الحمدلله وبعد،،

سيدة الأعمال السعودية المعروفة “حصة العون” ترأس مجلس إدارة شركتين تجاريتين، وأربع جمعيات أهلية، وهي الأمين العام لمجلس اتحاد المستثمرات العرب،  هذه المرأة هي أول من أزاح الستار -وعلى الهواء مباشرة- عن تفاصيل ما يدور في استراحات الليبراليين من علاقات دافئة بين مسؤولين أمريكيين وصحفيين سعوديين.

ففي شهر سبتمبر من العام 2006م وعلى الفضائية اللبنانية LBC روت الأستاذة حصة العون حادثة واقعية مرت بها وقالت:

(إي نعم السفارة الأمريكية أنا زارتني أكثر من مرة، وحاولوا معي أكثر من مرة، وطلبوا كمان يعطوني دعم مادي، ويعطوني قروض، ويعطوني تسهيلات كثيرة، ورفضتها، وزارتني القنصل أكثر من مرة في مكتبي). [حصة العون، قناة إل بي سي، سبتمبر2006]

أنهت الأستاذة حصة مكالمتها من هاهنا، وارتجت الصحافة السعودية عن بكرة أبيها من الجهة الأخرى، كانت روائح علاقة الليبراليين السعوديين مع المسؤولين الأمريكيين لم يتعامل معها الجميع بالجدية الكافية، ولكن بعد هذه الحادثة الواقعية وعلى الهواء مباشرة؛ اختلفت النغمة كثيراً، وكان ممن علق على الحادثة الكاتب المعروف في صحيفة عكاظ الأستاذ خالد السليمان، حيث قال:

(قنبلة حصة العون تكتسب دويها من كونها واقعة شخصية انتقلت بالمسألة بعيداً عن الجدال الذي لم يتخطّ سابقا حدود الاتهامات العامة والمبهمة..، ويجب التأكيد أن سلوك مثل هذه السفارات ليس ابتداعا جديداً، بل هو جزء من أسلوب عمل بعض أجهزتها لخدمة مصالح دولها في أغلب دول العالم، ويتخذ مثل هذا السلوك أشكالا مختلفة ابتداءً من الاحتفاء ومد الجسور الشخصية، وصولاً إلى التجنيد التام، مرورا بتقديم الهدايا التي لا تخلو من المشروبات الروحية) [خالد السليمان، صحيفة عكاظ، 24 سبتمبر 2006م].

تعليق الأستاذ خالد السليمان تضمن عدة ملحوظات ذكية، ربما من أهمها الإشارة إلى طبيعة الحوافز التي يقدمها السياسيون الغربيون لدعم التغريبيين السعوديين، ومن أطرف تلك الحوافز التي ذكرها السليمان تزويد الكاتب الليبرالي بالزجاجات التي يحتاجها بدلاً من أن يتكلف المشوار إلى بعض الدول الخليجية المجاورة، وهذا الحافز لدى بعض الكتّاب الليبراليين يعدل أموال قارون! ولذلك فإن حلقة طاش الشهيرة عن الليبراليين لم تستطع أن تخفي مركزية الشراب المحرم في الوسط الليبرالي السعودي.

ولم تمض ستة أشهر فقط من (قنبلة حصة العون) التي لم تكد غيوم بارودها تتبدد؛ إلا ونشرت صحيفة الاقتصادية السعودية خبر دعم مالي مشبوه دفعته الحكومة البريطانية لمركز سعودي في جدة بلغ سبعمائة ألف ريال، ويتعلق -أيضاً- بفتيات سعوديات! جاء في صحيفة الاقتصادية:

(قدمت الحكومة البريطانية دعما بملغ 700 ألف ريال لدعم برامج مركز خبراء المستقبل للتدريب والتطوير في جدة، وذلك لتغطية نفقات 25 دورة تدريبية مجانية تقام في جدة وحائل والمدينة المنورة وأبها، لتطوير مهارات السعوديات يستفيد منها نحو ألف سيدة سعودية..، وقام السيد “جيرارد راسل” القنصل البريطاني العام في جدة، بتوقيع العقد مع المالكة-المدير العام للمركز، في احتفال أقيم بهذه المناسبة في مقر القنصلية في جدة) [صحيفة الاقتصادية، 11 مارس 2007م].

