مدخل:

في الأيام القليلة الماضية تتابعت الأحداث التالية: تم فرض نموذج الاختلاط بين الجنسين في جامعة كاوست، ثم تم التشويه الإعلامي والإقالة الوظيفية للشيخ الشثري لفتواه بتحريم الاختلاط، ثم قام الاعلام الرسمي باستيراد مكثف وغريب لفتاوى من كل مكان لاقناع عامة الناس بمشروعية الاختلاط بين الجنسين، ثم تم التشويه الإعلامي للشيخ البراك لفتواه بأن الاختلاط المحرم يتضمن محرمات قطعية، ثم الآن يعرض على مجلس الشورى مسودة نظام التحرش والذي تضمن في المادة الثالثة منه: (توفير بيئة عمل يحاط فيها الاختلاط بين الجنسين بالضوابط الشرعية) [مشروع نظام مكافحة التحرش الجنسي/ م3].

 

هذا المشهد يعني أن الأمور ليست مصادفةً، بل واضحٌ أن هناك بعض المسؤولين الليبراليين يطبخون مشروعاً لغرس (الاختلاط بين الجنسين) في المجتمع السعودي بأسرع وقت ممكن، وكأن مهندسي المشروع يرون أنه يجب الاستعجال في الأمر قبل أن تضيع فرصة ما يخشون من فواتها.

 

على أية حال، تأملت في كلام المتصدرين لشرعنة الاختلاط، سواءً كانوا من المتفقهة أو من المنتسبين للثقافة، ونظرت في الحجج التي يدلون بها ورأيتهم يدورون حول محورين، هما (اختلاط المطاف والطريق) و (رقي الاختلاط الأكاديمي الغربي).

 

ففي المحور الأول يقيسون اختلاط التعليم والعمل على اختلاط المطاف والطريق في عصر النبوة، ويقولون: كيف يحرم علماء ودعاة أهل السنة الاختلاط في التعليم والعمل برغم أن الصحابة يختلطون في المطاف والطريق، هذه قضية لاتخلو منها مقالة من مقالات الاختلاطيين.

 

وفي المحور الثاني يقولون: أن فقهاء ودعاة أهل السنة لديهم أوهام وخرافات حول الاختلاط الأكاديمي الغربي، فهم يظنون العلماء والمفكرين والباحثين الغربيين بهائم تتقافز على بعضها في المعامل والمختبرات ومراكز البحوث، ولم يعلم هؤلاء الفقهاء والدعاة أن البيئة الأكاديمية الغربية بيئة منسوجة بتقاليد البحث العلمي وسياسات دقيقة وواضحة لمنع التحرش، وعلاقة البروفيسور بالطالبة في المجتمع الأكاديمي الغربي علاقة بحثية محترمة، وفيها انضباط أخلاقي لايعرفه كثير من (هؤلاء المطاوعة البسطاء)، وجهل الاسلاميين بالانضباط الأخلاقي الأكاديمي هو من أهم أسباب ممانعتهم للاختلاط بين الجنسين في مجتمعنا، وكل مايقوله الإسلاميون عن مخاطر الاختلاط الأكاديمي هو مجرد خرافات وكوابيس يرعبون بها الناس.

 

على أية حال هاتان إشكاليتان جوهريتان صار يطرحهما الخطاب الليبرالي بكثافة، أولهما: الاحتجاج بقياس اختلاط التعليم والعمل على اختلاط المطاف والطريق، وثانيهما الاحتجاج بأن الاسلاميين يهولون نتائج الاختلاط الأكاديمي الغربي.

 

وسنستعرض سوياً في هذه الرسالة الموجزة مناقشة لهاتين الإشكاليتين (اختلاط المطاف والطريق) و (الاختلاط الأكاديمي الغربي):

 

-أولاً: القياس على اختلاط المطاف والطريق:

هؤلاء الكتبة رأو النبي –صلى الله عليه وسلم- أذن في اختلاط الرجال والنساء في المطاف والطريق ولم ينكر ذلك، وهو اختلاط في زمن يسير عارض، فجاء هؤلاء وقاسوا على ذلك مشروعية الاختلاط في التعليم والعمل، وهو اختلاط مكث في زمن يطول، وأهدروا اعتبار الفارق بين الزمن اليسير والزمن الكثير بين الاختلاطين.

 

حسناً.. إلى أين سيقودنا هذا القياس؟ وماهي النتائج المترتبة على هذا القياس لو أخذنا به؟ أو بلغة “أصولية” ماهي لوازم هذا القياس لو طردناه؟

 

الحقيقة أنه لايمكن أن نستكشف علمية هذا القياس إلا بتطبيقه على مسائل مماثلة، إذن لنحاول أن نستعمل هذا القياس الذي استعملوه ونطبقه على مسائل شرعية أخرى لنتبين الدقة الأصولية في قياس الاختلاطيين.

 

من المعلوم أن الشارع أباح النظر اليسير إلى المخطوبة والجلوس معها زمناً يسيراً بلاخلوة، كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم- للمغيرة بن شعبة (انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) [الترمذي 1987] ، وبناء على قياس الاختلاطيين فإنه مادام الجلوس معها زمناً يسيراً جائز، فلامانع من أن يجلس معها أياماً وليالي، وينامون في غرفة واحدة بلا خلوة قياساً على ماسبق، لأنه لافرق عند الاختلاطيين بين الزمن اليسير والكثير في الأحكام.

 

فمن قاس اختلاط المكث على الاختلاط العارض؛ فهو كمن قاس النوم مع المخطوبة بلا خلوة على الجلوس اليسير مع المخطوبة بلا خلوة!

 

خذ مثالاً آخر، فمن المعلوم أن المرأة تحتجب في الصلاة، فإذا انكشف منها شئ في زمن يسير ثم سترته فإنها لاتبطل صلاتها للعفو عن الزمن اليسير [المغني لابن قدامة 1/350]، فبناءً  على قياس الاختلاطيين فإنه مادام يجوز لها انكشاف عورتها في الصلاة بزمن يسير فلامانع إذن أن تنكشف طوال الصلاة قياساً على ذلك، لأنه لافرق بين الزمن اليسير والكثير في الأحكام عند الاختلاطيين!

 

وهذا ليس خاصاً بأحكام المرأة، بل في كل أبواب فقه الشريعة تجد الشارع إذا رخص في الزمن اليسير لم يسامح في الزمن الكثير، ولم يجز قياسُه عليه، ولنضرب على ذلك أمثلة ونظائر أخرى من أبواب متفرقة من فقه الشريعة ليستيقن الباحث بمضمون هذا الأصل الشرعي:

 

فمثلاً، الله تعالى أجاز للجنب اللبث زمناً يسيراً في المسجد كما قال تعالى (وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء:43]، فأجازه على وجه عبور السبيل لأنه زمن يسير، فبناءً على قياس الاختلاطيين فإنه مادام لبث الجنب زمناً يسيراً في المسجد يجوز، فكذلك يجوز أن يعتكف هذا الجنب ليلةً في المسجد –أيضاً- قياساً على ما أجازته الآية من اللبث زمناً يسيراً، فهل هذا قياس مقبول؟!

 

فمن قاس اختلاط المكث على الاختلاط العارض؛ فهو كمن قاس اعتكاف الجنب على لبث الجنب في المسجد، فكلاهما مهدرٌ اعتبار تفريق الشارع بين الزمن اليسير والكثير في الأحكام.

