مايجري الآن في الصحافة السعودية لايبتعد كثيراً عن مداعبة أعواد الثقاب بجانب خزانات الوقود.. رمي أعقاب السجائر الليبرالية في وجه عقائد الشباب المسلم المتدين، هذه حالة خرجت عن السجال الفكري إلى المجازفة الأمنية ..   الشيخ عبدالرحمن البراك اليوم هو أهم رمز شرعي في نفوس الشباب المسلم المتدين.. وله من المكانة الأثيرة في قلوبهم ما لايخطر ببال .. ومع ذلك يتجرأ سفهاء الصحافة الليبرالية للاستهتار بهذا الشيخ الإمام .. فأحد الصحفيين يقول يجب أن يذهب إلى دار العجزة .. وآخر يتهمه بأنه مخرّف .. وآخر يقول بأنه مريض.. وآخر يلمزه بأنه كاهن.. وآخر يقول بأنه تكفيري.. الخ سلسلة السباب والإسفاف الليبرالي التي صار يستفز بها الشباب المسلم المتدين في ظرف أيام محدودة.. أيا   إهانة العلماء الذين يلتف حولهم الشباب المسلم، وبهذا الشكل المكثف؛ ثم توقع أن هؤلاء الشباب سيأخذون الأمور بكل هدوء؛ هذه قلة وعي كارثية بمشاعر الشاب المتدين .. حين تأتي لشخص يضع والده بين عينيه .. ثم تتهجم على والده بأقذع العبارات التي يجيش بها حقدك عليه، وتتوقع أن الابن سيأخذ الأمور بهدوء، فأنت جاهل بحريق العواطف وأين يمكن أن يذهب.. 

إن أخطر وصف أطلقه الصحفيون على الشيخ البراك هو وصفه بأنه “تكفيري” . أتعرف لماذا؟ لأن هذا الوصف يمثل خدمة مجانية لمجموعة الغلاة (وهم فريق محدود جداً وليس ظاهرة) حيث يعطيهم شرعية اجتماعية لم يحلموا بها..   كان وصف الغلو في التكفير وصف يتحاشاه الشاب الذي وقع في حبائل الغلو، لكن بعد سفاهات الليبرالية هذه فقدَ هذا الوصف تشوهه الاجتماعي لأن الناس صاروا يسمعون الصحافة تطلق على الربانيين من أهل العلم وصف التكفيري! فمالفرق إذن؟!  

فتوى البراك تتابعت بيانات المشايخ الآن في تأييد مضمونها الشرعي، ومع ذلك لايزال سفهاء الصحافة الليبرالية يطلقون عليها وصف “التكفير والعنف” ! ولايعلم هؤلاء كيف يقضون على الوهج السلبي لمفهوم “التكفير والعنف” ويحولونه عبر استهلاكه بهذه الطريقة من “جريمة اجتماعية” إلى “سباب فكري ممضوغ” .. إنه بكل بساطة استنزاف غير واعي لمفاهيم يجب أن يبقى لها وهجها الذي يدفع النفوس لتحاشيها.. ولكن أين الوعي في مجموعة تحولت من شقق البلوت إلى الأعمدة الصحفية..   وضع البراك وجمهور المشايخ الذين أصدروا البيانات الآن في تأييده؛ وضع هؤلاء كلهم في استراحة “التكفير والعنف” هذا يعني خلطهم العمدي بفريق الغلاة وكسر الحواجز بينهم بما يؤدي لفتح قنوات توفير الكوادر الجديدة لفريق الغلاة .. وبالتالي تزويد الأوكسجين للخلايا النائمة..   أنا أدرك أن حدود الممكن في الصحافة السعودية لم يعد تتحكم به إرادة واحدة كما كنا طوال تاريخ السعودية، بل صارت حدود الصحافة الليبرالية منطقة صراع توازنات داخلية، لكن مع ذلك يجب الوعي أن الصحافة السعودية الآن تعابث ولاعتها بين ترسانات العواطف، وحين ينفلت الزمام فلن ينفع بتاتاً أن تقول لرجل المرور (أوه .. عفواً لم أتنبه إلى أن السرعة تجاوزت 120كلم) ..

 يؤلمني أن أرى أصحاب (مدرسة المذبذبين) يشاركون سفهاء الصحافة الليبرالية في التهجم على الإمام عبدالرحمن البراك -بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- ويتحدثون عن مخاطر فتوى بافتراضات متكلفة بعيدة، ولايرون مخاطر (إهانة العلماء) وأثرها الخطير في نفوس الشباب المسلم وعمق ولائه!   فتوى واحدة من البراك تستل من سياق فتاواه ويتم إخضاعها لتخيلات سينمائية لا أول لها ولا  آخر ينهونها دوماً بنهايات تراجيدية، ولايتفطنون إلى الغضب العارم الذي يغلي في نفوس الشباب الآن تجاه دهس كرامة رموزهم الشرعية! 

مدرسة المذبذبين هذه وقفت صفاً واحداً ضد إهانة السيستاني، ولكن بالمقابل وقفت صفاً واحداً مع إهانة الإمام عبدالرحمن البراك! لقد كانت أحد الجريرتين كافية، فكيف وقد جمعوهما، فإنا لله وإنا إليه راجعون!   وهاهنا دعوتان، الدعوة الأولى دعوة لمدرسة المذبذبين أن يصلحوا نظاراتهم العوراء، وأن يبصروا الغضب الشبابي المتوقد من إهانة العلماء بنفس الدقة التخيلية التي ينسجون بها أفلام الرعب حول فتوى البراك المنتزعة من سياق فتاوى الشيخ.

ودعوة أخرى لعقلاء المسؤولين أن يستدركوا الأمور عاجلاً، ويحفظوا لأهل العلم هيبتهم، ويكفوا السفهاء عن رمي العلماء بالعبارات السوقية، وأن يستوعبوا أن خلط العلماء الربانيين بفريق الغلاة هو إسباغ للشرعية عليهم، فالغلاة يحاولون دوماً أن يجعلوا أنفسهم امتداداً لمنهج أهل السنة، ولكن العلماء الربانيون يوضحون دوماً انحراف هذه الفئة المحدودة، فجاء سفهاء الليبراليين وحققوا المطلوب بكل سهولة، وهدموا كل مابناه أهل العلم في مقاومة شرعية الغلو التكفيري..  

 

 

أبو عمر

ربيع الأول 1431هـ

8 مارس 2010

Advertisements