-مدخل:

الحمدلله وبعد،،

على طاولتي الآن ورقتان كل واحدة منهما تركل الأخرى من شدة المفارقة، أولهما قصاصة من صحيفة الوطن يعلن فيها الأمير خالد الفيصل تذمره الشديد ممن يفترون عليه ويقولون أنه أصدر (قرار تشريد حفظة القرآن)، جاء في خبر الصحيفة:

(اكتفى أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل بالقول: حسبي الله ونعم الوكيل.. حسبي الله ونعم الوكيل، فأنا مشغول بخدمة هذه الأرض المقدسة وأهلها والوافدين إليها من ضيوف الرحمن، وليس لدي الوقت لمتابعة مثل هذه الكتابات في هذه المواقع، ولكن أسأل الله العلي القدير الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور أن يغفر لي وهؤلاء الذين أساؤوا لي) [صحيفة الوطن، 3/11/2010].

حسناً .. وضعت هذه التصريح الذي يعلن فيه الأمير خالد الفيصل قبل يومين بأنه مظلوم، وأنهم يتجنون عليه، بجانب نسخة من قرار الأمير نفسه بتشريد حفظة القرآن الكريم، والذي أصدره قبل شهر ونصف، وبلهجة بوليسية حادة، يقول فيه:

(سعادة مدير فرع وزارة الشؤون الاسلامية بمنطقة مكة المكرمة…، حيث أن التعليمات تمنع الأجانب من التدريس في حلقات تحفيظ القرآن الكريم، لذا نرغب الاطلاع والتأكيد على فروع الادارة طرفكم بمحافظات المنطقة بمتابعة حلقات التحفيظ، واستبعاد الأجانب منها فوراً، واستدعاء مدير الجمعية المذكورة، والتحقيق معه حيال أسباب تمكين أجانب من الإشراف على حلقات تحفيظ القرآن الكريم، وأخذ التعهد اللازم عليه بالتقيد بالتعليمات الخاصة بعدم السماح للأجانب بمزاولة التدريس، وقد زودْنا مدير جوازات المنطقة بصورة من برقيتنا هذه لاستدعاء الأجانب المشار لأسمائهم، وإلزام كفلائهم بتأمين عمل لهم أو ترحيلهم من البلاد. التوقيع خالد الفيصل) [خطاب من أمارة منطقة مكة المكرمة، برقم 1ش/714628، وتاريخ 17/10/1431هـ].

 

عدت مجدداً لذلك الخبر الذي يقول فيه الأمير خالد الفيصل (حسبي الله ونعم الوكيل.. أنا مشغول بخدمة ضيوف الرحمن)! وقلت في نفسي لماذا يتم استغفال الناس بهذه الطريقة؟ يُصدِر الأمير خالد من تحت الطاولة أمراً قاسياً بتشريد حفاظ القرآن الكريم والتحقيق مع معلميهم وكفلائهم وترحيلهم من البلاد، ثم يَظهر بعدها في الصحافة بلغة عاشورائية متمسكنة تتوجع من الظلم، والتجني، ويكشف فيه عن جدوله اليومي المكتظ بهموم ضيوف الرحمن، ويردد (حسبي الله ونعم الوكيل) !

 

-نظامية قرار تشريد حفظة القرآن:

هذا القرار الإداري الذي اتخذه الأمير خالد الفيصل هل هو قرار نظامي صحيح، أم هو قرار غير مشروع ومشوب بعيب نظامي؟

من المعروف في (علم القضاء الإداري) أن القرار الإداري يكون معرضاً لـ(دعوى الإلغاء) إذا كان مشوباً بأحد العيوب الستة المعروفة، وقد نص عليها نظام ديوان المظالم السعودي، حيث جاء فيه:

(تختص المحاكم الإدارية بالفصل في الآتي:ب- دعاوى إلغاء القرارات الإدارية النهائية التي يقدمها ذوو الشأن، متى كان مرجع الطعن: عدم الاختصاص، أو وجود عيب في الشكل، أو عيب في السبب، أو مخالفة النظم واللوائح، أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها، أو إساءة استعمال السلطة) [نظام ديوان المظالم، 1428هـ، م13/ب]

 

وحين نتأمل في القرار السابق الذي اتخذه الأمير خالد الفيصل نجد أنه مشوب بعدة عيوب، منها الخطأ في تطبيق الأنظمة، ومنها عيب عدم الاختصاص الموضوعي، وهو تحديداً (اعتداء هيئة ادارية على اختصاص هيئة إدارية أعلى منها)، لأن قرار السعودة ليس من اختصاص إمارات المناطق، وإنما هو من اختصاص هيئة إدارية أخرى أعلى منها وهي (وزارة الداخلية)، ووزارة الداخلية (المختص الفعلي) أصدرت قراراً إدارياً باستثناء حلقات التحفيظ من قرار السعودة، حيث جاء في قرار وزارة الداخلية:

(سعادة مدير عام الجوازات..، بشأن طلب معالي نائب رئيس الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة مكة المكرمة بعدم إلزام العاملين المتعاونين مع الجمعية بنقل كفالتهم، لأن عملهم يقتصر على الفترة المسائية فقط، وهم تحت كفالة جهات أخرى..، عليه لا مانع من ذلك، ولكم تحياتنا، التوقيع: نائب وزير الداخلية، أحمد بن عبدالعزيز) [خطاب صادر من مكتب وزير الداخلية، برقم 1/ب/4922، وتاريخ 17/5/1419هـ].