 

وكذلك -أيضاً- جعل الشارع الغفوة اليسيرة لا تنقض الوضوء لحديث أنس (كان أصحاب رسول الله ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون) [مسلم 859] لأنه زمن يسير، فهل نقول إن النوم زمناً طويلاً لاينقض الوضوء –أيضاًً- قياساً عليه، ونهدر اعتبار الفارق الشرعي بين الزمن اليسير والكثير في الأحكام؟!

 

وكذلك -أيضاً- مسائل (الموالاة الزمنية) في الأحكام، مثل (الموالاة في غسل أعضاء الوضوء، والموالاة بين كلمات الأذان، والموالاة بين أشواط الطواف، الخ) وهي كثيرة منبثة في أبواب الفقه،  فالفقهاء عامةً يعتبرون الانقطاع زمناً يسيراً لايقدح في الموالاة.

 

فبناءً على قياس الاختلاطيين فإنه إذا جاز أن تنقطع الموالاة –مثلاً- في غسل أعضاء الوضوء بزمن يسير فلا مانع إذن أن تنقطع بزمن طويل، فيتمضمض المتوضئ اليوم ويستنشق الأسبوع القادم ويعتبر وضوءاً واحداً! لأنه لااعتبار عندهم في الفرق بين الزمن اليسير والكثير.

 

وكذلك –أيضاً- جواز خروج المعتكف للجنازة لأنه زمن يسير بخلاف الزمن الطويل [المجموع للنووي، 6/536]

وكذلك –أيضاً- نقص الحول ساعة أو ساعتين لايمنع الزكاة لأنه زمن يسير، بخلاف الزمن الطويل. [المغني، 2/317]

 

حسناً .. الأمثلة كثيرة، لكن تبين من الصور السابقة  موضع الإشكال الأصولي في كلام هؤلاء الاختلاطيين. فالانحراف الأصولي عندهم أنهم قاسو “الزمن الكثير على الزمن اليسير”، فصار مؤدى كلامهم أن طول الزمن وقصره لا أثر له على الأحكام، فلم يفهموا اعتبار الزمن في فقه الفروع، وتوهموا أن الحكم الشرعي إذا ثبت للزمن اليسير ثبت للزمن الطويل، ولذلك جاؤوا بهذا القياس الفاسد الاعتبار، وصار مقتضى قياسهم الفاسد أن كل ماعفت الشريعة فيه عن اليسير يعفى فيه عن الكثير!

 

وقد نبه الفقهاء الكبار رحمهم الله في مسائل (اليسير والكثير) على عدم جواز قياس الكثير على ثبوت الرخصة في اليسير كما يقول ابن قدامة مثلاً (ولايصح قياس الكثير على اليسير)[المغني 1/393]

كما بين رحمه الله أثر كثرة اليسير على الحكم في مسألة مماثلة فقال (الأفعال المعفو عن يسيرها إذا كثرت أبطلت) [المغني 1/399]

 

وترخيص الشارع في الزمن اليسير ليس مختصاً بمسألة (الاختلاط بين الجنسين)، بل له نظائر شرعية كثيرة كما سبق، ومن ذلك –أيضاً- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- لما نهى عن (تأخير الوصية ليلة أو ليلتين) قال العلامة العراقي (فيه الإشارة إلى اغتفار الزمن اليسير) [طرح التثريب، 6/191].

 

والمراد من هذه النماذج السابقة كلها توضيح الخلل في قياس الاختلاطيين، وأنهم لما رأو النبي ترك الناس في الطواف والطريق يختلطون لأنه زمان يسير عابر ظنوا أنه يجوز إذن أن يجلسوا مع بعضهم مختلطين في مكتب واحد أو مقاعد دراسية واحدة طوال النهار ولمدة سنوات مع شدة الافضاء إلى الفتنة ! فهل يقول هذا رجل شم بأنفه كتب فقه الشريعة أو جالس أهل العلم الربانيين؟!

 

فثبوت الرخصة في شئ يسير لايجوز أن يقاس عليه الشئ الكثير، كما نبه ابن قدامة في موضع مماثل فقال: (الغرر اليسير إذا احتمل في العقد, لا يلزم منه احتمال الكثير) [المغني 4/156]

ومن المهم هاهنا التنبيه إلى أن (الزمن) طولاً وقصراً ليس هو العلة التامة في الاختلاط، بل هو قرينة من القرائن والأوصاف المؤثرة، وإنما المناط التام في الاختلاط وهو المناط الذي لاينخرم فهو (قوة الإفضاء إلى الفتنة) وليس الزمن إلا وصف أغلبي من الأوصاف المؤثرة في قوة الإفضاء إلى الفتنة، فكلما اشتد إفضاء الاختلاط إلى الفتنة حرم، وكلما ضعف إفضاء الاختلاط إلى الفتنة شرع. ومن تدبر فتاوى العلماء الربانيين من السلف ومن بعدهم رأى أنها كلها تدور حول شدة الإفضاء إلى الفتنة، ومن ذلك فتوى عائشة رضي الله عنها حين قالت: (لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن) [البخاري، 869].

فعائشة هاهنا تتحدث عن أمر كان مشروعاً، لكنها لما رأت أن الفتنة اشتدت، أشارت إلى أن ذلك يؤول إلى التحريم، وأن هذا هو الذي فقهته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

-ثانياً: هل فرق النبي فعلاً بين الاختلاط العارض واختلاط المكث؟

اتضح من خلال التطبيقات السابقة أن قياس الاختلاطيين قياس فاسد لأنه أهدر مراعاة الفارق بين الزمن اليسير والكثير، لنسأل الآن سؤالاً كان يجب أن يطرح قبل ذلك، وهو: وهل فرّق النبي فعلاً في صور الاختلاط بين الاختلاط العابر في زمن يسير، واختلاط المكث الذي يأخذ زمناً كثيراً؟

 

الحقيقة أننا حين نتدبر صور الاختلاط في عهد النبوة التي من جنس واحد يتبين لنا فعلاً كيف ميّز النبي في أحكامها طبقاً لعامل الزمن، أو بشكل أدق طبقاً لقوة الإفضاء إلى الفتنة، وسنعرض بعض النماذج لذلك.

 

قارن مثلاً بين (الصلاة والطواف) ففي الطواف لأنه يأخذ زمناً يسيراً عابراً رخص لهم النبي في الطواف في وقت واحد مع كون النساء حجرة، أو من وراء الرجال، أو متنكرات في الليل فإذا دخلن البيت قمن حتى يدخلن وأخرج الرجال، وهذه الصور كلها دل عليها حديثي عائشة وأم سلمة في صحيح البخاري في (باب طواف النساء مع الرجال) [البخاري، 1618،1619].

 

ولكن في (الصلاة) لأنها تأخذ زمناً دورياً متكرراً، وليست أمراً عابراً، فإن النبي لم يرخص لهم في الاختلاط، بل وضع للرجال مصلى، وللنساء مصلى مستقل عنهم، وكان ينتظر هو وأصحابه حتى ينصرف النساء، كما في صحيح البخاري (عن أم سلمة قالت: كان رسول الله إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيرا قبل أن يقوم. قال ابن شهاب: نرى -والله أعلم- أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال) [البخاري، 870]

ولم يكتف بذلك، بل جعل “شر صفوف النساء أولها” لأنها أقرب إلى الرجال، برغم أن المصليات مستقلة!

