المبادرات الاحتسابية: يوسف الأحمد نموذجاً

6 تعليقات

مدخل:

الحمدلله وبعد،،

في أواسط العام 1410هـ تخرج الشيخ المحتسب يوسف الأحمد من كلية الشريعة بالرياض لمرحلة البكالوريوس، وفي عام 1417هـ نوقشت رسالته للماجستير بعنوان (أحكام قضاء الصلاة في الفقه المقارن).

ولم ينته العام 1424هـ إلا وكان الشيخ يوسف قد أنجز رسالته للدكتوراه وكانت في مجال الفقه الطبي وكان عنوانها (أحكام نقل أعضاء الإنسان: دراسة فقهية مقارنة) وكان للرسالة مشرفان، مشرف فقهي من داخل كلية الشريعة، ومشرف طبي من خارج الكلية، وكان المشرف الطبي هو البروفيسور الطبيب د.محمد باخطمة (استشاري جراحة الكبد والقنوات المرارية بمستشفى جامعة الملك عبدالعزيز بجدة)، والدكتور باخطمة شخصية متميزة في الوسط الطبي السعودي فله أكثر من سبعين بحثاً منشور في مجلات محكمة علمياً، وكانت الدراسة الفقهية لأحكام نقل الأعضاء تحتاج إلى تصور واقعي إضافة إلى توجيهات الطبيب د.باخطمة، ولذلك -أعني لأغراض إتمام الدراسة الفقهية- فقد حضر الشيخ يوسف إحدى عشرة عملية جراحية مطولة لنقل الأعضاء، بعضها استغرق الليل كله، بحيث يستطيع أن يكتب عن أحكامها الفقهية بدقة، وقد أتم الرسالة ونوقشت في التاريخ المذكور.

وفي مجال البحوث الشرعية القصيرة فقد نشر الشيخ يوسف بحوثاً محكّمة مثل: بحث محكم بعنوان (وضع اللولب في الرحم لمنع الحمل)، وبحث محكم بعنوان (ضابط مسافة السفر)، وبحث محكم بعنوان (صوت المرأة) وقد درس الخلاف الفقهي فيه وتوصل إلى ترجيح اختيار ابن تيمية، وأنه أوسط الأقوال، فيجوز للحاجة وبلا رفعٍ للصوت، ومثال الجائز: اتصالها للسؤال الذي تحتاجه ونحوه.

وللشيخ يوسف دراسات شرعية لم تحكّم بعد مثل: حكم التعزير بالمال، احكام الاكتتابات في الأسهم، وغيرها. وأما في مجال الدروس الشرعية في حلقات العلم فللشيخ دروس كثيرة، ومنها درس فقهي في شرح عمدة الفقه لابن قدامة تم تسجيله في (47) شريطاً.

وبعد هذه الجولة القصيرة في النتاج الفقهي للشيخ المحتسب يوسف الأحمد، سنعرض الآن نماذج من أعماله الاحتسابية، وربما يتسرب سؤال لدى القارئ عن الغاية من هذه الورقة؟ والحقيقة أنني سأرجئ الإفصاح عن غاية هذه الورقة إلى خاتمتها.

-مأسسة العمل الاحتسابي:

كان للشيخ يوسف جهود فردية مبكرة في الاحتساب الشرعي، ولما ازدادت المهام أراد أن يرتب أوراقه فأنشأ مكتباً شخصياً للاحتساب في حي الصحافة بالرياض، وكان ذلك في عام 1425هـ، ولايزال المكتب يزاول نشاطه إلى الآن، وفي المكتب موظفون رسميون، وفيه متطوعون يستفيدون من خدمات المكتب فقط، وهو مكتب موافق للأنظمة السعودية.

-الاحتساب في قضايا المعتقلين:

في جمادى الأولى من عام 1425هـ حين اعتقل الشيخ سليمان العلوان والشيخ عبدالله السعد (الاعتقال الأول) وغيرهم قام كثير من المحتسبين بجهود واسعة لتفريج كربة إخوانهم، كمكاتبة المسؤولين وزيارتهم والإلحاح عليهم، ومن ذلك مخاطبة الملك عبدالله (كان حينها ولياً للعهد) خطابات عديدة، ومما جاء في أحد الخطابات الجماعية ما يلي:

(المقتضي لتحريره اعتقال عددٍ من المشايخ وهم: فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان، وفضيلة الشيخ المحدث عبدالله بن عبدالرحمن السعد، وفضيلة الشيخ حسين بن محمد المستنير، وقد آلمنا خبر اعتقالهم، وحز ذلك في نفوس أهل العلم والدعاة وطلاب العلم، ونرى أن الاعتقال يزيد الأزمة ولا يعالجها، ونتقدم إلى سموكم في معالجة هذه الأزمة بالتالي: خروج هؤلاء المشايخ من السجن، إن كان ثمة ضرورة أمنية فإنه يكون بطريق يتحقق من خلالها حفظ حق الشيخ كاللقيا بالجهة الرسمية في وقت الدوام الرسمي، خروج بقية المشايخ المسجونين، ومنهم: الشيخ الدكتور عبدالله الريس، والشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس، وأمثالهم من أهل العلم والدعاة إلى الله) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد]

ووقع على هذا الخطاب الجماعي جملة من الدعاة منهم المشايخ: يوسف الأحمد، وعبدالعزيز العبداللطيف، وابراهيم الحماد، وفهد القاضي، و محمد الخضيري، ومحمد الفراج، وعبدالعزيز العمر، ومحمد الهبدان.

وفي ذات الفترة فإن المشايخ المحتسبين خاطبوا جهاتٍ عديدة أخرى للتدخل بطلب الإفراج عن الشيخ العلوان، ومن تلك المكاتبات مخاطبة مكتب المفتي، حيث جاء في خطاب شخصي من الشيخ يوسف لسماحة المفتي:

(لقد آلمنا خبر اعتقال فضيلة الشيخ سليمان العلوان في يوم الأربعاء 9/3/1425هـ، وقد أدى ذلك إلى انزعاج عام بين طلاب العلم في المملكة وخارجها، لما للشيخ من مكانة علمية، ونظراً لخطورة الأمر، وحفظاً لحق الشيخ على وجه الخصوص، وحق المشايخ على وجه العموم؛ فإني أقترح إليكم التدخل في هذا الموضوع مع المسؤولين بالحكمة والموعظة الحسنة، في إخراج الشيخ من السجن، وإن كان هناك حاجة أو ضرورة أمنية فلا مانع أن تكون اللقيا بأسلوب يحفظ كرامة أهل العلم، ولا يثير حفيظة الدعاة إلى الله، كمجئ الشيخ إلى الجهة المعنية في أوقات الدوام الرسمي الصباحي..) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد، برقم 201/خ، وتاريخ 21/3/1425هـ].

وفي رمضان من عام 1426هـ رفع المشايخ مخاطبات ومكاتبات وزيارات أخرى للإفراج عن المعتقلين من الدعاة، ومما جاء في أحد المخاطبات الجماعية للملك عبدالله:

(سبب تحريرنا لهذا الكتاب طلب الإفراج عن اثنين من المشايخ المسجونين وهما: فضيلة الشيخ المحدث سليمان بن ناصر العلوان، وفضيلة الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس..) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد]

ووقع على هذا الخطاب الجماعي عدد من الدعاة ومنهم المشايخ: عبدالرحمن المحمود، وعبدالعزيز الطريفي، ويوسف الأحمد، وعبدالله آل سيف، وفهد القاضي، وعبدالله الريس، وعبدالعزيزالعبداللطيف، وعبدالعزيز العمر، وابراهيم الحماد، وعبدالعزيز الجيل.

وفي جمادى الثانية 1427هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة وزارة الداخلية بشأن اعتقال الشيخ خالد الراشد، ومما جاء في خطابه الشخصي:

(والمقتضي لتحريره الشفاعة لأخي فضيلة الشيخ خالد بن محمد الراشد، بالسعي في خروجه من السجن، وفضيلته من أشهر الدعاة إلى الله على مستوى العالم الإسلامي..، ونظراً لأهمية الأمر، وحاجة الناس إليه، ورفع الضرر عنه وعن أسرته، فإني آمل منكم الموافقة على إخراجه من السجن عاجلاً) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد، برقم 348/خ]

وفي رمضان 1429هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة وزارة الداخلية للإفراج عن الشيخ عبدالله الطويرش، ومما جاء في خطابه الشخصي:

(أشفع لأخي الفاضل الشيخ عبدالله الطويرش، والذي تم إيقافه قبل ثلاثة أشهر، وأفيدكم بأنه من خيرة الدعاة، وأكثرهم حكمةً وتعقلاً..، فآمل منكم التكرم بالسعي في الإفراج عنه) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد برقم 433/خ]

وفي شهر رجب من عام 1430هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة الداخلية مجدداً بشأن مجموعة من المعتقلين من الدعاة، ومما جاء في خطاب الشيخ الشخصي للداخلية:

(إن المشايخ الذين أوقفوا مؤخراً، وهم: الشيخ ابراهيم الناصر، والشيخ عبدالله الريس، والشيخ عبدالعزيز الجليل، كلهم معروفون بالاستقامة، وبعيدون كل البعد عن الفكر الضال..، آمل منكم التكرم بالموافقة في الإفراج عنهم) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد، برقم 497/خ]

وفي رمضان 1430هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة وزارة الداخلية للإفراج عن الشيخ الداعية إبراهيم الناصر، حيث جاء في خطابه الشخصي:

(المقتضي لتحريره الشفاعة لفضيلة الشيخ الدكتور ابراهيم بن علي الناصر حفظه الله، والذي تم إيقافه قبل أكثر من ثلاثة أشهر، وأفيدكم بأنه من خيرة علماء الشريعة الذين قابلتهم حرصاً على وحدة الكلمة واجتماع الصف، وقد كان له سعي كبير مع الشيخ سفر الحوالي وغيره في إخماد فتنة الفئة الضالة، وحث المشايخ على دعوة المطلوبين لتسليم أنفسهم.. فآمل التكرم بالإفراج عنه عاجلاً) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف، برقم 690/خ]

وفي شهر شوال 1430هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة الداخلية للإفراج عن الشيخ فهد العساكر، ومما جاء في خطابه الشخصي:

(والمقتضي لتحريره الشفاعة للشيخ الفاضل فهد العساكر حفظه الله، وأفيدكم بأنه بعيد كل البعد عن الفكر الضال أو التكفير..، آمل منكم التكرم بالموافقة في الإفراج عنه) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد برقم 552/خ]

وفي صفر 1431هـ تحرك الشيخ يوسف للافراج عن الشيخ عبدالرحمن الجريد، بل وتعهد بكفالته، حيث جاء في خطابه الشخصي المرسل إلى وزارة الداخلية:

(إن الشيخ عبدالرحمن الجريد الذي أوقف في 16/9/1429هـ من المباحث العامة، وتم انتقاله من ثلاثة أشهر تقريباً إلى الاستراحة: أفيدكم بأنه من خيرة طلاب العلم الذين عرفتهم..، فآمل منكم التكرم بالإفراج عنه، وأنا له كافل وضمين) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد برقم 605/خ]

وفي ربيع الأول 1431هـ خاطب الشيخ يوسف وزارة الداخلية للإفراج عن الشيخ ابراهيم الريس، ومما جاء في خطابه الشخصي:

(المقتضي لتحريره الشفاعة لفضيلة الشيخ الدكتور ابراهيم الريس، أستاذ التفسير بجامعة الملك سعود، وقد كان له جهد كبير في إخماد فتنة التكفير والتفجير..فآمل التكرم بالإفراج عنه عاجلاً) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد برقم 628/خ]

وفي ربيع الأول من عام 1431هـ احتسب الشيخ لإخراج أحد الشباب المعتقلين، وتعهد بكفالته، ومما جاء في خطاب الشيخ يوسف إلى الداخلية:

(إن الأستاذ الفاضل خالد بن عبدالله الهملان قد تم إيقافه في شهر ذي القعدة 1430هـ ، وقد عرفته بعيداً كل البعد عن فكر الفئة الضالة..، وهو من أفاضل الأساتذة الذين درّسوا أبنائي في ثانوية الإمام السوسي لتحفيظ القرآن الكريم..، فآمل منكم التكرم بالإفراج، وأنا له كافل وضمين) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد، برقم 611/خ]

وفي جمادى الأولى 1431هـ في اعتقال الشيخ عبدالله السعد (الاعتقال الثاني) احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة وزارة الداخلية ومما جاء في خطابه الشخصي:

(المقتضي لتحريره الشفاعة لفضيلة الشيخ عبدالله السعد، وأفيدكم أنه من أفضل علماء الحديث في العالم الإسلامي، ووجوده وأمثاله مفخرة لبلادنا..، ونظراً لمكانته العلمية فإني أقترح إليكم حضوره عند الحاجة إلى الجهة المختصة وقت الدوام الرسمي للإجابة عن أسئلتهم وعودته بعد ذلك، كما كان الصنيع مع عدد كبير من الشباب الذين سلموا أنفسهم بواسطة الشيخ سفر الحوالي..، فآمل منكم التكرم بالإفراج عنه عاجلاً) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد برقم 630/خ]

وحدثني الشيخ المحتسب يوسف الأحمد بأنه في أحد الأيام من عام 1424هـ طُلِب منه ضمن فريق من الدعاة إلقاء كلمات توجيهية في السجون بشكل عام، وكان أحد هذه البرامج في سجن جدة، وتحديداً في عنبر الحقوق المدنية، وهم المسجونين في قضايا الديون ونحوها، يقول الشيخ بأنه حين جالسهم لينصحهم شكوا له ماحصل لهم من المظالم، حيث أن محاكمتهم مؤجلة، وهم موقوفون على ذمة المحاكمة، وقد تجاوز سجنهم المدة النظامية التي حددها نظام الإجراءات الجزائية، فإما أن يُفرَج عنهم، وإما أن يُحاكموا، أما أن يبقوا في السجن هكذا معلقين فهذا غاية الظلم، يقول الشيخ: فأخذت منهم رقم المادة النظامية التي ذكروا أنها تبين حقهم، وخرجت إلى المنزل وبحثت في نظام الاجراءات الجزائية ونقلت نص المادة وكتبت خطاباً وبعثته للملك، ولجهات أخرى، فصارت مداولات، وتم تشكيل لجنة لحل مشكلتهم ولله الحمد.

ماسبق هو مجرد نماذج مختارة بشكل عشوائي من مئات المكاتبات والمخاطبات في الاحتساب في قضايا المعتقلين، والحقيقة أنني تعرفت على كمية هائلة من الخطابات والإلحاح واللقاءات والزيارات لتفريج كربة المعتقلين من شخصيات احتسابية أخرى غير الشيخ يوسف، فطلبت من الشيخ يوسف الأحمد تمكيني من الاقتباس منها وتوثيقها، فأخبرني أنه لا يستطيع، لأن هؤلاء الدعاة المحتسبين يرفضون أن تنشر مخاطباتهم أو توثق أخبار جولاتهم الاحتسابية على المسؤولين بشأن المعتقلين، فقلت للشيخ يوسف: الشباب يسألون كثيراً عن جهود المحتسبين في هذه القضايا، ويجب عليكم إخراجها للناس، فقال لي: والله لم أستطع أن أقنع المشايخ المحتسبين، بل أخرجت مرةً أحد خطاباتهم فعتبوا عليّ كثيراً.

على أية حال .. دعونا ننتقل الآن إلى محاور أخرى.

