هذه الحياة مبنية على صراع إرادتين، إرادة بشرية وإرداة إلهية (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) [الأنفال:67]. الرغبات البشرية تتمظهر في سلوكيات مباشرة معزولة عن أساس نظري وهذه مشكلة العامة، أو الحل العامي، لافرق، فسلوكهم مع رغباتهم وقلوبهم مع إرادة الله، ولذلك هم أرقى في المعيار القرآني. بالمقابل، النخب المثقفة المنحرفة تتألم من الارتطام المستمر بين رغبتها البشرية وإرادة الله، فتصعد إلى تبديل إرادة الله (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ) [الفتح:15]  فتصل إلى منطقة الخطر النهائي، إنه التعدي على الذات الإلهية. شتان بين من يخالف نصوص القانون وبين من يزوّر نصوص القانون ذاته، الأولى مخالفة داخل الدولة والثانية اعتداء على الدولة ذاتها!

ولكن ماهي خيارات التأسيس النظري للرغبة البشرية؟ الحقيقة أنه ليس من الحنكة الحركية أن تصارع منهجاً بمنهج لايملك ذات الإمكانيات، أنت بذلك تقرر أن تدخل معركة غير متكافئة القوى، حين تصارع الخطاب الشرعي بمنظومة آيديولوجية بديلة، سواءً تراثية كالمعتزلة مثلاً، أو معاصرة كالماركسية مثلاً؛ فإنك ستخسر حتماً، فلايوجد أي منظومة بديلة قادرة على مقاومة الخطاب الشرعي السني، المعتزلة والماركسية كلاهما فرضا على الناس بقوة النظام، وليس بانبعاث شعبي داخلي. والليبرالية السعودية هي نتاج خطة مبسطة قوامها أن عصابة من رؤساء التحرير تحتكر الأعمدة وتوجه المكافآت لمن يكتب بلغة ما، فالشاب ضعيف النفس سيتقبل القيام بالدور ليحصل على العمود، حسب قاموس المسيري يمكننا اعتبار الليبرالية السعودية “جماعة وظيفية” تقوم بدور معين بمقابل، ولذلك صار لدينا موسم الهجرة من شقق البلوت إلى الأعمدة الصحفية، نتيجة انفتاح مفاجئ في الفرص الوظيفية، أما عموم المجتمع فهو لايزال يستفتي حتى إمام المسجد، ويسلم أبناءه وفلذات كبده للشباب المتدين في حلقات التحفيظ والمراكز الصيفية.

حسناً، من أكثر خطاب بديل نجح في مصارعة الخطاب الشرعي السني؟ الحقيقة أن كل من صارع الخطاب الشرعي السني فشل، بدءاً من مشركي قريش وانتهاء بالليبرالية التناسلية.   يبدو أنني لم أجب! حسناً سأعيد السؤال على نفسي: من أكثر خطاب استطاع إرهاق الخطاب الشرعي السني؟ الحقيقة أنه خطاب “اللابديل”، لأنه لايمكن مناقشته، إنه خطاب مفتوح لايمكنك أن تمسك شيئاً تحاوره.

إنه الخطاب الذي لايقدم لك معنى للنص تناقشه، وتوازن بينه وبين تفسيرات الخطاب الشرعي السني، وإنما يقول لك: النص لانهائي التفسيرات.إنه الخطاب الذي لايقدم لك “أصول فقه” تناقشها، وتوازن بينها وبين أصول الفقه السنية، وإنما من يقول لك: يجب تجديد أصول الفقه ويسكت. ماذا تستطيع أن تناقش؟ لاشئ!.

 إنه الخطاب الذي لايقدم لك معايير علمية لفحص الأحاديث، وإنما يقول لك: هناك مشكلات عميقة في تدوين السنة النبوية وعلم مصطلح الحديث، ثم يتوقف، حسناً: ماهي قواعدك البديلة، وأعطني الأحاديث التي تصححها والتي تضعفها؟ لايقدم لك شيئاً، هاهنا ماذا تستطيع أن تناقش؟! وكيف يمكن أن توازن بينه وبين علوم السنة في الخطاب الشرعي السني؟ لامجال لشئ من ذلك.