 

فمن تأمل تصرف النبي –صلى الله عليه وسلم- في التفريق والتمييز بين (اختلاط المطاف واختلاط المصلى) وكيف تسامح في أحدهما وتحفظ في الآخر، علم علماً قطعياً لاينفك عنه أن النبي قاصد إلى التمييز بين هذه الصور، وعدم وضعها موضعاً واحداً. وبالتالي فالاختلاط الذي يأخذ زمناً دورياً متكرراً لايجوز أن يقاس على الاختلاط العابر الذي يأخذ زمناً يسيراً عارضاً.

 

حسناً ، لنتأمل -أيضاً- صوراً أخرى من صور الاختلاط التي ميز النبي بينها، ودعنا يا أخي الكريم نقارن بين (الفتيا ومجلس العلم)، ففي الفتيا، لأنها مسألة واحدة في زمن يسير عابر، كانت المرأة تأتي وتسأل النبي حتى لو كان حوله رجال، لأنه اختلاط عارض في زمن يسير عابر، ومن ذلك أن تميمة بنت وهب امرأة رفاعة القرظي جاءت تستفتي النبي في أمر طلاقها وفي المجلس أصحاب النبي كأبي بكر وخالد بن سعيد بن العاص، حتى كان خالد بن سعيد بن العاص متضايقاً من صراحتها في سؤالها، والقصة بتفصيلها في الصحيحين [البخاري 5265، مسلم 3600].

 

ولكن في مجلس العلم بسبب أنه اختلاط مكث ومجالسة ويأخذ زمناً يحصل به رفع الكلفة وإلف كل من الطرفين للآخر، فإن النبي لم يأذن للنساء أن يختلطن بالرجال، بل فصل بينهم، ووضع لكل منهم مجلساً مستقلاً، كما في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيح قال (قالت النساء للنبي: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك. فوعدهن يوماً لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن) [البخاري، 101].

 

فقول النساء للنبي -صلى الله عليه وسلم- “غلبنا عليك الرجال” دليل ظاهر في كون النبي لم يرخص للنساء أن يأتين ويختلطن بالرجال في مجالس العلم التي يعقدها النبي لأصحابه، وقوله “فوعدهن يوماً” دليل آخر على تخصيص النبي لهن مجلس علم مستقلاً عن الرجال.

 

فإذا تأمل الباحث الصادق تفريق النبي بين (اختلاط الفتيا، واختلاط مجلس العلم) وكيف تسامح في أحدهما ولم يتسامح في الآخر، علم علماً قطعياً أن النبي لم يجعل الاختلاط العارض كاختلاط المكث والمجالسة.

 

والمراد أن (الطواف والصلاة) شريعتان من جنس واحد، حتى قال ابن عباس كما في السنن (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام) ، ومع ذلك فإن النبي فرق في حكم الاختلاط بينهما. و (الفتيا ومجلس العلم) شريعتان من جنس واحد، فما مجلس العلم إلا مجموع فتاوى، ومع ذلك فرق النبي في أحكام الاختلاط بينهما.

 

وكذلك -أيضاً- إذا أراد الباحث التوسع في هذه المقارنات فليقارن تصرف النبي إزاء الشؤون الاجتماعية في المدينة، وليقارن –مثلاً- بين طرقات المدينة وأسواقها التي يكون مرور المرأة فيها عابراً، وكيف رخص النبي لهن في سلوكها، وبين الولائم والزفاف وكيف كان النساء في دار والرجال في دار أخرى.

 

فمن تأمل تمييز النبي في الاختلاط في هذه الصور استبان له مراد الشارع، وعدم وضع هذه الصور موضعاً واحداً، وبالتالي بطلان قياس الاختلاطيين في قياسهم اختلاط المكث على الاختلاط العارض، وإهدارهم مراعاة الزمن وقوة الإفضاء إلى الفتنة.

 

-ثالثاً: ما ضابط التفريق بين اليسير والكثير؟

بعض الاختلاطيين صار يعترض على تمييز أهل العلم بين الاختلاط العارض العابر الذي يكون في زمن يسير، وبين اختلاط المكث الذي يكون في زمن كثير أو دوري يتكرر، وصار يقول: لاضابط في التفريق بين اليسير والكثير إلا التحكم والنسبية الشديدة!

 

وهذا الاعتراض لايقوله غالباً إلا متفذلك يريد التشغيب على مسألة واحدة وهو يهدم أصلاً كاملاً! فالتفريق بين اليسير والكثير تحيله الشريعة غالباً إلى عرف الناس، كما قال الإمام ابن قدامة (والمرجع في اليسير والكثير إلى العرف) [المغني 1/351]

 

ولو أبطلنا التفريق بين اليسير والكثير لعدم تعيين الشارع مقداراً فارقاً لأبطلنا أحكاماً شرعية كثيرة بناها الشارع على ذلك، كما أجاز الشارع لبث الجنب زمناً يسيراً في المسجد فقال تعالى (وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء:43]، فهل نرد هذه الآية ونبطل دلالتها لأنه لاضابط حاسم في “عبور السبيل” إذ الناس يختلفون في زمن عبور السبيل؟!

 

وكذلك فإن الشارع فرق بين الغرر اليسير والكثير، وهذا أصل كبير داخل في كل عقد من عقود المعاوضات، ومع ذلك فإن الشارع لم يعين لنا حداً حاسماً في التفريق بين الغرر اليسير والكثير بل أحالنا إلى العرف، فهل يجوز أن نقول لاضابط حاسم في الفرق بين اليسير والكثير وبناءً على ذلك نبطل تفريق الشارع بين الغرر اليسير والكثير؟!

 

فمن يسقط التمييز بين الاختلاط العارض واختلاط المكث بحجة عدم وجود حد حاسم بين اليسير والكثير فقد يظن أنه سيلغي مسألة الاختلاط لكنه في الحقيقة هدم أصلاً شرعياً عظيماً، وهذا يذكرني بمن طعن في حجية السنة ليسقط حديث (ما أفلح قوم ولو أمرهم امرأة) ولم يعلم أنه بذلك أسقط -أيضاً- حديث (أنتم أعلم بأمر دنياكم) !

 

والمراد أن هذا “القياس الفاسد” إذا تأمله المرء فلابد أن يتذكر الأقيسة الفاسدة التي أشار إليها القرآن، وكيف تسببت في ضلال كثير من الناس، فمن ذلك قياس الربويين حين قاسو الربا على البيع وأنه لافرق بينهما كما حكى الله استنباطهم فقال (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) [البقرة: 275]، فالبيع والربا كلاهما مبادلة رضائية بين طرفين، وكما ينتفع أحدهما بالمال فإن الآخر ينتفع بالفائدة، فقد يتوهم بعض الناس أن هذا من العدل، وأن حرمان المقرِض من الفائدة لقاء تنازله عن المال للمقترض زمناً معيناً ظلماً، ومع ذلك فلم يقل الله هذا قياس اجتهادي له وجه فلا بأس به، بل أكذبهم الله سبحانه بنفسه وحذرهم بلغة مخيفة فقال سبحانه (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ) [البقرة: 275].

