الحمدلله وبعد.

صباح هذا اليوم الثلاثاء اطلعت في صحيفة الحياة 30/3/2010م، على مقالة كتبها الأستاذ  (حسن بن سالم) دفاعاً عن الأستاذ (يحي الأمير).   حيث يدعي حسن بن سالم أن ما قام به يحي الأمير من وصف حديث الصحيحين بالتوحش إنما هو ( مسلك لتنزيه الأحاديث النبوية عن كل ما قد يؤدي للقدح فيها أو في دين الإسلام) ، واحتج لذلك كما يقول بأن (هذا المسلك سلكه من قبل بعض كبار الأئمة، وأشير في هذا المقام إلى مثالين، أولهما حجة الإسلام الإمام أبو بكر الجصاص، وأما المثال الآخر فهو محمد رشيد رضا).   ثم نقل الأستاذ حسن سالم عن الجصاص أنه رد أحاديث “سحر النبي” صلى الله عليه وسلم التي رواها البخاري، ونقل عن رشيد رضا رده لحديث “إذا وقع الذباب” المروي في البخاري.   توقفت أمام هذه المقالة وتعجبت كثيراً من مواصلة هذا الفريق الليبرالي انتقاص السنة النبوية، وإيذاء المؤمنين في نبيهم ومهابته في نفوسهم، أي قلوب هذه التي مات فيها توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يبرد بعد لهيب جريرة يحي الأمير في التهكم بنصيحة النبي لنا، حتى جاء حسن سالم الآن يبعث الفتنة من جديد.

حين رأيت يحي الأمير منكسراً في البيان التالي استبشرت خيراً بعودة هيبة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء الآن حسن سالم يبحث عن أسانيد تراثية ليشرعن بها التهكم بالحديث النبوي. أي فوضى هذه التي تحدث؟! والله شيء محزن أن تصل مهابة النبي في أرض الحرمين إلى هذا المستوى!   ومكمن الخطورة في هذه المقالة هي أنها مؤشر على أن القوم لازالوا ماضين في مشروعهم في السخرية بالأحاديث النبوية، بل ويبحثون عن جذور تراثية تساندهم في ذلك.  

على أية حال .. دعونا ننظر موضوعياً مدى علمية احتجاجات حسن سالم؟ الحقيقة أن أي طالب علم شرعي سيطلع على مرافعة حسن سالم عن صاحبه يحي الأمير فإنه سيدركه الرثاء والشفقة حين يرى المرء يحتج لنفسه بما هو دليل عليه.   فأما احتجاج حسن سالم بفعل أبي بكر الرازي المعروف بالجصّاص، فإن أبا بكر هذا قد دخل في الاعتزال، وتجرؤه في رد الأحاديث النبوية إنما دخل عليه بسبب اعتزالياته، وليس ثم جديد في كون الفرق الضالة ترد السنن النبوية.

وقد عدّه الإمام ابن تيمية في المعتزلة حين ذكر أقواله، كقول الإمام ابن تيمية (ولهذا أنكر طائفة من المعتزلة كالجبائي وأبي بكر الرازي وغيرهما دخول الجن في بدن المصروع) [الفتاوى، 19/12] . وابن تيمية يشير إلى قول ابي بكر الجصاص الرازي في تفسيره: (ضرر أصحاب العزائم وفتنتهم على الناس غير يسير، وذلك أنهم يدخلون على الناس من باب أن الجن إنما تطيعهم بالرقى التي هي أسماء اللّه تعالى، فإنهم يجيبون بذلك من شاءوا ويخرجون الجن لمن شاءوا، فتصدقهم العامة) [تفسير الجصاص، 1/57] .وعده في المعتزلة كذلك مؤرخ الإسلام الذهبي حيث يقول (وكان يميل إلى الإعتزال، وفي تصانيفه ما يدل على ذلك في مسألة الرؤية وغيرها) [تاريخ الإسلام للذهبي، 26/432] . والذهبي يشير لكون الجصاص شكّك في أحاديث “رؤية الله في الآخرة” بناء على بعض أصوله الاعتزالية كما يقول الجصاص سامحه الله (والأخبار المروية في الرؤية إنما المراد بها العلم لو صحت) [تفسير الجصاص، 4/170].

وكذلك فإن الذين ترجموا لأعلام المعتزلة عدّوه منهم، ولذلك أدرجه القاضي عبدالجبار في (فرق وطبقات المعتزلة، ص125) وترجم له ابن المرتضى في (طبقات المعتزلة، ص130)، وإن كانوا يتوسعون في ذلك ويتكثرون بمن ليس منهم.   وبسبب هذه الروح الاعتزالية عند ابي بكر الجصاص فإنك تجد عنده جرأة المعتزلة على أئمة أهل الحديث والأثر، حتى أنه قال عن نافع مولى ابن عمر (قال ذلك نافع بعد ما كبر وذهب عقله) [2/40] وما أبشعها من عبارة.

