الحمدلله وبعد،

 هذا موضوع حساس، ولايمكن معالجته إلا بوضوح وشفافية، فأرجو أن ندخل إلى هذا الموضوع على هذا الأساس، ولذلك دعوني آخذ راحتي في عرض حيثيات هذا الموضوع.  قبل عدة سنوات كنت أتحدث مع أحد الإخوة من طلاب علم الحديث، وكان يحدثني عن كتاب لأحد لأشياخه لم يوافق حفاوة بين طلاب العلم، فكنت أسأله عن السبب؟ فقال لي إن شيخه يعتقد بأن ذلك بسبب أنه ليس من منطقة نجد، ولو كان من نجد لاحتفوا به، وهذا بسبب أن الصحوة الإسلامية مريضة بالمناطقية، اسنغربت كلياً هذا التفسير، وظلّت القصة عالقة في ذهني. وبعد فترة معينة تكلم أحد الصوفية بمنطقة الحجاز بكلام تجاوز فيه الحدود الشرعية المقبولة، فكنت أتمنى أن يوضح أحد المتخصصين في العقيدة هذا الخطأ، لكن لاحظت أحد الأشخاص في المجلس يقول: لا، يجب أن يوضح الخطأ أحد طلبة العلم من نفس منطقة الحجاز، قلت له: لم؟، فقال لي: طلاب العلم في الحجاز متعصبون للحجاز، ولايقبلون نقداً لهم من الخارج، فاستغربت تماماً هذه التفسير، واستمرت القصة عالقة بذهني أيضاً.

وقبل عدة أيام قال لي أحد الشباب: ألا تعتقد أن موقف الإسلاميين من الدكتور أحمد الغامدي (الذي أجاز الاختلاط والإرداف الخ) ليس بسبب خطئه الشرعي ولكن بسبب أنه من منطقة الجنوب؟ وأيضاً استغربت هذه النظرة، وتراكمت هذه القصة مع مثيلاتها في ذهني.

وذكر لي أحد الإخوان أنه يعرف أحد المشتغلين بالحديث هذا ديدنه في مجالسه، لايمل من إثارة القضية المناطقية والإقليمية وتفسير الأحداث بها، والتذمر والنياحة أن طلاب العلم لم يعطوه وزنه اللائق بعلمه وعبقريته الحديثية بسبب أنه ليس من المنطقة الفلانية.

ماقصة هذه القراءة التي تتهم الصحوة الإسلامية بأنها تتعامل مع الأشخاص والكتب والمشروعات والفتاوى باعتبار أنها تنطلق من معايير مناطقية؟ لماذا تفسر الأحداث بمثل هذه الخلفيات؟ مامدى صحة أن الإسلاميين متعصبين للسعودية؟ أو أن الإسلاميين في نجد متعصبين لنجد؟ أو أن الإسلاميين في الحجاز متعصبين للحجاز؟ أو أن الإسلاميين في بقية مناطق المملكة متعصبين لمناطقهم؟ .

أعتقد أنه يجب تفكيك هذه التهمة، ولنحاول أن نقرأها بموضوعية على ضوء واقع الصحوة الإسلامية ذاتها: كل من قرأ تاريخ الصحوة الاسلامية منذ أن تنامت وحتى اليوم فإنه سيكتشف بكل وضوح أن الصحوة الإسلامية هي التي ساهمت في محاربة المناطقية والإقليمية، ولم تكن مرتبطة بتاتاً بأي بعد إقليمي أو عرقي أو قبلي .. بل كان الرهان فيها دوماً على “العلم والديانة”.. ولم يكونوا متعصبين لا لجنسية سعودية، ولا لمنطقة نجد، ولا للحجاز، ولا للجنوب، ولا للأحساء، ولالغيرها.  