بل إن توهم العدل في الربا أظهر من توهم قياس اختلاط المكث -الذي يؤدي غالباً لنظر محرم وكلام محرم- على الاختلاط العابر الذي يكون في الطرقات والمطاف، بل كيف يكون قياس الربا الذي فيه معاوضة بين التنازل عن المال لقاء فائدة يسيرة، أشنع من قياس اختلاط المجالسة الذي يؤدي إلى الفجور والفواحش على اختلاط عابر عارض؟! فانظر كيف توعد الله الربويين في قياسهم، واعتبر هذا بقياس الاختلاطيين.

 

وكذلك –أيضاً- قياس اليهود الميتة على المذكاة “قياس أولى” فقالوا كما في سنن أبي داود وغيره (عن ابن عباس قال: خاصمت اليهود النبي -صلى الله عليه وسلم-  فقالوا: يا محمد، نأكل ما قتلنا، ولا نأكل ما قتل الله) [ابوداود، 2821].

فبالله عليك تأمل في قياس اليهود هذا، يقولون المذكاة قتلها المكلف، والميتة قتلها الله، فكيف يجوز ماقتلناه ولايجوز ماقتله الله؟! وهذا من جنس قياس الاختلاطيين الذين يأخذون وجه شبه واحد، ويدعون أوصافاً أخرى فارقة مؤثرة.

 

فلله كم نفع فقهَ الشريعة القياسُ الصحيح المزكى بنور الوحي، وكم ضلت أمم بسبب القياس الفاسد.

هذا مايتعلق بالإشكالية الأولى، وهي قياسهم اختلاط التعليم والعمل على اختلاط المطاف والطريق، لننتقل الآن إلى الإشكالية الثانية.

-رابعاً: تهويل نتائج الاختلاط الغربي:

سبقت الإشارة إلى أن الاختلاطيين في كتاباتهم يشيرون دوماً إلى أن البيئة الأكاديمية بيئة علمية راقية تسيطر عليها الغايات المعرفية والعلاقات الراقية، وليست بيئة للانحراف الجنسي، وأن فقهاء ودعاة أهل السنة يعانون من نقص تصور فادح للواقع الأكاديمي الغربي، ولايزالون يتوهمون أن الناس في الجامعات الغربية ينزو بعضهم على بعض ويتسافدون في الممرات، وهذا كله من خرافات العقلية السلفية، فالمجتمع الأكاديمي الغربي يحظى بتقاليد بحثية وانضباط أخلاقي عالي، وليست الأمور كما يتصورها علماء أهل السنة، وهذا الخلل لديهم هو أحد أهم الأسباب في كونهم يمانعون الاختلاط الأكاديمي، والإنسان عدو مايجهل.

 

هذه الصورة السابقة صورة يكررها كثيراً الاختلاطيون، فما مدى دقة هذه الصورة ياترى؟ وهل فعلاً أن البيئة الأكاديمية الغربية بيئة راقية لاتعاني من مشكلات العلاقات الجنسية غير المشروعة؟ وهل نجحت تشريعات منع التحرش في إنهاء المشكلة؟

 

لايمكن الإجابة على هذا السؤال إلا بالاطلاع على الدراسات العلمية الرصينة وتقارير السجلات القضائية ذات الصلة، فدعونا نحاول الاقتراب من هذه المعطيات لنرى مدى الدقة في هذه اللوحة المثالية التي يرسمها الاختلاطيون.

 

الحقيقة أنه من الصعوبات التي واجهتها في تفكيك هذه الصورة التي يحكيها الاختلاطيون أنني حين أسوق الأرقام والإحصائيات فإن القارئ أو المحاور الذي يناقش في هذه القضية يظل متشككاً حول المدى المقصود في هذه الاحصائيات والأرقام؟ فهمها نقلت للقارئ من نتائج الدراسات المسحية فإنه يظل يتساءل: إلى أي مدى تصل الأمور بالضبط؟ يعني ماذا يقصدون بكون طالبة معينة تعرضت لتحرش، أو كون طالبة معينة أقامت علاقة غير مشروعة مع دكتورها؟

 

ولذلك فإنني سأرجئ الأرقام والاحصائيات، وسأحاول أن أنقل صوراً حية من واقع السجلات القضائية والقرارات ذات الصلة، فالأرقام الإحصائية المجردة برغم كونها أداة كمية رئيسية في القياس والبرهنة، إلا أنها من وجهة نظري تظل أداة جافة وغير قادرة على نقل الواقع في حيويته ومداه الفعلي، وقد لمست ذلك بنفسي شخصياً، فمهما زودت القارئ بالاحصائيات فستظل الصورة معتمة نوعاً ما، ولذلك فضلت هاهنا أن أنتخب عينة من “الوقائع” التي عرضتها التقارير القانونية والدراسات المختصة، سواءً كانت حالات قضائية منظورة لدى المحاكم الغربية، أو كانت خبرات عملية قدمها الباحثون الغربيون أنفسهم، وبعد أن ننتهي من عرض نماذج من هذه “الوقائع” سأنتقل إلى عرض بعض الإحصائيات والمعالجات والقراءات التي قدمها المختصون في هذا الحقل.

 

وحين نستعرض الدراسات ذات الصلة نجدها تذكر وقائع مهولة من واقع العلاقات غير المشروعة في النطاقات المختلطة مثل (الشركة والفندق والشرطة والجيش والمستشفى والمحاكم ومصلحة السجون الخ) ولكني في هذه الورقة سأستبعد كل هذه المعلومات، وسأخصص الحديث حول (البيئة الأكاديمية والتعليمية) فقط، لأنني لاحظت أن الاختلاطيين يركزون دوماً على القول بأن البيئة الأكاديمية بيئة معرفية والعلاقة بين أفرادها علاقة علمية راقية تنشد الحقيقة ويستبعد جداً أن تنحدر إلى علاقات جنسية غير مشروعة، فلننظر الآن مامدى دقة هذا التوصيف للمجتمع الأكاديمي الغربي، فمن الوقائع مثلاً:

 

-من المعروف أن جامعة بيركلي (كاليفورنيا) توضع دوماً في قائمة الجامعات العريقة في الولايات المتحدة، وأما (كلية الحقوق) فيها فعميدها هو بروفيسور القانون “جون دوير”، وهو -أيضاً- أستاذ زائر في الجامعة الأولى بأمريكا وهي جامعة (هارفارد)، وله عدة كتب قانونية معروفة ككتابه عن (قانون الملكية) وكتبه الأخرى عن (قوانين البيئة)، بالإضافة إلى أبحاث متخصصة في الدوريات القانونية، وأحد الدعاوى المرفوعة في هذه الجامعة عام 2003م كانت دعوى من أحد طالبات كلية القانون ضد هذا العميد المرموق علمياً، وجاء في موجز القضية مايلي:

(ادعت الطالبة بأنها كانت خارجة من الحانة في المساء، وأن البروفيسور “دوير” عرض عليها أن يوصلها بسيارته إلى شقتها، فذهبت معه، ولما وصلت شقتها كانت مرهقة ونامت مباشرة، وأثناء الليل استيقظت فوجدت البروفيسور يعتدي على جسدها جنسياً في فراشها. وأما البروفيسور “دوير” فأقر بالجزء الأول من الدعوى، لكنه ادعى أمران، الأول: أن العلاقة الجنسية في شقة الطالبة كانت علاقة رضائية وأن الطالبة كانت مطاوِعة، والثاني: أن العلاقة لم تصل إلى مستوى الاتصال الجنسي الكامل).