وكذلك قال عن الإمام حافظ الدنيا سفيان بن عيينة  (وقد كان ابن عيينة سيئ الحفظ كثير الخطأ) [1/186] ومن يقول هذا الكلام عن سفيان بن عيينة الذي هو أحد من دارت عليهم أسانيد طبقة أتباع التابعين؟!   ومثل هذه الجرأة في لمز أئمة أهل الأثر هي من أخص خصائص الروح الاعتزالية، ومن راجع  مقدمة ابن قتيبة لكتابه “تأويل مختلف الحديث” استحوذ عليه العجب من تلك القصص والأخبار التي ساقها ابن قتيبة عن سلوكيات وتصرفات أئمة المعتزلة.  

على أن الإنصاف يقتضي أن نشير إلى أن الجصاص ليس من المعتزلة الخلّص، وإنما شارك المعتزلة في بعض أصولهم، وتسربت إليه بعض ضلالاتهم من بعض شيوخ المعتزلة الذين درس عليهم، وأما كتابه عن “أحكام القرآن” ففيه من نفائس الاستنباطات والمناقشات شيئاً لايستغني عنه طالب العلم، ولكن المراد هنا التنبيه إلى خطأ التذرع والاحتجاج بأخطائه الاعتزالية في رد السنن.  

وأما احتجاج الأستاذ حسن سالم بكون رشيد رضا رد بعض الأحاديث الصحيحة بالذوق المحض، فمثل هذا الاحتجاج يعكس جهلاً بتحولات الأستاذ رشيد رضا، فالأستاذ رشيد رضا مر بثلاث مراحل، كان في مرحلته الأولى صوفياً كما يقول عن نفسه في مقدمة تفسير المنار (كنت من قبل اشتغالي بطلب العلم في طرابلس الشام مشتغلا بالعبادة ميالا إلى التصوف).   ثم في المرحلة الثانية تعرف على مايسمى بالمدرسة الإصلاحية التي كان زعيماها الأفغاني وعبده، وهي مدرسة تحارب الملاحدة وأهل السنة على حد سواء، وتبني أفكارها في صورة إسلام مستغرب، وقد انبهر رشيد رضا بأستاذه محمد عبده وانفعل به كثيراً كما يقول في مقدمة تفسيره (في أثناء هذه الحال الغالبة علي ظفرت يدي بنسخ من جريدة ” العروة الوثقى ” في أوراق والدي ، فلما قرأت مقالاتها أثرت في قلبي تأثيرا دخلت به في طور جديد من حياتي، تلك المقالات التي حببت إلي حكيمي الشرق، ومجددي الإسلام، ومصلحي العصر: السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده المصري).   وبدأت المرحلة الثالثة من وفاة الشيخ محمد عبده حيث تناقص التأثير التغريبي السلبي الذي شحنه به أستاذه محمد عبده، وبدأ يزداد عنده الميل إلى أهل السنة وتعظيم الحديث، وطباعة كتب السلف، وكثرة التنويه بابن تيمية، والدفاع عن دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ولذلك يقول أيضاً في مقدمة تفسيره عن مرحلته الثالثة هذه (هذا وإنني لما استقللت بالعمل بعد وفاته –أي الشيخ محمد عبده- خالفت منهجه رحمه الله بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة).

لكن الشيخ رشيد رضا توفي ولايزال لديه -رحمه الله- أخطاء عظيمة بسبب أنه لم يتوفر له الوقت لاستكمال التصحيح والتخلص من التخليط بين منهج أهل السنة ومنهج متفقهة التغريب، وسائر مايوجد لمشايخ أهل السنة المعاصرين من ثناء على رشيد رضا فإنما هو بسبب ماحمدوه له من التحول الإجمالي إلى نصرة طريقة السلف، كما حمدوا ذلك لأبي الحسن الأشعري مع أنه بقي لديه شُعَبٌ من الكلابية في عقيدته الأخيرة لم يتخلص منها، والمراد أن ثناء مشايخ أهل السنة على رشيد رضا كان من هذا الوجه، فلايعني ذلك تصحيح أفكاره التفصيلية المخالفة لمنهج أهل السنة التي لاتزال موجودة في مجلة المنار وتفسير المنار.   

