حين يقف الإنسان في اليوم الآخر لحظة تسليم الصحائف والاطلاع على محتوياتها، فإن الإنسان ربما لن يتفاجأ كثيراً من خطايا نفذها فعلاً وقام بها، فهو قد علم مسبقاً بأنه سيراها في صحيفته.. ولكن المفاجأة المذهلة أن يجد الإنسان في صحيفته خطايا لم يفعلها هو، ومع ذلك يجدها مدونة في كتاب أعماله.. ربما يجد الإنسان في صحيفته خطايا لعشرات الأشخاص، بل ربما لمئات الأشخاص، بل ربما لملايين الأشخاص؛ وكلها محسوبة  في صحيفة سيئاته، وسيحاسبه الله عليها..

حسناً .. من أين جاءته هذه الأعمال التي لم يعملها؟ استمع إلى هاتين الآيتين العجيبتين اللتين تكشفان هذه الحقيقة المرعبة: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ) [النحل:25] (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ) [العنكبوت:13]   يا ألله .. كم من كلمة نطقنا بها في مجلس من المجالس وقلنا فيها على الله بغير علم، فتأثر بها أحد الجالسين فتجرأ على المعصية، فصارت خطيئته في صحائفنا ونحن لانعلم.. وكلما كرر معصيته .. تكررت في صحائفنا..   كم من مقالة أثار فيها كاتب من الكتّاب شبهة شوشت على آلاف القراء فتساهلوا في ذلك الحكم الشرعي، ونقلوا هم بدورهم تلك الشبهة إلى آلاف آخرين .. فيأتي ذلك الكاتب يوم القيامة يجرجر في صحيفته خطايا آلاف وآلاف من الناس لايعرفهم..   كم من منتسب للدعوة مكّنه التغريبيون من فضائياتهم ليوفر لهم لغة شرعية مشحونة بمضامين غير شرعية .. فانخدع به ملايين من العامة وثقوا في لحيته ومشلحه ولحنه بألفاظ تشبه ألفاظ المشايخ.. فصار يدفع باتجاه توهين التدين في نفوسهم وأوقعهم في شذوذات فقهية وشبهات عقدية كانوا في سلامةٍ منها..   كنت مرةً أتحدث مع بعض الإخوة عن أحد متفقهة التغريب المذبذبين الذين ليسوا مع أهل السنة ولا مع أهل الضلال.. فقال لي أحدهم محتجاً: ولو .. هذا الرجل يستمع له الملايين في الفضائيات..   الحقيقة أنني حين سمعت مثل هذا الاعتراض أطرقت وشعرت بحزن عميق، وأخذت أقول في نفسي: مسكين .. لايعلم أن زيادة الأرقام تعني زيادة عدد الضحايا.. لايعلم أن زيادة الأرقام تعني زيادة أوزار المضللين التي ربما يحملها يوم القيامة..   والله إن الإنسان إذا جلس مع نفسه وأخذ يتذكر خطاياه أدرك أنها كافية أن توبق مستقبله الأخروي .. فكيف إذا انضم إلى ذلك أن يحمل فوق ظهره معاصي أشخاص آخرين لايعرفهم .. والله إن الغبن كل الغبن أن يرى المرء نفسه يوم القيامة يصطلي بنار جهنم لا لمعصية فعلها هو وإنما لمعصية فعلها غيره! إنها مجرد كلمة متهورة في حكم شرعي استحسنها المرء بذوقه وغفل عن تبعاتها المفتوحة..   إذا كان الأمر بمثل هذه الخطورة فكيف غفلنا عنه؟ إنه الرين الذي غلف القلوب حتى غفلت عن فظائع وأهوال هي أقرب للمرء من شراك نعله..

  أخي الغالي .. والله إني لأحب لك ما أحب لنفسي .. فياليتنا يا أخي الكريم إذا أثيرت في مجلس من المجالس مسألة شرعية أن نتلوا في أنفسنا قوله تعالى (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ) .. وقوله تعالى (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ).. فياليتنا نسلم من معاصينا فضلاً عن أن نسلم من معاصي الآخرين..

 

 

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

27 مارس 2010

Advertisements