الأوائل لم ينكروا هذا الحديث, أما العاقلون من المعاصرين فقد رفضوا هذا الحديث, وأنقل فى هذا السياق قولا للشيخ “محمد الأمين الشنقيطي” عن ذات الحديث من كتابه “ضعيف الصحيح” فيقول: “والحديث مضطرب مردودٌ لانقطاع سنده ووجود النكارة الشديدة فى متنه” ). فأضاف لاسم الكاتب عبارة “الشنقيطي” حتى يكتمل الإيهام، واخترع كتاباً لهذه العبارة وأسماه “ضعيف الصحيح” ولذلك لم يشر للصفحة لأنه كتاب اخترعه اسلام بحيري، وليس للشيخ الشنقيطي أصلاً كتاب بهذا الإسم. فجاء الصحفي “يحي الأمير” وابتلع الطعم، ونسب هذا التضعيف للشيخ الشنقيطي رحمه الله!   والصحفي “إسلام بحيري” له فبركات كثيرة من هذا الجنس، منها بحثه الذي طبل له جمال البنا عن “عمر عائشة” فهو مسروق بالكامل أصلاً من طبيب هندي اسمه “شافاناز”  نشره في مجلة المنارة عام 1999. وقد أخطأ هذا الطبيب الهندي أخطاء مضحكة في نقل الأسانيد، فقام إسلام بحيري بإعادة نشره باسمه، وأخذ يروج له جمال البنا، وكالعادة كان للمقالة ضحايا لدينا في الصحافة السعودية أخذوا يرددون المعلومات المكذوبة التي نقلها إسلام بحيري عن عمر عائشة! وما أقبح أن تكون معلومة مكذوبة ومسروقة في نفس الوقت، وتوضيح الأخطاء الإسنادية في مقالات إسلام بحيري ليس هذا موضعه، وأتمنى أن تتاح له فرصة لاحقة، خصوصاً أخطاؤه على سلسلة هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.   والمراد أن وصيتي للأستاذ يحي الأمير أن لايورط نفسه في تصحيح وتضعيف الأحاديث، فهو لايخرج من إحراج إلا إلى إحراج آخر، فها هو قد جاء ليعتذر عن إساءته لحديث في الصحيحين، فأساء لحديث آخر في صحيح مسلم!.   فعلوم السنة النبوية تحتاج إلى دراسة منظمة طويلة المدى، مع تصون وتقوى وعبودية، ولذلك لايتكلم فيها إلا الأئمة الكبار، ونحن عالة فيها عليهم، وليست علوم السنة تغطيات صحفية ولا مناقشات فكرية لاتقوم على معايير منضبطة.   وليت الأستاذ يحي يضع نصب عينيه أن اللغط على السنة النبوية أشنع عند الله من رفع الصوت بحضرة رسول الله، ورفع الصوت بحضرة رسول الله من الأسباب المخوفة لحبوط العمل، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) [الحجرات:2]   فإذا كان هذا في رفع الصوت بحضرة رسول الله، فكيف بالتجني على سنته؟!   وأما معنى الحديث فهو ظاهر وليس بمنكر، فالنبي ليس يشبه المرأة بالشيطان، وإنما يشبه فتنة المرأة بفتنة الشيطان من جهة قوتها وتأثيرها، فهو ليس تشبيهاً للكائن بالكائن، بل تشبيه لشدة فتنة الأول بشدة فتنة الثاني. وهذا نظير قول النبي في الحديث الصحيح (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) فهو ليس تشبيه لله بالقمر، بمعنى أنه ليس تشبيه للمرئي بالمرئي، بل تشبيه للرؤية بالرؤية. وقد ذكر ابن القيم فوائد هذا الحديث في كتابه الشهير الجواب الكافي.   أسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، ويرزقنا جميعاً الخشية من القول على الله بغير علم

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

27 مارس 2010

ليس حباً في الحرم .. ولكن بغضاً في الأحمد !

تعليق واحد

 

قهقهت حد الثمالة وأنا أرى هذه الغيرة الليبرالية المفاجئة على ذرات الحرم الشريف!   في رواياتهم يستهترون بالذات الإلهية ويجعلون الله والشيطان وجهان لعملة واحدة، ويصفون النبي بالتوحش، ويصفون أبابكر بأنه أول تكفيري في الإسلام.. ثم فجأة وبلامقدمات هبت عليهم رياح التقوى والورع إزاء عبارة يقولون إن فيها إهانة للمقدس! يا ألله! انظر من يتكلم عن المقدس!

جاء الأحمد وقال (يهدم المسجد، ويعاد بناؤه) فأخذو الجزء الأول، وتركو الجزء الثاني!   لم؟ لأن الأمر كله لاصلة له بالمسجد الحرام أصلاً، وإنما القضية بحث عن فريسة جديدة من الدعاة! فهذا ديدنهم منذ اللحيدان وفتوى معاقبة ملاك الفضائيات، الشثري وفتوى اختلاط كاوست، المنجد وفتوى الجمارك، البراك وفتوى الاختلاط القطعي .. ثم الآن جاء دور الأحمد وفتوى توسعة المسجد! والله أعلم من تكون الضحية القادمة في مسلسل إرهاب المفتين..