-العناية بالحقوق المالية للناس:

في شهر شعبان من عام 1430هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة الملك عبدالله للمناصحة حول حالة الفقر التي تعصف بالشباب مادياً ومعنوياً، والمطالبة بزيادة إقراض الشباب السعودي لإعانتهم على الزواج، وأن القروض الحالية لا تفي بالمتطلبات، ومما جاء في مكاتبة الشيخ للملك:

(تعيش بلادنا –بفضل الله- ثراءً كبيراً، حتى بلغ فائض الميزانية مئات المليارات، إلا أن الفقر في إزدياد، والشاب الذي تحصّل على أفضل الشهادات وأحسن الوظائف لا يستطيع الزواج وفتح البيت وامتلاك سيارة براتبه فقط، إلا أن يكون من أبناء الأغنياء وهم قلة، أو بتمويل البنوك الذي يقطع الظهور، أتقدم إليكم بهذا المقترح والذي أعتقد بأنه من أهم ماينفع الناس، وهوزيادة قرض بنك التسليف لراغبي الزواج، من خمس وأربعين ألفاً (45,000) ، إلى مائتين وخمسين ألف (250,000) يستلمها الراغب في الزواج على ثلاث دفعات، على أن يكون استلامها فورياً بعد تقديم الأوراق اللازمة، حتى لا نقع في مشكلة صندوق التنمية العقاري من طول الانتظار، وأن يكون سدادها بالأقساط المريحة التي لا تتجاوز الخمسمائة ريال شهرياً، وأقترح –أيضاً- ضرورة حذف شرط سقف راتب المقترض وغيره من الشروط التي تمنع أكثر الشباب من الانتفاع بالقرض، أو تلجؤهم إلى الكذب) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد، برقم 536/خ وتاريخ 25/8/1430هـ]

وهذه الصرخة حول حالة الفقر، والمطالبة بإقراض الشباب، نشرها الشيخ يوسف علناً أيضاً، في صحيفة الجزيرة حيث يقول:

(أفراد المجتمع يعيشون فقراً متزايداً وارتفاع البترول لم يزدهم إلا غلاءً في السلع، وحديثي هنا ليس عن الطبقة غير المتعلمة، أو عمن يسكن الأحياء الشعبية، وإنما الحديث عن شاب حصل على أعلى الشهادات وتوظف في أحسن الوظائف؛ فإنه لا يستطيع أن يتزوج، ولا يستطيع أن يشتري سيارة، ولا يستطيع أن يشتري أرضاً لبنيانها، بل لا يستطيع أن يستأجر منزلاً ويؤثثه؛ إلا أن يكون والده ثرياً، أو بالقروض البنكية المنهكة، والتي بات كثير من شبابنا أسيراً لها بسبب اقتطاع قسط كبير من راتبه الشهري، وأهم وسيلة في التغلب على هاتين المعضلتين هي: (قرض حسن) من المال العام من الدولة، وليس من الصدقات ) [صحيفة الجزيرة، يوسف الأحمد، ع 13009]

وعلى فضائية الأسرة في هذه السنة استضاف المذيع عبدالله آل يعن الله الشيخ المحتسب يوسف الأحمد للحديث عن (ظاهرة الفقر)، وكان سؤال الحلقة المركزي هو: هل الفقر يعتبر ظاهرة اجتماعية؟ والحقيقة أن جواب الشيخ يوسف في مفتتح الحلقة كان جواباً صادماً، وقد تضمن تأصيلاً فقهياً طريفاً ومؤلماً في ذات الوقت، يقول الشيخ يوسف في جوابه على سؤال الحلقة:

(بحسب تعريف الفقهاء للفقر، فإن أكثر المجتمع فقير، فالذي لا يكفيه راتبه إلا عشرين يوماً، أو شخص مدين لا يستطيع السداد؛ فهو داخل في دائرة الفقر. نحن لدينا الصورة الذهنية للفقر أنه شخص يعيش في “عِشّة” ولا يجد ما يأكل أو يشرب، هذه صورة نمطية، لكن الفقر في حياتنا أوسع من ذلك، قد يكون أستاذ في الجامعة وهو فقير، قد يكون معلم وهو فقير..، ومن المخالفات التي يجب فيها الاحتساب حقوق الناس، والمشكلة موجودة ويجب أن نبذل الوسائل الشرعية والحسية في معالجتها) [حلقة الفقر الخط الأحمر، الحلقة مسجلة في موقع مشاهد نظرة نقية]

كما أن الشيخ يوسف ألقى محاضرة بعنوان (الإصلاح المالي)، وقد طرحها بنفس مادتها مراراً، وسجلها عدة قنوات فضائية، لكن الطريف أنها في كل المرات التي تسجل فيها يعتذر أصحاب القناة عن بثها بحجة أن (المحاضرة صريحة سياسياً بشكل محرج!)

ومما تبناه مكتب الشيخ المحتسب يوسف أيضاً: الشفاعات العامة للناس، فيتقدم إليه الكثير من الشباب الراغب في الزواج يريد، وبعضهم تعثر قبوله في الجامعة، وبعضهم عجز عن دخول المستشفى، وغيرها كثير، فتحرر الشفاعات للمسؤولين والأثرياء، يحدثني الشيخ ويقول: والله إنني في بعض الشفاعات أكتبها وأنا لدي شبه يقين أنها لن تثمر لكن من باب تطبيق قول النبي صلى الله عليه وسلم “اشفعوا فلتؤجروا” ، ومع ذلك فيتحقق في كثير منها آثار طيبة لم تقع لي على بال.

الاحتساب في الحقوق المالية للنساء:

من الأمور المؤلمة في مجتمعنا ونظمنا الوظيفية أن المرأة في فترة (الحمل والحضانة) لا يتم مراعاة ظروفها بمنحها الإجازة الكافية والمبلغ المالي الذي يسد احتياجاتها وطفلها، خصوصاً مع تزايد كلفة برامج متابعة الحمل والولادة والحضانة، وقد اعتنى الشيخ المحتسب بهذه القضية بخصوصها، وتحدث عنها في عدة مؤتمرات وملتقيات، وفي أحد تلك الملتقيات تأثرت النساء الموظفات تأثراً بالغاً، وشرحن معاناتهن مع نظم العمل والتوظيف في السعودية التي لا تمنح المرأة حقوقاً كافية، كما كتب الشيخ المحتسب يوسف الأحمد مقالات في هذا الصدد، ففي مقال له بعنوان (حق المرأة الحاضنة) جاء فيه مايلي:

(المرأة التي تركت العمل من أجل تربية أبنائها هي من أولى الناس بتقدير مهنتها وتعويضها مادياً ولو بالحد الأدنى، فيخصص لكل امرأة حاضنة لطفل مكافأة شهرية من المال العام لا تقل عن ثلاثة آلاف ريال شهرياً، وأراه حقاً من حقوق المرأة الحاضنة في المال العام، وأولى ما يبذل فيه فائض الميزانية، وهذه الفكرة ليست مقترحاً جديداً بل هو أمرٌ مطبق في عدد من الدول ونحن أولى بها) [صحيفة الجزيرة، حق المرأة الحاضنة، 22/12/1428هـ].

الاحتساب في هموم المسلمين في الخارج:

للشيخ المحتسب يوسف الأحمد فتاوى كثيرة في العناية والمناصرة لقضايا المسلمين في الخارج، ومنها:

فتوى في الحكم بأن من أغلق معبر رفح ومنعَ الأغذية والأسلحة عن الفلسطينيين فقد ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام! (الفتوى بتاريخ 12/1/1430هـ، الموقع الرسمي)

وفتوى في الجدار الفولاذي الذي يبنيه النظام السياسي المصري وأنه يدخل في تولي الكافرين على المسلمين (الفتوى بتاريخ 13/1/1431هـ)

وفتوى في أن الحكومات العربية لا يلزمها أي عهود أومواثيق مع اسرائيل، لأن اليهود في فلسطين محاربون لاعهد لهم ولا ذمة وقد نقضوا عهودهم بالحصار والقتال (الفتوى بتاريخ 15/1/1430هـ، الموقع الرسمي).

وشارك في التوقيع على البيان الجماعي الأخير للعلماء والدعاة في نصرة قافلة الحرية والترحم على شهدائها من المسلمين، وكان على رأس الموقعين فضيلة الوالد عبدالرحمن البراك.

وللشيخ يوسف -أيضاً- فتوى ضد تهجم الرئيس الفرنسي ساركوزي على الحجاب (الفتوى بتاريخ 1/7/1430هـ، الموقع الرسمي).

وفتوى في نصرة المنقبات في بلجيكا بعد سعيها في سن قانون يمنع النقاب في الأماكن العامة ويعاقب بالسجن والغرامة المنقبات في الأماكن العامة (الفتوى بتاريخ 9/5/1431هـ).

وفتوى في نصرة المنقبات في سوريا بعد قرارها منع النقاب في التعليم العالي (الفتوى بتاريخ 10/8/1431هـ)

وفتوى بخصوص تهجم الرئيس الإيراني أحمدي نجاد علناً ضد ثلاثة من أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- وهم: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، ومعاوية بن أبي سفيان (الفتوى بتاريخ 24/6/1430هـ، الموقع الرسمي)

الاحتساب في قضايا الفضيلة:

لما صدر قرار مجلس الوزراء في 12/4/1425هـ بزيادة فرص عمل المرأة في القطاع الأهلي احتسب الشيخ في الدفاع عن حقوق النساء، فإن جماهير الفتيات السعوديات لا يرغبن في العمل في بيئات مختلطة، لأن ذلك يؤذيهن، ويسئ لسمعتهن، وهذا هو السبب في كون الفتيات السعوديات يتقاتلن على وظائف المعلمات ويدعن كثيراً من الوظائف الصحية التي أرغم النظامُ الفتياتِ فيها على الاختلاط، وقسرهن عليه قسراً، فكثير منهن يعملن تحت ضغط الحاجة لا لقناعة بأن هذه هي البيئة المناسبة للمرأة المسلمة، وقد كتب الشيخ يوسف توضيحاً مهما في هذه الصدد يقول فيه تعليقاً على قرار مجلس الوزراء المشار إليه:

(اطلعت على الكتاب الإحصائي السنوي لوزارة الصحة فوجدت فيه عشرات الآلاف من الوظائف المتاحة للمرأة السعودية؛ كالتمريض والوظائف الفنية والطبية وبمرتبات جيدة، والمتطلبات الدراسية لها في معظمها قصيرة الزمن سنتان أو ثلاث أو أربع بعد الشهادة الثانوية، والسبب الأساس في إحجام المرأة السعودية عن هذا الكم الهائل من الوظائف هو: وجود الاختلاط المحرّم فيها، ويؤكد هذا السبب تزاحم النساء على وظائف التدريس في مدارس الطالبات، حتى إن المعلمة تغترب السنة والسنتين والثلاث وأكثر من ذلك، فتكون من سكان الرياض وتقبل بالوظيفة في عفيف ونجران وتبوك، وفي قرى وهجر، ويبقى محرمها معها طيلة هذه السنوات، والحل هنا سهل؛ وهو فصل مستشفيات الرجال عن النساء، وحينئذٍ ستكون حال هذه الوظائف كحال وظائف التعليم) [الإسلام اليوم، رؤية في قرار مجلس الوزراء حول المرأة، يوسف الأحمد، 16/5/1425هـ]

ولو تم فعلاً  تنفيذ هذا المقترح، أعني أن فصل أماكن الرجال عن النساء في المرافق الصحية فكم سيوفر ذلك من فرص وظيفية مذهلة للنساء اللاتي طحنتهن حاجات الحياة اليومية المتزايدة، وتوفر لهن حياةً كريمة، ولكنه عناد مجموعة من المسؤولين التغريبيين الذين يحرصون على أن تختلط المرأة أكثر من حرصهم على حفظ كرامتها وسد حاجتها، وصار الأمر عندهم نوعٌ من التحدي والمكابرة على حساب حاجة الفتاة المسلمة.

ومن أهم المشروعات التفصيلية التي طرحها الشيخ المحتسب الأحمد مشروع بعنوان (مشروع السوق النسائي المغلق) وطرح فيه تفصيلاً للتصور المقترح لنموذج السوق النسائي المغلق، وكيف يمكن أن يتضمن: الشركات الراقية، والمرافق الترفيهية، وأجهزة الصرافة، ومضمار للمشي والرياضة، وعيادة نسائية، ومصليات، الخ، ويمكن مطالعة المشروع في الموقع الرسمي للشيخ.

ومن أهم الأمور في هذا الباب سهر المحتسبين وتيقظهم لما يحاك في الخفاء، طالع معي هذا الخطاب الذي كتبه الشيخ المحتسب يوسف الأحمد وبعثه لرئيس مجلس القضاء الأعلى في حينه حيث جاء فيه:

(أرفق لكم تقريراً مهماً وصلني من أحد طلاب العلم عن حذف وزير العمل لنص المادة الرابعة لضوابط عمل المرأة ونصها: “أن تؤدي المرأة عملها في مكان منفصل تماماً عن الرجال” ، والاستعاضة عنها بهذا النص: “يجب على صاحب العمل والعامل عند تطبيق أحكام هذا النظام الالتزام بمقتضيات الشريعة الاسلامية” ، ونظراً لخطورة هذا التغيير، وأن الهدف يصب في المشروع التغريبي، فآمل منكم التكرم بالنظر واتخاذ ماترونه مناسباً) [وثيقة من مكتب الشيخ الأحمد، برقم 371/خ، وتاريخ 10/4/1429هـ]

وللشيخ يوسف –مع إخوانه المحتسبين- جهود كبيرة وواسعة في مقاومة مشروعات تغريب الفتاة المسلمة وتهتيك الفضيلة، ومن ذلك فتواه في مصافحة الملك للخريجات في حفل التخرج لهيئة التخصصات الصحية للأطباء والصيادلة في 17/5/1430هـ وما فيه من اختلاط محرم (الفتوى بتاريخ 25/5/1431هـ، موقع الشيخ الأحمد الرسمي).

وفتواه في السابقة الخطيرة وهي الوفد النسائي السعودي من المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني الذي قام بزيارة لتونس لدراسة التعاون الثنائي في مجال التدريب التقني (الفتوى بتاريخ 3/5/1430هـ، موقع الشيخ الأحمد الرسمي).

وغيرها من القضايا الكثيرة في مجال مقاومة بذور الاختلاط المحرم في بعض الدوائر الحكومية.

-الاحتساب في قضايا الانحراف الثقافي والفني:

للشيخ المحتسب يوسف الأحمد –مع إخوانه من المحتسبين- جهودٌ كبيرة في مقاومة الانحرافات التي يبثها بعض المنتسبين للثقافة عبر معارض الكتاب أو الأندية الأدبية أو المقالات الصحفية ونحوها، ومن ذلك:

فتواه في وجوب محاسبة وزارة الثقافة والإعلام على الانحرافات الثقافية في معرض الكتاب بالرياض المتضمن التمكين لدور النشر المنحلة والإلحادية، وترويج الدواوين التجديفية والروايات الساقطة، واستضافة رموز الانحراف الفكري العربي وتهيئة الأجواء لهم ليبثوا سمومهم، والحقيقة أن كل ذلك يهبط بمستوى الثقافة الجادة النافعة للمجتمع (الفتوى بتاريخ 14/3/1430هـ، الموقع الرسمي).

ومن أكثر الأوراق التي كتبها الشيخ المحتسب الأحمد تميزاً ورقة بعنوان (من يحاكم الإعلاميين ياوزير العدل؟) وهي ورقة مطولة تضمنت مناقشة قانونية دقيقة لإشكالية جهة الاختصاص في محاكمة الإعلاميين، وقد راجعها عددٌ من المختصين، وقد صار لهذه الورقة دوي داخل الأجهزة المعنية.

-الاحتساب في قضايا العقيدة:

قام الشيخ المحتسب يوسف الأحمد ومجموعة من إخوانه بزيارة تصويرية تكررت ثلاث سنوات متوالية لبعض البقاع التي تقع فيها الشركيات في مكة المكرمة، وهي ثلاثة مواقع: شاخص جبل عرفة، وغار حراء، ومكتبة الحرم التي يعتقدون أن النبي –صلى الله عليه وسلم- ولد فيها، وصورت الممارسات الشركية في قرص مدمج (CD) وتم إرسالها إلى الجهات المعنية.

وكان من أكثر المشاهد المصورة قبحاً أن أحد الجهلة يسجد تجاه مكتبة الحرم ويستدبر الكعبة، ظناً منه أن هذا توقير لموضع ولادة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنه يجلب البركات، والمشكلة أن عدد الجهلة حول هذه الأماكن كثير جداً، بل واللافت أنه يتزايد سنةً بعد أخرى، حتى تحول إلى “مزار” .