القنصل البريطاني يستضيف مالكة المركز في حفل في القنصلية البريطانية، ويدفع لها سبعمائة ألف ريال لتدريب ألف سيدة سعودية في مختلف مناطق المملكة! من يتصور؟ يا للجرأة!

والقنصل البريطاني في جدة “جيرارد رسل” -الذي دفع المبلغ واستضاف مالكة المركز- ليس مجرد دبلوماسي وظيفي بحت، بل هو رجل يحمل (أجندة فكرية) ويتحمس لبثها في المنطقة، وهو يتحدث اللغتين العربية والدارية (اللغة الدارية هي أحد اللغتين الرسميتين في أفغانستان وهي صيغة من الفارسية وتسمى أحياناً “الفارسية الأفغانية”).

وجيرارد رسل هو الذي صمم ورأس (وحدة الإعلام الإسلامي) (IMU) التي أنشأتها الحكومة البريطانية في أعقاب هجمات سبتمبر، بهدف التأثير في الرأي العام العربي والإسلامي باتجاه مصالحها، وهذه الوحدة لها قسمان رئيسيان: قسم متخصص في شبه القارة الهندية، والقسم الثاني متخصص في العالم العربي.

ومن شدة عناية “جيرارد رسل” بترويج الرموز التغريبية كتب مقالة حِجاجية قبل شهرين، وكانت قبيل إعلان جائزة نوبل هذا العام، في صحيفة الجارديان البريطانية المعروفة؛ يجادل فيها بوجوب منح الشاعر الإلحادي العربي “أدونيس” جائزة نوبل للأدب، وكان عنوان المقالة (لماذا يجب أن يفوز أدونيس بجائزة نوبل؟) وفي سياق الاعتبارات التي ذكرها “جيرارد رسل” لدعم أدونيس قوله:

(أدونيس وظَّف في شعره كل التقاليد الدينية، وتحداها جميعاً أيضاً، يقول أدونيس في لقاء رائع “كل الناس يدّعون أن الله أخبرهم كلماته الأخيرة”، وهو يشك في ذلك) [G. Russell, Guardian, 6/10/2010]

ومن نماذج النشاط “الفكري” للقنصل البريطاني “جيرارد رسل” أنه نفذ زيارة لأحد أهم الصحف التغريبية في المنطقة وهي “صحيفة عكاظ”، وأخذ يبحث معهم شؤونهم الإعلامية! كما تقول صحيفة عكاظ:

(قام القنصل العام البريطاني بجدة “جيرارد راسل” يرافقه المسؤول الاعلامي والسياسي بالسفارة البريطانية بالرياض “الكساندر فيتالي” بزيارة لمجمع «عكاظ» الصحفي، والتقى الضيفان رئيس التحرير المكلف، ودار الحديث حول عدد من الموضوعات ذات العلاقة بالشأن الاعلامي) [صحيفة عكاظ، 23 فبراير 2007م].

هل قدم “جيرارد رسل” هذه المرة -أيضاً- مبالغ مالية، هل قدم أية عروض أو تسهيلات أو مزايا؟ الله أعلم، لا أحد يستطيع أن يجزم بشئ، قد يكون قدم لمهندسي التغريب في صحيفة عكاظ خدمات مادية فعلاًً، وقد يكون اكتفى بخدمات فكرية ودعم معنوي فقط، لكن المهم أنه حاضر وفعال في النشاط التغريبي في المنطقة.

وفي شهر يوليو من هذا العام نشرت صحيفة الوطن خبر لقاء الأمير خالد الفيصل بطالبات كلية (عفت)، ومن أطرف ما في هذا الحفل أن إحدى الطالبات روت ببراءة خبر علاقة البرنامج بجهات أجنبية وصلت لدرجة اللقاء بالرئيس الأمريكي نفسه وتلقي توجيهاته وتوصياته في كيفية التغيير في المملكة، حيث تقول إحدى الطالبات كما تنقل الصحيفة:

(ذكرت الخريجة من كلية التمريض بدار الحكمة، وهي إحدى 8 طالبات اللاتي تم اختيارهن للمشاركة في قمة ريادة الأعمال التي أقيمت في الولايات المتحدة الأمريكية حيث قالت: شاركنا في هذه القمة التي استغرقت يومين، وحظينا بمقابلة الرئيس الأمريكي “أوباما” وقالت “افتتحت هذه القمة من قبل الرئيس الأمريكي، الذي ناقش معنا الكيفية التي نستطيع من خلالها تبادل العلاقات الاجتماعية بين الولايات المتحدة والمملكة، وتنمية الريادة الاجتماعية، وكيف تم الارتقاء بهذه الريادة لكي يتم تطبيقها في المملكة) [صحيفة الوطن، 5/7/2010]

كنت أقرأ هذا الخبر وأقضم أسنان الحسرة كيف صار الرئيس الأمريكي يلقن فتياتنا أفضل أساليب التغريب!