لنأخذ بعض الأمثلة التي نبرهن بها هذ الدحض لهذا التجني على معايير الصحوة:   الرمز رقم واحد في علم التفسير في الصحوة الإسلامية هو الشيخ “محمد الأمين الشنقيطي” صاحب أضواء البيان، وهو موريتاني الأصل، وقد كان مشايخنا يتنافسون في الأخذ عنه، فلازمه بكر ابوزيد عشر سنين، بل إن الشيخ حمود العقلا الشعيبي كان في وقت طلبه للعلم علماء كبار مثل الشيخ محمد بن ابراهيم وابن باز والشيخ عبدالعزيز ابن رشيد والخليفي ونحوهم، ومع ذلك وبرغم أنه أخذ عنهم إلا أنه أقبل كلياً على الشيخ الشنقيطي وكان يدرس عليه في الكلية، ثم يذهب إلى بيته يومياً ويدرس عليه الأصول (الروضة) والمنطق (سلم الأخضري) وغيرها، ولذلك سئل الشيخ حمود (لماذا هذه العناية بالدراسة على الشيخ الشنقيطي بالذات؟) فكان جوابه (الشيخ محمد هو شيخي وإمامي في كل شيئ ، وكان من خيرة العلماء علما وورعا وزهدا) رحمهما الله كلاهما، بل إنه في كثير من البحوث العقدية التي ثارت مؤخراً حول الحاكمية والإرجاء وغيرها، كان كل من الطرفين يفرح إذا ظفر بنص للشيخ الشنقيطي، فإذا كان هؤلاء أبناء البلد يحتجون على بعضهم بنصوص لعالم موريتاني فكيف يقال أن الصحوة الإسلامية إقليمية أو مناطقية؟!   خذ نماذج أخرى على سبيل الاختصار: هذا الشيخ عبدالرزاق عفيفي (مصري) وقد كان ركن اللجنة الدائمة، وهي أهم مؤسسة فتوية في السعودية، وكان الشيخ ابن باز يرتاح كثيراً لتحريراته، وافحص فتاوى اللجنة الدائمة لتجد هذا الحضور الكثيف للشيخ عبدالرزاق، واسأل طلاب العلم الذين أدركوه وكيف دهشتهم من ذكائه رحمه الله.   وتأمل الدراسات الجامعية في السعودية في الحقبة السابقة ستجد أن أكثر شخصية معاصرة احتج الباحثون بأحكامه الحديثية هو الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (وهو ألباني سوري)، بل إن بعض الباحثين الذين كتبوا في دراسة الظاهرة السلفية المعاصرة جعلوا الألباني أحد أهم ثلاثة مرجعيات شرعية للسلفية، فكيف توصم الصحوة بالقطرية وثالث ثلاثة فيها ليس سعودياً أصلاً؟.

دعنا الآن من ذكر شخصيات ذات وزن مركزي وثقل عميق داخل وجدان الصحوة الإسلامية وهي خارج المناطق المزعوم تمييزها، ولننتقل إلى احتجاج أكثرة قوة من ذلك، وهو موقف الإسلاميين في حال المقارنة والموازنة والمواجهة بين طرفين من الشخصيات محل الدعوى:   لقد كتب بعض أهل العلم في السعودية فتاوى ورسائل ضد كتب سيد قطب بسبب بعض الهنات فيها، ومع ذلك وقف جمهور الصحوة الإسلامية مع سيدقطب، لا مع شيوخهم، وسيد قطب مصري، واستمروا يتواصون بكتبه، فبالله عليكم أين القطرية المزعومة؟   تهجم محمد بن عبداللطيف آل الشيخ (وأسرة آل الشيخ معروف وزنها الديني والسياسي ومن منطقة نجد) على الشيخ محمد المنجد (وهو سوري الجنسية) ومع ذلك وقفت الصحوة الإسلامية عن بكرة أبيها مع الشيخ المنجد ضد محمد آل الشيخ، ليس ذلك فقط بل ليتك ترى الشباب السعودي من الحجاز ونجد والأحساء يثني ركبه في دروس الشيخ محمد المنجد، ويلتف حوله بعد صلاة الجمعة يستفتيه في دقائق أموره، لماذا؟ لأن معيار الصحوة الإسلامية هو (العلم والديانة) وليس النسب والإقليم كما يزعم الشانئون.   خذ مقارنة تاريخية أخرى: كان جناحا الصحوة الإسلامية في حقبة التسعينات هما (العودة والحوالي)، والعودة من نجد (وبشكل أخص من القصيم)، والحوالي غامدي من منطقة الجنوب، وحين خرجا من مرحلة الاعتقال بدأ العودة في تدشين خطاب ديني جديد، ومع ذلك كله فقد رأينا كيف انسحب السلفيون عن العودة، حتى أن الدكتور العودة وضعهم في خانة الأعداء وكتب كتابه الأخير (شكراً أيها الأعداء)، وانجفلوا يتفانون في توقير الشيخ الحوالي، وهذا ليس خارج نجد، بل السلفيون في منطقة القصيم يجعلون الشيخ سفر رمز الصمود العقدي  والدكتور سلمان رمز التراجع، فكيف بالله عليكم توصم الصحوة المسكينة بأنها إقليمية؟ أي جور أكثر من هذا الجور؟! (والحق أن الشيخ سفر الحوالي باقعة في الاطلاع على المذاهب العقدية والفكرية، مع دقته المنهجية).