حين طالعت هذه المواد، وخصوصاً الشخص الذي سجد لمكتبة الحرم مستدبراً الكعبة، حمدت الله أن علماءنا ودعاتنا لم يغتروا بالموضات الفكرية التي تزهِّد في ترسيخ التوحيد وتعاهده في النفوس، وما أجمل العبارة التي نقلها الذهبي في تاريخه عن الإمام أبي زرعة الرازي أنه قال (ما أسرع الناس إلى البدع) [تاريخ الإسلام، للذهبي، 18/209] وقد صدق رحمه الله، وهذا يكشف شيئاً من خبرة السلف بالنفوس البشرية وقوانين التاريخ في سرعة التحولات العقدية مالم يقف لها المحتسبون الصابرون.

ما سبق كله نماذج مختارة فقط، ولدي الآن طوابق من الوثائق الأخرى حصلت عليها من مكتب الشيخ يوسف الأحمد وتركتها تحاشياً للإطالة، وثمة وثائق أخرى –أيضاً- موجودة في (الموقع الرسمي للشيخ الأحمد) ومن أحب أن يطالع المزيد يجدها على العمود الأيمن في الموقع بعنوان (حقيبة الحسبة).

-تفعيل آلية دعاوى الحسبة:

نشط الشيخ المحتسب الأحمد –ومعه إخوانه من المحتسبين- في إقامة دعاوى الحسبة، والحقيقة أنه تطورت خبراتهم النظامية والقضائية بشكل ملحوظ مع كثرة لجوئهم للقضاء ومداولاتهم مع القضاة وممثلي التحقيق والادعاء العام والمحامين ونحوهم، وأخبرني الشيخ يوسف أن لديه حالياً سبع قضايا يتابعها، بعضها على جهات وبعضها على أشخاص.

ومن الدعاوى الطريفة التي رفعها الشباب المحتسبون الدعوى في قضية (سينما مناحي) في جمادى الثانية 1430هـ، حيث لما أراد الأمير الوليد بن طلال فرض السينما بالقوة بغطرسته المعروفة اشترى مجموعة من الشباب عدداً من التذاكر للحضور، ولما أرادوا الحضور منعهم رجال الأمن، وصار اشتباك بينهم، واعتقل هؤلاء الشباب، فلم يبقوا صامتين، بل رفعوا دعوى على الجهة التي اعتقلتهم، ولما حضر ممثل الجهة المدعى عليها تفاجأ بإصرار القاضي على مطالبته بالأسانيد والحيثيات التي ترتب عليها القبض والسجن، وما الجريمة التي ارتكبوها؟ وكان كل مرة يأتي ممثل الجهة المدعى عليها بلا جواب! وأصر الشباب الأربعة على المطالبة بحقوقهم وتعويضهم، وأنهم لم يثبت عليهم أي جرم في الدعوى.

-دورات تدريب المحتسبين:

تم استضافة الشيخ المحتسب الأحمد مرات كثيرة في عددٍ من دول الخليج لإلقاء دورات تدريبية، حيث استضيف في الكويت ثلاث مرات، وممن حضر بعض تلك الدورات شخصيات من جمعية الإصلاح، واستضيف الشيخ في قطر مرتين، وفي البحرين مرة.

والحقيقة أن الكويت فيها نشاط احتسابي متزايد الآن، وفيها مكاتب حسبة كثيرة، ومن ضمن من يقوم عليها من المشايخ: فايز العنزي، وعبدالمحسن بن زبن المطيري ونحوهم، بيض الله وجوه أولئك الأبطال.

-هل هو الأحمد لوحده؟

لا، قطعاً، بل هناك الآلاف من الدعاة والشباب المباركين العاملين في مجال الاحتساب الشرعي، بل أعرف الآن بعض الدعاة المحتسبين لهم جهود أضعاف أضعاف مايبذله الشيخ يوسف الأحمد، ولكنهم يمتنعون عن تزويد الباحثين بالوثائق لاعتبارات متفاوتة تخصهم، بل وحدثني الشيخ يوسف الأحمد نفسه أن أحد الشباب الذي لازال في مقتبل العمر يكتب شهرياً ما لايقل عن أربعمائة خطاب في سائر المنكرات.

ومن الدعاة المعروفين في مجال الحسبة على سبيل المثال المشايخ: فهد القاضي وعبدالمحسن العسكر والوطبان وابانمي والمبرد وغيرهم كثير، بل من اللطائف التي أخبرني بها الشيخ الأحمد أنه يقول: في كل فترة نتعرف على مجموعات من الشباب لم نكن نعرفهم ونجد لديهم نشاط احتسابي مذهل، وتجدهم يعملون لوحدهم ويتواصلون ويتواصون.

-الارتباط بالعلماء والأنظمة:

سألت الشيخ المحتسب يوسف الأحمد: ما هو أهم اعتبار يراعيه الشباب المحتسبون في الميدان؟ فقال لي: أهم اعتبار أمران: الأول: الارتباط بالعلماء لكي يرشِّدوا المسيرة ويضمنوا عدم الانفلات أو التصرفات المتهورة، والثاني: احترام الأنظمة والدراسة المستمرة للفرص الاحتسابية التي تتيحها الأنظمة وهي كثيرة.

-ما ثمرة المخاطبات والجولات الاحتسابية؟

قد يتساءل البعض: هل هناك فوائد عملية من تلك المكاتبات والجولات الاحتسابية؟ والواقع أنه قبل الجواب على هذا السؤال يجب تقرير الحقيقة الشرعية البدهية في هذا الموضع هي أن (الإنكار غايته الأولى هي الإعذار ثم التغيير)، فإذا لم يحصل التغيير، كان الإعذار قد وقع، كما قال تعالى في حكاية شأن الفريقين الذين اختلفوا في الإنكار طالما أنه لن يغير:

(وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأعراف 164].

فتأمل كيف قدموا الإعذار ثم ثنّو بالتغيير.

هذا من حيث التأصيل الشرعي، أما من حيث الواقع العملي فكل من كان في الميدان وسألته أجابني باندهاش من قوة تأثير هذا الإلحاح والضغط، وصار كثير من المسؤولين يحجزه عن الشر خوف إثارة المحتسبين عليه، ويقول: لا أريد أن أسبب لنفسي بلبلة قد تؤثر على منصبي. بل وفي أحد المرات بعث الشيخ المحتسب الأحمد خطاباً لبعض الدوائر ومنها الديوان الملكي والمجلس الأعلى للقضاء، ونسي الموظف وضع الدراسة المرفقة، فاتصل الديوان والمجلس الأعلى للقضاء كلاهما يطلبان الدراسة المرفقة. وأخبرني بعض المحتسبين عن تشكيل لجان كثيرة على أساس ضغوط مكاتبات ومخاطبات المحتسبين، وخصوصاً أنها ترد إلى الدائرة المعنية بالمئات من مختلف مناطق المملكة.

بل وفي كثير من المنكرات صار المفسدون يقيسون ردة فعل المحتسبين، فيسربون خبراً عائماً للصحافة، كبالون اختبار، فإذا وجدوا مناهضة ومقاومة تملصوا بالتأويلات، وإذا وجدوا صمتاً واصلوا.

وأهم فوائد تلك الضغوط الاحتسابية أنها حتى لو لم تمنع المنكر كلياً، فإنها تقلص الشر كثيراً، فكثير من المنكرات التي فرضت بالقوة لو لم تجد مقاومة لكانت أكثر انحرافاً، لكن المحتسبين فرضوا جزءاً من شروطهم عليها.

ولهذا السبب كان السلف الصالح مواظبون على التزام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى نقل الذهبي في تاريخه خبراً معبراً عن الإمام المحتسب سفيان الثوري:

(وقال شجاع بن الوليد: كنت أمشي مع سفيان، فلا يكاد لسانه يفتر من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر) [تاريخ الإسلام، الذهبي، 10/237]

وبعض الشباب يقول: أليس من الأولى أن تقوم به مؤسسات؟ والجواب: لا تعارض بين المؤسسات والضغط الشعبي، ففي كل دول العام توجد مجموعات الضغط والتكتلات كما توجد المؤسسات، بل إن أكثر التغيير في المجتمعات يأتي من قوى الضغط الشعبي وليس من المؤسسات الرسمية، ومن كان لديه خبرة بإنشاء المؤسسات فليتقدم إلى الميدان ويساهم بما يعرف، أما أن يجلس في بيته ويسخر بمن يعملون متظاهراً بالوعي السياسي فهذه تسلية البطالين.

-خاتمة: الغاية من هذه الورقة:

الحقيقة أن هذه الورقة هي حلقة من سلسلة في ثلاثة مسارات:

المسار الأول: استعراض لأعمال بعض رموز الاحتساب الشرعي ومنجزاتهم، وقد أمكنني المبادرة بتحرير هذه الحلقة عن الشيخ يوسف الأحمد لأنه –شكر الله سعيه- تعاون معي، وزودني بكل الوثائق التي تطلبها تحرير هذه الورقة، وسأواصل الإلحاح على بقية شيوخ الحسبة ليتيحوا للباحثين الاطلاع على منجزاتهم، ولذلك آمل من إخواني الشباب الذين لديهم مشروعات احتسابية أن يزودوني بالمادة على بريدي الإلكتروني أسفل هذه المقالة.

المسار الثاني: رصد واستعراض المنجزات المؤسسية الدعوية الإسلامية، سواءً كانت مؤسسات علمية إسلامية مثل: مركز تأصيل، ومركز الفكر المعاصر، ومركز تدبر، وبرنامج النخبة للعلوم الشرعية، ومركز رؤية في الرس، ومؤسسة زاد، ومركز باحثات، الخ

أو كان مؤسسة اجتماعية إسلامية: مثل قافلة الخير بالمنطقة الشرقية، وجمعية وئام لتيسير الزواج، وجمعية تكافل لرعاية الأيتام، الخ.

وقد اجتمع لدي الآن قائمة ضخمة من هذه المؤسسات الإسلامية (علمية واجتماعية)، ولا زلت أطمع في المزيد من المعلومات، ويحتاج تحريرها إلى وقت، وقد اقترب شهر رمضان وله خصوصيته المعروفة، فلعلي أحرر هذه الورقة بعد رمضان بإذن الله، وآمل من إخواني الشباب الذين يملكون معلومات عن المؤسسات الاسلامية (علمية أو اجتماعية)، وليس لأصحابها تحفظ على نشرها؛ أن يزودوني بها مشكورين على بريدي الالكتروني أسفل هذه المقالة.

المسار الثالث: استعراض الدراسات الشرعية في الحقول المدنية، وقد جمعت بيبليوجرافيا ضخمة عن دراسات الشرعيين في المجالات المدنية المعاصرة، أعني الدراسات الشرعية في قضايا: السياسة والاقتصاد والقانون والحقوق والفقه الطبي والتقنية والفلسفات الفكرية الحديثة. وسبق أن نشرتُ جزءاً من عناوين هذه الدراسات في ورقة بعنوان (الخطاب الشرعي والحقول المدنية) ، ولكنني في المرة القادمة سأوسع هذه القائمة وأتمنى من أحد الباحثين أن يقوم باستعراض عام لخلاصات تلك البحوث.

ولكن ما الهدف من هذه المسارات الثلاث؟

الحقيقة أنني أتمنى وآمل من خلال هذه المسارات الثلاث أن أوصل ثلاث رسائل لثلاث فرق، فريق المتطلعين، وفريق المخذلين، وفريق الليبراليين.

فأما فريق (المتطلعين) فأعني بهم دعاة الجيل الجديد من الشباب المتطلعين للعمل الاسلامي والذين يقولون دوماً لا نريد كلاماً نظرياً، نريد أن نرى نماذج عملية على الأرض نستفيد من تجاربها، ولذلك فمن حق هؤلاء الشباب علينا أن نوفر لهم التجارب الإسلامية الموجودة في الاحتساب، وفي المؤسسات الإسلامية، وفي الدراسات الشرعية في القضايا المدنية، بحيث يستطيعوا أن ييستفيدوا من تراكم هذه التجارب والخبرات ويطوروها تجاه المزيد من الدقة والتصحيح، ويواصلوا المسيرة لا أن يقوضوها.

وأما فريق (المخذلين) فأعني بهم مجموعات متناثرة تضع نفسها داخل الصف الإسلامي، لكن قضيتها وديدنها انتقاص الصحوة والسلفية والدعاة والمحتسبين وطلاب العلم بأنهم عبيد الحكومة وخدم الاستبداد وأنهم لم يقدموا شيئاً، وكل واحدٍ من هؤلاء قد فتح له صفحة شخصية على شبكة الانترنت يوهم نفسه ومن حوله أنه “غيفارا جزيرة العرب”، فأقول لهؤلاء: أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا، وخير من ذلك قوله تعالى (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ) [التوبة 79]

وأما فريق (الليبراليين) فإني أتمنى أن تصل إليهم الرسالة أكثر صراحة ووضوحاً، وهو أنه مهما استغليتم توازنات الظرف السياسي الحالي للتأليب الإعلامي ضد علمائنا ودعاتنا ومحتسبينا فإننا سنزداد توقيراً لهم، وذباً عنهم، ونصرةً لهم، فنحن أمة لا تعق مصلحيها بإذن الله، بل كل من وضع لبنة واحدة في العمل الإسلامي وضعناه فوق رؤوسنا.

إن الآلية المزدوجة التي صار يستعملها الإعلام الليبرالي وهي آلية (التشويه والتشييخ) أعني تشويه عامة علماء أهل السنة عبر الترصد لفتاواهم وعرضها في قوالب نمطية محرّفة، في مقابل تشييخ وترميز شخصيات منتسبة للشريعة بعينها وهي التي تتوافق مع متطلبات الفكر الليبرالي، بأن تكون شخصيات لا تهدد الأجندة الليبرالية، هذه الآلية المزدوجة لم تعد تنطلي على من له أدنى متابعة في الساحة، وصاحب المروءة تأبى عليه مروءته أن يكون شيخاً وفق متطلبات الإعلام الليبرالي لكن لله في خلقه شؤون.

والله أعلم،،

أبو عمر

شعبان 1431هـ

25 يوليو 2010

Advertisements

من يقف خلف الأسماء المستعارة؟

أضف تعليق

الحمدلله وبعد،،

حين تتأمل الظاهرة الإسلامية المعاصرة من علماء وطلبة علم ودعاة ومفكرين وأدباء الخ فإنه لا يشدك مثل ظاهرة لطف الشخصية المتدينة وحب الناس لها .. الكثير من أقاربي سمعتهم يتحدثون عن حسن ابتسامة المتدينين للناس .. بل الكثير من الناس يتحدث عن ظرافة الفقهاء والدعاة في دروسهم وحسن فكاهتهم التي يتناقلون شيئاً من أخبارها..

 

ولذلك حين يتساءل كثير من الليبراليين ما السر في كون التربويين الإسلاميين استطاعوا التأثير في الشباب والأسر بهذا الاتساع الاجتماعي المذهل؟ السبب الجوهري يعود إلى سحر الأخلاق والتضحية التي يبذلها أولئك التربويون الفضلاء..

 

دعونا من هذا المشهد الذي هو الأصل وهو القاعدة العامة في الظاهرة الإسلامية -ولله الحمد- ولنحاول أن نسلط مجهر التحليل على عينة استثنائية وهامشية وليست ظاهرة عامة بكل حالٍ من الأحوال.. لكن لا مانع برغم هامشيتها أن نقوم بقراءتها..

 

هناك أسماء مستعارة على الشبكة أخذت على عاتقها نصرة منهج أهل السنة في العقيدة والفقه ومنهج الإصلاح، وكتب الله على أيدي هؤلاء الشباب المباركين خيراً كثيراً، بل نفع الله ببعضهم أكثر من نفع بعض طلاب العلم، لا إشكال في هؤلاء.

 

ولكن ثمة –أيضاً- أسماء مستعارة أخرى تقحم نفسها في بعض المنتديات والمواقع الاحتسابية، وخصوصاً في التعليق على المقالات في المجلات الإلكترونية، وتستخدم ألفاظ سوقية وأساليب في غاية التفحش والتهتك والقذارة في الرد على المخالف، حتى لوكان خلافه في داخل الصف الإسلامي.