إنه الخطاب الذي يستهلك في معجمه تعابير من مثل: هذا الحكم الشرعي لم يدرس جيداً، وهذا المفهوم الشرعي لم يبحث بشكل صحيح.. الخ حسناً ماهو الشئ الصحيح الذي تراه؟ لايقدم لك شيئاً!

خذ مثالاً من زاوية أخرى، حين يأتيك شخص ويقدم أحكاماً بديلة في موضوع المرأة (الاختلاط، السفر بلامحرم، الخ) فإنه سرعان مايتهاوى أمام مطارق الشرعيين، لكن حين يأتيك بالمعميات المفتوحة: نحن لم نفهم المرأة، نحن لانزال نقرأ نصوص المرأة تحت ضغط التقاليد، هناك إشكاليات ضخمة وعميقة في تعاملنا مع المرأة، أحكام المرأة تحتاج إلى قراءة جديدة، نحن بالغنا في الاحتياط مع المرأة، الخ الخ طيب أعطنا مثالاً واحداً، يتحفظ في إعطاء الأمثلة، ماذا تستطيع أن تناقش؟ لاشئ.

فشلت كل الخطابات البديلة، أورهقنا خطاب اللابديل، إنه خطاب يراهن على “تقويض اليقين” بالخطاب الشرعي السني، لكنه يجبن عن أن يقدم مباشرة بديله المضمر، لأن استراتيجيته تقوم على أن الشاب حين يسقط يقينه فيمكن أن يتشرب البدائل الضعيفة بهدوء، فالجسم حين تذوي مناعته فإن الفيروسات الضعيفة تستطيع الاستيلاء عليه بكل بساطة.   يؤسفني أنني مضطر للاعتراف بأن أذكى خصوم الخطاب الشرعي السني هم أصحاب العموميات التي تكتفي بزعزعة اليقين لدى الشاب، وحين يتصدع اليقين بالإرادة الهية يصبح القلب مهيأً لشحنه بأي الإرادات البشرية شئت. ولذلك كان من أكثر أنواع الأمراض التي نبه عليها القرآن مرض (الارتياب) فالمرتاب لايجد في نفسه القوة على المضي مع الإرادة الإلهية نتيجة التردد فيسقط فريسة للإرادات البشرية، تأمل كيف يشرح القرآن ذلك (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) [التوبة: 45] لم يستأذنوا الرسول عن المضي مع الإرادة الإلهية إلا بسبب ماغزا قلوبهم من الارتياب!.

في موطن آخر من كتاب الله شرح القرآن حالة فريق من الناس لاينقادون لإرادة الله إلا إذا وافقت إرادتهم، فإذا خالفت إر ادة الله رغباتهم امتنعوا عن الانقياد، أتدري بماذا فسر القرآن هذه الحالة؟ فسرها بأنها تعود إلى حالة “ارتياب” خفية، كما يقول تعالى (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا) [النور: 50].

 يا ألله .. كم يصنع الارتياب الخفي في النفوس! ولذلك لايمكن أن يجتمع اليقين بكتاب الله مع العلمانية والليبرالية في قلب رجل واحد، فإن الارتياب في القلب هو الذي سبب الامتناع عن الانقياد لبعض أحكام الله، وقبول مايتناسب منها مع رغباتهم وإراداتهم، ولو أقسم لك العلماني والليبرالي أيماناً مغلظة بأنه موقن بالله وكتابه ورسوله فلاتذهب بعيداً بهذه الأيمان (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) [التوبة:62].

على أية حال.. تأمل معي الكتب الفكرية التي طرحت مشروعات “إعادة قراءة التراث” تجد أقواها فعالية وتأثيراً في الشباب المتدين هي تلك الكتب التي تكتفي بطرح الشكوك وتتحاشي طرح أي أحكام شرعية بديلة. الخطاب الفقهي البديل يمكن الموازنة بينه وبين الخطاب الفقهي السني، أما خطاب اللابديل، فهو خطاب يقود إلى العدمية، والعدمية عدم، فكيف تستطيع أن تقارن بين حجج العدم والوجود، وإنما يوازن بين وجودين!

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

19 مارس 2010

Advertisements