الحمدلله وبعد،،
كاد يمضغني الغبن مضغاً وأنا أشاهد أقلاماً تقافزت في صحافتنا المحلية ومواقعنا الإلكترونية لتأبين الرمز الشيعي محمد حسين فضل الله .. ودلقت على شخصيته من عبارات التمجيد والتهويل وأنه (العلامة) (المجدد) (المعتدل) الخ .. بينما تلك الأقلام المحلية لم تنبس بحرف توقير واحد لسماحة العالم الزاهد عبدالله بن غديان، والذي استفاضت الأخبار عن زهده في المال والجاه، يا طيب الله ذاك الثرى ..!

بعضها أقلام تسمي نفسها أقلاماً وطنية .. وبعضها الآخر ينسب نفسه للفكر الإسلامي!
واخيبتاه .. أن تسح الدموع على بقايا الكليني .. ويحلو التجاهل لأبناء البخاري..

على أية حال .. دعونا نتجاوز هذه المفارقة الجارحة ولنتأمل في سؤال آخر طرحته تلك المقالات التمجيدية عن خطاب هذا الرمز الشيعي:

لا أحد يستطيع أن ينكر أن لمحمد حسين فضل الله مواقف تصحيحية تربك الفكر الشيعي المواويلي .. مثل إنكار الولاية التكوينية في كتابه (نظرة إسلامية حول الولاية التكوينية) والولاية التكوينية هي اعتقاد أن الأئمة يملكون بعض خصائص الربوبية كتدبير الكون، كما أنه طرح لها عدة تفسيرات أخرى وناقشها في كتابه المشار إليه (الولاية التكوينية، ص13).

كما أنه طرح في الفصل الثاني من كتابه (الزهراء القدوة) أسئلة متشككة حول الحادثة التي اختلقها بعض الوضّاعين من الشيعة بأن عمر –رضي الله عنه- كسر ضلع فاطمة بنت محمد -رضي الله عنها- ولكنه للأسف لم يجزم بنفيها كما جزم غيره من الشيعة.

كما أنه نطق بالترضي عن بعض الصحابة في بعض المواضع، وهذه كلها مواقف تصحيحية مشكورة يجب أن نثمنها ونستفيد منها لتنحلّ عقد التقليد والتصميم بين غلاة الشيعة، ولكن دون أن تستجرنا هذه التصحيحات الجزئية لتدليس الجزء الباقي من الصورة.

أعني بصيغة أخرى: هل هذه كل القضية؟ هل محمد حسين فضل الله فعلاً كما صوره لنا هؤلاء الكتاب أنه عالم شيعي معتدل يحترم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟

دعونا نستل عينةً من بعض مواقف الأستاذ محمد حسين فضل الله ونختبر فيها هذه الدعوى:
في كتابه “نظرة إسلامية حول الغدير” اتهم فضل الله أبابكر وعمر وعثمان بأنهم خانوا الواجب الشرعي في الخلافة، واغتصبوا حق علي بن أبي طالب:
(وهذا هو الذي يفسر تعاون علي مع الخلفاء الذين سبقوه مع أنهم أبعدوه عن حقه…، وقف الإمام علي مع الذين أبعدوه عن الخلافة وغصبوا حقه) [الغدير، فضل الله، ص33-34]

وفي كتابه “الزهراء القدوة” وهوكتاب يتمدح به فضل الله، حيث يقول عنه في مقدمته (كتاب “الزهراء القدوة” يمثل كل فكري في سيدة نساء العالمين)، وفي أكثر من موضع في كتاباته الأخرى يحيل إليه، والمروجون لفضل الله يعتبرون هذا الكتاب من مفاخره!

على أية حال.. في هذا الكتاب الذي يمثل “كل فكر” فضل الله يتهم فيه أبا بكر وعمر بحلول غضب الله ورسوله عليهما، حيث يقول:
 (وهكذا وبكل قوة وشجاعة احتجت الزهراء عليهما –أي على أبي بكر وعمر- وسجّلت عليهما أنهما أغضباها، وأغضبا بذلك رسول الله، ومن فوق ذلك أغضبا الله سبحانه وتعالى، وبقي غضبها جرحاً نازفاً في قلب أبنائها ومحبيها) [الزهراء القدوة، محمد حسين فضل الله، الفصل الثاني: فقرة ظلاماتها]