 

فنلاحظ في هذا القرار الإداري الصريح من الجهة المختصة استثناء حلقات التحفيظ من قرار السعودة، وبالتالي فإن إلزام إمارة منطقة مكة لحلقات التحفيظ بالسعودة هو تعدي من هيئة إدارية على اختصاص هيئة إدارية أعلى منها، وهذا عيب صريح من عيوب عدم الاختصاص التي تجعل قرار الأمير خالد الفيصل قرار غير مشروع نظاماً، بل فيه انتهاك صريح لاختصاص هيئة إدارية أخرى.

 

واختصاصات أمراء المناطق ليست فوضى، بل هي مضبوطة بنظام المناطق (1412هـ المعدل بالأمر الملكي 1414هـ)، والذي قسم المناطق الإدارية في السعودية إلى ثلاثة عشر منطقة، وحدد صلاحيات أمراء المناطق في المادة السابعة، وهي أقرب إلى المهام الإشرافية فقط، والأمير خالد الفيصل متبرم من ضيق صلاحياته، وقد صرح بذلك مرةً في لقاء صحفي عام، كما جاء في صحيفة الوطن:

(في رده على سؤال صحفي أثناء زيارته للقنفذة، قال الأمير خالد الفيصل ما معناه: إن محدودية الصلاحيات بيد أمير المنطقة لا تعني أن نظل مكتوفي الأيدي رهناً للحدود بلا عمل) [صحيفة الوطن، 23/1/2008]

 

هذا التصريح للأمير خالد تصريح مُريب بصراحة، فهذا التصريح يؤكد أن الأمير خالد الفيصل يعي جيداً محدودية صلاحياته كأمير للمنطقة، ومع ذلك يتحدث بلغة تحدّي توحي بعزمه على تجاوز صلاحياته النظامية عمداً، وانتهاك صلاحيات هيئات إدارية أخرى! وهذا يعني أن خطأ الأمير خالد في اجتياح اختصاصات هيئات إدارية أخرى لم يكن تعدياًً عفوياً غير مقصود، بل كان تعدياً واعياً لتوسيع هيمنة اختصاصاته بطريقة غير نظامية! وهذا شئ مؤسف فعلاً.

 

على أية حال .. الأهم في الأمر كله أن جهة الاختصاص وهي وزارة الداخلية هي التي قررت استثناء حلقات التحفيظ من قرار السعودة، ووزارة الداخلية ليست هيئة إدارية مساوية لإمارة المنطقة، بل هي هيئة إدارية أعلى من إمارة المنطقة، فإمارة المنطقة تابعة لوزارة الداخلية؛ كما نصت على ذلك المادة الخامسة من نظام المناطق:

(يكون أمير المنطقة مسئولاً أمام وزير الداخلية) [نظام المناطق، م5]

 

وعليه فيمكن الادعاء بأن هذا الخطأ النظامي الذي ارتكبه الأمير خالد الفيصل يقع في ما يسميه خبراء القضاء الإداري (تعدي المرؤوس على اختصاص رئيسه).

 

ومما يؤكد هذا التعدي النظامي الخطير من الأمير خالد الفيصل أن بقية أمراء المناطق الإدارية في المملكة (12منطقة) كلها -بلا استثناء- لم يطبق أمراؤها السعودة على حلقات التحفيظ، وهم: (سلمان بن عبدالعزيز، عبدالعزيز بن ماجد، فيصل بن بندر، محمد بن فهد، سعود بن عبدالمحسن، محمد بن ناصر، فيصل بن خالد، مشاري بن سعود، فهد بن سلطان، مشعل بن عبدالله، فهد بن بدر، عبدالله بن مساعد)، فكل أمراء المناطق هؤلاء عملوا بالاستثناء الذي قررته جهة الاختصاص وهي وزارة الداخلية، وفي كل هذه المناطق الإدارية يعمل فيها غير السعودي مع أخيه السعودي جنباً إلى جنب في تحفيظ القرآن، إلا أمير منطقة مكة خالد الفيصل –هداه الله- فهو الذي عارض وزارة الداخلية –وهي جهة الاختصاص ومرجعه الاداري في ذات الوقت- وطبق القرار في محل الاستثناء!

 

السؤال الذي يحير المتابع: ما الذي يدفع الأمير خالد الفيصل لأن ينفرد عن كل أمراء المناطق هؤلاء بتحدي النظام وتجاوز اختصاصاته والتسلط على حفظة كتاب الله؟

 

-سعودة أم شماعة؟ :

المقاصد والأغراض الخفية يكشفها السياق دوماً، والناس ليسوا بلهاء ولا مغفلين، ففي منطقة مكة المكرمة لا تزال توجد في المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى وظائف كثيرة جداً يشغلها إخوة لنا غير سعوديين، وفي كل هذه الوظائف لم يأتِ أي استثناء نظامي بشأنهم، فلماذا قفز الأمير خالد الفيصل وترك كل هذه المؤسسات والشركات، التي يجب تطبيق النظام عليها، وطبق النظام على جهة مستثناة أصلاً؟

هل أبقى الأمير خالد –بالله عليكم- موضعاً لحسن الظن؟!

 

لن أستعرض هذه المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى، ولكني سآخذ عينة واحدة فقط لأنها عينة مشابهة لجمعية التحفيظ، وهي (المدارس الأهلية) في منطقة مكة المكرمة، ففي المدارس الأهلية للبنين يشكل إخوتنا غير السعوديين فيها ما نسبته 70%، وفي المدارس الأهلية للفتيات تشكل أخواتنا غير السعوديات فيها ما نسبته 40%، فلماذا تركها الأمير خالد الفيصل، وهي لم تستثنَ، وذهب يطبق القرار على محل مستثنى أصلاً؟!

 

مرةً أخرى .. هل أبقى الأمير خالد موضعاً لحسن الظن؟!

