الحمدلله وبعد.

 في الأيام الماضية عقد مؤتمر ماردين وكان مهندسه وصاحب أفكاره النهائية هو عبدالله ابن بيه، وقد قرأت مقالة للشيخ الفاضل عبدالوهاب الطريري يروي فيها منجزات مؤتمر ماردين، وأن أعظم إنجاز فيها –بحسب رؤية الدكتور الفاضل الطريري- هو تصحيح عبارة (“يقاتل” الخارج عن شريعة الإسلام) الواردة في الفتوى الماردينية لابن تيمية إلى (“يعامل” الخارج عن شريعة الإسلام).   ويشرح الدكتور الطريري -وفقه الله للحق- سبب هذه الأهمية بقوله (أصبحت الفتوى الماردينية بالنص المحرف مصدر استمداد لجماعات العنف والاقتتال داخل المجتمع الإسلامي، وممن أعتمدها بنصها المصحف وجعلها مصدر استدلال محمد عبد السلام فرج في كتابه (الفريضة الغائبة) (ص 6) وهو الذي كان دستور الجماعات القتالية).

ويبين الدكتور الطريري فائدة هذا التصحيح بقوله (وبتصحيح النص يتم تجريد الفتوى من هذا المتمسك للجماعات القتالية). ويؤكد الدكتور الطريري على عظمة هذا الإنجاز بقوله (ولو لم يكن من نتائج المؤتمر إلا إشهار هذا التصحيح لكان إنجازاً حقيقاً بالحفاوة).

لما رأيت هذا الكلام من الدكتور الفاضل الطريري استغربت جداً هذا التصور، فأي شخص طالع رسائل غلاة الجهاديين وبياناتهم يعلم يقيناً أن شبهات غلاة الجهاد ليس مرتكزها الأساسي هو الفتوى الماردينية، فضلاً عن عبارة (يقاتل) أو (يعامل)، ومع ذلك فقد قلت في نفسي ربما أنني لم أفهم رسائل غلاة الجهاديين جيداً، فرجعت بنفسي لكتاب (الفريضة الغائبة) وهو الذي أشار له الدكتور الطريري فتفاجأت بأن كلام الدكتور الطريري لم يكن دقيقاً، فكتاب الفريضة الغائبة لم يعتمد على النص المحرّف كما يقول الدكتور، بل كتاب الفريضة الغائبة ذكر في الحقيقة كلا الصيغتين (يقاتل) و (يعامل) [انظر: الفريضة الغائبة، ص 5، 8].  

ثم رأيت الدكتور الطريري يقول عن شيخ الأزهر (وقد تعقبه-أي كتاب الفريضة الغائبة- في ذلك جمع من العلماء منهم الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق ، والشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى في الأزهر رحمهم الله، في كتاب نقض الفريضة الغائبة (ص80) وقد ناقشوا مضمون الفتوى ولو وقفوا على النص الصحيح لها لكفوا كثيراً من القول).فرجعت لكتاب الشيخ جاد الحق في نشرته الأولى الموقّعة عام 1403هـ والمنشور ضمن فتاوى الأزهر فوجدت الشيخ جاد الحق ألحق بكتابه ملحقاً قال فيه (آثرنا أن ننقل نص كتاب الفريضة الغائبة كما ورد فى الأصل) ووجدت فيه كلا الصيغتين أيضاً (يقاتل) و (يعامل).

 مؤتمر كامل، ومصروفات، وأوقات، وبريق إعلامي، ومنجز يقولون عنه أعظم إنجاز، ومع ذلك يتبين أن كتاب الفريضة الغائبة، ومن رد عليه، نقلوا كلا الصيغتين أصلاً: (يقاتل) و (يعامل). ثم وعلى أساس هذا المنجز الوهمي (وهو تصحيح عبارة “يقاتل” للجهاديين) توصل المؤتمر إلى بيانه النهائي الذي قدم فيه لغة منهزمة حول: أحكام الجهاد، والولاء والبراء، والهجرة من دار الكفر مع الإمكان، الخ.