وفي كتابه هذا اتهم ابابكر –رضي الله عنه- بأنه “مجرم”، وأنه اعتدى على فاطمة، وأنه ندم في آخر حياته، يقول فضل الله :
(لم نصل إلى حد النفي لهذه الحوادث -كما فعل الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء بالنسبة لضربها ولطم خدها- لأن النفي يحتاج إلى دليل كما أن الإثبات يحتاج إلى دليل، ولكن القدر المتيقن من خلال الروايات المستفيضة، بل المتواترة تواتراً إجمالياً، هو الاعتداء عليها، من خلال كشف دارها، والهجوم عليه، والتهديد بالإحراق، وهذا كافٍ للتدليل على حجم الجريمة التي حصلت.. هذه الجريمة التي أرّقت حتى مرتكبيها، ولذا قال الخليفة الأول لما دنته الوفاة: “ليتني لم أكشف بيت فاطمة ولو أعلن عليٌّ الحرب”) [الزهراء القدوة، محمد حسين فضل الله، الفصل الثاني، فقرة ظلاماتها]

هكذا بكل جسارة في التوقح يعتبر أبابكر مرتكباً لـ”جريمة” الاعتداء على فاطمة وأنه ندم آخر حياته! وينشر ذلك في كتابٍ يعتبره “كل فكره” في هذه القضية !

قد يقول قائل هاهنا: أن التشكيك في حادثة الضلع هو غاية ما يستطيعه فضل الله في السياق الشيعي، أي أن هذا هو السقف الأعلى المتاح له؟ والحقيقة أن هذا غير دقيق بتاتاً، فانظر كيف أنه في النص السابق نقل عن أضخم مرجعية شيعية في عصره وهو “كاشف الغطاء” نقل عنه أنه ينكر أن يكون أبابكر وعمر ضربوا ولطموا فاطمة، ومع ذلك يرفض الأخذ بإنكار كاشف الغطاء، ويتمسك بجزء من الانحراف !

بل إن فضل الله يتهم نية أبي بكر بأمور خبيثة يستنتجها، حيث يستنتج أن أبا بكر منع فاطمةَ فدكاً لقطع الطريق عليها في طلب الخلافة لعلي! يقول فضل الله:
(كانت المطالبة بفدك جسر العبور إلى الخلافة..، لذلك كانت فدك المنطلق ولم تكن الغاية، ويقال إن “ابن أبي الحديد” في شرحه لنهج البلاغة سأل أستاذه : لماذا لم يعط “أبو بكر” فدكاً للزهراء ولو كانت للمسلمين لأعطوها لفاطمة؟ قال له: لو أعطيت فدك لطالبت بالخلافة لعلي، ولذلك رأى أن يقطع الأمر من أول الطريق حتى لا يمتد مطلبها إلى أبعد من ذلك، والله العالم) [كتاب: الزهراء القدوة، محمد حسين فضل الله، الخاتمة]

ولفضل الله استنباطات في غاية الطرافة، فمن المعروف في القصة الشهيرة في البخاري أنه لما اشتد بالنبي وجعه قال (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده) قال عمر: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، قال –صلى الله عليه وسلم- (قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع) [البخاري، 114]

فماذا استنبط فضل الله من هذا الحديث؟ استنبط منه أن عمر –رضي الله عنه- يبث الشكوك في الصحابة ليدلس على مراد النبي صلى الله عليه وسلم! يقول فضل الله عن هذا الحديث:
(ومع ذلك قال بعض من عنده “إن النبي ليهجر” أو “غلبه الوجع” ، وما أشبه ذلك، حتى بذر الشك فيما يكتبه النبي) [الغدير، فضل الله، ص30].

ونشر فضل الله في موقعه مقالة يتهم فيها عثمان بن عفان –رضي الله عنه- بقبائح مشينة، وبأنه كسر ضلع ابن مسعود، وظلم عمار، وسطا على جواهر وحلي! يقول في موقعه:
(وما زاد في الهوة بين عثمان وبين كبار الصحابة أمثال أبي ذر الغفاري وعبد الله بن مسعود، انتهاجه سلطة تعسفية تجاههم، تجلت بالنفي تارة، وبالضرب والإذلال تارة أخرى حتى مات الأول منفياً في الربذة، ومات الثاني مقهوراً بعد أن كسر ضلعه وحُرم عطاءه) (ومما تعرض له من حوادث ضرب عثمان لعمّار ضرباً موجعاً حتى غشي عليه وحدث له فتق..، وكان ذلك على أثر استيلاء عثمان على جواهر وحليّ وما إلى ذلك) [مقالة بعنوان: عمّار بن ياسر: الثبات في الموقف، الموقع الرسمي]