منذ أيام الملك سعود والدولة بشكل دوري تهدم من أجزاء المسجد الحرام وبقية المشاعر، ثم تعيد بناءها بطريقة أخرى .. فلماذا لم يقولوا للدولة: لماذا تهدمون وتوسعون؟!   بل قبل فترة .. أسقطت بعض المنارات نفسها في وقت توسعة المسعى, بل وهدم جدار المسعى من أجل توسعته، فماذا صنع الليبراليون؟ تهجموا على العلماء الذين أفتوا بمنع التوسعة الأفقية للمسعى! وقالوا أنهم ضد التطور ويتمسكون بالماضي! وحين جاء الأحمد وأفتى بزيادة التوسعة قالوا إنه ضد عمل السلف منذ قرون! يا ألله .. تلونات تفجِّر الصداع!   أحد رؤوس الليبراليين في جريدة الجزيرة يقول “إن هذه الفتوى تتضمن الإساء لعلماء السلف بأنهم عجزوا عن حل هذه المشكلة منذ خمسة عشر قرناً” تصدق وأنا أقرأها قلت في نفسي أجزم أنه يعرف أن القراء عارفين أنه “كاذب” .. آخر من يتكلم عن تعظيم السلف هذا الكاتب الذي كل مقالاته أصلاً في لمز الالتزام بفقه السلف! يعني الحين تذكرت السلف؟!

يقولون: الأحمد لم يسبقه أحد بانتقاد “مشكلة احتكاك النساء بالرجال وتراصهم في الطواف” حأ وهذه من أبرد الطرف! ففي صحيح البخاري أنه في عصر كبار التابعين كان الأمير ابراهيم بن هشام المخزومي (وهو أمير مكة زمن الخليفة هشام بن عبد الملك بن مروان) قام هذا الأمير بمنع النساء مع الرجال في الطواف في زمن واحد، وخالفه عطاء بن أبي رباح ورأى أن يطوفون في زمن واحد بدون اختلاط (صحيح البخاري 1618).   وفي تاريخ مكة للمؤرخ الشهير أبو عبد الله محمد بن إسحاق الفاكهي (ت 272هـ) باب مستقل اسمه (ذكر أول من فرق بين الرجال والنساء في الطواف) وساق فيه الفاكهي معلومات تاريخية ثمينة ومنها قوله: (ذكر أول من فرق بين الرجال والنساء في الطواف: ويقال عن سفيان بن عيينة “أول من فرق بين الرجال والنساء في الطواف خالد بن عبد الله القسري”. وقال عطاء “بلغني أن النبي أمر أم سلمة رضي الله عنها أن تطوف راكبة في خدرها من وراء المصلين”. وقال النخعي “نهى عمر رضي الله عنه أن يطوف الرجال مع النساء، قال: فرأى رجلا معهن فضربه بالدرة”) [أخبار مكة للفاكهي، 1/251].

وكانت عائشة -رضي الله عنها- تنهى النساء عن مزاحمة الرجال في الطواف، ومن ذلك مارواه الشافعي بسنده عن عائشة أنه دخلت عليها مولاة لها فقالت لها: يا أم المؤمنين طفت بالبيت سبعاً واستلمت الركن مرتين أو ثلاثاً. فقالت لها عائشة: (لا آجرك الله خيراً، لا آجرك الله خيرا، تدافعين الرجال؟!) [الأم، للشافعي].

ولازال فقهاء المذاهب الأربعة ينتقدون احتكاك النساء بالرجال وتراصهم في الطواف، وإنما يجيزون الأمر إذا كان الطواف خفيفاً ليس فيه تلاحم بين الجنسين.   فمن انتقادات المالكية: (فرع: نقل في المسائل الملقوطة عن والده أنه يكره الطواف مع الاختلاط بالنساء) [مواهب الجليل، للحطاب، 4/154 ].

ومن انتقادات الشافعية: (وفي منسك ابن جماعة الكبير: ومن أكبر المنكرات ما يفعله جهلة العوام في الطواف من مزاحمة الرجال بأزواجهم) [فتاوى الهيتمي].   وأما من المعاصرين فيقول الإمام ابن باز في شرحه لأحكام الحج: (فلا يجوز للنساء مزاحمة الرجال، بل يطفن من ورائهم) [التحقيق والإيضاح، لابن باز]   وليس المقام مقام استقصاء، وإنما المراد التمثيل، واسأل أي عامي في مجتمعنا عن هذه المسألة، وسيقول لك: (والله حنّا دايم نسمع المشايخ في “نور على الدرب” ينصحون الحريم أنهن مايزاحمن الرجاجيل في الطواف) .   فبالله عليكم أي شئ جديدٍ أتى به الأحمد؟!