وقد عرضت هذة القضية في كثير من الدراسات القانونية ذات الصلة، انظر على سبيل المثال:

R. Lee, Organization as a Gendered Entity, Colum. J. Gender & L., 2006, p.656

 

-وفي جامعة (أركانساس) كانت أحد القضايا التي نظرتها محكمة الاستئناف الأمريكية عام (2007م) ، وكانت أطراف القضية هي: الطالبة كوكس، والبروفيسور مارك كوري، وهو المشرف على برنامج الأدب المقارن في كلية الفنون والعلوم بجامعة أركانساس، وهو محرر الكتاب المتميز (السياسة في الأدب الألماني) وهو كتاب جيد يستكشف المضمون السياسي في الإنتاج الأدبي الألماني، وله بحث آخر مشهور عن تقاليد التغيير الصوتي في فن الإذاعة الألمانية، ودراسة أخرى عن الخيال الأدبي الألماني المعاصر وعلاقته ببعض المعطيات الثقافية الأمريكية، وبحوث أخرى في نفس الحقل.

وقد رفعت الطالبة كوكس دعوى قضائية تتصل بهذا البروفيسور مارك كوري، وتتلخص الوقائع كما جاء في موجز القضية كالتالي:

(ادعت الطالبة كوكس أن مرشدها الأكاديمي البروفيسور مارك كوري دعاها إلى منزله لإتمام بعض المتطلبات البحثية، وبعد العشاء بدأ البورفيسور كوري في مفاتحة جنسية، وقبّل الطالبة كوكس، ثم بدأ في تجريد ملابسها، واستلقى معها على فراشه، وطلب منها القيام بعلاقة جنسية ولكنها رفضت ذلك. ولاحقاً حاول البروفيسور كوري الاتصال بالطالبة كوكس حيث انتهى الأمر إلى لقاءين مؤلمين كما تقول المدعية، وحينما أبلغت الطالبة مسؤولين رسميين في الجامعة تم إخبارها –أيضاً- بأن البروفيسور سبق أن مارس هذا السلوك مع طالبات أخريات في الماضي. وفي نفس الفترة تقدم إلى المسؤولين في الجامعة والد إحدى الطالبات وادعى أن ابنته، وطالبات أخريات هن على الأقل أربع طالبات؛ تعرضن لتحرش جنسي من قبل البروفيسور مارك كوري. والدعوى الأصلية رفعتها الطالبة كوكس ضد إدارة الجامعة مدعية تساهلها في نشوء هذه العلاقات).

انظر تفصيل القضية: Cox v. Sugg, 484 F.3d 1062 (8th Cir. 2007)

 

-وفي كلية نيويورك للمعالجة بتقويم العظام (NYCOM) كانت أحد القضايا التي نظرتها المحكمة العليا الأمريكية عام (2000م)، وأطراف القضية هم: الطالبة “كراندل” وهي متدربة في الكلية المذكورة، والبروفيسور المشرف عليها وهو متخصص في “طب القلب”،  وتتلخص الوقائع كما جاء في موجز القضية كما يلي:

(أن الطالبة كراندل كانت في فترة التدريب بالكلية المذكورة، وبينما كانت في مكتب البروفيسور المشرف عليها خارج حرم الكلية لإتمام بعض متطلبات البرنامج، لاحظت الطالبة أن البروفيسور يحاول أن يضغط بعضوه الجنسي على يدها، وزارها مرةً في شقتها وحاول تقبيلها، وكانت الدعوى الأصلية مرفوعة ضد الكلية لمسؤوليتها عن نشوء هذه العلاقات، ولكن الكلية دفعت بأن هذه التصرفات وقعت خارج نطاق حرم الكلية).

انظر تفصيل القضية:

Crandell v. New York College of Osteopathic Medicine ., 87 F Supp. (2000)

 

-وفي كلية أوكلاهوما الشمالية، كانت أحد الدعاوى التي نظرتها محكمة الاستئناف الأمريكية عام 2006م، وأطراف القضية هم: الطالبة “كالي إسكيو” ، والبروفيسور “ريتشارد فينتون”، وهو عضو هيئة التدريس في الكلية. وتتلخص الوقائع كما جاء في موجز القضية كالتالي:

(ادعت الطالبة أنها سجلت في مادتين يدرسهما “فينتون”، وأنه بعد فترة أخذ يتصرف إزاءها ببعض التصرفات الجنسية حين كانت في مكتبه بالكلية، منها أن أخذ يدلّي نهديها، وكان يرمي تعليقات كثيرة حول حجم صدرها، ويحدق باتجاه ملابسها الداخلية ويتأوه، ولكنها اعترفت أنها قامت ببعض التصرفات رضائياً كاستلقائها على أرضية مكتبه. ثم اتصل والد الطالبة بالكلية وصار مهتماً بالأمر، وكانت الاجراءات تقتضي سرية القضية في هذه المرحلة، لكن تسرب خبر الدعوى لفنتون، فذهب تلك الليلة لغرفتها في الكلية لكنه لم يجدها لأنها ذهبت لبيت والديها بعد أن علمت أنه علم بخبر الدعوى، وطلبت الطالبة من بعض زملائها الشهادة لدى المحكمة، وذكر أحد الشهود أنه رأى الطالبة تُظهِر للبروفيسور وشماً في جسدها يتطلب أن ترفع بعض ملابسها، وقد اعترف “فنتون” ببعض الوقائع وأنكر بعضها الآخر. وادعي “فينتون” –أيضاً- أن كل اتصال حصل مع الطالبة كان رضائياً وبمطاوعتها. وأقرت إدارة الكلية أنها كانت على علم ببعض التحرشات التي وقعت من “فنتون” في سنوات سابقة ومنها مواعدة بعض الطالبات).

انظر تفصيل القضية:

Escue v. Northern Oklahoma College, 450 F.3d 1146, 1154 (10th Cir. 2006)

 

-وفي كلية كومبتون في لوس انجلوس، كانت أحد القضايا التي نظرها القضاء الأمريكي، وأطراف القضية هم: عضو هيئة التدريس في الكلية “ستوبفيلد” ، وإحدى الطالبات، وتتلخص الوقائع كما جاء في موجز القضية كالتالي:

(في منطقة مظلمة من الطريق وجد رجل الأمن سيارة متوقفة، وحين أضاء مصباحه باتجاهها، وجد فيها ستوبفيلد مع إحدى الطالبات، وكانا عاريين من ملابسهما، وحاول ستوبفيلد الهروب، إلا أن الشرطة أمسكت به، وقد أدين باعتباره انتهاك لقانون حظر العلاقة الجنسية بين الاستاذ والطالب).