ومن الأمور المثيرة أثناء القراءة في طعون الشيعة على الصحابة أن جل ما يردده هؤلاء من (طعون تاريخية) هي عينها التي نجدها في كتاب ابن المطهر الحلي (منهاج الكرامة) والذي نقضه أدلته فقرةً فقرة ابوالعباس ابن تيمية في (منهاج السنة) .. تأمل فقط الفقرة السابقة التي ذكر فيها فضل الله أن عثمان ضرب ابن مسعود وعمار، هي عينها مقولة الحلي في كتابه حيث يقول الحلي:
(وكان ابن مسعود يطعن عليه ويكفّره، ولما علم عثمان ضربه حتى مات، وضرب عمارا حتى صار به فتق) [منهاج الكرامة، ابن المطهر الحلي، تحقيق عبدالرحيم مبارك، مؤسسة عاشوراء،ص108]

وهذه الفقرة أوردها ابن تيمية في منهاج السنة في سياق نقضه لكتاب منهاج الكرامة، ومما قاله عنها: (وأما قوله “إنه لما حكم ضرب ابن مسعود حتى مات” فهذا كذب باتفاق أهل العلم) [منهاج السنة النبوية، ابن تيمية] وواصل ابن تيمية الرد وذكر تحقيقات تاريخية في غاية العذوبة لا يمكن عرضها هاهنا.

كما نشر فضل الله في موقعه أيضاً اتهام عثمان بن عفان –رضي الله عنه- بالظلم والانتقام بلغة مسيئة كما يقول:
 (ويظهر أن عثمان ـ بعد ورود كتاب معاوية عليه ـ وجد مبرراً للانتقام من أبي ذر، وتأديبه كما يشتهي) [مقالة بعنوان: أبو ذر الغفاري: الداعية والباحث عن الحقيقة، الموقع الرسمي]

ومن جملة طعون فضل الله في الصحابة أنه اتهم الصحابي الجليل أنس بن مالك بالافتراء وكتمان إمامة علي بن أبي طالب، وأنه أصيب بالبرص عقوبةً له على ذلك، يقول فضل الله:
(ولم يقم ثلاثة للشهادة، ومنهم أنس بن مالك، فقال له علي: “مالك لا تقوم مع أصحاب رسول الله فتشهد بما سمعته يومئذٍ منه؟” فقال: يا أمير المؤمنين كبرت سني ونسيت. فقال علي: “إن كنت كاذباً فضربك الله ببياض لا تواريها العمامة” فما قام حتى ابيض وجهه برصاً) [الغدير، فضل الله، ص31].

لا حول ولا قوة إلا بالله .. محمد حسين فضل الله “العلامة المجدد!” يزعم أن الصحابي الجليل أنس بن مالك –رضي الله عنه- عاقبه الله بالبرص لكذبه في عدم الشهادة بإمامة علي بن أبي طالب!

وأما عباراته الموحشة على الصحابة بشكل عام فهي كثيرة، ومنها أنه زعم أن كل الصحابة بقيت في نفوسهم بعض رواسب الجاهلية إلا علي بن أبي طالب [الغدير، ص10]، واتهم الصحابة في السقيفة بالبعد عن الإسلام [الغدير، ص17] ، واستعمل “لغة سوقية” في التعبير عن الصحابة كقوله: (وكأن الإمام علي يقول: أنا واقع بين خيارين: إما أن أقف موقفاً سلبياً، لأن الولاية حقي، وأترك هؤلاء “يقلّعون شوكهم بأظافرهم” كما يقال) [الغدير، 19] ونحو هذه اللغة المهينة التي لا يستعملها من يحمل للصحابة في قلبه ذرة احترام صادق.

وأما صاحب رسول الله معاوية بن أبي سفيان –رضي الله عنه- الذي استأمنه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على الوحي، وولاه عمر بن الخطاب المعروف بشدة تحريه في الولاة؛ فقد اجتهد فضل الله في استعمال الإسفاف والعبارات الدنيئة في حقه رضي الله عنه، والله حسيبه يوم القيامة، ومن ذلك:

اتهم معاوية –رضي الله عنه- بترسانة تهم في موضع واحد، حيث اتهم معاوية بأنه: مفلس وظالم ومعتدي، ونفى إيمانه وجهاده! حيث يقول:
 (بعض المفلسين الذين ليس لهم سابقةٌ في إيمان، ولا جهاد في إسلام، ممن استولوا على مقدّرات المسلمين ظلماً وعدواناً كمعاوية وأشباهه) [خطبة بعنوان: الإمام الصادق في مواجهة التزوير والتحريف، الموقع الرسمي له]

واعتبر معاوية معادياً للرسول! كما يقول (معاوية إضافة إلى أنه مغتصب للخلافة، كان يقف في الخط المعادي لنهج رسول الله) [صلح الإمام الحسن، الموقع الرسمي]

بل ويتحدث عن معاوية بأسلوب لا يتحدث به عن أخبث الناس كما يقول: (كانت الخطة أن يغسل معاوية دماغ المسلمين) [خطبة بعنوان: الإمام الحسن: الإنسان النموذج، 2 أبريل 2004، الموقع الرسمي]