 

حسناً .. لنفترض أن القضية سعودة فعلاً، هل طبقت السعودة في كل القطاعات بهذه الطريقة الفجائية المريبة، تسريح 6000 معلم، وتشريد 120,000 طالب في لحظة زمنية واحدة؟! في كل القطاعات التي طبقت فيها السعودة أعطيت الجهات ذات العلاقة فترة زمنية تدريجية لتصحيح الأوضاع، كخمس سنوات مثلاً، وإذا حصل عجز عن التغطية بسعوديين فإنه تستثنى كمية العجز من السعودة، وليست الأمور بهذه الأسلوب المباغت الذي نفذته إمارة مكة والذي بعثر الطلاب وأربك جمعية التحفيظ وحرم المساجد من دوي صبيان المسلمين بالقرآن.

 

على أية حال .. لا يشك أي متابع يتمتع بقواه العقلية بشكل جيد أن القضية لا سعودة ولا غيرها، وإنما القضية تفتيش عن شماعة يمكن أن يعلق عليها التبرير الإعلامي لمخطط الإغارة على حلقات تحفيظ القرآن.

 

-الافتراءات الترميمية:

بعد أن تم تنفيذ المؤامرة، واشتعال القضية إعلامياً، وتذمر الناس بشكل واسع في المجالس وعلى شبكة الانترنت، وتوالي الوفود الاحتسابية على الإمارة، وانهمار المخاطبات والمكاتبات من شتى أنحاء المملكة؛ اكتشفت إمارة منطقة مكة أنها وقعت في ورطة! ومن الواضح أنهم لم يتوقعوا أبداً أن يكون رد الفعل الشعبي بهذه الصورة! ولكن الأمير خالد الفيصل صعب عليه أن يتراجع عن قراره لأنه يشعر أن هذا فيه كسر لسيادته، وأنه يوصل رسالة بأنه خضع للضغوط، وهذه من أصعب الأمور على الأمير خالد الفيصل لمن يعرف شخصيته جيداً.

وفي هذه الظروف: ما هو الحل الذي تفتقت عنه أذهان مرتزقة الصحافة؟

 

لم يكن الحل هو التراجع الصريح الفوري عن القرار، والاعتذار لطلاب التحفيظ، وإنشاء حفل لتكريمهم، ومضاعفة مكافآت المعلمين تعويضاً عن الأضرار المعنوية التي لحقتهم، كلا، كل ذلك لم يقع، وإنما الحل الذي قام به مرتزقة الصحافة هو فبركة القصص والافتراء على مسؤولي الجمعية لتغطية الفضيحة، بل والتخبط في سلسلة فبركات كل واحدة منها تكذب سابقتها!

 

سأشير هاهنا لنموذجين من هذه الافتراءات لترميم الموقف:

الفرية الأولى: قامت بها صحيفة الوطن (وهو مما يستغرب على هذه الجريدة الصادقة أن تكذب!) حيث نسبت لفضيلة الشيخ المهندس عبدالعزيز حنفي، رئيس جمعية التحفيظ، بأنه يقول بأن الحلقات لم تغلق، وأنه يتهم المعلمين غير السعوديين باختلاق هذه الشائعات، حيث جاء في صحيفة الوطن:

(أكد رئيس الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بجدة الشيخ عبدالعزيز حنفي، أن حلقات تحفيظ القرآن بالجمعية مستمرة ولم تتوقف حسب ما أشيع مؤخرا في بعض المواقع الإلكترونية. وأوضح حنفي أن ما أثير في بعض المواقع الإلكترونية من إغلاق وتوقف لهذه الجمعيات غير صحيح، ولا يعدو كونه حملة موجهة من بعض المدرسين غير السعوديين) [الوطن، 2/11/2010].

 

ويبدو أن صحيفة الوطن حين اختلقت هذا التصريح ونسبته لرئيس الجمعية راهنت على أن الشيح المهندس حنفي سينحني ويسكت عن نسبة هذا الاختلاق إليه، لكن الشيخ حنفي شعر أن المروءة لا تستقيم مع الصمت عن هذا الافتراء، سيما أن فيه إهانة لإخواننا غير السعوديين من معلمي القرآن، فبادر الشيخ حنفي بتكذيب ما نسب إليه، ثم أعقب ذلك ببيان صريح كذَّب فيه افتراءات صحيفة الوطن، حيث يقول الشيخ حنفي:

(نفى عبد العزيز حنفي، رئيس الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمحافظة جدة، ما تناقلته بعض الصحف المحلية من اتّهامه للمدرسين غير السعوديين بشنّ حملة موجهة على الجمعية وقرار السعودة، مؤكدًا أن ما قاله هو أن حلقات المدرسين غير السعوديين موقفة وحلقات المدرسين السعوديين مستمرة، نافيًا أن يكون قد قال أي شيء يسيء إلى المدرسين غير السعوديين، وأشار إلى أنه يخدم القرآن وأهله منذ سنين طويلة ولا يمكن أن يتكلم بمثل هذا الكلام) [الاسلام اليوم، السبت 6/11/2010]

 

الحقيقة أن هذا موقف شهم من الشيخ حنفي، ويعبر عن شموخ الرجولة التي يحملها بين جنبيه، فالفرية التي اختلقتها صحيفة الوطن ضد إخواننا معلمي القرآن غير السعوديين لا يمكن وصفها إلا أنها عمل دنئ منعدم المروءة.