وفي أواسط الشهر الماضي نوفمبر اجتمعت أربع عشرة ناشطة بريطانية من أعضاء البرلمان (مجلس العموم) لتشكيل حملة لدعم التغريبيات السعوديات، ووجهن خطاباً خاصاً في 18 نوفمبر للكاتبة التغريبية المتطرفة “وجيهة الحويدر” لتنظيم العلاقة، وفي البداية حافظت الحويدر على سرية الخطاب الذي تلقته منهن، لكنها بعد أسبوعين قررت كشف العلاقة، فنشرت عبر الموقع السعودي المتخصص في أخبار الشيعة (راصد) قصة العلاقة مع هذه الجهة الأجنبية، ونشرت صورة الخطاب الذي تلقته من البرلمانيات البريطانيات، وهذه الجرأة في كشف التفاصيل تعكس حجم (البجاحة السياسية) ومستوى التحدي الذي وصل إليها التغريبيون السعوديون، وأكثر ما أدهشني في الخطاب أن البرلمانيات البريطانيات كتبن الخطاب على الأوراق الرسمية للبرلمان البريطاني (مجلس العموم)!، وهذا الإجراء يوحي بمستوى الجدية والاندفاع في الدعم والمساندة.

وقد استفتحت البرلمانيات البريطانيات الخطاب بذكر بعض المسائل التي تعاني منها المرأة السعودية، وذكرن منها ثلاث مسائل: حرية السفر للمرأة (أي بلا محرم)، وحرية الزواج بلا ولي، وحرية الطلاق بلا تطليق من الزوج، ثم جاء في خاتمة قولهن:

(ونحن كبرلمانيات نساء، من عدة أحزاب سياسية في بريطانيا، سنكون مسرورين بمعرفة ما إذا كان هناك أي شئ نستطيع أن نفعله لمساعدتك..، وبإمكانك أن تراسلي الدكتورة سارا ويلسون على العنوان التالي..) [Letter from Sarah Wollaston, 18/11/2010]

ثم اكتظ ذيل الخطاب بتوقيعات أربع عشرة برلمانية بريطانية!

والأستاذة وجيهة الحويدر اعتادت أن تخاطب الغربيين بلغة في غاية الذلة، أشد من طأطأة العبد لسيده، فهي تخاطب الغربيين في صحافتهم بلغة (نريد أن نكون نسخة منكم)، ففي مقالة نشرتها الأستاذة وجيهة في الصحيفة الأمريكية الأشهر “الواشنطن بوست” تقول فيها للقارئ الأمريكي:

(أرسلت ولديّ الاثنين للدراسة في ولاية فيرجينيا بأمريكا لأنني لا أريدهم أن يكونوا كغيرهم من الشباب السعودي) [The washington post, 16/8/2009 ]

لكن بغض النظر عن ذلك، ما سبب كشف الأستاذة وجيهة الحويدر لذلك الخطاب الخطير من البرلمانيات البريطانيات؟ يمكن تفسير ذلك من عدة مداخل، لكن في تقديري أن هذا التصرف أرادت به الأستاذة وجيهة إيصال “رسالة ردع” للسياسي وللممانعة الإسلامية على حد سواء، بأن فريق وجيهة الحويدر من التغريبيات ليس مجموعة أفراد ضعفاء لا ناصر لهم، بل وراءهم قوى أجنبية كبرى تراسلهم بأوراق البرلمان ذاته، وتضع تحت إشارتهم خدمات “مفتوحة” !

هذا الخطاب يعني أن التغريبيات لسن مجرد مثقفات يعبرن عن رأيهن، بقدر ما إنهن ثكنة داخلية لبرج مراقبة خارجي، ويبدو لي أنه إذا وصلت العلاقة بين (الغربيين) و (التغريبيين) إلى هذا المستوى فهذا يعني أن أجراس الإنذار ستنفجر قبل أن تصرخ.