 

بصراحة وقفت محتاراً أمام هذه الأسماء المستعارة؟ وتناقشت مع بعض الإخوان: من يقف ياترى خلف هذه الأسماء المحدودة؟ هل هم إسلاميون فعلاً أم يتظاهرون بأنهم إسلاميين لتشويه صورة المتدينين؟

 

حتى لا يكون الكلام تجريدياً فإنني سأضطر اضطراراً لضرب أمثلة لتوضيح المراد:

 

خرج الأخ القارئ عادل الكلباني بمقالته الملخصة عن حكم المعازف والتي ضمنها اتهام من يحرم المعازف بالغلو، وأن علماءنا مصابون بجرثومة التحريم، وقد بين جمع من أهل العلم والدعوة خطأه في كلا المسألتين، ولكن ثمة أسماء مستعارة على الشبكة وصفت الأخ عادل بنعوت لا يوصف بها مسلم، واستعمل بعضهم عبارات فاحشة يتقزز القارئ وهو يقرؤها، بل وقد وقفت على شخص لمز الأخ عادل بلونه، يا سبحان الله أي جاهلية تلك؟! والله لو كمل التوحيد في قلب ذاك المعلق لما لمز مسلماً بلونه .. ولكنها شُعب الجاهلية التي تسري في بعض النفوس المريضة..

 

في واقعة أخرى.. أطلعني أحد الإخوان قبل فترة على مقطع يوتيوبي مسجل يعرض فيه من صممه كلمات للدكتور سلمان العودة، حول الإم بي سي حين كان يذمها، ويعرض فيه من صممه صوراً لحيوانات في محاولة للإساءة للدكتور سلمان، مهما بلغ الاختلاف مع الدكتور سلمان في مسائل منهجية معينة، هل يقبل مسلم أن يضع أخاه المسلم في مثل هذا القالب الحيواني؟! اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هذا البذئ.

 

وأخبرني أحد الإخوة عن حوار حادّ دار في أحد الساحات الإلكترونية، بين الأخ الفاضل بدر العامر(د.استفهام) وبعض الأسماء المستعارة الأخرى، ونقل لي عبارات دارت فيه، وكان الأخ الذي أخبرني مفجوع منها، زرت الموقع وكادت تمور بي الأرض لما رأيت ذلك الاسم المستعار يطعن في “عِرض” الأخ الفاضل بدر العامر، كدت أن أتيبس في مكاني، والله إنها كلمة تنهد لها الجبال الرواسي، هل يقولها رجل يقرأ قوله تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين، 6].

مهما بلغ الاختلاف مع الأخ الفاضل بدر العامر في مسائل منهجية معينة، هل يصل الأمر إلى أن يطعن هذا الطاعن في عرضه؟! لاحول ولا قوة إلا بالله.

 

وقبل فترة نشر الدكتور عبدالعزيز قاسم صورة له زار فيها قبر النجاشي، وأكد خلال تلك الحادثة نفي كل معنى غير شرعي قد يتوهمه متوهم، ومع ذلك فإن أحد تلك الأسماء المستعارة اتهم الدكتور قاسم بأنه “قبوري” .. اتهام بالشرك لرجل يعلن بكل صوته براءته منه! تلك اليد التي كتبت هذه التهمة ألا تتذكر قوله تعالى (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يس، 65]

 

مهما بلغ الاختلاف مع الدكتور قاسم حول سياساته البرامجية، هل يصل الأمر إلى اتهامه بالقبورية! كبرت كلمة تخرج من فيّ ذاك الطاعن.

 

وثمة نماذج مماثلة مرت بي، وأظن القارئ قد وقف على بعضها أيضاً.

أول وأضخم حقيقة بدهية قطعية أمتلئ بها إيماناً أن هذه الكتيبة المستعارة لا تمثل الإسلاميين من قريب ولا من بعيد، ووالله لا يزعم أنها تمثل الإسلاميين رجل يخاف الله ورسوله، يا أخي لقد جالسنا طلبة العلم والدعاة، والمفكرين الاسلاميين، والأدباء الإسلاميين، والإعلاميين الإسلاميين، وجنود الظل التربويين الإسلاميين، وما رأينا والله إلا كل لطف وتعامل ودود وتحبب إلى الناس ولله الحمد.

 

هناك احتمالان مطروحان: هل هذه الأسماء المستعارة المتفحشة هم مجرد فتيان صغار فيهم طيش المراهقة و لا موجِّه لهم واستمتعوا باللعبة؟ أم هم أناس من خارج الصف الإسلامي يريدون تشويه الإسلاميين؟ الله أعلم.

 

كنت مرة أتابع سجالاً على الشبكة، فنطق أحدهم بعبارة “فاحشة”، فأنكر عليه آخر هذه العبارة، فذهب هذا المتفحش يذكر أدلة على موقفه، الحقيقة أنني اندهشت حين رأيت هذا المتفحش لديه “شرعنة” مسبقة لما يقوم به!

 

دعونا نفحص أدلته، فربما يكون هناك أشخاص آخرون ينطلقون من هذه الشرعنة.

يقول هذا المتفحش أن النبي –صلى الله عليه وسلم- وابا بكر حفظ عنهم عبارات قالوها كأعضوه بهن أبيه ونحوها، والجواب: أن من تأمل أحوال النبي –صلى الله عليه وسلم- علم أن هذا استثناء وفي حالات خاصة وليس أصلاً عاماً، ولذلك نهى عائشة حين شتمت اليهود، ولو كان يجوز لما نهاها، وهم اليهود!

 

والمشكلة أن هذا المتفحش جعل الاستثناء أصلاً، والأصل استثناءً، فصارت الأخلاق هي الاستثناء، والفحش هو الأصل. من يحتج بالنصوص الخاصة التي ورد فيها شئ من هذه العبارات ويدع النصوص العامة التي كان عليها عامة سيرة النبي –صلى الله عليه وسلم- فهو كمن يأخذ ببعض حالات الاختلاط العارض ويجعله هو الأصل، هذه طريقة (تقعيد الاستثناءات) أي تحويل الاستثناءات إلى قواعد عامة التي يتبعها أهل الأهواء.

 

الترفع عن البذاءة في الردود هي طريقة أهل السنة والجماعة، فمن تأمل كتب السلف ومن اتبعهم كردود الامام احمد والدرامي، وردود ابن تيمية، وردود الإمامين ابن باز وابن عثيمين، وردود الوالد عبدالرحمن البراك، رأى فيها كلها التحفظ والترفع عن الإسفاف والبذاءة والسوقية، واختيار أجزل العبارات وأبعدها عن التفحش، وكل مافيها مما هو خلاف ذلك إنما هو استثناء وفي حالات خاصة وليس أصل، فبعض أهل العلم يجيز مثل هذه الأمور على سبيل المقابلة والمجازاة لا على سبيل المبادأة، مع كون الترفع عنها أولى.

 

ومن الأمور التي احتج بها هذا المتفحش: أن من ينتقدهم يستعملون هم –أيضاً- عبارات مسيئة، كاتهام العلماء والمحتسبين بأنهم عبيد الحكومة وقطيع ويتهمونهم بالسذاجة والسطحية وقصر النظر أو جرثومة التحريم أو الغلو أو بذور الإرهاب أو التسكع ونحو هذه العبارات، والجواب: أن خطأ المخالف في الأخلاق يجب أن لا يقود الداعية –أيضاً- إلى الخطأ، وليحتفظ الداعية برباطة جأشه، يجب أن نكون أرقى أسلوباً من مخالفينا، إنهم ليسوا قدوة لنا.

 

هل هذا يعني أن (الحزم في الرد في موضعه) ممنوع شرعاً؟ لا، قطعاً، ليس هذا المراد، فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- استعمل الحزم في موضعه، ومن ذلك ما في صحيح مسلم عن عدى بن حاتم:

(أن رجلا خطب عند النبى -صلى الله عليه وسلم- فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “بئس الخطيب أنت، قل ومن يعص الله ورسوله” ) [صحيح مسلم، 2047]

 

وكذلك فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال عن عيينة بن حصن لما استأذن (بئس أخو العشيرة) [صحيح البخاري، 6032]

 

وكذلك استعمل الحزم في موضعه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن عبدالله بن عمر لما روى حديث إتاحة المساجد للنساء اعترض عليه ابنه بلال، فرد عليه ابن عمر رداً حازماً يليق بالموقف لتعظيم النص، حيث جاء في الصحيح:

(أن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول “لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها” ،. قال فقال بلال بن عبد الله “والله لنمنعهن” ، قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سباً سيئاً ما سمعته سبه مثله قط، وقال: “أخبرك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتقول والله لنمنعهن” ) [صحيح مسلم، 1017].

 

والمراد أن استعمال الحزم في الرد في موضعه أصل شرعي، لكن التفحش والبذاءة واعتياد الألفاظ السوقية الشوارعية في الردود هذا كله مخالف لطريقة أهل السنة والربانيين الذين ادركناهم من أهل العلم.

 

ولذلك فإنني ألتمس من إخواني الذين يكتبون بهذه الطريقة بأسماء مستعارة أن يتحاشوا هذه الطريقة لأمرين: لأنها خلاف المنهج الشرعي أولاً، ولأنها مضرة بمصلحة وصورة الدعوة ثانياً، ولا يعتمدوا على كلامي أنا شخصياً، بل ليذهبوا لأحد أهل العلم الكبار الموثوق في علمهم وديانتهم وربانيتهم، وليسألوه عن حكم هذه الأساليب البذيئة، وستجدون كيف ينفر أهل العلم عندنا من هذه الأساليب.

 

على أية حال .. لا زال السؤال يحيرني: من يقف ياترى خلف تلك الأسماء المستعارة المتفحشة؟

 

والله أعلم،،

أبو عمر

شعبان 1431هـ

21 يوليو 2010

الإصلاح على طريقة لمز المطوعين

تعليق واحد

 

الحمدلله وبعد،،

في كل بلد في العالم فإن الإصلاح المدني يعني تقديم خطط وبرامج ومشروعات وحلول مدنية عملية للأزمات المدنية التي يعاني منها الناس.. يعتبر الشخص مصلحاً مدنياً إذا قدم إصلاحات مدنية على الأرض.. هذا هو تعريف الإصلاح المدني في العالم ببساطة .. إلا في بلدي السعودية التي تفردت بتعريفات كثيرة ولله الحمد .. فإن الإصلاح المدني له تعريف آخر .. تعريف آخر مختلف كلياً.. وهذا لعله جزء من فرادتنا!

 

الإصلاح في السعودية ليس أن تقدم برامج ومشروعات مدنية في الجوانب الناقصة.. لا.. لا تحتاج ذلك أبداً، فقط استمتع بالتهكم بالفقهاء والدعاة الإسلاميين والمحتسبين لماذا لم يقدموا هم؟! وستجد نفسك في دقائق إصلاحياً كبيراً !

 

إصلاح أزمات الإسكان والصحة والخدمات التي يئن منها الناس في السعودية ليس بأن تقدم خطط ودراسات مدنية بشأنها.. لا.. لا.. هداك الله.. لا تحتاج إلى ذلك كله.. فقط انتقد المشايخ لماذا لا يقدمون هم خطط ومشروعات، ولا تنس أن تدخل في حديثك عبارات من نوع: فهم العصر وإدراك المتغيرات الخ! وستكون حينها أردوغان السعودية!

 

الشجاعة في المسائل السياسية الحساسة في السعودية ليس أن تقدم برامج وخطط إصلاحية لحل مظالم الإقطاع العقاري والحبس بلا مقاضاة ونحوها .. لا.. لا.. لا يحتاج الأمر أن ترهق نفسك.. اجلس في المساء على صفحتك الشخصية الإلكترونية مع كوب من اللاتيه واستمتع بتعيير الفقهاء بعجزهم السياسي والأمني! وستكتشف نفسك حينها سيفاً إصلاحياً لا يغمد!

 

الإصلاح في السعودية ليس إصلاح الخلل، وإنما شتم الآخرين لم لا يصلحون الخلل؟! هكذا بكل بساطة!

 

قرأت لأحدهم مرةً يتهكم بخطيب الجمعة في مسجدهم لماذا لا يصلح قضايا التنمية (أخذت أتساءل: ربما الأخ يظن أن خطباء الجمعة هم الوزراء في الدولة؟! )

 

دعونا نتذكر صغار الصحابة ونقيم شيئاً من المقارنات .. صغار الصحابة كابن عباس وابن عمر .. أو بشكل عام من تأخر موته من الصحابة رضوان الله عليهم، ففي البصرة توفي أنس بن مالك أحد المكثرين وخادم رسول الله عام (93هـ) ، وفي مكة توفي ابوالطفيل عامر بن واثلة (110هـ) ، وفي حمص توفي عبدالله بن بسر المازني (96هـ) ، وفي الكوفة توفي عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي (87هـ) ، ونحو هؤلاء الصحابة الذين تأخر موتهم وأدركوا من حكم المتغلبين ومن الخلل السياسي عقوداً متتابعة.

 

أي أن الصحابة أدركوا من ولاية المتغلبين –في أشد الأقوال- مايقارب (70 سنة) وهي الحقبة التاريخية الواقعة بين (41 – 110) .. وفي هذه الفترة قامت عدة نظم سياسية متغلبة وفيها خلل سياسي كبير مثل: يزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، وعبدالملك بن مروان، والوليد بن عبدالملك، وسليمان بن عبدالملك.

كل هؤلاء حكموا والصحابة لا زالوا متوافرين..

 

السؤال الآن: ترى لو عاشت هذه الطوائف الفكرية في عصور أولئك الصحابة فماذا سيقولون عنهم؟ هل سيلومون ابن عباس وابن عمر وأنس ونحوهم من أجلة الصحابة ويقولون لهم: أنتم مشغولون برواية الحديث وتعليم الناس السنن وهذا إشغال للناس عن مقاومة الخلل السياسي؟

 

هل سيقولون لابن عباس: أشغلت الناس بتفسير القرآن وكلام العرب عن الأزمات التي تمس حقوق الناس؟! حاشاه رضي الله عنه.

 

هل سيقولون للصحابة: أنتم تشددون النكير على القدرية وهم قوم لهم تأويل وإنما أرادوا البحث عن الحق ولهم حرية الرأي، بينما تحرمون الخروج على هذه النظم السياسية المتغلبة!

 

وفتاوى الصحابة في مسائل الفقه ملأت أسفار كتب الآثار وفقه الحديث من باب المياه إلى باب الإقرار.. فهل هذه الفتاوى الصحابية كلها كانت تغييباً لعقول الناس عن النظم السياسية المتغلبة؟!

 

عمل فقهاء ومفتي الصحابة مع أمثال يزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، وعبدالملك بن مروان، والوليد بن عبدالملك، وسليمان بن عبدالملك .. أصل في معرفة الحق لمن أراده.

 

فقد استمر الصحابة في عصور التغلب في تفسير القرآن ورواية الحديث وبيان السنن وتعليم الناس والفتيا في دقيق الأمور وجليلها، ولم يعتبروا أن بيان مسائل الدين هو اشتغال بمسائل هامشية كما يدعي هؤلاء..

 

ولذلك تجد علماء أهل السنة ساروا طوال القرون الماضية على طريقة الصحابة، استمروا في بيان مسائل الدين دقيقها وجليلها، ولم يعتبروا أنها إشغال للناس بالتوافه ..

 

هل تريدني أن أصدق أن فقهاء الصحابة ومفسريهم ومفتيهم ومن بعدهم من العلماء لم يفهموا حقيقة الإسلام وفهمه بعض المنتسبين للفكر المعاصر! يارحم الله العقول إذن!

 

على أية حال .. الجوانب المعاشية في المجتمع مسؤولية الجميع .. وليست مسؤولية الفقهاء والمحتسبين وحدهم .. وعلماء الإسلام بلا استثناء يعدون كل بابٍ منها شعبةٌ من الاحتساب.. وشعب الإيمان بضع وسبعون شعبة .. بل إن الخبراء –كلٌ في مجاله- عليهم مسؤولية خاصة في أنتاج الحلول المدنية للمشكلات المعيشية للمجتمع..