ويبدوا أن محمد حسين فضل الله واسع الخيال ماشاء الله حيث يستنتج أن معاوية –رضي الله عنه- عنده خطة ضد التعليم! كما يقول:
 (كانت الخطة هي تجهيل المسلمين، لأنَّ أمثال معاوية ويزيد ومن هم على شاكلتهما لا يمكن أن يسيطروا على مجتمع يملك وعي العلم وسعة المعرفة) [مقالة بعنوان: الإمام علي بن الحسين عالم منفتح على الله، الموقع الرسمي]
لما رأيت خصوبة الخيال هذه التي يتمتع بها فضل الله ندِمت أن الأمة لم تستفد من إمكانياته في الرواية والقصة القصيرة.

وأما الصحابي الجليل أبوسفيان فقد كان فضل الله لا يتورع عن تكفيره! فقد نشر عنه في موقعه الرسمي ما يلي:
(أثار حفيظة المسلمين ودفعهم إلى الجهر بالمعارضة، ما تناهى إلى سمعهم من قول لأبي سفيان في محضر الخليفة يستشف منه بداية التفكير في تحويل الخلافة إلى ملك، وكان ذلك بعد خلوته ببني أمية التي أنكر فيها النبوة والرسالة،) [مقالة بعنوان: المقداد بن الأسود، الموقع الرسمي]

وهذه العبارة التكفيرية لأبي سفيان والتي نشرها فضل الله في موقعه؛ الحقيقة أنها مسروقة من كتاب محمد جواد الفقيه (سلسلة الأركان الأربعة: المقداد بن الأسود) لكن فضل الله عدّل فيها قليلاً لتخف حدتها، ويمكن مقارنة النص السابق بالنص الأصلي المسروق:
(أثار حفيظة المخلصين فدفعهم إلى الجهر بالمعارضة ، فقد تناهى إلى سمعهم قول لأبي سفيان في محضر الخليفة تستشم منه رائحة الإِلحاد في دين الله ، وبداية التفكير في تحويل الخلافة الى ملك) [المقداد بن الأسود، محمد جواد الفقيه، دار التعارف، ص161]

والغريب أن فضل الله في مقالته عن المقداد ذكر عدداً من المصادر القديمة ولم يذكر هذا المصدر المعاصر الذي اختلس منه هذه المادة! فهي شتيمة ومسروقة أيضاً !
والمراد أن محمد جواد الفقيه يعتبر أباسفيان ملحد، بينما فضل الله يعتبره منكراً للنبوة والرسالة فقط!

ويرى فضل الله أيضاً أن أبا سفيان –رضي الله عنه- كان يعطل مشروع الرسول –صلى الله عليه وسلم- كما يقول:
(أبا سفيان كان يمثّل قيادة هذا الحزب القرشي الذي عطّل مشروع رسول الله وأشغله بحروب دامية) [قراءة في رسالة الإمام الحسن، محمد حسين فضل الله، نشرة فكر وثقافة، 5 أيار 2001م، الموقع الرسمي]

وهناك طعون أخرى كثيرة ذكرها فضل الله في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بعضها صريح، بينما أكثرها بطريقة ملفوفة وغير حادة، وهو –بصراحة- موهوب في كيفية تمرير القدح في الصحابة من خلال ابتسامات دبلوماسية هادئة جداً.

وأما غلوه في آل البيت وإنزالهم منزلة فوق المنزلة الشرعية التي أنزلهم الله إياها فهذا كثير جداً، ومن تلك النماذج التي توحي بلاعقلانية الرجل قوله:
(ارتفعت الزهراء إلى مقام العصمة وسمت إلى مرتبة القداسة..، إننا نعتقد أن الزهراء معصومة عن الخطأ والزلل والسهو والنسيان..، فإن هذا ما نستوحيه من وصول المرأة ـ كالزهراء ـ إلى مرتبة العصمة المختصّة بالأنبياء) [الزهراء القدوة، محمد حسين فضل الله، الفصل الثالث، فقرة العصمة]

قارن هذا الغلو اللاعقلاني في فاطمة الزهراء بما ذكره هو نفسه عن الأنبياء، حيث يقول في تفسيره المسمى (من وحي القرآن) مايلي:
 (الأسلوب القرآني لا يريد أن يعمِّق في ذهننا الإسلامي الفكرة التي تتحدث عن شخصية الأنبياء بالمستوى الذي يوحي بأن هناك أسراراً فوق العادة تكمن في داخل شخصيتهم.. فهناك أكثر من نقطة ضعف.. ويمكن أن تتحرك لتصنع أكثر من وضعٍ سلبيٍّ على مستوى التصوُّر والممارسة) . [من وحي القرآن، فضل الله، سورة طه، 115]

فاطمة –رضوان الله عليها- بلغت عنده مرتبة القداسة فلا يعرض لها السهو ولا النسيان، بينما الأنبياء لديهم أوضاع سلبية على مستوى التصور والممارسة!
بل قارن بين قوله أن فاطمة –رضوان الله عليها- معصومة عن السهو والنسيان بكون النبي نفسه –صلى الله عليه وسلم- سها في صلاته مرات عديدة!