 

الفرية الثانية: لما لم تنجح الكذبة الأولى للتغطية على ورطة إمارة مكة، لجأت صحيفة الوطن صباح هذا اليوم السبت إلى حياكة تمثيلية أخرى، حيث نشرت الخبر التالي:

(خالد الفيصل يعزز حلقات التحفيظ بـ1070 سعودياً: جاء ذلك في اجتماع ترأسه الأمير خالد الفيصل، بحضور المشرف على الجمعية الدكتور عبدالله نصيف، والمدير العام للتربية والتعليم بجدة عبدالله الثقفي، ورئيس جمعية التحفيظ بجدة المهندس عبدالعزيز حنفي.وأوضح الثقفي خلال الاجتماع أن إدارته ستستفيد من أكثر من 1070 خريجا جامعيا يبحثون عن عمل تضمهم قوائم إدارته). [صحيفة الوطن، 6/11/2010]

 

هل تعلم من هم هؤلاء الـ(1070) سعودي؟ هؤلاء خريجون متقدمون لوزارة التربية والتعليم لطلب العمل كمعلمين، وقد وضعتهم الوزارة على قائمة الانتظار (waiting list) ، فلما خاطبت الجمعية الإمارة للمبادرة بحل الأزمة، قال الأمير خالد الفيصل: اطلبوا من هؤلاء المنتظرين للعمل كمعلمين أن يتبرعوا للتدريس بتحفيظ القرآن براتب (500) ريال شهرياً! فردت الجمعية بأن هؤلاء المقيدين لدى وزارة التربية والتعليم في انتظار وظيفة معلم يستحيل أن يقبلوا بأن يعملوا براتب قدره خمسمائة ريال، ولو فرض ووافقوا فلن يأتي من هؤلاء الألف إلا عشرة أو عشرين على سبيل التبرع و (الفزعة) للحلقات فقط، ثم إن الجمعية جربت كثيراً منهم فهم يأتون أول أسبوع، ثم لا يستطيعوا الإكمال لظروفهم المعيشية، ثم على فرض أن هؤلاء الألف أتوا للعمل كمعلمين، فإن عدد المعلمين غير السعوديين هو ستة آلاف، فلا يزال هناك عجز!

 

انفضّ الحديث بين الجمعية والإمارة على ذلك، فقامت صحيفة الوطن وصورت الأمر على أن الأزمة تم حلها بألف معلم سعودي!

هل يشك المراقب أن الصحافة السعودية تمر بأسوأ مراحلها المهنية، فلا تزال الصحافة السعودية تكذب وتتحرى الكذب!

 

 

-مجرد حلقة في سلسلة:

قرار تشريد حفظة القرآن الذي اتخذه الأمير خالد الفيصل وفقه الله، ليس قراراً مجرداً يسبح في الهواء الطلق، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من العداء القديم والترصد ضد الدعوة الإسلامية، والأمير خالد الفيصل في هذا السياق ينفرد عن جميع أمراء المناطق، بل وعن سياسة والده نفسه الملك فيصل -رحمه الله رحمةً واسعة- فلا يعرف أحد من أمراء المناطق يترصد للدعاة ويضيق عليهم ويتحمس للحفلات الغنائية ودعم العلمانيين مثل الأمير خالد الفيصل.

 

فحين كان الأمير خالد الفيصل أميراً لعسير ذاق الدعاة منه الأمرّين، فقد كان مجتهداًَ في التضييق على الأنشطة الدعوية، والتمكين لحفلات الغناء والطرب والشخصيات العلمانية المشبوهة.

 

فمثلاً .. أقيم في منطقة عسير مهرجانات دعوية استضيف فيها العلماء وأقيمت فيها أنشطة ترفيهية وترويحية مباحة، فقام الأمير في البداية وأمر بإخراجها خارج المدن لمدة سنتين، لزيادة مشقة الحضور، ثم أمر بإيقافها كلياً، في الوقت الذي كان يبالغ في نشر وترويج الحفلات الصاخبة، حتى كانت مكبرات الصوت تنقل أصوات المعازف لمسافات شاسعة، فترتج أبها الجديدة عزفاً، حتى كان يتأذى كبار السن منها كثيراً.

 

وأما التضييق على الدعاة ونقلهم من أعمالهم فكثير، وعلى سبيل المثال الشيخ المحتسب أحمد بن حربان المالكي، حيث اشتكى ظاهرة استعمال الألعاب النارية ذات الأصوات المدوية في المهرجانات لما فيها من إزعاج كبار السن في المنطقة، فاستدعاه الأمير خالد الفيصل وعاتبه، ثم أوعز لإدارة التعليم بنقله، فاشتكى الشيخ أحمد إلى ديوان المظالم فنصره الديوان وصدر الحكم بإعادته لعمله عام 1427هـ.

 

ومن إجراءات التغريب بين الفتيات في عسير دعم الأمير خالد الفيصل للأستاذة شايان ابوزنادة، حيث كانت تطوف على مدارس البنات في عسير تلقي المحاضرات لتغريب الفتيات، ولا تستطيع المدارس منعها من ذلك، وكانت شايان ابوزنادة تسعى لتحريض الفتيات ضد ولاية آبائهن عليهن، وتشويه بعض الأحكام الشرعية للحشمة والفضيلة، بل بلغ الحال أن شايان ابوزنادة وزعت مرة على بعض الفتيات نسخاً من الرواية التحريضية الساقطة (الإرهابي 20) إبان صدورها.

 

ولا يزال المراقبون يتساءلون: لماذا الأمير خالد الفيصل هو الوحيد بين أمراء المناطق الثلاث عشرة الذي يضيق على استضافة العلماء والدعاة لإلقاء المحاضرات العلنية؟ حتى أن الأمير خالد الفيصل لما غادر إمارة عسير، وصار أميرها فيصل بن خالد؛ دبّت في عسير الحياة، فعادت لها أصوات العلماء والدعاة، وتناقصت الحفلات الغنائية تدريجياً، وشعر الناس بالتفريج.