وأسوأ مافي هذا المؤتمر أمران: التلبيس على الناس باسم ابن تيمية والدفاع عن ابن تيمية وتصحيح فتوى ابن تيمية، وتبين أن الأمر كله بيان منهزم مبيّت بليل، وكان من أخلاق العلم أن لايتستر مهندس المؤتمر ابن بيه بابن تيمية وهو يعلم جيداً أن ابن تيمية يتعارض جذرياً مع أفكاره حول (الموقف من الكافر). والأمر الثاني المسئ في هذا المؤتمر هو التزين بأسماء بعض شيوخ العقيدة، واستضافتهم، وفي النهاية إصدار البيان الختامي دون استشارتهم، وقد وضّح ذلك الشيخ د.ناصر الحنيني في بيان خاص منشور بموقعه الشخصي يقول فيه (أنا لم أوقّع على هذا البيان، نعم تلي على الجميع ولما خاطبت المنظّمين بأن لدينا تحفظات وملاحظات، فقال: كل أحد له الحق في التحفظ، ولما رأينا أنهم لم يطلبوا منا توقيعاً على أوراق لم نظن أنه سوف تدرج أسماءنا في البيان). ويقول الشيخ الحنيني أيضاً (مما يؤكد مخالفتنا لبعض ما طرح في البيان الختامي أن ورقة العمل التي ألقيتها اشتملت صراحة على مخالفة ما في البيان). ماهو الدرس الذي أردت الوصول إليه من هذه القضية؟ الدرس الجوهري في هذه الحادثة هو يقين صار يتعاظم مع الزمن خلاصته أن كثيراً من الناس يطير في قضايا يكون فيها بعض الغضاضة على الأحكام الشرعية بحجة أن هذا فيه مقاومة لأفكار غلاة الجهاد، ثم يتبين أنه إنما أتي من قصور فهمه لشبهات غلاة الجهاد أصلاً، فأصبح أمثال هؤلاء: لا للأحكام الشرعية نصرو، ولا لغلاة الجهاد كسرو. لدي يقين تتزايد شواهده أن الخطابات التي انكسرت عن العزة ببعض معاني الإسلام هي أقل الخطابات تصوراً لشبهات غلاة الجهاديين، وهي أقل الناس إمكانية لتفكيك قناعاتهم وتصحيح تصوراتهم الشرعية، بل إن غلاة الجهاديين يفرحون كثيراً بأن يكون من يناقشهم متنازلاً عن العزة ببعض أصول أهل السنة، فإنهم يسقطونه مباشرة بمجرد ذلك، وأكثر الناس نفاذاً في الشباب الذين تورطو بأفكار الغلو هم الربانيون الراسخون المعتزون بكل معاني الإسلام والسنة.الخطاب المنكسر عن بعض أصول أهل السنة يوفر لغلاة الجهاد مبررات إضافية ويعزز موقفهم التفاوضي دوماً. وصيغة الفتوى الماردينية، سواءً كانت (يقاتل) أو (يعامل) ليست ذات موضوع بالنسبة لغلاة الجهاد، وليست هي مرتكزهم أصلاً. فغلاة الجهاديين يرتكزون على قضايا أخرى: الإجماع على قتال الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام، القياس على قتال أبي بكر لمانعي الزكاة، القياس على قتال التتار، مسألة التترس، كفر المظاهرة، كفر الجاهل، كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، قياس القوانين على الياسق، الخ.   وهذه القضايا فيها عشرات النصوص لابن تيمية، وفقهاء المذاهب الأربعة، بل إن محمد عبدالسلام فرج كان في مسألة الدور يستند على فقه أبي حنيفة وصاحبيه!   وأما تصور أن مستمسك غلاة الجهاديين هي عبارة وردت في فتوى ماردين فهذا فيه قصور فهم للواقع.   وأما مناقشة شبهات غلاة الجهاد، وبيان خطأ توظيفهم للأصول الصحيحة؛ فيحتاج إدراكاً عميقاً لأصول أهل السنة، واستيعاباً جيداً لخطاب غلاة الجهاديين ورسائلهم، وعزة بالمعاني الشرعية وعدم انكسار عنها.   بقي الآن مناقشة البيان الختامي لمؤتمر ماردين، ومافيه من الميوعة العقدية، لكنني أرى أنني قد كفيت هذا الأمر، فقد كتب الشيخان الفاضلان المبدعان: الشيخ د.عبدالعزيز العبداللطيف، والشيخ د.لطف الله خوجه، مقالتان علميتان دقيقتان حول البيان الختامي للمؤتمر، ومافيه من مخالفات لأصول أهل السنة، ووالله إنني أخجل أن أتكلم بعدهما، فأحيل القارئ الكريم عليهما.

 

أبو عمر

جمادى الأولى 1431هـ

24 أبريل 2010

Advertisements