 

فالاقتصادي والمهندس والإدراي هم الذين يملكون الخبرات المدنية للمشكلات المدنية.. هل ننتظر من الفقهاء والخطباء والدعاة أن ينتجوا خططاً لمشروعات الطرق وبرامج العلاج والتمويل العقاري؟! هذا خلط في الوظائف .. هذا كمن يقول على المهندس أن يحقق أسانيد مسند أحمد! والجميع يدرك أنه ليس عليه ذلك..

 

وهذا هو الفرق بين مفهوم (العلمانية) المرفوض شرعاً .. ومفهوم (التخصص) المطلوب شرعاً .. فالعلمانية توزع المهام المدنية مع جعلها غير محكومة بالشريعة .. أما التخصص فتوزيع المهام مع جعلها جميعاً محكومة بالشريعة..

 

ومن أهم كوارث هذه الطوائف الفكرية أنها دوماً تقع في (تنقيض الفروض الكفائية) أي وضع المطالب الشرعية أضداداً ونقائض لبعضها، فهم لا يقولون مثلاً: شكر الله لمن اعتنى بنشر السنن وإماتة البدع، ونحن فريق آخر سنعتني بقضايا الحقوق المالية، بل يجعلون هذه نقيضاً لهذه!

 

بل ويصرحون أحياناً بأن أي اشتغال بقضايا العقيدة أو الفضيلة أو مقاومة الربا ونحوها أنه تضييع للجهود وتشتيت للتركيز وصرف للانتباه عن القضية الحقيقية التي هي القضايا السياسية والمالية! فانظر كيف أفسدوا جهودهم بمثل هذه المتضادات التي يفتعلونها، مع أن علماء أهل السنة كانوا ينتظرون منهم أن يكونوا عوناً لهم على استكمال جهود الإصلاح الشامل فتحولوا إلى معاول هدم بجعلهم بعض الشريعة نقيضاً لبعضها.

 

ولذلك كان بعضهم يستاءل: لماذا وقف الإسلاميون والخطاب الشرعي ضد شخصيات إصلاحية معروفة مادام أن الإصلاح السياسي والمالي جزء من الشريعة؟!

وهذا تزييف للواقع، فكل الشخصيات الإصلاحية التي انتقدها الخطاب الشرعي لم ينتقدها لأنها طالبت بالإصلاح المالي، وإنما انتقدها لأنها توسلت بالقضية الإصلاحية لتمرير تحريفاتها للشريعة كالإزراء بعلوم السلف، أو التهوين من مرجعية الصحيحين، أو جحد حد الردة، أو السخرية بكتب العقيدة كالطحاوية ونحوها..

 

بل إنني أعمم -وأنا مسؤول عن هذا التعميم- وأقول أنه طوال تاريخنا المحلي فإن كل الشخصيات التي اعتنت بشكل عام بـ(النقد السياسي) وأظهرت في نفس الوقت احتراماً للشريعة وعلومها ومنهج أهل السنة؛ فإنها لاقت تقديراً واحتراماً وإعجاباً في الوسط الإسلامي، وتداولاً لمقالاتها.

 

وهذا الموقف من أشد نقاط التميز في الاتجاه الإسلامي –ولله الحمد- وهو أنه يحترم الشجاعة السياسية بشرط أن لاتتحول إلى جسر لنفي شئ من أحكام الشريعة ومنهج أهل السنة.

 

ونظير ذلك: أننا نحترم الطبيب المبدع بشرط أن لايستغل إبداعه العلمي لترويج الاختلاط بين الجنسين، ونحترم الروائي المبدع بشرط أن لايستغل أدبه لتمرير المجون، ونحترم الإعلامي المتميز بشرط أن لايستغل مهنيته للتأليب ضد الأنشطة الإسلامية، وهكذا.

 

بل تأمل معي في نموذجٍ أكثر دلالةً من ذلك، وهو أن الشخصيات التي تكلمت عن (الجهاد الشرعي) لقيت احتراماً بين الإسلاميين، لكن لما صار بعضهم يستغل عنايته بالجهاد للتهكم بدروس العقيدة، أو تكفير علماء أهل السنة، أو تهديد أمن البلدان الإسلامية واغتيال العاملين في المؤسسات الأمنية وإتلاف الثروات العامة للمسلمين، فإن الإسلاميين بعامة أطبقوا على منافرته وذم طريقته، لا لأنه اعتنى بالجهاد، ولكن لأنه استغل عنايته بالجهاد لتمرير أفكار منحرفة.

 

وهكذا كل الشخصيات التي تاجرت بالإصلاح السياسي لبث أفكارها المنحرفة فإنه يجب مقاومة تحريفاتها، لا لأنها اشتغلت بالاصلاح السياسي، وإنما لأنها استغلت الإصلاح السياسي لشرعنة تأويلاتها للنصوص.

 

ياحسرةً على مجموعات رفعت شعار (معارضة الدولة) بينما برنامجها العملي (معارضة العقيدة)..

 

أريد هاهنا أن أشير لتحفظ ضروري: وهو أنه ليس كل من رفع شعار الإصلاح السياسي وقع في هذه المشكلات، معاذ الله، بل هناك شخصيات سعودية قدمت جهوداً في الإصلاح السياسي مع احترامها لمنهج أهل السنة في العقيدة والفقه، ولا بأس أن نضرب أمثلة من شخصيات بعينها لتأكيد ذلك، فممن لاحظت محافظتهم على الأصول الشرعية ممن لهم جهود إصلاحية:  الشيخ سفر الحوالي وسليمان الرشودي وعبدالعزيز الوهيبي ود.محمد الحضيف، ونحوهم ممن لعله غاب عني إسمه الآن، فهؤلاء كلهم كان لهم جهود في الإصلاح السياسي، وحصلت لهم مضايقات إن شاء الله أنها في ميزان حسناتهم، ومع ذلك لم نقرأ لهم حرفاً واحداً في تحريف ونبز عقيدة وفقه أهل السنة والجماعة، بل كلهم يفخرون بالأصول الشرعية ولله الحمد، ولم نقرأ لهم حرفاً واحداً في تأليب الناس ضد العمل الدعوي والإسلامي، فأمثال هؤلاء قامات ينتصب المرء لها إجلالاً.

 

هناك فقهاء ودعاة كثيرون يقولون لك: يا أخي ثمة أموراً سياسية كثيرة نعجز عنها والله ولا نطيقها، وسنقوم بما نطيقه من القضايا الشرعية، وهذا هو غاية جهدنا، فيأتي من يسمون أنفسهم تنويريين وإصلاحيين ويوسعونهم همزاً ولمزاً ، فإذا رأيت هذا المشهد لم أستطع أن أمنع لساني من أن يتمتم بقوله تعالى:

(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ) [التوبة، 79]

  والله أعلم،،

 

أبو عمر

شعبان 1431هـ

21 يوليو 2010

دمعة على فضل الله .. وصمت عن ابن غديان!

2 تعليقان

الحمدلله وبعد،،
كاد يمضغني الغبن مضغاً وأنا أشاهد أقلاماً تقافزت في صحافتنا المحلية ومواقعنا الإلكترونية لتأبين الرمز الشيعي محمد حسين فضل الله .. ودلقت على شخصيته من عبارات التمجيد والتهويل وأنه (العلامة) (المجدد) (المعتدل) الخ .. بينما تلك الأقلام المحلية لم تنبس بحرف توقير واحد لسماحة العالم الزاهد عبدالله بن غديان، والذي استفاضت الأخبار عن زهده في المال والجاه، يا طيب الله ذاك الثرى ..!

بعضها أقلام تسمي نفسها أقلاماً وطنية .. وبعضها الآخر ينسب نفسه للفكر الإسلامي!
واخيبتاه .. أن تسح الدموع على بقايا الكليني .. ويحلو التجاهل لأبناء البخاري..

على أية حال .. دعونا نتجاوز هذه المفارقة الجارحة ولنتأمل في سؤال آخر طرحته تلك المقالات التمجيدية عن خطاب هذا الرمز الشيعي:

لا أحد يستطيع أن ينكر أن لمحمد حسين فضل الله مواقف تصحيحية تربك الفكر الشيعي المواويلي .. مثل إنكار الولاية التكوينية في كتابه (نظرة إسلامية حول الولاية التكوينية) والولاية التكوينية هي اعتقاد أن الأئمة يملكون بعض خصائص الربوبية كتدبير الكون، كما أنه طرح لها عدة تفسيرات أخرى وناقشها في كتابه المشار إليه (الولاية التكوينية، ص13).

كما أنه طرح في الفصل الثاني من كتابه (الزهراء القدوة) أسئلة متشككة حول الحادثة التي اختلقها بعض الوضّاعين من الشيعة بأن عمر –رضي الله عنه- كسر ضلع فاطمة بنت محمد -رضي الله عنها- ولكنه للأسف لم يجزم بنفيها كما جزم غيره من الشيعة.

كما أنه نطق بالترضي عن بعض الصحابة في بعض المواضع، وهذه كلها مواقف تصحيحية مشكورة يجب أن نثمنها ونستفيد منها لتنحلّ عقد التقليد والتصميم بين غلاة الشيعة، ولكن دون أن تستجرنا هذه التصحيحات الجزئية لتدليس الجزء الباقي من الصورة.

أعني بصيغة أخرى: هل هذه كل القضية؟ هل محمد حسين فضل الله فعلاً كما صوره لنا هؤلاء الكتاب أنه عالم شيعي معتدل يحترم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟

دعونا نستل عينةً من بعض مواقف الأستاذ محمد حسين فضل الله ونختبر فيها هذه الدعوى:
في كتابه “نظرة إسلامية حول الغدير” اتهم فضل الله أبابكر وعمر وعثمان بأنهم خانوا الواجب الشرعي في الخلافة، واغتصبوا حق علي بن أبي طالب:
(وهذا هو الذي يفسر تعاون علي مع الخلفاء الذين سبقوه مع أنهم أبعدوه عن حقه…، وقف الإمام علي مع الذين أبعدوه عن الخلافة وغصبوا حقه) [الغدير، فضل الله، ص33-34]

وفي كتابه “الزهراء القدوة” وهوكتاب يتمدح به فضل الله، حيث يقول عنه في مقدمته (كتاب “الزهراء القدوة” يمثل كل فكري في سيدة نساء العالمين)، وفي أكثر من موضع في كتاباته الأخرى يحيل إليه، والمروجون لفضل الله يعتبرون هذا الكتاب من مفاخره!

على أية حال.. في هذا الكتاب الذي يمثل “كل فكر” فضل الله يتهم فيه أبا بكر وعمر بحلول غضب الله ورسوله عليهما، حيث يقول:
 (وهكذا وبكل قوة وشجاعة احتجت الزهراء عليهما –أي على أبي بكر وعمر- وسجّلت عليهما أنهما أغضباها، وأغضبا بذلك رسول الله، ومن فوق ذلك أغضبا الله سبحانه وتعالى، وبقي غضبها جرحاً نازفاً في قلب أبنائها ومحبيها) [الزهراء القدوة، محمد حسين فضل الله، الفصل الثاني: فقرة ظلاماتها]

وفي كتابه هذا اتهم ابابكر –رضي الله عنه- بأنه “مجرم”، وأنه اعتدى على فاطمة، وأنه ندم في آخر حياته، يقول فضل الله :
(لم نصل إلى حد النفي لهذه الحوادث -كما فعل الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء بالنسبة لضربها ولطم خدها- لأن النفي يحتاج إلى دليل كما أن الإثبات يحتاج إلى دليل، ولكن القدر المتيقن من خلال الروايات المستفيضة، بل المتواترة تواتراً إجمالياً، هو الاعتداء عليها، من خلال كشف دارها، والهجوم عليه، والتهديد بالإحراق، وهذا كافٍ للتدليل على حجم الجريمة التي حصلت.. هذه الجريمة التي أرّقت حتى مرتكبيها، ولذا قال الخليفة الأول لما دنته الوفاة: “ليتني لم أكشف بيت فاطمة ولو أعلن عليٌّ الحرب”) [الزهراء القدوة، محمد حسين فضل الله، الفصل الثاني، فقرة ظلاماتها]

هكذا بكل جسارة في التوقح يعتبر أبابكر مرتكباً لـ”جريمة” الاعتداء على فاطمة وأنه ندم آخر حياته! وينشر ذلك في كتابٍ يعتبره “كل فكره” في هذه القضية !

قد يقول قائل هاهنا: أن التشكيك في حادثة الضلع هو غاية ما يستطيعه فضل الله في السياق الشيعي، أي أن هذا هو السقف الأعلى المتاح له؟ والحقيقة أن هذا غير دقيق بتاتاً، فانظر كيف أنه في النص السابق نقل عن أضخم مرجعية شيعية في عصره وهو “كاشف الغطاء” نقل عنه أنه ينكر أن يكون أبابكر وعمر ضربوا ولطموا فاطمة، ومع ذلك يرفض الأخذ بإنكار كاشف الغطاء، ويتمسك بجزء من الانحراف !

بل إن فضل الله يتهم نية أبي بكر بأمور خبيثة يستنتجها، حيث يستنتج أن أبا بكر منع فاطمةَ فدكاً لقطع الطريق عليها في طلب الخلافة لعلي! يقول فضل الله:
(كانت المطالبة بفدك جسر العبور إلى الخلافة..، لذلك كانت فدك المنطلق ولم تكن الغاية، ويقال إن “ابن أبي الحديد” في شرحه لنهج البلاغة سأل أستاذه : لماذا لم يعط “أبو بكر” فدكاً للزهراء ولو كانت للمسلمين لأعطوها لفاطمة؟ قال له: لو أعطيت فدك لطالبت بالخلافة لعلي، ولذلك رأى أن يقطع الأمر من أول الطريق حتى لا يمتد مطلبها إلى أبعد من ذلك، والله العالم) [كتاب: الزهراء القدوة، محمد حسين فضل الله، الخاتمة]

ولفضل الله استنباطات في غاية الطرافة، فمن المعروف في القصة الشهيرة في البخاري أنه لما اشتد بالنبي وجعه قال (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده) قال عمر: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، قال –صلى الله عليه وسلم- (قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع) [البخاري، 114]

فماذا استنبط فضل الله من هذا الحديث؟ استنبط منه أن عمر –رضي الله عنه- يبث الشكوك في الصحابة ليدلس على مراد النبي صلى الله عليه وسلم! يقول فضل الله عن هذا الحديث:
(ومع ذلك قال بعض من عنده “إن النبي ليهجر” أو “غلبه الوجع” ، وما أشبه ذلك، حتى بذر الشك فيما يكتبه النبي) [الغدير، فضل الله، ص30].

ونشر فضل الله في موقعه مقالة يتهم فيها عثمان بن عفان –رضي الله عنه- بقبائح مشينة، وبأنه كسر ضلع ابن مسعود، وظلم عمار، وسطا على جواهر وحلي! يقول في موقعه:
(وما زاد في الهوة بين عثمان وبين كبار الصحابة أمثال أبي ذر الغفاري وعبد الله بن مسعود، انتهاجه سلطة تعسفية تجاههم، تجلت بالنفي تارة، وبالضرب والإذلال تارة أخرى حتى مات الأول منفياً في الربذة، ومات الثاني مقهوراً بعد أن كسر ضلعه وحُرم عطاءه) (ومما تعرض له من حوادث ضرب عثمان لعمّار ضرباً موجعاً حتى غشي عليه وحدث له فتق..، وكان ذلك على أثر استيلاء عثمان على جواهر وحليّ وما إلى ذلك) [مقالة بعنوان: عمّار بن ياسر: الثبات في الموقف، الموقع الرسمي]

ومن الأمور المثيرة أثناء القراءة في طعون الشيعة على الصحابة أن جل ما يردده هؤلاء من (طعون تاريخية) هي عينها التي نجدها في كتاب ابن المطهر الحلي (منهاج الكرامة) والذي نقضه أدلته فقرةً فقرة ابوالعباس ابن تيمية في (منهاج السنة) .. تأمل فقط الفقرة السابقة التي ذكر فيها فضل الله أن عثمان ضرب ابن مسعود وعمار، هي عينها مقولة الحلي في كتابه حيث يقول الحلي:
(وكان ابن مسعود يطعن عليه ويكفّره، ولما علم عثمان ضربه حتى مات، وضرب عمارا حتى صار به فتق) [منهاج الكرامة، ابن المطهر الحلي، تحقيق عبدالرحيم مبارك، مؤسسة عاشوراء،ص108]

وهذه الفقرة أوردها ابن تيمية في منهاج السنة في سياق نقضه لكتاب منهاج الكرامة، ومما قاله عنها: (وأما قوله “إنه لما حكم ضرب ابن مسعود حتى مات” فهذا كذب باتفاق أهل العلم) [منهاج السنة النبوية، ابن تيمية] وواصل ابن تيمية الرد وذكر تحقيقات تاريخية في غاية العذوبة لا يمكن عرضها هاهنا.