ومن الإنصاف أن نشير -أيضاً- إلى أن بعض أهل السنة لم يطلعوا على سائر نتاجه، ولذلك كانوا يحسنون الظن به، فالإمام ابن عثيمين –مثلاً- يثني في مواضع من كتبه على رشيد رضا بسبب تعظيمه للحديث في زمن قل من ينصره فيه، برغم أن الشيخ ابن عثيمين يشنع في مسائل من العقيدة وأصول التلقي ومنهج الفتيا قد زلت فيها قدم رشيد رضا، لكن الشيخ لم يكن معنياً بتتبع كلام رشيد رضا.   والمراد أن ماوجد من ثناء لمشايخ أهل السنة المعاصرين على رشيد رضا إنما هو ثناء إجمالي على توجهه العام وتحوله لنصرة السنة، وليس على ثناءً على آحاد أفكاره التفصيلية، وماتبقى لديه من دخن التغريب، والزلات العظيمة في أصول التلقي.   ومن الطريف في هذه القضية أن هؤلاء الليبراليين يحتجون بما وقع من أئمة الحديث المتقدمين من نقد المتون، والقضية ليست في نقد المتون بطريقة المحدثين التي تجمع بين علة السند وعلة المتن كالشذوذ والنكارة ونحوها مما يعرف بمقارنة طرق الحديث، وإنما القضية في التبجح برد الأحاديث بالذوق المحض تحت تأثير الثقافة والقيم الغربية، وهذا بخلاف نقد المتون إذا خالفت العقل القطعي أو خالف الراوي من هو أوثق منه ونحو ذلك، وقد توسع ابن القيم في المنار المنيف في ذكر قواعد نقد المتون عند أهل السنة والجماعة.   ولا أخفي أنني لم أستطع أن أكظم تبسمي حين رأيت البعض يحتجّ لفعل يحي الأمير بما يصنعه أئمة الحديث كابن المديني وابن معين ونحوهم! أي إزراء بالعلم وأي استهانة بأئمة الدين أن تفسر تبجحات وتطاولات الصحفيين بأنها من جنس فعل ابن المديني وابن معين؟! هذه والله غاية المهزلة.. أتمنى أن لايأتي اليوم الذي نرى فيه محتجاً يقارن بين منهج ابن بخيت ومنهج الدارقطني في تعليل الأحاديث، أو يقارن منهج ليلى الأحيدب ومنهج الطبري في تفسير القرآن! والله إنني أشعر بالغثيان حين يهان العلم والمعرفة بهذا الإسفاف.   والمراد من هذه المناقشة ليس ذات المسألة، وإنما كونها مجرد أمثلة لتوضيح أزمة الضحالة العلمية لدى شريحة (الليبرالية التنفيذية)، فيحي الأمير ينسب للشنقيطي والألباني أقوالاً اعتماداً على مقالات انترنتية مكذوبة، والمحامي حسن سالم يدافع عن صاحبه اعتماداً على نصوص لايعرف أنها بنيت على أصول المعتزلة، ويظنها من نصوص أهل السنة!   فهذا هو جنس علمهم، وهذه هي طبيعة احتجاجاتهم، والحمدلله على العافية. والمرء حين يقارن أحوال مشايخنا الكبار في طول طلبهم للعلم وكمال ورعهم وتصونهم وتحريهم، ويقارنه بهؤلاء الذين بنو دينهم على مقالات انترنتية، ونقول حاطب ليل؛ فإنه لايستطيع أن يمنع ذهنه من تذكر قوله تعالى  (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) [التوبة:109]   خلاصة القول أن فكرة المحامي حسن سالم هي أن وصف يحي الأمير لحديث الصحيحين بأنه “متوحش” إنما أراد به الدفاع عن النبي وليس القدح فيه، وأن لاينسب للنبي مايسئ إليه، وهذه حجة مستهلكة للعلمانيين يتسترون بها في تحريف الشريعة، وسيأتي هؤلاء تدريجياً وسيجحدون كل حكم شرعي يتعارض مع الثقافة الغربية باسم الدفاع عن النبي حتى لاينسب إليه مايسئ لصورته في الإعلام الغربي، وهكذا تلغى أحكام المرأة، وأحكام الجهاد، وأحكام الكافر، الخ باسم الدفاع عن الإسلام من أن تتشوه صورته في الوعي الغربي.   والمراقب إذا رأى هؤلاء كيف يتجرؤون في وصف حديث الرسول بأنه متوحش، ويصرون على ذلك، ثم إذا قارن ذلك بهلعهم وارتعاد فرائصهم إذا ذكرت عبارات بعض المسئولين الكبار، تعجب كيف صارت منزلة ملك من ملوك الأرض أعظم في قلوبهم من منزلة ملك الملوك سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) [الحشر:13]   أسأل الله أن يعمر قلوبنا جميعاً بتوقير سيد ولد آدم، وتعظيم حرمته، والهيبة عند سماع حديثه صلى الله عليه وسلم.  

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

31 مارس 2010

Advertisements