 

ولما جاء الأمير خالد الفيصل إلى منطقة مكة المكرمة جاء بنفس أسلوبه الثلاثي: التضييق على محاضرات العلماء والدعاة، تشجيع المهرجانات الغنائية، دعم العلمانيين عبر مؤسسة الفكر العربي.

 

ومن أوائل الأعمال التي قام بها الأمير خالد الفيصل فور تعيينه في منطقة مكة عام 1428هـ إغلاق حلقات تحفيظ القرآن التابعة للأميرة أم ثامر بن عبدالعزيز -رحمها الله- وكان الذي يشرف عليها هو ابنها الأمير ممدوح بن عبدالعزيز شخصياً، وكان فيها دور نسائية ونشاط متميز وانتفع بها أممٌ من الناس، فبحث الأمير خالد الفيصل عن مدخل لإيقافها، فوجدها غير تابعة لجمعية التحفيظ، وإنما يشرف عليها الأميرممدوح بنفسه، فأصدر قراراً بإيقافها، وتأثر الحفاظ والحافظات كثيراً بهذا القرار، وتحرك الأمير ممدوح وتابع الأمر بنفسه حتى استطاع إعادة حلقات والدته.

 

وكانت وزارة الشؤون الإسلامية تقيم مهرجانات دعوية شبابية في الأماكن العامة في جدة ويستضاف فيها كبار العلماء والدعاة، ويحضرها آلاف الشباب، وكان لها دور كبير في حفظهم من الجريمة والمخدرات ونحوها، وغرس القيم الإسلامية الكبرى فيهم كالصلاة وبر الوالدين ونحوها، ومن أشهرها –مثلاً- المخيم الشبابي بجوار المطار القديم، وكان فيه قسم نسائي تلقى فيه المحاضرات العامة، وممن استضيف فيه مفتي عام المملكة، والشيخ عبدالله المطلق والشيخ عبدالله بن منيع ونحوهم من أعضاء هيئة كبار العلماء، وممن افتتحه في بعض سنواته محافظ جدة مشعل بن ماجد، وبدأ التضييق عليه بتقصير زمنه من شهر إلى أسبوعين، ثم أوقفه الأمير خالد الفيصل كلياً عام 1428هـ ووافق الإغلاق إعلان محاضرة فيه للشيخ سعد البريك.

 

ومن مشروعات وزارة الشؤون الإسلامية التي أوقفها خالد الفيصل (مخيم البحر) على كورنيش جدة، وقد استضاف المخيم الشيخ عبدالله المطلق والشيخ عبدالله المنيع ونحوهم من اعضاء هيئة كبار العلماء، وافتتحه المحافظ مشعل بن ماجد عدة مرات، فضيق عليه الأمير خالد ثم أغلقه كلياً.

 

وأما اضطهاد قراء القرآن وأئمة المساجد المتميزين فذلك بابٌ انفرد فيه الأمير خالد الفيصل عن غيره فعلاً، ومن أمثلة ذلك: إيقاف الشيخ القارئ عبدالمحسن الحارثي إمام مسجد عليثة الحربي، وهو قارئ متميز وله تلاوات تبث في إذاعة القرآن الكريم، ويؤم مسجده فئام من الناس من أحياء جدة، ويبلغ الغبن مداه حين يعلم المرء أن الشيخ عبدالمحسن الحارثي في رمضان الماضي دعاه القائمون على جامع عمر بن الخطاب في دولة قطر والذي يخطب فيه الشيخ يوسف القرضاوي؛ للإمامة فيه لجمال قراءته، وصلى بهم فعلاً العشر الأواخر في قطر هذه السنة! وهكذا يتفنن الأمير خالد الفيصل في تشريد حملة القرآن وطلابه ومعلميه.

 

ومنهم الشيخ القارئ المشهور هاني الرفاعي صاحب الصوت النسماتي إمام مسجد العناني بجدة حيث أوقفه الأمير خالد الفيصل وتعنت في إيقافه برغم الشفاعات الكثيرة، حتى أن الشيخ الرفاعي صرح لبعض وسائل الإعلام قائلاً بألم: (بذلت أكثر من المتوقع، وخاطبت الجميع قريباً و بعيداً من أجل الشفاعة، و لا أملك الآن إلا الصبر) [تصريح للرفاعي منشور في عدد من وسائل الإعلام].

ويعرف الجميع أن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعاني من ضعف شديد في مدينة جدة نتيجة نقص الكوادر والحوافز والمضايقات، ومع ذلك فإن الأمير خالد الفيصل زاد التضييق عليها لدرجة الخنق، حتى أنه أصدر أوامره بعدم دخول الهيئة إلى المواقع التي هي من صميم عملها، وهذا أمرٌ سبب الفوضى الأخلاقية وتأذى الناس من القرار، ومن ذلك خطاب الأمير للهيئة الذي جاء فيه:

(فضيلة مدير عام فرع هيئة الأمر بالمعروف بمنطقة مكة المكرمة..، ماوجهنا به بأنه قد آن الأوان لإلغاء مثل هذه اللجان، اللجان المتعلقة بالمطاعم والأسواق والمنتجعات وما شابهها..، التوقيع الأمير خالد الفيصل) [خطاب من إمارة مكة، برقم 1ش/561897 وتاريخ 18/11/1431هـ ].

 

وهذا القرار قرار غير نظامي أصلاً، لأنه مخالف لقرار الهيئة الإدارية الأعلى وهي وزارة الداخلية التي قررت مزاولة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعملها في الرقابة الآدابية في الأسواق والمنتجعات (الشاليهات)، وللأسف فإنه لاتزال شاليهات أبحر الشمالية تعاني من مآسي أخلاقية ليلياً بسبب هذا المنع غير النظامي من الأمير خالد الفيصل هداه الله.