وحين جاء فضل الله يريد أن يحلّل سبب فشو ظاهرة تأليه الأنبياء اتهم الأنبياء أنفسهم –صلوات الله عليهم- بأنهم يخطئون أحياناً فيدعون الناس لعبادتهم! كما يقول في تفسيره:
(وربَّما يتعلّل هؤلاء وأولئك بانتماء هذا الفكر إلى الأنبياء، فهم يدعون النّاس إلى أن يكونوا عباداً لهم، بتقديم فروض العبادة لهم، وبتقديسهم بالمستوى العظيم الذي يرتفع بهم إلى مستوى الربوبيّة، وقد يحدث ذلك من خلال ما يريد النبيّ لنفسه من قداسة وتأليه، وقد يحدث ذلك من خلال ما يفرضه أحد الأنبياء من توجيه النّاس إلى عبادة نبيّ آخر، أو في تأليه الملائكة، وذلك لما يثيره الأنبياء أمام النّاس من قصص وتعليمات في عظمة الملائكة وقداستهم التي تصل بهم إلى مستوى التأليه والربوبيّة) [من وحي القرآن، فضل الله، سورة آل عمران، 79]

ومما هو لصيق الصلة بالموقف من الأنبياء أن فضل الله لما وصل في تفسيره المشار إليه المسمى (من وحي القرآن) إلى آية (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) [البقرة، 213] أورد كلام الطباطبائي وأنه استدل بآية البقرة هذه على عصمة الأنبياء في تبليغ الوحي (ما يسمونه عندهم “العصمة التبليغية” ) فاعترض عليه “فضل الله” ورفض كلام الطباطبائي وجوز وقوع النبي في الخطأ في تبليغ الوحي! حيث يقول فضل الله في تفسيره:
(ونلاحظ على ذلك، أنَّ ما ذكره –الطباطبائي- لا يلازم ما ذكره من العصمة عن الخطأ في التبليغ..، ولا ملازمة بين ذلك وبين العصمة، فإنَّ من الممكن -من الناحية التجريدية- أن يخطىء النبيّ في تبليغ آية أو ينساها في وقت معين، ليصحح ذلك ويصوّبه بعد ذلك، لتأخذ الآية صيغتها الكاملة الصحيحة) [من وحي القرآن، فضل الله، 4/153]

والحقيقة أن أي قارئ سيصل إلى هذا النص لا بد أن يثور عنده تساؤل حول الدافع الذي يحفّز فضل الله إلى أن ينفي العصمة التبليغية عن النبي صلى الله عليه وسلم؟! ما الذي يجعل فضل الله ينقل كلام الطباطبائي (وهو عالم شيعي له تفسير مشهور اسمه الميزان، ت1982م) في عصمة النبي في التبليغ ثم يبطله ويرد على أدلته؟

الواقع أن فضل الله لديه إشكاليات كبيرة حول (حفظ القرآن)، لكنه يحرص أن يعرضها بطريقة غير حادّة، ولذلك رفض مفهوم العصمة التبليغية، وقد نثر عدداً من الارتيابات حول القرآن في عددٍ من كتبه.

ومن ذلك أن فضل الله يجوِّز أن يكون المصحف الذي اعتمده الصحابة فيه أخطاء لغوية ونحوية حيث نقل في تفسيره مقولة لصاحب (مجمع البيان) يقول فيها بأنه يستحيل أن يكون المصحف الذي اعتمده الصحابة فيه أخطاء لغوية إذ كيف يعلمونه الناس وفيه أخطاء؟ فرد عليه فضل الله بقوله:
(ويمكن المناقشة في ذلك بأن من الممكن عدم الالتفات في البداية إلى اكتشاف الخطأ في الكتابة، كما لم يلتفتوا إلى الكثير من الأمور التي لم يشعروا بأهميتها كما نشعر الآن، ثم امتنع الجيل الآخر عن التصرف في ذلك حذراً من الإساءة إلى طريقة الكتابة في القرآن، لئلا يتجرأ الناس على التغيير والتبديل فيما قد يسئ إلى أصل القرآن) [من وحي القرآن، فضل الله، 7/539-540]

فهو يجوّز أن يكون في المصحف أخطاء لغوية ونحوية لم يتنبه لها الصحابة ثم استمرت مع الزمن وهاب الناس إصلاحها!