انظر تفصيل القضية:

Board of Trustees v. Stubblefield, 16 Cal. App. (1971)

 

-في مدرسة (نورث جوينت) في ولاية جورجيا في الولايات المتحدة، كانت أحد القضايا التي نظرتها المحكمة العليا الأمريكية عام 1992م ، وأطراف القضية هم: الطالبة فرانكلين، وهي في الصف العاشر (عمرها16 سنة) والأستاذ “أندرو هيل” وهو أحد أساتذة المدرسة، وتتلخص الوقائع كما جاء في موجز القضية كالتالي:

(بدأ الأستاذ “هيل” في البداية بمحادثة الطالبة فرانكلين بموضوعات جنسية، ثم قبّلها على فمها مرة في منطقة المواقف، ثم صار يذهب إلى فصلها ويستأذن الأستاذ بأخذ الطالبة ويذهب بها إلى مكتبه الخاص في المدرسة، وفي مكتبه الخاص بالمدرسة أقام معها اتصالاً جنسياً كاملاً، وحدث هذا ثلاث مرات خلال سنة، وادعت الطالبة أن إدارة المدرسة على الرغم من أنها واعية بما يحدث من الاستاذ هيل من تحرش بالطالبات إلا أنها لم تتخذ أية إجراء).

انظر تفصيل القضية:

Franklin v. Gwinnett Pub. Sch., 503 U.S. 60 (1992)

 

ومن الخبرات الشخصية التي دونها الأكاديميون الغربيون ماكتبته البروفيسورة الشهيرة “جين جالوب”، وهي حالياً دكتورة الأدب الانجليزي والمقارن في جامعة (ميلوكي) في الولايات المتحدة، وأغلب عملها يتركز حول نظرية التحليل النفسي لجاك لاكان، تقول البورفيسورة جالوب في كتابها الذي روت فيه بعض تجاربها الشخصية في هذا السياق:

(في السنة الأخيرة من دراستي كانت السنة التي كنت أكتب فيها أطروحتي، خلال ذلك نمت مع بروفيسورين، وكانا عضوين في لجنة المناقشة، وكانا لقاءين جنسيين منفصلين، لكنهما كانا في نفس الأسبوع، وكلاهما لم يتطورا إلى مستوى العلاقة المستمرة، لكنها كانت مايسمى “العلاقة العابرة” )

j.Gallop, Feminist Accused, 1998, p.41-42

وفي ورقة نشرتها في دورية (التعليم القانوني) البروفيسورة كارولاين فورل، وهي دكتورة القانون في جامعة أوريجون، قرأت فيها تلخيصاً جيداً لأحد الدراسات في مجال أكاديمي مشابه، تقول الدكتورة كارولاين:

(في دراسة أجراها الباحثان روبرت جليسر، و جوزيف ثورب، خصصاها لدراسة حالة الطالبات المتدربات في (علم النفس العيادي) وقد استلما الإجابات من نصف عضوات قسم النفس العيادي التابع لرابطة علم النفس الأمريكية، أبانت الدراسة أنه قررت 31% من الفتيات المتدربات أنهن تلقين تفضيلات من المدربين النفسيين، سواءً قبل أو خلال العلاقة المهنية، بينما قررت 17% من الفتيات المتدربات أنهن أقمن اتصالاً جنسياً حميماً، والذي تم تعريفه في الدراسة على أنه إما تصال جنسي كامل أو مجرد لمس مباشر للعضو الجنسي، مع واحد على الأقل من المدربين النفسيين خلال فترة التدريب).

انظر:

C.Forell, What’s Wrong with Faculty-Student Sex, Journal of Legal Education,1997, p.

 

وفي دراسة مسحية أخرى في أعرق جامعة في العالم وهي جامعة هارفارد، وقد تمت بإشراف رسمي من الجامعة ذاتها، وهذه الدراسة تعتبر اليوم واحدة من الوثائق التاريخية التي ضمت إلى مدونة الوثائق التاريخية في قضية التحرش الجنسي في أمريكا، وقد أظهرت الدراسة أن 49% من البروفيسورات النساء المؤقتات، و 32% من البروفيسورات النساء المعينات رسمياً، و 41% من طالبات الدراسات العليا، و 34% من طالبات البكالوريوس؛ سبق أن تعرضن لتحرش جنسي من شخص في مركز سلطة على الأقل لمرة واحدة خلال فترة بقائها في جامعة هارفارد.

انظر:

L.Stein, Sexual Harassment in America, 1999, p.212

 

هذه طائفة موجزة من الوقائع والاحصائيات، ولايمكن الإطالة بأكثر من ذلك، وهذه النماذج كافية للإشارة إلى خلل التصور لدى الاختلاطيين عن واقع البيئة الأكاديمية والتعليمية الغربية.

 

ومن المهم أن نلاحظ هاهنا أنه مع كل ماوضعت النظم الغربية من قوانين لمنع التحرش، ومنع علاقات استغلال النفوذ، ومع شدة فعاليتها التنفيذية لأنظمتها وقوانينها؛ فإن ذلك كله لم يمنع المشكلة من كونها لاتزال متفاقمة، بسبب كون المجتمع الغربي لايزال مصراً على الاختلاط، فهو يهيج الأسباب ويحاول عرقلة النتائج بالقوانين، وهذه مناقضة لطبيعة الأمور.

 

والحقيقة أنني حين أقرأ وأطالع مثل هذه التقارير والقضايا والأرقام لا أستغرب بتاتاً مايجري، بل إنني سأستغرب فعلاً إن لم يقع ذلك، ففي المرحلة الثانوية وفي مرحلة البكالوريوس تكون الفتاة في عمر الزهور، وتأتي بكامل زينتها يومياً، بل وتمارس الألعاب الرياضية في نادي المدرسة والجامعة بملابس غير محتشمة، كل ذلك أمام رجال في عمر الفتوة وقوة الغريزة، فكيف يستبعد أن لاتقع مثل هذه الأمور، ولذلك فإن الدكتورة (باتريكيا) وهي متخصصة في قانون الأسرة ولها ورقة تاريخية معروفة عن الوساطة في الطلاق في السياق القانوني الأمريكي، هذه الدكتورة سبق أن طرحت ورقة مبكرة ومتميزة في دورية (القانون والتعليم) وكانت بعنوان (المضامين القانونية للعلاقة الجنسية بين الأستاذ والطالب) وفي هذه الورقة طرحت الدكتور باتريكيا ملاحظة مؤلمة حول إشكالية تعرض الأستاذ في التعليم الأمريكي إلى ضغط الإثارة الهائل حيث تقول الدكتورة باتريكيا:

(سلوك الأستاذ سيكون معذوراً بسبب احتياجاته الجنسية العالية واستجابته الطبيعية حين يواجه في الفصل فتيات بصدور مكشوفة وبنطال مشدود).

انظر: P.Winks, Journal of Law & Education, (1982), p.438

 

والقضايا التي تتحدث عنها التقارير تدور حول ثلاثة مستويات: المستوى الأول هو (الاغتصاب)، وهو الإكراه التام على القيام بكامل العملية، وهذا أقل المستويات شيوعاً، والمستوى الثاني هو (التحرش الجنسي) وهو عرض عدواني للقيام بالعملية، والمستوى الثالث هو (العلاقات شبه الرضائية) وهي العلاقة التي تكون في حالة تفاوت السلطة (مثل علاقة البروفيسور-الطالبة)، أو في علاقة تكون عرضة لاستغلال وضع الثقة والائتمان المفترض بين الطرفين (مثل علاقة الطبيب-المريضة).