كما نشر فضل الله في موقعه أيضاً اتهام عثمان بن عفان –رضي الله عنه- بالظلم والانتقام بلغة مسيئة كما يقول:
 (ويظهر أن عثمان ـ بعد ورود كتاب معاوية عليه ـ وجد مبرراً للانتقام من أبي ذر، وتأديبه كما يشتهي) [مقالة بعنوان: أبو ذر الغفاري: الداعية والباحث عن الحقيقة، الموقع الرسمي]

ومن جملة طعون فضل الله في الصحابة أنه اتهم الصحابي الجليل أنس بن مالك بالافتراء وكتمان إمامة علي بن أبي طالب، وأنه أصيب بالبرص عقوبةً له على ذلك، يقول فضل الله:
(ولم يقم ثلاثة للشهادة، ومنهم أنس بن مالك، فقال له علي: “مالك لا تقوم مع أصحاب رسول الله فتشهد بما سمعته يومئذٍ منه؟” فقال: يا أمير المؤمنين كبرت سني ونسيت. فقال علي: “إن كنت كاذباً فضربك الله ببياض لا تواريها العمامة” فما قام حتى ابيض وجهه برصاً) [الغدير، فضل الله، ص31].

لا حول ولا قوة إلا بالله .. محمد حسين فضل الله “العلامة المجدد!” يزعم أن الصحابي الجليل أنس بن مالك –رضي الله عنه- عاقبه الله بالبرص لكذبه في عدم الشهادة بإمامة علي بن أبي طالب!

وأما عباراته الموحشة على الصحابة بشكل عام فهي كثيرة، ومنها أنه زعم أن كل الصحابة بقيت في نفوسهم بعض رواسب الجاهلية إلا علي بن أبي طالب [الغدير، ص10]، واتهم الصحابة في السقيفة بالبعد عن الإسلام [الغدير، ص17] ، واستعمل “لغة سوقية” في التعبير عن الصحابة كقوله: (وكأن الإمام علي يقول: أنا واقع بين خيارين: إما أن أقف موقفاً سلبياً، لأن الولاية حقي، وأترك هؤلاء “يقلّعون شوكهم بأظافرهم” كما يقال) [الغدير، 19] ونحو هذه اللغة المهينة التي لا يستعملها من يحمل للصحابة في قلبه ذرة احترام صادق.

وأما صاحب رسول الله معاوية بن أبي سفيان –رضي الله عنه- الذي استأمنه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على الوحي، وولاه عمر بن الخطاب المعروف بشدة تحريه في الولاة؛ فقد اجتهد فضل الله في استعمال الإسفاف والعبارات الدنيئة في حقه رضي الله عنه، والله حسيبه يوم القيامة، ومن ذلك:

اتهم معاوية –رضي الله عنه- بترسانة تهم في موضع واحد، حيث اتهم معاوية بأنه: مفلس وظالم ومعتدي، ونفى إيمانه وجهاده! حيث يقول:
 (بعض المفلسين الذين ليس لهم سابقةٌ في إيمان، ولا جهاد في إسلام، ممن استولوا على مقدّرات المسلمين ظلماً وعدواناً كمعاوية وأشباهه) [خطبة بعنوان: الإمام الصادق في مواجهة التزوير والتحريف، الموقع الرسمي له]

واعتبر معاوية معادياً للرسول! كما يقول (معاوية إضافة إلى أنه مغتصب للخلافة، كان يقف في الخط المعادي لنهج رسول الله) [صلح الإمام الحسن، الموقع الرسمي]

بل ويتحدث عن معاوية بأسلوب لا يتحدث به عن أخبث الناس كما يقول: (كانت الخطة أن يغسل معاوية دماغ المسلمين) [خطبة بعنوان: الإمام الحسن: الإنسان النموذج، 2 أبريل 2004، الموقع الرسمي]

ويبدوا أن محمد حسين فضل الله واسع الخيال ماشاء الله حيث يستنتج أن معاوية –رضي الله عنه- عنده خطة ضد التعليم! كما يقول:
 (كانت الخطة هي تجهيل المسلمين، لأنَّ أمثال معاوية ويزيد ومن هم على شاكلتهما لا يمكن أن يسيطروا على مجتمع يملك وعي العلم وسعة المعرفة) [مقالة بعنوان: الإمام علي بن الحسين عالم منفتح على الله، الموقع الرسمي]
لما رأيت خصوبة الخيال هذه التي يتمتع بها فضل الله ندِمت أن الأمة لم تستفد من إمكانياته في الرواية والقصة القصيرة.

وأما الصحابي الجليل أبوسفيان فقد كان فضل الله لا يتورع عن تكفيره! فقد نشر عنه في موقعه الرسمي ما يلي:
(أثار حفيظة المسلمين ودفعهم إلى الجهر بالمعارضة، ما تناهى إلى سمعهم من قول لأبي سفيان في محضر الخليفة يستشف منه بداية التفكير في تحويل الخلافة إلى ملك، وكان ذلك بعد خلوته ببني أمية التي أنكر فيها النبوة والرسالة،) [مقالة بعنوان: المقداد بن الأسود، الموقع الرسمي]

وهذه العبارة التكفيرية لأبي سفيان والتي نشرها فضل الله في موقعه؛ الحقيقة أنها مسروقة من كتاب محمد جواد الفقيه (سلسلة الأركان الأربعة: المقداد بن الأسود) لكن فضل الله عدّل فيها قليلاً لتخف حدتها، ويمكن مقارنة النص السابق بالنص الأصلي المسروق:
(أثار حفيظة المخلصين فدفعهم إلى الجهر بالمعارضة ، فقد تناهى إلى سمعهم قول لأبي سفيان في محضر الخليفة تستشم منه رائحة الإِلحاد في دين الله ، وبداية التفكير في تحويل الخلافة الى ملك) [المقداد بن الأسود، محمد جواد الفقيه، دار التعارف، ص161]

والغريب أن فضل الله في مقالته عن المقداد ذكر عدداً من المصادر القديمة ولم يذكر هذا المصدر المعاصر الذي اختلس منه هذه المادة! فهي شتيمة ومسروقة أيضاً !
والمراد أن محمد جواد الفقيه يعتبر أباسفيان ملحد، بينما فضل الله يعتبره منكراً للنبوة والرسالة فقط!

ويرى فضل الله أيضاً أن أبا سفيان –رضي الله عنه- كان يعطل مشروع الرسول –صلى الله عليه وسلم- كما يقول:
(أبا سفيان كان يمثّل قيادة هذا الحزب القرشي الذي عطّل مشروع رسول الله وأشغله بحروب دامية) [قراءة في رسالة الإمام الحسن، محمد حسين فضل الله، نشرة فكر وثقافة، 5 أيار 2001م، الموقع الرسمي]

وهناك طعون أخرى كثيرة ذكرها فضل الله في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بعضها صريح، بينما أكثرها بطريقة ملفوفة وغير حادة، وهو –بصراحة- موهوب في كيفية تمرير القدح في الصحابة من خلال ابتسامات دبلوماسية هادئة جداً.

وأما غلوه في آل البيت وإنزالهم منزلة فوق المنزلة الشرعية التي أنزلهم الله إياها فهذا كثير جداً، ومن تلك النماذج التي توحي بلاعقلانية الرجل قوله:
(ارتفعت الزهراء إلى مقام العصمة وسمت إلى مرتبة القداسة..، إننا نعتقد أن الزهراء معصومة عن الخطأ والزلل والسهو والنسيان..، فإن هذا ما نستوحيه من وصول المرأة ـ كالزهراء ـ إلى مرتبة العصمة المختصّة بالأنبياء) [الزهراء القدوة، محمد حسين فضل الله، الفصل الثالث، فقرة العصمة]

قارن هذا الغلو اللاعقلاني في فاطمة الزهراء بما ذكره هو نفسه عن الأنبياء، حيث يقول في تفسيره المسمى (من وحي القرآن) مايلي:
 (الأسلوب القرآني لا يريد أن يعمِّق في ذهننا الإسلامي الفكرة التي تتحدث عن شخصية الأنبياء بالمستوى الذي يوحي بأن هناك أسراراً فوق العادة تكمن في داخل شخصيتهم.. فهناك أكثر من نقطة ضعف.. ويمكن أن تتحرك لتصنع أكثر من وضعٍ سلبيٍّ على مستوى التصوُّر والممارسة) . [من وحي القرآن، فضل الله، سورة طه، 115]

فاطمة –رضوان الله عليها- بلغت عنده مرتبة القداسة فلا يعرض لها السهو ولا النسيان، بينما الأنبياء لديهم أوضاع سلبية على مستوى التصور والممارسة!
بل قارن بين قوله أن فاطمة –رضوان الله عليها- معصومة عن السهو والنسيان بكون النبي نفسه –صلى الله عليه وسلم- سها في صلاته مرات عديدة!

وحين جاء فضل الله يريد أن يحلّل سبب فشو ظاهرة تأليه الأنبياء اتهم الأنبياء أنفسهم –صلوات الله عليهم- بأنهم يخطئون أحياناً فيدعون الناس لعبادتهم! كما يقول في تفسيره:
(وربَّما يتعلّل هؤلاء وأولئك بانتماء هذا الفكر إلى الأنبياء، فهم يدعون النّاس إلى أن يكونوا عباداً لهم، بتقديم فروض العبادة لهم، وبتقديسهم بالمستوى العظيم الذي يرتفع بهم إلى مستوى الربوبيّة، وقد يحدث ذلك من خلال ما يريد النبيّ لنفسه من قداسة وتأليه، وقد يحدث ذلك من خلال ما يفرضه أحد الأنبياء من توجيه النّاس إلى عبادة نبيّ آخر، أو في تأليه الملائكة، وذلك لما يثيره الأنبياء أمام النّاس من قصص وتعليمات في عظمة الملائكة وقداستهم التي تصل بهم إلى مستوى التأليه والربوبيّة) [من وحي القرآن، فضل الله، سورة آل عمران، 79]

ومما هو لصيق الصلة بالموقف من الأنبياء أن فضل الله لما وصل في تفسيره المشار إليه المسمى (من وحي القرآن) إلى آية (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) [البقرة، 213] أورد كلام الطباطبائي وأنه استدل بآية البقرة هذه على عصمة الأنبياء في تبليغ الوحي (ما يسمونه عندهم “العصمة التبليغية” ) فاعترض عليه “فضل الله” ورفض كلام الطباطبائي وجوز وقوع النبي في الخطأ في تبليغ الوحي! حيث يقول فضل الله في تفسيره:
(ونلاحظ على ذلك، أنَّ ما ذكره –الطباطبائي- لا يلازم ما ذكره من العصمة عن الخطأ في التبليغ..، ولا ملازمة بين ذلك وبين العصمة، فإنَّ من الممكن -من الناحية التجريدية- أن يخطىء النبيّ في تبليغ آية أو ينساها في وقت معين، ليصحح ذلك ويصوّبه بعد ذلك، لتأخذ الآية صيغتها الكاملة الصحيحة) [من وحي القرآن، فضل الله، 4/153]

والحقيقة أن أي قارئ سيصل إلى هذا النص لا بد أن يثور عنده تساؤل حول الدافع الذي يحفّز فضل الله إلى أن ينفي العصمة التبليغية عن النبي صلى الله عليه وسلم؟! ما الذي يجعل فضل الله ينقل كلام الطباطبائي (وهو عالم شيعي له تفسير مشهور اسمه الميزان، ت1982م) في عصمة النبي في التبليغ ثم يبطله ويرد على أدلته؟

الواقع أن فضل الله لديه إشكاليات كبيرة حول (حفظ القرآن)، لكنه يحرص أن يعرضها بطريقة غير حادّة، ولذلك رفض مفهوم العصمة التبليغية، وقد نثر عدداً من الارتيابات حول القرآن في عددٍ من كتبه.

ومن ذلك أن فضل الله يجوِّز أن يكون المصحف الذي اعتمده الصحابة فيه أخطاء لغوية ونحوية حيث نقل في تفسيره مقولة لصاحب (مجمع البيان) يقول فيها بأنه يستحيل أن يكون المصحف الذي اعتمده الصحابة فيه أخطاء لغوية إذ كيف يعلمونه الناس وفيه أخطاء؟ فرد عليه فضل الله بقوله:
(ويمكن المناقشة في ذلك بأن من الممكن عدم الالتفات في البداية إلى اكتشاف الخطأ في الكتابة، كما لم يلتفتوا إلى الكثير من الأمور التي لم يشعروا بأهميتها كما نشعر الآن، ثم امتنع الجيل الآخر عن التصرف في ذلك حذراً من الإساءة إلى طريقة الكتابة في القرآن، لئلا يتجرأ الناس على التغيير والتبديل فيما قد يسئ إلى أصل القرآن) [من وحي القرآن، فضل الله، 7/539-540]

فهو يجوّز أن يكون في المصحف أخطاء لغوية ونحوية لم يتنبه لها الصحابة ثم استمرت مع الزمن وهاب الناس إصلاحها!

ومن إشاراته غير الصريحة أنه أعلن التزامه بالنتائج التي توصل إليها الخوئي –وهو أكبر مرجعية شيعية في عصره- حيث يقول فضل الله في تفسيره وفي موقعه الرسمي:
(لعلّ أفضل دراسة لإثبات عدم تحريف القرآن هي الدراسة التي قام بها السيد الخوئي في كتابه “البيان في تفسير القرآن”، لأنه درسها دراسة علمية عميقة في هذا المجال) [الموقع الرسمي].

القارئ السني قد لا يتفطن للمقصود هاهنا، ويظن أن فضل الله يقر بسلامة القرآن وكمال حفظه كما يتصور السني، ولكن الواقع أن الخوئي –كما هو معروف في حقل الدراسات الشيعية- ينفي صيغاً معينةً من تحريف القرآن ولكنه يثبت وقوع صيغٍ معينةٍ أخرى من التحريف، ومن التحريف الذي أثبته قوله عن نوع معين من مرويات تحريف القرآن:
(إن كثرة الرويات من طريق أهل البيت تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين، ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر) [البيان، الخوئي، ص 226].

ويقول الخوئي –أيضاً- عن بعض صيغ التحريف التي يرى وقوعها:
(النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين، مع التحفظ على نفس القرآن المنزل؛ والتحريف بهذا المعنى قد وقع في صدر الاسلام، وفي زمان الصحابة قطعا) [البيان، للخوئي، 198].

ولذلك فإن الشيخ د.ناصر القفاري حين قام بدراسة تحليلية لكتاب الخوئي حول تحريف القرآن توصل إلى نتيجة طريفة يقول فيها:
(الخوئي صاحب البيان هو في غايته كصاحب فصل الخطاب، إلا أن الأخير استخدم الطريقة المكشوفة، والأول سلك مسلك المكر والاحتيال) [أصول مذهب الشيعة، القفاري]

ورأيت البعض يدعي أن محمد حسين فضل الله ليس حريصاً على نشر التشيع في الأوساط السنية، وهذا كلام مغلوط كلياً، فإن الدكتور القرضاوي حين أطلق صرخته ضد المخططات الإيرانية للتشييع العقدي على أساس جاذبية الخطاب السياسي الإيراني، حيث التشيع السياسي ينتهي غالباً بتطبيع التشيع العقدي، المهم أن القرضاوي حين رفض ذلك عاتبه فضل الله لم يقف في وجه تشييع المجتمعات السنية؟! حيث يقول القرضاوي:
(وآية الله الشيخ محمد حسين فضل الله, أنكر عليَّ أني لم أغضب من أجل نشر التبشير المسيحي, كما غضبت من أجل نشر التبشير الشيعي, وقد رددتُ على هذا الزعم في بياني السابق) [القرضاوي، صحيفة العرب القطرية، 9/10/2008]

والحقيقة أنه كانت هناك نماذج أخرى كثيرة من نصوص فضل الله تستحق العرض والمناقشة، لكنني فضلت الاستغناء عنها لأنني شعرت أنني أطلت كثيراً، ويبدوا لي أن النماذج السابقة كافية في تزويد القارئ بأرضية مقنعة للتساؤل حول حمى الإطراءات والمدائح السنية المتنافسة حول ضريح فضل الله!