ومن إشاراته غير الصريحة أنه أعلن التزامه بالنتائج التي توصل إليها الخوئي –وهو أكبر مرجعية شيعية في عصره- حيث يقول فضل الله في تفسيره وفي موقعه الرسمي:
(لعلّ أفضل دراسة لإثبات عدم تحريف القرآن هي الدراسة التي قام بها السيد الخوئي في كتابه “البيان في تفسير القرآن”، لأنه درسها دراسة علمية عميقة في هذا المجال) [الموقع الرسمي].

القارئ السني قد لا يتفطن للمقصود هاهنا، ويظن أن فضل الله يقر بسلامة القرآن وكمال حفظه كما يتصور السني، ولكن الواقع أن الخوئي –كما هو معروف في حقل الدراسات الشيعية- ينفي صيغاً معينةً من تحريف القرآن ولكنه يثبت وقوع صيغٍ معينةٍ أخرى من التحريف، ومن التحريف الذي أثبته قوله عن نوع معين من مرويات تحريف القرآن:
(إن كثرة الرويات من طريق أهل البيت تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين، ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر) [البيان، الخوئي، ص 226].

ويقول الخوئي –أيضاً- عن بعض صيغ التحريف التي يرى وقوعها:
(النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين، مع التحفظ على نفس القرآن المنزل؛ والتحريف بهذا المعنى قد وقع في صدر الاسلام، وفي زمان الصحابة قطعا) [البيان، للخوئي، 198].

ولذلك فإن الشيخ د.ناصر القفاري حين قام بدراسة تحليلية لكتاب الخوئي حول تحريف القرآن توصل إلى نتيجة طريفة يقول فيها:
(الخوئي صاحب البيان هو في غايته كصاحب فصل الخطاب، إلا أن الأخير استخدم الطريقة المكشوفة، والأول سلك مسلك المكر والاحتيال) [أصول مذهب الشيعة، القفاري]

ورأيت البعض يدعي أن محمد حسين فضل الله ليس حريصاً على نشر التشيع في الأوساط السنية، وهذا كلام مغلوط كلياً، فإن الدكتور القرضاوي حين أطلق صرخته ضد المخططات الإيرانية للتشييع العقدي على أساس جاذبية الخطاب السياسي الإيراني، حيث التشيع السياسي ينتهي غالباً بتطبيع التشيع العقدي، المهم أن القرضاوي حين رفض ذلك عاتبه فضل الله لم يقف في وجه تشييع المجتمعات السنية؟! حيث يقول القرضاوي:
(وآية الله الشيخ محمد حسين فضل الله, أنكر عليَّ أني لم أغضب من أجل نشر التبشير المسيحي, كما غضبت من أجل نشر التبشير الشيعي, وقد رددتُ على هذا الزعم في بياني السابق) [القرضاوي، صحيفة العرب القطرية، 9/10/2008]

والحقيقة أنه كانت هناك نماذج أخرى كثيرة من نصوص فضل الله تستحق العرض والمناقشة، لكنني فضلت الاستغناء عنها لأنني شعرت أنني أطلت كثيراً، ويبدوا لي أن النماذج السابقة كافية في تزويد القارئ بأرضية مقنعة للتساؤل حول حمى الإطراءات والمدائح السنية المتنافسة حول ضريح فضل الله!

يلفت انتباهي دوماً حين أقرأ لرموز الشيعة كيف أنهم يبنون أهرامات من الاعتقادات على أساسات من القش .. أكوام هائلة من المرويات المتسرطنة الأسانيد، بل أكثرها معاضيل ومراسيل بلا خطام، ومع ذلك تبنى عليها شواهق الاعتقادات!

حتى أن الباحث الشيعي المعروف (حسن فرحان المالكي)، مع أنه بذل حياته البحثية كلها يطوف حول محور (علي-معاوية) ، وكان يرى أن بيعة أبي بكر وعمر وعثمان غير صحيحة، وأن البيعة الشرعية الصحيحة الوحيدة هي بيعة علي بن أبي طالب، وكتب كتاباً مستقلاً عن بيعة علي، وكتابين آخرين في تجويز ذم طوائف من الصحابة، وكتاب في نقد عقيدة الحنابلة، وكتاب في نقد الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ومع كل هذه الميول الشيعية اعترف حسن فرحان قبل عدة سنوات اعترافاً مدوياً أن أكذب الطوائف المنتسبة للإسلام هم الشيعة، حيث قال تحديداً (لو جمع كذب الشيعة إلى كذب جميع الطوائف لفاقها).