وحتى لو تأملت –أيضاً- في الكتب فمن أوسع كتب العقيدة وأجمعها ومن أكثرها حفاوة بين المتخصصين العقديين كتاب “معارج القبول” للشيخ العلامة حافظ الحكمي (وهو من منطقة جيزان) وهو مفخرة جازان بكل صراحة، فانظر كيف يتلقى شباب نجد والحجاز “العقيدة” من علم من أعلام جازان، ويستشهدون بنقوله. وكذلك أهم مصدر اتكأ عليه الإسلاميون منهجياً في معركة الحداثة  محاضرات الشيخ سعيد بن ناصر الغامدي ثم كتاب الشيخ عوض القرني (وكلاهما من منطقة الجنوب)، بل لم يتشكل تصور الإسلاميين عن الحداثة إلا من طريقهما.     على أية حال .. لو ذهبت أستقصي الرموز الشرعية والدعوية والفكرية والتربوية من مناطق المملكة، ومن خارج المملكة، وكيف يتنافس شباب الصحوة الإسلامية في توقيرهم على أساس مراتبهم في العلم والديانة لما انتهيت، وآخر مايعني شباب الصحوة الإسلامية هو النسب والمنطقة والإقليم، ولكني فقط أردت التمثيل، وأجزم لو أن القارئ الآن أخذ يتذكر أسماء المتصدرين للفتيا وتدريس العلوم الشرعية والدعوة والتربية لرأى التنوع الذي يكشف أن الإسلاميين ولله الحمد هم أنضج شرائح المجتمع في التعالي على هذه المعايير الجاهلية. بل إننا نتعبد الله جل وعلا بأن البنجلاديشي الذي يوحد الله أنه أحق بموالاتنا وتوقيرنا من سعودي يستغيث بالحسين.

أعتذر على هذه الصراحة في ذكر الخلفيات المناطقية لكن ضرورة معالجة هذه التهمة التي يتهامس بها البعض أحياناً، ويصرح بها البعض في أحيان أخرى، ويعول عليها بعض الفاشلين علمياً أو منهجياً؛ اقتضى مني أن أكون صريحاً في هذا العرض.   حسناً .. أعرف أن البعض يقول: أنا أتذكر قصة وقعت هنا أو هناك قال فيها شيخ ما عبارة يفهم منها المناطقية والإقليمية ونحو ذلك؟ فالجواب أن إطلاق الحكم على الصحوة الإسلامية بأنها قطرية أو إقليمية أو غير ذلك يحتاج النظر إلى الظاهرة العامة وليس إلى حالات فردية، فإننا نحن نعلم أن بعض المنتسبين إلى العلم يقع في شهوة رياء أو شهوة مال أو شهوة تتبع للرخص فهل يصح أن نطلق على الظاهرة الشرعية والدعوية بأنها مرائية أو متساهلة في الفتيا بسبب هذه الحالات الفردية؟   بل خذ مثالاً أكثر دلالة من ذلك: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أكمل تجربة بشرية عرفها التاريخ، وقع من بعضهم هنات في التنادي بدعوى الجاهلية، فهل يصح القول بأن الصحابة إقليميون أو عرقيون أو إثنيون بمثل ذلك؟ أم أن العبرة بالظاهرة العامة؟!.

 وأعرف -أيضاً- أن البعض يحتج بمناصب معينة أعطيت بناءً على توزانات مناطقية، ولكن هذه ليست مسؤولية الصحوة الإسلامية، بل هذه يسأل عنها السياسي الذي يراعي هذه التوازنات المناطقية ويحسب لها حسابات خاصة.   والمراد أن المعايير التي يتعامل بها الإسلاميون (كظاهرة) في تقييم الأشخاص والكتب أنها مبنية على التفاوت في العلم والديانة، وليس بناء على القطر والإقليم والنسب كما يزعم المتجنون على هذه الصحوة الإسلامية.  

 

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

11 أبريل 2010

Advertisements