 

وأما اقتحام الأمير خالد الفيصل لمجامع النساء، والتقاط الصور مع الفتيات وهن سافرات، فهذا مما يندى له جبين الفضيلة، ومن نماذج ذلك: حين وقعت كارثة جدة فنشرت صحيفة الوطن (30/6/2010م) خبر لقاء الأمير خالد الفيصل بالمتطوعات، وفيها صورة ملونة متمددة على طرفي الصحيفة لأربعين فتاة سافرة، وضربت المعازف في لقاء الأمير بالفتيات، والتقطوا الصور معهن! كان الناس يتمنون أن الأمير يبادر لحل الأزمة فإذا هو يوظفها لتقويض الفضيلة.

 

وبعد هذه الحادثة الأليمة بخمسة أيامٍ فقط، نشرت صحيفة الوطن (5/7/2010م) خبر لقاء الأمير خالد الفيصل بطالبات كلية (عفت) وفيهن السافرات، وعزفت الأغاني في الحفل، وكان أخطر ما في هذا الحفل أن إحدى الطالبات كشفت بالخطأ العلاقة التغريبية المشبوهة مع جهات أجنبية، لدرجة اللقاء بالرئيس الأمريكي نفسه والاستفادة من توصياته في كيفية التغيير! حيث تقول إحدى الطالبات كما تنقل الصحيفة:

(ذكرت الخريجة من كلية التمريض بدار الحكمة، وهي إحدى 8 طالبات اللاتي تم اختيارهن للمشاركة في قمة ريادة الأعمال التي أقيمت في الولايات المتحدة الأمريكية حيث قالت: شاركنا في هذه القمة التي استغرقت يومين، وحظينا بمقابلة الرئيس الأمريكي “أوباما” وقالت “افتتحت هذه القمة من قبل الرئيس الأمريكي، الذي ناقش معنا الكيفية التي نستطيع من خلالها تبادل العلاقات الاجتماعية بين الولايات المتحدة والمملكة، وتنمية الريادة الاجتماعية، وكيف تم الارتقاء بهذه الريادة لكي يتم تطبيقها في المملكة) [صحيفة الوطن، 5/7/2010]

 

فالرئيس الأمريكي أوباما قدم لفتياتنا وصاياه وكيف يتم تطبيقها في المملكة؟! ثم يقولون بعد ذلك: ليس هناك مشروع تغريبي!

وهكذا يتم انتقاء بعض الفتيات، وإرسالهن للخارج للقاء بجهات خارجية مشبوهة، وتلقي التوجيهات في كيفية التغيير في المملكة! فهل يستيقظ النائمون قبل أن لا ينفع الندم؟!

 

وأما دعم وترويج العلمانية المتطرفة عبر (مؤسسة الفكر العربي) التي يملكها الأمير خالد الفيصل، وتمويل الشخصيات العلمانية المشبوهة بأموال ضخمة؛ فهذا من أشد الأمور إيلاماً، وسأشير لنموذج واحد فقط من ذلك، وهو لقاء (حوار العرب) الذي تشرف عليه وتنظمه (مؤسسة الفكر العربي) وتبثه قناة العربية، ففي لقائه الأخير هذا العام استضاف من جملة من استضاف الدكتور تركي الحمد، و الأستاذ إياد جمال الدين.

 

فأما الدكتور تركي الحمد فقد صرح بالدعوة للعلمانية الصريحة وأن الشريعة يجب أن لا تطبق على مؤسسات الدولة، حيث يقول:

(الدين رسالة للفرد، وليس شيئاً للدولة، فالدولة لا دين لها) [تركي الحمد، برنامج حوار العرب بإشراف مؤسسة الفكر العربي]

 

وأما الأستاذ إياد جمال الدين فقد أوجب على الدولة رعاية الكفر والإباحية واحترامها حيث يقول:

(هناك ضرورة دينية وإنسانية لفصل الدين عن الدولة، الدولة لا يمكن أن يكون لها دين، الدولة مؤسسة أمن وخدمات للجميع تعطي الماء والكهرباء للمسجد وللكنيسة وللملهى) [إياد جمال الدين، برنامج حوار العرب بإشراف مؤسسة الفكر العربي]

 

بل بلغت الوقاحة بالأستاذ جمال الدين إلى “شتم النبي” صلى الله عليه وسلم، وسبِّه سباً صريحاً أمام الملأ، حيث اتهم النبي بأنه أخطأ حين أقام دولة في المدينة، وأن دولة النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة دولة آيديولوجية، وأن هذه الدولة النبوية هي التي تسببت في خلق ظاهرة النفاق، بل كرر في اللقاء أن حالة العربي في جاهليته أفضل من حالته في دولة النبي في المدينة، حيث يقول الأستاذ إياد جمال الدين:

(حكم النبي في المدينة أنتج ظاهرة لم يعرفها العرب في جاهليتهم، وهي ظاهرة النفاق، العربي في جاهليته لم يكن يعرف النفاق بل كان حراً كالصقور الحرة، النبي عاش في مكة ثلاثة عشر عاماً بشيراً ونذيراً لم يكن عنده شرطة ولا جيش، وعاش النبي في المدينة عشر سنوات بشيراً ونذيراً وصاحب سيف وسلطة، وفي المدينة ظهر حزب المنافقين، وهذا يعني أن أول الظواهر السلبية للحكم الآيديولوجي، حتى لو كان تحت حكم النبي؛ أنها تنتج أناساً مزدوجي الشخصية، النفاق ليس رد فعل ضد الدين، بل رد فعل ضد الدولة الآيديولوجية، حتى لو كانت بيد النبي) [إياد جمال الدين، برنامج حوار العرب بإشراف مؤسسة الفكر العربي]

 

وهكذا تحت رعاية (مؤسسة الفكر العربي) التي يملكها خالد الفيصل يُشتم النبي –صلى الله عليه وسلم- ويُدعى إلى أن تقوم الدولة بخدمة كنائس الكفر وملاهي الإباحية كما تَخدِم المساجد والبيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه!