يلفت انتباهي دوماً حين أقرأ لرموز الشيعة كيف أنهم يبنون أهرامات من الاعتقادات على أساسات من القش .. أكوام هائلة من المرويات المتسرطنة الأسانيد، بل أكثرها معاضيل ومراسيل بلا خطام، ومع ذلك تبنى عليها شواهق الاعتقادات!

حتى أن الباحث الشيعي المعروف (حسن فرحان المالكي)، مع أنه بذل حياته البحثية كلها يطوف حول محور (علي-معاوية) ، وكان يرى أن بيعة أبي بكر وعمر وعثمان غير صحيحة، وأن البيعة الشرعية الصحيحة الوحيدة هي بيعة علي بن أبي طالب، وكتب كتاباً مستقلاً عن بيعة علي، وكتابين آخرين في تجويز ذم طوائف من الصحابة، وكتاب في نقد عقيدة الحنابلة، وكتاب في نقد الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ومع كل هذه الميول الشيعية اعترف حسن فرحان قبل عدة سنوات اعترافاً مدوياً أن أكذب الطوائف المنتسبة للإسلام هم الشيعة، حيث قال تحديداً (لو جمع كذب الشيعة إلى كذب جميع الطوائف لفاقها).

فلما قال حسن فرحان هذه العبارة جنّ جنون الشيعة، وكانوا يقدرونه ويستضيفونه، فرجع مرةً أخرى في مجلة إيلاف الالكترونية وأكد مقولته حيث يقول:
 (وجدتُ عتباً كبيراً من عقلاء الشيعة عندما قلتُ هذه العبارة “لو جمع كذب الشيعة إلى كذب جميع الطوائف لفاقها” وأنا لا زلتُ عند رأيي في هذه المسألة) [انظر: اعترافات مثيرة للمتمرد على السلفية من داخلها، مجلة إيلاف]

لدي هاهنا في خاتمة هذه المقالة عدة أسئلة بسيطة:

لدي سؤال بسيط: إلى أولئك الذين أراقوا محابرهم فوق ضريح فضل الله: عن أي “معتدل وعلامة ومجدد” تتحدثون يارحمكم الله إذا كان ابوبكر وعمر وعثمان يتهمهم فضل الله بالتتابع على خيانة الأمانة واغتصاب حق الأمة؟! ويرمي عثمان بالعظائم، ويتهم أنس بن مالك أنه كذب في الإقرار بالإمامة فعاقبه الله بالبرص، وينفي إيمان وجهاد معاوية، وأنه يغسل دماغ المسلمين، ويتجرأ على تكفير أبي سفيان رضي الله عنه؟!

وعن أي “معتدل وعلامة ومجدد” تتحدثون عن رجل يرى أن فاطمة بلغت مرتبة القداسة فلا تسهو ولا تنسى، بينما الأنبياء يجوز عليهم أوضاع من سلبية التصور والممارسة، ويخطئون في دعوة الناس إلى عبادتهم وتقديسهم!؟!

عن أي “معتدل وعلامة ومجدد” تتحدثون عن رجلٍ ينفي عصمة النبي –صلى الله عليه وسلم- في تبليغ الوحي، ويجوز وقوع الأخطاء اللغوية في القرآن، ويتبنى نظرية الخوئي في التحريف الجزئي للقرآن؟!

ارحموا عقولنا أرجوكم..!
إذا كان الأنبياء، والقرآن، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قد رخصوا في عيونكم إلى هذا الحد؛ فلا تورطوا أنفسكم بإرخاصهم في عيون بقية المسلمين، واكتفوا بالبلاء على أنفسكم..

هل هذا يعني أننا يجب أن لا نلتفت لظواهر التصحيح الجزئي عند بعض الشيعة؟ لا، قطعاً، ليس هذا المراد، وإنما المراد ضرورة التفريق بين (تشجيع التصحيح) و (تدليس الانحراف)، فشتان بين أن نقول أن فضل الله قام بمواقف تصحيحية مشكورة لكن لايزال لديه ضلالات نتمنى أنه واصل تصحيحها، وبين أن نقول: فضل الله العلامة المجدد الرباني فقيد الأمة! ونقدمه للمسلمين مجرماً في ثوب الأبرياء، هذا غاية التلبيس على أهل السنة.

وهل هذا يعني أنه لا يجوز مداراة الشيعة وملاطفتهم في سبيل دعوتهم إلى الكتاب والسنة؟ لا –أيضاً- ليس هذا المراد، بل لا يمكن دعوتهم بدون مداراة لأعيانهم، حتى أن الشيخ ابن عثيمين أوصى المعلمين السنّة بمداراة الطلاب الشيعة، كما جاء في فتاوى الشيخ:
(يقول السائل: من المعلوم ياشيخ لديكم أنه يوجد عندنا نحن في المدينة النبوية الرافضة بكثرة، ويدرسون معنا في المدارس كلها؟ فأجاب الشيخ: نحن ننصح إخواننا المدرسين في البلاد التي ذكرتَ، والتي يختلط فيها أهل السنة وأهل البدعة أن يحاولوا بقدر المستطاع تأليف أهل البدعة وجذبهم إليهم..؛ لكن لو أن الأستاذ يعامل طلابه من أهل البدعة بالقسوة والآخرين باللين، أو يعاملهم بالتشديد في التصحيح والآخرين بالتخفيف، أو يعاملهم بإسقاطهم وهم مجيبون صواباً، فلا شك أن هذا يولِّد في قلوبهم البغضاء والكراهية، حتى للحق الذي كان عند هذا الأستاذ) [فتاوى الباب المفتوح، ل21].

وبنفس النصيحة التي أوصى بها الشيخ العاملين في قطاع التعليم أوصى بها العاملين في القطاعات العسكرية، حيث جاء في فتاوى الشيخ:
(يقول السائل: أنا أعمل في الشرقية، وفي الآونة الأخيرة دخل معنا الرافضة في العمل العسكري بكثرة؟ فأجاب الشيخ: الذي أرى أن تحرصوا على أن تتألفوهم للأخذ بالسنة وتقولوا لهم: أنتم الآن مقرون أننا أهل السنة فهل أنتم تكرهون السنة أم لا؟ ونحن نوافقكم أن من آل البيت من ظُلم كالحسين بن علي رضي الله عنه، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نتبع سنة محمد صلى الله عليه وسلم، وجادلوهم بهذه الأشياء لكن بدون عنف؛ بإرادة هدايتهم، ولعل الله أن يهديهم) [فتاوى الباب المفتوح، ل31]

بل إن الشيخ ابن عثيمين أوصى طلاب العلم بأن يدعون بعضهم لبيوتهم ويدعونهم إلى الله كما يقول الشيخ:
(مع محاولة دعوتهم إلى الحق، لا على السبيل الجماعي، السبيل الجماعي يمكن ألا يحصل فيه فائدة، لكن تنظرون إلى المهذَّب منهم الذي عنده وعي، وتدعونه إلى بيوتكم وتتكلمون معه بإنصاف وعدل) [فتاوى الباب المفتوح، ل8]

ونهى الشيخ ابن عثيمين عن إخراج الشيعة من المساجد كما جاء في فتاوى الشيخ:
(يقول السائل: فضيلة الشيخ في المنطقة الشرقية يكثر فيها الرافضة ، وقد يدخل بعضهم أحد المساجد فيصلي فهل ننكر عليه ونخرجه من المسجد، وخصوصاً في مناطق الأعمال، حيث يزدحم المسجد في صلاة الظهر باشتراكه مع الرافضة في نفس العمل؟ فأجاب الشيخ: لا أرى أن تخرجوهم من المسجد، بل أرى أن تمكنوهم من المسجد ليصلوا، ولكن يجب عليكم أن تناصحوهم، وألا تيأسوا من هداية الله لهم؛ لأن الله عز وجل على كل شيءٍ قدير، وقد بلغني أنه -ولله الحمد- بدأ منهم أناس يتحررون من رقِّ مذهبهم ويلتحقون بمذهب أهل السنة والجماعة) [فتاوى الباب المفتوح، ل6]
وللشيخ ابن عثيمين فتاوى أخرى كثيرة في المداراة الدعوية للشيعة والتلطف لهم لهدايتهم إلى الحق، كل هذا مع حسم الشيخ ووضوحه في بيان ضلال الرافضة وتنبيه أهل السنة وتعليمهم مخاطر الضلالات الشيعية، والجمع بين الأمرين هو طريقة الربانيين، بخلاف التغريبيين الذين يتلطفون لهم لكن لا يصدعون بضلالهم!

فالمراد أن التعايش المطلوب هو حفظ الحقوق المعيشية للشيعة، وليس السكوت عن ضلالهم وانحرافاتهم، وأهل السنة يجمعون الأمرين دوماً، فيحفظون لهم حقوقهم المعيشية ولا يظلمونهم، ولكنهم يبينون الحق ويصدعون بإبطال الباطل.

وأحسن من تكلم عن المسألة الشيعية وبيان مراتب التعايش هي رسالة محررة للغاية للشيخ سفر الحوالي بعنوان (الأقلية حين تتحكم في الأكثرية) نشرت بتاريخ 29/4/1424هـ، ولا أعلم للمعاصرين رسالة أكثر تحريراً منها، ولو استشارني أحد إخواني في قسم العقيدة أو السياسة الشرعية أو الثقافة الإسلامية عن موضوع لرسالة ماجستير لنصحته بدراسة هذه الرسالة الحوالية المذهلة، ولا زلت والله أعجب من دقة أبي عبدالرحمن حين حررها.

على أية حال .. كنت مرةً أتأمل المعاناة المدنية التي يعيشها المجتمع السعودي كأزمة الإسكان والتعليم والصحة والطرق، وأقارن ذلك كله بما تكتبه تلك الأقلام التي تسمي نفسها أقلاماً وطنية ونهضوية وتنموية ومدنية وحضارية الخ فلا أجدها تقدم أية حلول عملية لمعاناة هذا البلد المسكين .. بل عامة ما يكتبون لا يكاد يخرج عن ثلاثة قوائم (طرح الشبهات، والترصد للفتاوى، وتخذيل المحتسبين) !

فهؤلاء لم يعالجوا الأزمة المدنية .. ولم يدعوا العقيدة والشريعة في حالها !
والله أعلم،،
أبو عمر
شعبان 1431هـ
18 يوليو 2010

القبعة المخفية

تعليق واحد

 
الحمدلله وبعد،،
دعونا نتخيل المشهد التالي: لوجاءنا رجل ينسب نفسه إلى المشيخة والفتيا، وأخذ يردد أن (العبرة بالكتاب والسنة) وأن المرجع الحاكم هو (النص الشرعي) لا غير، فكلامه هاهنا تنظير صحيح لا غبار عليه، لكن حين جئنا لجرد فتاوى هذا المنتسب للمشيخة وجدناه يفتي في كل المسائل بما يوافق مراد السلطان، ولا يخرج عن ذلك قيد شعرة، سواءً كانت المسألة تتعلق بالعقيدة أو أموال الناس أو المسائل السلوكية الخ.
 
وكلما قال له الناس: أنت لا تتبع النص وإنما تتبع مراد السلطان؟ قال لهم: بالعكس، أنا أتبع النص، وكل المسائل التي أفتيت بها عندي فيها نصوص شرعية، وكلها أفتيت بها بعد البحث والتأمل والنظر في النصوص، وهذا ما أدين الله به، ويجب عليكم إحسان الظن، وأن تبعدوا عن أنفسكم قلق اتباع السلطان، واستحضار هذه العلاقة، الخ.
 
سؤالي هنا: هل تتوقع أن الناس سيصدقون هذا الشخص؟ وأنه فعلاً لم يكن يتبع هوى السلطان في كل هذه المسائل وإنما وافقه عَرَضاً هكذا؟ يعني أن توافُق عامة فتاواه مع مراد السلطان إنما وقع اعتباطاً ومصادفةً لا عن ميول مسبقة؟
 
بالطبع لن يصدق الناس ذلك، لكن كيف توصل المتلقون إلى التأكيد بأن هذا الشخص ليس مرتبطاً بالنصوص بقدر ما هو مرتبط بمؤثر خارجي يحمل النصوص عليه؟
 
الحقيقة أن المتلقي لا يكتشف ذلك من الكلام النظري الذي يردده هذا الشخص حول اتباع النص، ولا من الفتوى الواحدة والاثنتان، وإنما من مجمل سلوكيات الخطاب.
 
ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أن ما يكشف التوجه الحقيقي للخطاب ليس (القاعدة المعلنة نظرياً) ولا (المسألة والمسألتان) ، وإنما (كثرة المسائل) هي التي تكشف القواعد الفعلية المضمرة، فالقواعد المتبناة فعلياً تسري في التفاصيل ويستخلصها المتلقون منها فيعرفون أصول الشخص من خلال انبثاثها في تطبيقاته ومواقفه، والقواعد منبثة في الفروع كانبثاث الأعصاب في جسم الإنسان.
 
هل هذا معنى جديد؟ لا، أبداً، فقد نبه المحققون من أهل العلم بشكل مبكر على أن كثرة التطبيقات تكشف القواعد الحقيقية للشخص حتى وإن لم يصرِّح بها، ومن هذه التنبيهات الرائعة مقولة شيخ غرناطة العلامة الشاطبي -رحمه الله- في الاعتصام حيث يقول (ويجرى مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات) [الاعتصام للشاطبي، 2/201] وهذا الاقتباس من عيون تجليات الشاطبي رحمه الله.
 
حسناً انتهينا الآن من مشهد فقيه السلطان دعونا ننتقل لمشهد آخر:
لو جاءنا شخص ينتسب إلى التجديد الديني وقال لنا أن مشروعه هو تجاوز التقليد، ونبذ المألوفات التي نسبت للشريعة خطأً، وإعادة فحص الفتاوى الشائعة، وأن لا عبرة إلا بالنص الشرعي فقط، وأن هذا هو الطريق لنهضة الفقه وتقدم الخطاب الديني.
فما رأيكم في هذا الكلام؟
بالنسبة لي –شخصياً- أرى أن هذا تنظير في غاية الروعة، ولا يستطيع باحث موضوعي كائناً من كان أن يعترض عليه، بل هذا مطلب شرعي أصلاً.
 
لكن حين جئنا للمواقف الجزئية والفروع والتطبيقات وجدنا هذا الشخص يحاول أن يميل بالمسائل لموافقة الفكر الغربي والقيم الغربية والثقافة الغربية، أو على الأقل عدم التصادم بها.
 
فإذا كان الحكم الشرعي يتصادم مع مقررات الثقافة الغربية تطلب له المخارج، فإن كان الحديث فيه مدخل تشبث بتضعيفه وصار من المتشددين في التصحيح، وإن كان الحديث ثابتاً لا مدخل عليه لكن يوجد حديث ضعيف معارض له قفز إليه وصار في غمضة عين آخذا بمنهج المتساهلين في قبول الأحاديث وأن التشدد في الأسانيد خطأ.
 
فإن كان الحديث صحيحاً ولا معارض له؛ نبش التراث بحثاً عن مخالف، فتارة يقول لك نُقِل عن ابن شبرمة، وتارة يقول لك نُقِل عن أبي ثور، وهو لا يعير هؤلاء أصلاً أدنى مرجعية لكن يبحث عن أقرب مخرج طوارئ، وصار “مجرد” وجود الخلاف مبرراً لترك الحكم الشرعي المعارض للثقافة الغربية.
 