فلما قال حسن فرحان هذه العبارة جنّ جنون الشيعة، وكانوا يقدرونه ويستضيفونه، فرجع مرةً أخرى في مجلة إيلاف الالكترونية وأكد مقولته حيث يقول:
 (وجدتُ عتباً كبيراً من عقلاء الشيعة عندما قلتُ هذه العبارة “لو جمع كذب الشيعة إلى كذب جميع الطوائف لفاقها” وأنا لا زلتُ عند رأيي في هذه المسألة) [انظر: اعترافات مثيرة للمتمرد على السلفية من داخلها، مجلة إيلاف]

لدي هاهنا في خاتمة هذه المقالة عدة أسئلة بسيطة:

لدي سؤال بسيط: إلى أولئك الذين أراقوا محابرهم فوق ضريح فضل الله: عن أي “معتدل وعلامة ومجدد” تتحدثون يارحمكم الله إذا كان ابوبكر وعمر وعثمان يتهمهم فضل الله بالتتابع على خيانة الأمانة واغتصاب حق الأمة؟! ويرمي عثمان بالعظائم، ويتهم أنس بن مالك أنه كذب في الإقرار بالإمامة فعاقبه الله بالبرص، وينفي إيمان وجهاد معاوية، وأنه يغسل دماغ المسلمين، ويتجرأ على تكفير أبي سفيان رضي الله عنه؟!

وعن أي “معتدل وعلامة ومجدد” تتحدثون عن رجل يرى أن فاطمة بلغت مرتبة القداسة فلا تسهو ولا تنسى، بينما الأنبياء يجوز عليهم أوضاع من سلبية التصور والممارسة، ويخطئون في دعوة الناس إلى عبادتهم وتقديسهم!؟!

عن أي “معتدل وعلامة ومجدد” تتحدثون عن رجلٍ ينفي عصمة النبي –صلى الله عليه وسلم- في تبليغ الوحي، ويجوز وقوع الأخطاء اللغوية في القرآن، ويتبنى نظرية الخوئي في التحريف الجزئي للقرآن؟!

ارحموا عقولنا أرجوكم..!
إذا كان الأنبياء، والقرآن، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قد رخصوا في عيونكم إلى هذا الحد؛ فلا تورطوا أنفسكم بإرخاصهم في عيون بقية المسلمين، واكتفوا بالبلاء على أنفسكم..

هل هذا يعني أننا يجب أن لا نلتفت لظواهر التصحيح الجزئي عند بعض الشيعة؟ لا، قطعاً، ليس هذا المراد، وإنما المراد ضرورة التفريق بين (تشجيع التصحيح) و (تدليس الانحراف)، فشتان بين أن نقول أن فضل الله قام بمواقف تصحيحية مشكورة لكن لايزال لديه ضلالات نتمنى أنه واصل تصحيحها، وبين أن نقول: فضل الله العلامة المجدد الرباني فقيد الأمة! ونقدمه للمسلمين مجرماً في ثوب الأبرياء، هذا غاية التلبيس على أهل السنة.

وهل هذا يعني أنه لا يجوز مداراة الشيعة وملاطفتهم في سبيل دعوتهم إلى الكتاب والسنة؟ لا –أيضاً- ليس هذا المراد، بل لا يمكن دعوتهم بدون مداراة لأعيانهم، حتى أن الشيخ ابن عثيمين أوصى المعلمين السنّة بمداراة الطلاب الشيعة، كما جاء في فتاوى الشيخ:
(يقول السائل: من المعلوم ياشيخ لديكم أنه يوجد عندنا نحن في المدينة النبوية الرافضة بكثرة، ويدرسون معنا في المدارس كلها؟ فأجاب الشيخ: نحن ننصح إخواننا المدرسين في البلاد التي ذكرتَ، والتي يختلط فيها أهل السنة وأهل البدعة أن يحاولوا بقدر المستطاع تأليف أهل البدعة وجذبهم إليهم..؛ لكن لو أن الأستاذ يعامل طلابه من أهل البدعة بالقسوة والآخرين باللين، أو يعاملهم بالتشديد في التصحيح والآخرين بالتخفيف، أو يعاملهم بإسقاطهم وهم مجيبون صواباً، فلا شك أن هذا يولِّد في قلوبهم البغضاء والكراهية، حتى للحق الذي كان عند هذا الأستاذ) [فتاوى الباب المفتوح، ل21].