 

-فن تشويه سمعة أرض الحرمين:

سأكون صريحاً وصادقاً معك، الحقيقة أنني حين أكون داخل السعودية فإنني أتألم من ظواهر سلبية كثيرة، وجوانب نقص في نظامنا السياسي، لكن حين أكون خارج المملكة فإني أشعر بالفخر والارتياح وأحمد الله كثيراً على ما أنعم به على بلادنا من سيادة الشريعة في القضاء، وخصوصاً حين أرى كتب الفقه الإسلامي على مكاتب قضاتنا وفقهم الله، وأحمد الله كثيراً على المنزلة الاجتماعية الرفيعة التي يتبوأها علماء أهل السنة في بلدي، وأحمد الله كثيراً على نعمة جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها كثير.. ولكني في هذه الأيام الأخيرة صرت أخجل حين أقابل صديقاً عربياً خارج المملكة، الجميع صار يقول لنا: لماذا تغيرت الأحوال عندكم في السعودية؟! لماذا إعلامكم صار يستهزئ بالعلماء؟! بل أعرف أحد الفلاسفة التونسيين أبدى استغرابه أكثر من مرة أن فلول اليسار عندهم صار مرحباً بهم في أرض الحرمين!

هذا الأسئلة تكاد تخنقني خنقاً..

 

والواقع أن ما يقوم به الأمير خالد الفيصل من منع لحلقات تحفيظ القرآن ودعم للعلمانيين المتطرفين أنه يصب في اتجاه المزيد من تشويه سمعة أرض الحرمين، الحجاج الآن يتوافدون على مكة، ويشاهدون سواري الحرم قد خلت من حفاظها!

 

المكانة الدينية لبلادنا هي عمق استراتيجي ومصدر استقرار سياسي لنا، وكل تقويض لهذه المكانة الدينية عبر هذا الهياج التغريبي هو خسارة من رصيد قوتنا.. لو كان قومي يعلمون.

 

من كان يتوهم أننا بهذا الاندفاع التغريبي سنكسب أمريكا فهو واهم، فالولايات المتحدة الأمريكية لن تحترمنا لأننا نحاكيها في أسلوب حياتها، فهناك الكثير ممن يصنع ذلك، ولكنها ستحترمنا إذا كان لنا قوة ووزن في المنطقة، فأمريكا لا تفهم إلا لغة القوة، ولا تفاوض إلا الأقوياء، والسعودية تضحي اليوم بأهم مصدر أكسبها وزنها وقوتها في العالم الإسلامي وهو طبيعتها الدينية.

السعودية اليوم مثل رئيس يحرق بيديه مؤهلات رئاسته..

 

معلم القرآن غير السعودي حين يرى اضطهاد الأمير خالد الفيصل له، وحين يرى مرتزقة الصحافة في سبيل التغطية على الفضيحة يتهمون هؤلاء المعلمين باختلاق شائعة إيقاف الحلقات؛ هل تظن أن هذا لن يجرح نفسياتهم؟ هل تظن أن هؤلاء سيعودوا لقومهم يدافعون عنك وينصرونك؟ لقد أخطأنا في حقهم خطأً كبيراً ويجب أن تعتذر لهم الإمارة اعتذاراً يليق بمكانتهم كمعلمين لكتاب الله.

 

ثم هل يظن مرتزقة الصحافة أن معلمي القرآن هؤلاء يبحثون عن “المال” ؟! لو كانوا يبحثون عن المال لفتح الواحد منهم مغسلة ملابس أو مطعم فطائر واكتسب خمسمائة ريال  يومياً، وليس خمسمائة ريال شهرياًّ! ولكنهم قوم يحبون القرآن، ويحبون تعليمه، فانظر بالله عليك كيف كافأناهم على حسن صنيعهم! اللهم إنا نعتذر إليك مما صنع خالد.

 

كم هو مثير للاشمئزاز أن ترى التغريبيين في صحافتنا إذا جاء ذكر الكفار زُرق العيون الذين أهانهم الله بقوله (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) رأيتهم يتحدثون عن احترام الآخر حتى لو لم يكن على دينك، وإذا جاء ذكر معلم القرآن غير السعودي الذي شرفه الشارع بقوله في البخاري (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) رأيت الاستهزاء به، وقذفه بالفرية تلو الفرية، بل وكتب أحدهم في صحيفة عكاظ يستهزئ بلكنة هؤلاء المعلمين ويسخر بطريقة نطقهم للغة العربية!

 

لو كان هؤلاء المعلمين من نيويورك وفانكوفر ولندن لرأيت التعامل غير التعامل، والوجوه غير الوجوه، ولرأيت الحديث عن الجنسية آخر ما يمكن أن يهمس به! لكنها الهزيمة النفسية حين أصبح الكافر تمتلئ نفوس التغريبيين تعظيماً له، ومعلم القرآن يسخر به وبلكنته ويقذف بالكذبات الباردة.

 

-لماذا يحارب الأمير تحفيظ القرآن؟

السؤال الذي حيّر كثيراً من المتابعين للأزمة هو السؤال التالي: ما الذي يدفع الأمير خالد الفيصل لعرقلة حلقات تحفيظ القرآن؟

 

هناك أطروحتان تفسيريتان للإجابة عن هذه الإشكالية أولهما: (مغازلة الترشيحات الأمريكية) وثانيهما: (عقدة المزاحمة الجماهيرية).