 

والحقيقة أن فلاسفة ومفكري الحركة النسوية طوروا نماذج تحليلية مبهرة في دراسة العلاقة بين (السلطة) و (الجنس)، فمن المعلوم أن الجامعة والمدرسة والشركة والمؤسسات الحكومية أنها كلها تنشئ “علاقات سلطة” بين (البروفيسور-الطالبة)، أو (الأستاذ-التلميذة)، أو (المدير-الموظفة)، أو (الطيار-المضيفة)، أو (الطبيب-المريضة)، أو (المحامي-العميلة)، (مدير الفندق-موظفة الاستقبال)، وعلاقات السلطة هذه تفتح احتمالات واسعة في محاباة الطرف الأقوى للطرف الأضعف من أجل مصلحة جنسية أو تفضيلات جنسية يقدمها الطرف الأضعف في صورة شبه رضائية تتم تحت غطاء المودة المهنية والارتياح المتبادل والحميمية البريئة، أو يصورها الطرف الأقوى باعتبارها مجرد تطورات للعلاقة غير مخططة مسبقاً.

 

على أية حال.. من كان جاهلاً من الاختلاطيين بأن هذه هي واقع الحال في البيئات المختلطة في المجتمع الغربي، فعليه أن يراجع نفسه عاجلاً، ومن كان يعلم من الاختلاطيين بأن هذا هو واقع الاختلاط الغربي، ومع ذلك أراد لمجتمعنا المسلم أن يخوض ذات التجربة الفواحشية، فليعلم أنه لن يفلت من بين يدي الله الذي قال سبحانه:

(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النور:19].

 

وأما من لايزال مكابراً فلا عليه إلا أن يتأمل قليلاً، فبالله عليكم حين تزور الطالبة مشرفها على البحث في مكتبه الخاص بشكل دوري متكرر، ويشعران بارتياح متبادل تتخلله بعض الطرافة أحياناً، فإن من يستبعد أن تتطور هذه العلاقة إلى أمور غير مقبولة شرعاً فهو أول من يعلم أنه كاذب في نفسه، وكفى بالقول سقوطاً أن قائله يعلم في دخيلة نفسه عدم صدقه.

-خامساً: لماذا أنتم تعانون من فوبيا الجنس؟!

من احتجاجات الاختلاطيين كثرة قولهم: لماذا تعانون من هذا التشكك والارتياب وبث القلق من نشوء العلاقات المحرمة؟ لماذا تتوهمون أن الناس مهجوسين بالجنس بهذا الشكل؟ لماذا ننظر للمرأة على أنها كائن جنسي؟ لماذا لاتنظرون للأمور نظرة طمأنينة وثقة؟!

 

والحقيقة أن الجواب عن ذلك أن نقول: ومن قال لكم أن القلق والحذر واليقظة من نشوء العلاقات المحرمة هو مذمة وعيب يتبرأ منها العلماء والدعاة؟! بل الحذر واليقظة من نشوء العلاقات المحرمة هذا مطلب شرعي أصلاً!

 

أليس الله تعالى حين فرض وضع السواتر بين الجنسين حين قال (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) [ الأحزاب:53] إنما يضخ في نفوس المؤمنين المخاوف من نشوء العلاقات المحرمة؟ وينبههم على مافي النفوس من الرغبات الغريزية؟!

 

أليس الله تعالى حين قال (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) [الأحزاب، 32] يؤسس للقلق من نشوء العلاقات المحرمة؟ ويربي في نفوس الناس الحذر والحيطة من تأثير لطف العبارات الأنثوية على الرجال؟!

 

أليس الله تعالى حين قال (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) [النور:31] يدقق في تفاصيل طريقة المشي، وإيقاعات الأقدام، ونمط استجابات النفوس لحركات الجنسين، فأي تنبيه أكثر من ذلك في إيقاظ القلق والحذر تجاه أثر حركات أحد الجنسين على الآخر؟!

 

أليس النبي -صلى الله عليه وسلم- حين جاء يبايع النساء فتحفظ ولم يصافحهن برغم أنه نبي وهن مهاجرات وفي لحظة إيمان عظمى، كما تصور عائشة ذلك فتقول (فمن أقر بالشرط منهن قال لها رسول الله: قد بايعتك، كلاماً يكلمها به، والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، وما بايعهن إلا بقوله) [البخاري: 2713] فهل سيقول التغريبيون أن الرسول يعاني من مبالغة في الخوف من الجنس حاشاه صلى الله عليه وسلم؟!

 

وتأمل معي نموذجاً آخر في القصة الشهيرة في زيارة صفية للنبي كما في الصحيح:

(أن صفية زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- جاءت رسول الله تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة ثم قامت تنقلب، فقام النبي معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد، مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لهما النبي: “على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي” فقالا: سبحان الله يا رسول الله، وكبُر عليهما، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً” ) [البخاري: 5808]

 

فهل النبي حين قلق من فهمهما الخاطئ كان يعاني من مخاوف مبالغ فيها يا معاشر التغريبيين؟! حاشاه صلى الله عليه وسلم، ولكنه القلق والحذر والحيطة الشرعية في حفظ الأعراض والتي أسسها القرآن.

 

بل انظر إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- حين أعلنها مدوية صريحة فقال في الصحيحين (ما تركت بعدى فى الناس فتنة أضر على الرجال من النساء) [البخاري 5096، مسلم 7122] كيف يغرس في نفوس المسلمين شدة التوقي والتحفظ في العلاقة بين الجنسين؟!

 

بل أي أمر نبوي أكثر تهييجاً للقلق من نشوء العلاقات المحرمة أكثر من أمر النبي باتقاء النساء كما في الصحيح (اتقوا النساء) [مسلم 7124] هكذا بكل وضوح يأمرنا النبي أن “نتقي النساء” !

 

وأنت إذا تأملت كلام الاختلاطيين، وكيف يسخرون ممن يرى المرأة فتنة، وكيف يتهكمون ممن يقلق من نشوء العلاقات المحرمة، ستلاحظ أن مؤدى كلامهم انتقاص النبي –صلى الله عليه وسلم- نفسه الذي قال أن أضر فتنة على الرجال هي النساء، والذي أمرنا بأن نتقي النساء، والذي كان يخشى من فهم الصحابة الخاطئ حين رأو زوجته معه، والذي كان لايصافح النساء بيده، والذي كان ينهى المرأة أن تسافر بلامحرم، وينهاها عن التعطر في الطريق، والذي كان يحذر من الدخول على النساء، ويسمي الحمو الموت تحذيراً من التساهل معه، وجعل شر صفوف النساء في الصلاة أولها، وقال طوفي من وراء الرجال، الخ الخ في سلسلة أوامر نبوية كلها تؤسس للحذر والحيطة والتحفظ في العلاقة بين الجنسين.

 

فالنبي –صلى الله عليه وسلم- ينبهنا أن المرأة فتنة، وهؤلاء يقولون لماذا أنتم مرضى تعتبرون المرأة فتنة، بالله عليكم أليس هذا مقتضاه سخريتهم بالنبي نفسه لكنهم يتحاشون التصريح بذلك؟! أي شعبة نفاق في القلب أظهر من ذلك؟!