وبنفس النصيحة التي أوصى بها الشيخ العاملين في قطاع التعليم أوصى بها العاملين في القطاعات العسكرية، حيث جاء في فتاوى الشيخ:
(يقول السائل: أنا أعمل في الشرقية، وفي الآونة الأخيرة دخل معنا الرافضة في العمل العسكري بكثرة؟ فأجاب الشيخ: الذي أرى أن تحرصوا على أن تتألفوهم للأخذ بالسنة وتقولوا لهم: أنتم الآن مقرون أننا أهل السنة فهل أنتم تكرهون السنة أم لا؟ ونحن نوافقكم أن من آل البيت من ظُلم كالحسين بن علي رضي الله عنه، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نتبع سنة محمد صلى الله عليه وسلم، وجادلوهم بهذه الأشياء لكن بدون عنف؛ بإرادة هدايتهم، ولعل الله أن يهديهم) [فتاوى الباب المفتوح، ل31]

بل إن الشيخ ابن عثيمين أوصى طلاب العلم بأن يدعون بعضهم لبيوتهم ويدعونهم إلى الله كما يقول الشيخ:
(مع محاولة دعوتهم إلى الحق، لا على السبيل الجماعي، السبيل الجماعي يمكن ألا يحصل فيه فائدة، لكن تنظرون إلى المهذَّب منهم الذي عنده وعي، وتدعونه إلى بيوتكم وتتكلمون معه بإنصاف وعدل) [فتاوى الباب المفتوح، ل8]

ونهى الشيخ ابن عثيمين عن إخراج الشيعة من المساجد كما جاء في فتاوى الشيخ:
(يقول السائل: فضيلة الشيخ في المنطقة الشرقية يكثر فيها الرافضة ، وقد يدخل بعضهم أحد المساجد فيصلي فهل ننكر عليه ونخرجه من المسجد، وخصوصاً في مناطق الأعمال، حيث يزدحم المسجد في صلاة الظهر باشتراكه مع الرافضة في نفس العمل؟ فأجاب الشيخ: لا أرى أن تخرجوهم من المسجد، بل أرى أن تمكنوهم من المسجد ليصلوا، ولكن يجب عليكم أن تناصحوهم، وألا تيأسوا من هداية الله لهم؛ لأن الله عز وجل على كل شيءٍ قدير، وقد بلغني أنه -ولله الحمد- بدأ منهم أناس يتحررون من رقِّ مذهبهم ويلتحقون بمذهب أهل السنة والجماعة) [فتاوى الباب المفتوح، ل6]
وللشيخ ابن عثيمين فتاوى أخرى كثيرة في المداراة الدعوية للشيعة والتلطف لهم لهدايتهم إلى الحق، كل هذا مع حسم الشيخ ووضوحه في بيان ضلال الرافضة وتنبيه أهل السنة وتعليمهم مخاطر الضلالات الشيعية، والجمع بين الأمرين هو طريقة الربانيين، بخلاف التغريبيين الذين يتلطفون لهم لكن لا يصدعون بضلالهم!

فالمراد أن التعايش المطلوب هو حفظ الحقوق المعيشية للشيعة، وليس السكوت عن ضلالهم وانحرافاتهم، وأهل السنة يجمعون الأمرين دوماً، فيحفظون لهم حقوقهم المعيشية ولا يظلمونهم، ولكنهم يبينون الحق ويصدعون بإبطال الباطل.

وأحسن من تكلم عن المسألة الشيعية وبيان مراتب التعايش هي رسالة محررة للغاية للشيخ سفر الحوالي بعنوان (الأقلية حين تتحكم في الأكثرية) نشرت بتاريخ 29/4/1424هـ، ولا أعلم للمعاصرين رسالة أكثر تحريراً منها، ولو استشارني أحد إخواني في قسم العقيدة أو السياسة الشرعية أو الثقافة الإسلامية عن موضوع لرسالة ماجستير لنصحته بدراسة هذه الرسالة الحوالية المذهلة، ولا زلت والله أعجب من دقة أبي عبدالرحمن حين حررها.

على أية حال .. كنت مرةً أتأمل المعاناة المدنية التي يعيشها المجتمع السعودي كأزمة الإسكان والتعليم والصحة والطرق، وأقارن ذلك كله بما تكتبه تلك الأقلام التي تسمي نفسها أقلاماً وطنية ونهضوية وتنموية ومدنية وحضارية الخ فلا أجدها تقدم أية حلول عملية لمعاناة هذا البلد المسكين .. بل عامة ما يكتبون لا يكاد يخرج عن ثلاثة قوائم (طرح الشبهات، والترصد للفتاوى، وتخذيل المحتسبين) !

فهؤلاء لم يعالجوا الأزمة المدنية .. ولم يدعوا العقيدة والشريعة في حالها !
والله أعلم،،
أبو عمر
شعبان 1431هـ
18 يوليو 2010

Advertisements