هم يزعمون أنهم أنصار المرأة، حسناً .. أليس من حق المرأة أن تتمتع بطواف هادئ مريح تدعوا الله فيه كما تحب، بالله عليكم هل تخشع المرأة في طوافها وهي مشغولة بكدمة من هنا، ودفعة من هنا، وخشب.. خشب.. خشب.. !   وكان الإمام ابن عثيمين –رحمه الله- يتألم من ذلك ويقول في شرحه على كتاب الحج من صحيح البخاري:  (وعلى المرأة أيضاً أن تنتبه لأولئك الفجار الذين يتصيدون النساء في المطاف -والعياذ بالله-وتجد الرجل يلتصق بها من أول الطواف إلى آخر الطواف -نسأل الله العافية- وكم ضُبط من قضية ؟)   وشرح الشيخ ابن عثيمين رحمه الله صورة مؤلمة أخرى فقال: (في عصرنا الحاضر النساء يختلطن اختلاطاً مشيناً مع الرجال في الطواف والسعي والرمي، ويلحقهن من المشقة ما يلحقهن، حتى إن المرأة لتنفلت عليها عباءتها وتبقى بالثياب فقط ، وحتى إن بعض النساء إذا رأى هذا الزحام الشديد يُغمى عليهن قبل أن يدخلن الزحام)   بالله عليكم هل تسركم هذه الحالات المشينة المحرجة للمرأة؟!   بالله عليكم ألم تفكروا في مصلحة عجوز دهستها أقدام الرجال! وكانت تتمنى مطافاً خاص لهن؟!   بالله عليكم ألم تفكروا في فتاة منقّبة تتمنى أن تكشف وجهها في الحرم حتى تقرأ القرآن براحة لكنها لاتستطيع وحولها الرجال، فكيف لو وفرنا لها في الحرم أدواراً خاصة؟   بلد يسبح فوق بحر من النفط يعجز أن يوفر للنساء والعجائز، وذوي الاحتياجات الخاصة؛ أدواراً خاصة تليق باحتياجاتهم توفر لهم وسائل الراحة في عبادتهم!.

في هذا الهياج الصحفي تحالف الفريقان كالعادة، فريق الليبراليين المنافقين (وجه نفاقهم أنهم يعلنون في مقالاتهم العلنية الالتزام بضوابط الشريعة، وفي مجالسهم الخاصة ينفون ذلك) و”مدرسة المذبذبين” الذين قال الله عنهم (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ) [النساء:143].

 وثمة لون آخر من الناس يحلو له في مثل هذه الأحداث أن يقول: لماذا الاصطفاف؟! ولماذا تكتبون بنظام الفزعة؟! ولماذا نعمل بمنطق هل أنت مع هذا أم مع هذا؟! الخ هذه الشعارات. وهذا يذم الإسلاميين بما هو من ممادحهم أصلاً، فالاصطفاف مع الدعاة والمصلحين والدفاع عنهم ضد مظالم الصحافة الليبرالية هذا مطلب شرعي أصلاً، وهذا هو مقتضى الولاء القرآني، فقد مدح الله المؤمنين بنصرة بعضهم لبعض، وبولاء بعضهم لبعض، كما قال تعالى (وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [الأنفال:72] وقال تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [التوبة:71]   فالله يأمرنا أن نوالي المؤمنين بعامة، ونوالي المصلحين ولاء خاصاً، فولاية المصلحين من العلماء والدعاة فيها قدر زائد على ولاية عامة المؤمنين.   المراد أن الله يأمرنا أن ننصر المصحلين ونصطف معهم، وهذا يقول لم الاصطفاف؟! فأي دعوة لخذلان الدعاة أكثر من هذه الدعوة؟!.

وأطرف من ذلك قوله “لماذا تكتبون بنظام الفزعة؟!” .. ياسبحان الله .. كانت “الفزعة” من شيم الرجال التي يتمدح بها المؤمنون وأهل الإسلام، وصارت اليوم مذمة! بل ياليت فينا فزعة ونخوة حقيقية لأهل العلم والدعوة، لكانت الأمور بخير، بل إن جوهر المشكلة هي ذبول الفزعة والمروءة فينا! .. ياسقى الله أياماً كنا نتباكى فيها على نخوة المعتصم.. وصرنا اليوم نضحك عليها!.

وثمة بعض الأخيار يقول “نحن لانخالف الشيخ الأحمد في وجوب إيجاد حلول لمشكلة دهس النساء في المطاف، لكن كان عليه أن ينتقي العبارات” .. والحقيقة أن من تأمل عبارات الضحايا السابقين (اللحيدان، الشثري، المنجد، البراك، الخ) لعلم أن الموضوع لاصلة له بالعبارات من قريب ولامن بعيد، القضية تنسيق مشترك لتشويه العلماء والدعاة بطريقة واحد ورا الثاني..   على أية حال .. لم أكن أنوي والله أن أكتب حرفاً في هذه القضية، لكن حين رأيتهم تكالبوا على الشيخ الأحمد، شعرت بقلة الوفاء وانعدام المروءة بأن نصمت وأضراس المنافقين تفترس أخانا! فاللهم اجعلني جندياً خلف كل محتسب في سبيلك.

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

22 مارس 2010

Older Entries