 

فهؤلاء الذين يتهكمون بالتحفظ والاحتياط في العلاقة بين الجنسين ألم يجلسوا مع أنفسهم مرةً جلسة مصارحة ويتأملوا كيف صاروا يطعنون في رسول الله وهم لايشعرون؟! كيف سيكون موقفهم عند الله يوم القيامة وصحائفهم قد اسودت بالتهكم بأوامر رسول الله؟! والله إني ناصح لكم وصادق في هذه النصيحة، أدركوا أنفسكم قبل أن تروا أنفسكم يوم القيامة أعداءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

على أية حال.. هذا أمر يتكرر عند كتبة التغريب، فتراهم يذمون أهل العلم بما هو من ممادحهم! كقولهم لماذا تقصون أهل البدع، برغم أن إقصاء أهل البدع مطلب شرعي! وقولهم لماذا تمارسون الوصاية على المنكرات، برغم أن الوصاية على المنكرات فرض كفاية إن قام به من يكفي وإلا أثموا جميعاً، وقولهم لماذا تدعون إلى الانغلاق ضد الكتب المنحرفة، برغم أن الانغلاق ضدها مطلب شرعي كما قال النبي لعمر حين رأى معه صحيفة من التوراة (أفي شك أنت يابن الخطاب) وقال تعالى (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) [النساء: 140].

وهكذا تراهم دوماً يجعلون مطالب القرآن التي يجتهد أهل العلم في القيام بها مساوئ يسألون العلماء والدعاة لم يقومون بها؟ ألا ما أفظع الجهل!

 

والمراد أنه لو لم تأت هذه النصوص التي تبث في نفس المؤمن الحيطة والحذر والتحفظ في العلاقة بين الجنسين لكان سلوك الليبراليين والتغريبيين كافياً أصلاً في إشعال المخاوف في نفوس العقلاء، فهؤلاء الليبراليون إذا جلست في مجالسهم رأيتهم يتفننون في التغزل بأجساد حسناوات المذيعات والفنانات، ويتباهون في توصيفهن، بل ويتبارون أحياناً في المراهنة على أيهن الأجمل! وأما إذا دخلت إلى مواقعهم الالكترونية الشهيرة فستجد صورهم الرمزية التي تعبر عن ميول الكاتب كلها صور فتيات مستلقيات في مشاهد نصف متعرية يتقزز منها أهل الإيمان.

وبعد ذلك كله يأتون إلينا ويقولون: لماذا لديكم قلق جنسي من نشوء علاقات محرمة مع الفتيات؟! والله مازادتنا سلوكياتكم إلا قلقاً فوق قلق!

 

-سادساً: كيف نواجه المشروع الاختلاطي؟

الحقيقة أن أخطر ملف يواجه الدعوة الإسلامية اليوم هو ملف (الاختلاط بين الجنسين)، فالاختلاط هو بوابة الفواحش، وإذا فتحت البوابة لن ينفع أن تلاحق أفراد الرذائل، وحفظ الأعراض مقدم في مقاصد الشريعة على حفظ الأموال باتفاق أهل السنة.

 

ومن تأمل الواقع القريب رأى اثنين من أهل العلم الكبار قد كرسوا جهداً واضحاً في مقاومة الاختلاط، وهما الشيخان البراك والعباد، ولا أشك أن هذا توفيق إلهي لهما، فالعلم ليس بكثرة الكلام وتنفيج المؤلفات والتزين بالعبارات الإنشائية، بل هو نور يقذفه الله في القلب، فيبصر الصواب بأيسر الطرق وأقلها تكلفاً، وهذان العالمان قد أبصرا بحكمتهما وبعد نظرهما للأمور مصائر الاختلاط ومقتضياته.

 

وإن من أعظم نعم الله على الدعوة اليوم هي فتوى الإمام البراك في تكفير مستحل الاختلاط المتضمن للمحرمات القطعية، وسبب ذلك أن كثيراً من الناس أخذهم جدل الصحفيين وشوش رؤيتهم وعجزوا عن رؤية المحرمات القطعية التي يتضمنها الاختلاط بين الجنسين، فلما جاءت هذه الفتوى المحكمة كأنما أيقظت الوعي ونفضت الغبار عن كثير من العقول، فصارو الآن يتكلمون عن مافي الاختلاط من المحرمات القطعية (الخلوة، التبرج، السفور، النظر، الكلام المحرم)، فمع كل الجهود السابقة المشكورة إلا أنها لم تفلح في لفت نظر المجادلين في الاختلاط فيما يتضمنه من محرمات قطعية، حتى جاءت هذه الفتوى المباركة فتحول مسار النقاش جذرياً، وإن شاء الله أن هذا من حسن تدبير الله لأئمة الدين.

 

ومن الأمور اللافتة أنه لما تم فرض النموذج الكاوستي والتصلب في فرض الاختلاط في جامعة كاوست فإن ذلك صار له أثر نفسي سلبي على بعض الأخيار حيث أصابهم بالاحباط، وصارت صور كازينو كاوست كأنما هي سهم اليأس الأخير، وهذا خطأ خطير، فيجب أن نجتهد في حصر هذا النموذج حالياً لئلا يمتد الشرر للمباني المجاورة، ثم نحاول عبر الزمن تصحيح الوضع، وهذا ليس بمستحيل، فهذه البنوك الربوية والتي ليست جامعة معزولة لعدد من الأجانب، بل هي شريان الاقتصاد السعودي ومرتبطة بالاقتصاد العالمي، ومع ذلك حين استمر الاسلاميون في تعبئة الوعي الاجتماعي ضد الربا، رضخ الربويون إلى تصحيح الوضع وبدؤوا تدريجياً بالمنتجات الإسلامية، وهكذا –بإذن الله- سيرضخ الاختلاطيون كما رضخ الربويون، بسلاح الوعي وجهاد القرآن المستمر الذي قال الله عنه (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) [الفرقان:52]

 

ومن أكثر الأمور المؤذية اليوم مشكلة (الفقه البارد) فنحن نرى مشروعاً خطيراً ومع ذلك تجد البعض يجادل في قضايا تاريخية وشكلية واصطلاحية في موضوع الاختلاط، والحقيقة أنه إنما يراد من العلم الديانة، فإذا أفضى الفقه والعلم بالمرء إلى برود ديانته وجمود غيرته على الشريعة فاعلم أن ثمة خللا في علمه أو في خفايا نيته.

 

ومن الأمور المؤلمة اليوم انتشار (مدرسة المذبذبين) التي قال الله عنها (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ) [النساء:143] وهؤلاء قوم ليسوا مع أهل العلم والفضيلة، وليسوا مع أهل الأهواء والرذيلة، بل يحاولون دوماً أن يقفوا في المنتصف عبر آليتهم المفضلة وهي الكلام العائم والألفاظ الفضفاضة التي تقول كل شئ ولاتقول شيئاً، أو تراهم يقولون لماذا الاصطفاف والاحتراب والصراع الخ، وكأن أهل العلم والدعوة هم الذين اقترحوا على العلمانيين والليبراليين تبني مشروع الاختلاط ومحاربة من يفتي بتحريمه؟!

 

أسأل الله أن يحفظ أعراض المسلمات والمسلمين، ويسلم هذا المجتمع المسلم من هذا المشروع الخطير، ونعوذ بالله أن نكون شهوداً لهذا المشروع الأثيم فنعض أصابع الندم طول عمرنا أن وقف أسلافنا من أهل العلم والدعوة ضده، وتخاذلنا نحن أمامه.

 

والله أعلم

أبو عمر

ربيع الأول 1431هـ

11 مارس 2010

Advertisements