 

فأما الأطروحة التفسيرية الأولى فثمة فريق من المراقبين يرى أن الأمير خالد الفيصل بإيقافه المستمر لأي نشاط شرعي، وعرقلته لجهود هيئة الأمر بالمعروف، وتشجيعه للحفلات الغنائية، وظهوره في مظهر تغريبي بين الفتيات، ودعمه للعلمانيين عبر مؤسسة الفكر العربي؛ يحاول لفت انتباه صناع الترشيحات الأمريكية باعتبار الأمير خالد الفيصل يمثل جناحاً ليبرالياً قادراً على ترويج الأجندة الثقافية الأمريكية، حيث سبق أن طُرِح في الكونجرس الأمريكي أكثر من مرة فكرة دعم أجنحة أخرى داخل الأسرة المالكة لخدمة الأهداف الثقافية الأمريكية، وخصوصاً في الفترة التاريخية التي أعقبت سبتمبر، ولذلك يتوقع هؤلاء المراقبون أن الأمير خالد الفيصل يحاول إيصال رسالة مستمرة لمهندسي الترشيحات الأمريكية هؤلاء.

 

وأما الأطروحة التفسيرية الثانية فترى أن الأمير خالد الفيصل ليس مجرد أمير له طموحات سياسية، بل يسعى لأن يكون له حضور ثقافي ولذلك يلقب نفسه أحياناً بالأمير الشاعر والأمير المثقف ونحوها، ونتيجةً لذلك فهو يشعر أن الأنشطة الشرعية من محاضرات وحلقات تحفيظ تسرق من الواقع جمهوراً شبابياً مفترضاً يمكن أن يحضر أمسياتهم وحفلاتهم، وقد صرح الأمير خالد الفيصل بشئ من ذلك حين أشار مرةً إلى قلة الحضور عندهم وكون المساجد يحضر للمشايخ فيها آلاف الشباب، ويدعِّم هذا الفريق أطروحته التفسيرية بأن قرار إيقاف الحلقات تم عقب احتفال جمعية التحفيظ بتخريج ألف حافظ في فندق هيلتون، وكان حفلاً مهيباً يعج بآلاف الحاضرين.

 

على أية حال .. سواءً كان هذا التضييق على الحلقات (مغازلة للترشيحات الأمريكية)، أو كان بسبب (عقدة المزاحمة الجماهيرية)، فالقضية كارثة شرعية تغضب الله جل وعلا، وكارثة اجتماعية تهدد صورة السعودية في الوعي العربي والإسلامي ويجب المبادرة بحلها، سيما أن القرار قرار غير نظامي أصلاً لأنه مخالف لقرار هيئة إدارية أعلى وهي جهة الاختصاص.

 

الحقيقة أنني مقتنع كلياً بأنه ليس من مصلحة الدعوة أن تكون في خصومة مع المسؤولين، ومقتنع كلياً أن أنجع أساليب الإصلاح هو أسلوب المداراة وحسن الظن المتبادل، ولكن الأمير خالد الفيصل –هداه الله- لم يبق لحسن الظن مكاناً، فقد ألغى الملتقيات الدعوية التي تشرف عليها وزارة الشؤون الإسلامية ويحاضر فيها كبار العلماء كالمفتي العام والشيخ عبدالله المطلق والشيخ ابن منيع ونحوهم، وأصدر قرار تشريد حفظة القرآن بعد أن كانت مساجد المسلمين تعج بأصواتهم، واستحث أصناف المغنين لتلويث أجواء البلد الحرام، واقتحم مجامع النساء والتقط الصور مع الخريجات عدة مرات، واستضاف ومول لقاءات معتوهي الفكر العربي كتركي الحمد الذي يدعو لعلمنة الدولة السعودية، وإياد جمال الدين الذي يشتم النبي -صلى الله عليه وسلم- ويدعو لأن تخدم الدولة كنائس الكفر وملاهي الإباحية! وفوق ذلك كله هو الوحيد بين أمراء المناطق الثلاث عشرة الذي يقوم بهذه الأدوار!

فهل أبقى الأمير خالد الفيصل –بالله عليكم- مجالاً لحسن الظن والمداراة؟!

 

على أية حال .. حين رأيت الأمير خالد الفيصل أصدر قراره بتشريد حفظة القرآن، وإحياء سوق عكاظ الجاهلي؛ تذكرت مقالاً شهيراً للأمير عنوانه (من غيّب البسمة؟) ، هذا المقال يكشف جيداً عن تصور الأمير لمفهوم السعادة، يتحسر الأمير خالد على أمور يراها غابت فيقول (أشعار وأهازيج، والعرضات التي تقام في كل المناسبات والأفراح والحفلات، للصوت غناء وطرب، ولقرع الطبول والدفوف إيقاع ورقصة حياة وسعادة) [مقال من غيب البسمة؟، الأمير خالد الفيصل، صحيفة الوطن].

 

ويقول: (من علم الطفل أن مشاهدة التلفزيون السعودي حرام لأن فيه موسيقى؟) [المصدر السابق].

 

تذكرت هذه الجمل التي تكشف توهم الأمير خالد الفيصل أن المعازف والرقصات والغناء والطرب والموسيقى هي سبب البسمة والسعادة، تذكرت ذلك وأنا أشاهده يغلق حلقات تحفيظ القرآن وقلت في نفسي: (القرآن لا يغيب البسمة يا سمو الأمير..).

 

ابوعمر

غرة ذي الحجة 1431هـ

7 نوفمبر 2010

Advertisements