فإن لم يجد مخالفاً في التراث الإسلامي يظهر لك -وإن كان على خجل أحياناً- بعبارات تتحدث عن أن تجربة السلف تجربة عظيمة لكنها لا تلزمنا!
أو يبدأ يتحدث عن المقاصد الشرعية وأننا أهلمنا المقاصد ولم نفهم المقاصد ولا زلنا نجهل الشاطبي الخ وطبعاً يعني بالمقاصد ليست المقاصد الشرعية كما يعرفها الأصوليون وأهل العلم وإنما يقصد تحويل النصوص الجزئية إلى معني سيال لا ينضبط، وغالب من يردد المقاصد في هذا السياق يعنون بالمقاصد تعطيل حجية النصوص الجزئية، ويظن أن هذا هو معنى المقاصد.
 
لماذا كل هذا الدوران؟ لأنه تشبع بالثقافة الغربية المهيمنة وصار يرى بمنظارها ويحاكم الأمور إليها بشعور، وهو قليل، وبلا شعور، وهو الأكثر ..
أنا لا ألوم الغربي أن يقيّم المسائل طبقاً لما تقرؤه عينه الزرقاء .. لكني ألوم العربي أن يقيِّم المسائل بعين مزرقّة..
 
حسناً .. دعونا نضرب أمثلة: طوال تاريخ الإسلام كان فقهاء وقضاة الصحابة والتابعين وأتباع التابعين يعملون بـ “حد المرتد” بلا أية إشكالات جذرية .. ثم بعد تصرم خمسة عشر قرن تفاجأنا بأن هذا كان خطأ في فهم الإسلام، أي أن الدماء التي حكم فيها قضاة الصحابة والتابعين وأتباع التابعين كانت كلها خطأ، والذي فهم الحكم الشرعي هم مجموعة من المفكرين المعاصرين!
 
وطوال تاريخ الإسلام كان فقهاء الصحابة والتابعين وأتباع التابعين ثم المذاهب الأربعة يتحفظون في العلاقة بين الرجل والمرأة، وفصّلوا كثيراً من أحكام الذرائع فيها، ثم فجأة وفي هذا العصر صارت أحكام المرأة تمثل “أزمة” !
يالطيف يارب .. يعني معقولة كل هاتيك القرون ما فهمت حكم الله ورسوله وفهمه مجموعة من المفكرين المعاصرين؟!
 
وهكذا كان فقهاء ومجاهدي الإسلام جميعاً وبلا استثناء يقررون جهاد الطلب ويذكرون أحكامه الشرعية، ومافتوح الإسلام وغزوات المجاهدين في أصقاع الأرض إلا جهاد طلب؛ ثم جاءنا هؤلاء وصاروا يتطلبون المخارج لجهاد الطلب.
 
وهكذا كان فقهاء القرون المفضلة والمذاهب الأربعة يقررون الحسبة والإنكار ويذكرون تفاصيل نصوصها وأحكامها الشرعية، ثم بعد كل هذه القرون جاءنا مجموعة من المفكرين وقالوا كل هذا خطأ، وإنما يفرق في المنكر بين التعدي على الآخرين وبين المنكر الشخصي، فالمنكر الشخصي الذي لا يضر الآخرين لا إنكار فيه.
 
من أين يا أحبابنا أتيتم بهذا الضابط الجديد في فريضة الحسبة والإنكار؟ هل هذا هو المبدأ الغربي (تنتهي حريتك حين تبدأ حرية الآخرين) ؟ قالوا: معاذ الله، بل هي قراءة موضوعية غير تقليدية للنصوص الشرعية!
 
ما الجديد في حد الردة، وما الجديد في أحكام المرأة، وما الجديد في أحكام الكافر، وما الجديد في الحسبة والإنكار؟ هل هناك وحي نزل بعد محمد صلى الله عليه وسلم؟ هل هناك أحاديث نبوية جهلها فقهاء الصحابة والتابعون وعرفها هؤلاء؟ ما الجديد ياترى؟
 
الجميع يدرك وبأبسط ملاحظة أنه لا جديد أصلاً في المعطيات الشرعية، وإنما الجديد هو أن تلك العقول تشبعت بثقافة الانسان الغربي وصارت تميل إلى موافقته، وتريد أن تقنع نفسها، وتقنعنا معها، أنها في كل هذه الانحيازات لثقافة الغربي أنها قراءة تجديدية مستقلة موضوعية محايدة تفتح باب الاجتهاد وبعيدة عن أي مؤثرات غربية.
 
كل هذه التفاصيل والمسائل التي وليتم وجوهها شطر البيت الأبيض وقعت هكذا اتفاقاً ومصادفةً ؟ معقولة يا جماعة؟
 
المهم .. لو جاءنا هؤلاء وقلنا لهم: أنتم تتبعون الثقافة الغربية ولا تتبعون النصوص الشرعية، فقالوا لنا: أبداً، هذا ظلم وتجني، كل المسائل التي عملنا فيها لنا فيها وجه شرعي، وما حدث من موافقة الفكر الغربي في هذه المسائل فهي موافقة عرضية وليست مقصودة.
فهل ياترى سيصدق الناس ذلك؟
اشهدوا علي بالبلاهة إن صدقت ذلك ..
 
ياجماعة هذا والله إزراء بالعقول أن نصدق أن أحكام وأصول شرعية بعد خمسة عشر قرن تم تغييرها إلى ما يوافق ثقافة الغربي ويقول لنا أصحابها أن هذا كان بعد بحث لهم ونظر في النصوص!
 
يالبراءتهم وطيبتهم وهم يدّعون ذلك!
بل كل من ظهرت في تطبيقاته هذه الميول علمنا قطعاً أن تحت عمامته قبعة مخفية..
 
والمراد أنه إذا جاءنا رجل وسكب علينا مقطوعات لذيذة في تعظيم النص وحجيته، وأنه مقدم على كل الآراء والأذواق والثقافات، ثم كلما جاء لمسألة شرعية حرفها لتوافق الثقافة الغربية، تارة بتضعيف لفظ النص، وتارة بتأويل معنى النص، فهاهنا يتبين من كثرة هذه الجزئيات أن لدى هذا الرجل أصلاًَ بدعياً وهو “تغريب الفقه الإسلامي” حتى ولو لم يصرح بهذا الأصل المنحرف، بل حتى لو صرح بنقيض هذا الأصل.
 
وقد نبه القرآن إلى سر هذه المسألة وهي أن الاحتكام للنص ليس مجرد قاعدة معلنة، بل يجب أن يظهر في التطبيقات والفروع، كما يشير القرآن لذلك في قوله تعالى:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) [النساء 60]
فهم نظرياً أعلنوا الإلتزام بالنصوص، وعملياً تولوا عنها..
 
كما نبه القرآن إلى ظاهرة (العلاقة البراجماتية مع النص) وهم أولئك الذين يتمسكون بالنصوص إذا كانت تؤدي إلى أهوائهم، ويتملصون منها إذا عارضت أهواءهم، كما يقول تعالى: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ** وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) [النور 48]
 
وخلاصة الأمر .. أن مَن أكثر من حمل النصوص والأحكام على موافقة الثقافة الغربية وعدم مصادمتها؛ علمنا أن هذا أصل خفي عنده يتحكم في تفكيره الفقهي حتى وإن لم يصرح به، وهذا نظير من لاحظ الناس عنده كثرة حمل الفتاوى ومعاني النصوص على هوى السلطان، فإنهم يعلمون أن هذا أصل مضمر عنده، حتى لو أزعجهم بكثرة حديثه أن الأصل عنده هو اتباع النصوص، بل حتى لو صرح هؤلاء بذم هذا الأصل فإن كثرة الفروع كاشفة له.

والله تعالى أعلم.

أبو عمر
شعبان 1431هـ
15 يوليو 2010

معادلة المخالف والمخذل

أضف تعليق

الحمدلله وبعد،
جلست مرةً أتأمل الفتن التي تدحرجت علينا طوال السنة الماضية .. وكنت في كل فتنة تمر ألاحظ أنه يبرز في المشهد دوماً فريقان من الناس .. فريق (مخالف) يتبنى المنكر بضراوة ويدافع عنه ويعطي الإشارة لبدء الغارة الصحفية .. وفريق آخر لا ينتمي لهؤلاء ولا يتبنى المنكر لكنه (مخذل) يبدأ في إصدار عبارات التهوين من القضية وأن الأمر لا يستدعي الإنكار ولا الغيرة ولا الحمية تحت الشعارات المعروفة: لماذا تضخمون الأمور؟ أين حاجات الناس الفعلية؟ الخ.
 
من الناس من ينكسر أمام ضغط (المخالف) فالمخالف اليوم له طريقته الخاصة والمتميزة في إسالة لعاب الباحثين عن المنصب والمكافآت المالية والفلاشات الصحفية..
 
ومن الأخيار -والله الحمد- من هو شريف النفس فلا يرضى أن يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، ولذلك لا يرضخ لإغراءات وجبات (المخالفين) الدسمة .. لكن ينهار أمام ضغط (المخذلين) .. لأن كثيراً من المخذلين يظهر في صورة أنه رجل من الصف، ولذلك يكون أثر (المخذلين) على كثير من الأخيار أكثر من أثر (المخالفين) ..
 
فالمخذلون يقولون لك غالباً: نحن لا نختلف مع المحتسبين في أن هذا غير مقبول شرعاً، والحقيقة أنه لم يكن يعجبنا أنه حصل، لكن الأمر يسير جداً، فلا داعي لإنكار المنكر، ولا داعي لمقاومة من يتعدى على الحكم الشرعي، تارةً يقولون هذا الكلام باسم احترام المخالف وأن الشريعة كفلت الحرية للزندقة إذا لم يتعدَّ على الآخرين، وتارة يجعلون هذا باسم تركيز الاهتمام بالقضايا الكبرى (القضايا الكبرى عندهم ليست هي كل القضايا التي عظمها القرآن، وإنما هي يختصرونها فقط في القضايا المادية للناس).
 
حسناً.. دعونا مما سبق .. فليس هو المهم .. وإنما المهم أنني كنت أظن أن هذا التصنيف إلى (مخالف) و (مخذل) أنه مجرد ملاحظة شخصية اتفقت عرضاً .. وقبل يومين مر بي حديث شهير جداً خرّجه البخاري في الصحيح توقفت أمامه برهة كأنني لأول مرةً أقرؤه في حياتي.. توهمت كل شئ إلا أن يكون الرسول نفسه –صلى الله عليه وسلم- أشار إلى هذا التصنيف (المخالف) و (المخذل) .. والله لقد غمرني شعور غريب وأنا أرى النبي نفسه يقسم الناس أمام الدعاة إلى هذين الفريقين اللذين كنت أراهما عياناً أمام ناظري في كل فتنة تمر ..  يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(لا يزال من أمتي أمةٌ قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك) [البخاري 3641]
 
ورب محمد أنني جمدت وأنا أقرؤ هذا الحديث كأنني أقرؤه لأول مرة .. فتأمل كيف نبه النبي –صلى الله عليه وسلم- على (المخالف) و (المخذل) وعد بذهنك لكل فتنة مررنا بها وسترى مصداق خبر محمد صلى الله عليه وسلم ..
وتأمل كيف نبه النبي–صلى الله عليه وسلم-  إلى أن لكلٍ من هذين الفريقين (ضرر)، فهذا يعني أن هناك من سيتضرر وإلا لما سماه النبي ضرراً ..
وتأمل كيف نبه النبي–صلى الله عليه وسلم-  إلى أن المحتسبين الناجحين هم من يستطيع التخلص من ضرر (المخالف) و (المخذل) سوياً..
 
ثم تأمل كيف نبه النبي على أن هذه الطائفة (قائمة بأمر الله) وأمر الله يشمل الدين كله .. فمن أحدث في الأحكام الشرعية محدثات تحت ضغط الثقافة الغربية فقد خرج عن القيام بأمر الله بقدر ما أحدث ..
 
لكن أين خطورة التخذيل على المخذِّل نفسه؟ هؤلاء المخذلون –هداهم الله- كم أتمنى أن يأخذوا ساعة تأمل يسيرة مع أنفسهم ويتدبروا كيف جعل الله تعالى (التخذيل شعبة من النفاق) .. كما نبه القرآن لذلك في قوله تعالى (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ) [الأحزاب 18].
 
وهاهنا سننتقل إلى السؤال المنطقي اللاحق: وما خطورة الشعبة الواحدة من شعب النفاق؟ الشعبة الواحدة من شعب النفاق خطورتها أنها بريد النفاق الخالص .. فالمرء إذا وقع في شعبة نفاق جرته الشعبة إلى شعبة مثلها فتتكاثر عليه شعب النفاق حتى تخرجه من الإيمان.. فشعب النفاق تتصارع في القلب مع شعب الإيمان .. والمحصلة النهائية لمن غلب.. ولا يدري المرء بم يختم له ..
 
بل إن الله جل وعلا قد يعاقب من استرسل في شعبة من شعب النفاق بأن يسلط عليه مثلها كما نبه القرآن على ذلك في قوله تعالى (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) [البقرة 10] ، وقوله تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) [الصف 5].
 
فتأمل كيف أشارت الآيات إلى أن الإنسان إذا تساهل في شئ من الضلال فإن الله قد يعاقبه بأن يزيده من جنس ضلاله .. نسأل الله أن يحفظنا وإخواننا المخذلين .. وأن يهدي المخالفين يارب .. وأن يزيد الله نصره للمحتسبين القائمين بأمر الله..

أبو عمر
شعبان 1431هـ
14 يوليو 2010

عودة المدرسة التجريحية

أضف تعليق

الحمدلله وبعد،،
الإخوة الفضلاء،، آلمني جداً عودة ظاهرة (تجريح العلماء والدعاة والمحتسبين) ورميهم بأنهم عبيد الحكومة، وخدم الاستبداد، وفي صفقة سياسية .. وما ينتج عن ذلك من انفصال الشباب عن العلماء والدعاة، واشتغاله بتوافه الأمور وقسوة القلب، وملء الشباب بالتعالي المجوف والغرور الفارغ والاعتداد المفرط بالذات والولوغ في أعراض أهل العلم والدعوة والمحتسبين بلا عمل، وكل ذلك يفضي إلى (البطالة الدعوية) وتدريجياً ينتهي الواحد منهم بـ(رقة الدين) فيتساهل في النظر المحرم والسماع المحرم والكلام المحرم، ويهجر القرآن، بل يؤول إلى حالة اغتراب اجتماعي، فإذا تأمل العاقل هذه المصائر علم خطورة تغذية الشباب بالحنق العام على أهل العلم والدعاة بعامة.
 
والله يا إخوان إننا مسؤولين أمام الله ونحن نرى بعض النزقين يتسببون في انتكاسات لا يعلمها إلا الله بسبب تهييج نفوس الشباب ضد العلماء والدعاة بدلاً من مساندتهم، فيجب أن نصنع شيئاً.
 
تذكروا يا إخوان قول الله تعالى في تناصر المؤمنين (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [التوبة، 71] وقارنوا ذلك بهؤلاء الذين يتفننون في خذلان أهل العلم والدعوة بحجة أنهم عبيد الحكومة وخدم الاستبداد.
 
وتأملوا قول الله تعالى في سلامة الصدر لأهل الإيمان ونبذ الغل تجاههم (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر، 10] وقارنوا ذلك بهؤلاء الذين امتلأت قلوبهم بالغل على أهل العلم والدعوة بحجة أنهم يشرعنون الاستبداد السياسي وغيرها من شماعات الظلم والجور.
 
أحببت أن أساهم في الذب عن أهل العلم والدعوة عبر إعادة نشر هذه المقالة التي بالمرفق، فآمل من إخواني إعادة نشرها، أو إعادة نشر نظيرها مما كتبه الإخوان من مقالات مباركة إن شاء الله، المهم التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة، هدى الله وغفر لهؤلاء المسترسلين فيها لايلوون على شئ.
   
أبو عمر
شعبان 1431هـ
14 يوليو 2010

 

المقال الذي أرفقه الشيخ هو مقال التغريض السياسي المنشور في 3 ديسمبر 2009

Older Entries