وفي مفتتح سبتمبر من هذا العام 2010م بثت فضائية (العربية) برنامجاً وثائقياً بعنوان (الإسلام والغرب)، وتضمن البرنامج ربطاً بين دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب التي تتبناها السعودية وأحداث العنف العالمية، وهذا الربط هو ما جاهدت السعودية على نفيه وبيان بطلانه خلال السنوات العشر الماضية، ولذلك فإن هذا التصرف من محطة العربية استفز المسؤولين من عدة مستويات، وأثناء التهاب الحدث فوجئ القراء بتوقف الأستاذ عبدالرحمن الراشد عن الكتابة في عموده المعروف في صحيفة الشرق الأوسط في الخامس من سبتمبر، تلا ذلك إعلان الراشد أنه قدم استقالته من إدارة قناة العربية، وكان ذلك طبعاً نتيجة انزعاج حاد من عدد من المسؤولين بسبب تصرف الراشد في محطته، ثم وبشكل مفاجئ -أيضاً- أعلن الراشد في منتصف سبتمبر عودته للكتابة في الشرق الأوسط ولإدارة محطة العربية!

كل هذه الأحداث العاصفة المتلاحقة لواحد من أهم القيادات التغريبية لم تكن هي المفاجأة، وإنما المفاجأة حين نشرت الصحيفة الصهيونية (إيديعوت أحرونوت) حزنها الشديد على ما تعرض له الراشد، وأسهبت في ذكر مناقبه، ثم أشارت إشارة في غاية الخطورة إلى أن جهة أمريكية معينة ضغطت على مالك المحطة الوليد الابراهيم لإعادة “عبدالرحمن الراشد” لإدارة القناة!

تقول الصحيفة الصهيونية الأشهر (إيديعوت أحرونوت) :

(العائلة المالكة في الرياض قررت أن تغلق في وجه الصحافي الجريء عبدالرحمن الراشد كل الابواب: أصدرت حظراً على نشر مقالاته، قررت تنحيته عن كرسي مدير عام “العربية”، الراشد فهم فوراً الإشارة وأعلن بأن لا حاجة الى إرسال خطاب الإقالة، الإستقالة الصاخبة للراشد صمدت أربعة أيام عاصفة، والأمريكيون ضغطوا من خلف الكواليس، وتلقى الراشد بلاغاً بالتوقف عن حزم أمتعته) [إيديعوت أحرونوت، 20/9/2010م]

أن تصل أيدي الأخطبوط الأمريكي إلى داخل استديوهات محطة العربية، وأن تصل أصابع الأمريكان إلى أدراج مسؤولي العربية أنفسهم، ويسعون لدعم موقع (عبدالرحمن الراشد) والحفاظ عليه؛ فهذا يعني أن هذه الجهة الأمريكية تعرف جيداً أن إدارة الراشد تدفع باتجاه تعزيز المصالح والقيم الأمريكية في المنطقة، وهذا الاستقواء التغريبي بالأجنبي لم يتجاوز الأرقام القياسية فقط، بل دهس الأرقام المتخيلة أصلاً!

ومن المثير للدهشة أن الجهات الأجنبية المشبوهة تتعامل مع التغريبيين السعوديين تعاملاً مزدوجاً، فهي تدعمهم في الداخل السعودي من جهة، ومن جهة أخرى تستثمر مقالاتهم وتترجمها لتوظيفها خارجياً في تشويه “المجتمع السعودي” وتأليب الرأي العام عليه، وتخويف العالم من الواقع الشرعي في السعودية.

ونماذج توظيف الجهات الأجنبية المشبوهة لمقالات (الليبراليين السعوديين) في استعداء العالم ضد المجتمع السعودي كثيرة جداً، سواءً في الصحافة مثل الواشنطن بوست، والنيويورك تايمز، والجارديان، والاندبندنت، ونحوها، أو في الإعلام المرئي كالفوكس نيوز، والسي إن إن، ونحوها، فلا تمر فترة قصيرة إلا وتجد في وسائل الاتصال هذه اقتباسات من مقالات الليبراليين السعوديين تستخدمها هذه الوسائل الإعلامية الامبريالية في تحريض القارئ الغربي ضد “المجتمع السعودي” بكل مكوناته الشرعية، وسأكتفي هنا بمثال واحد لتوضيح الظاهرة، حيث نشرت الصحيفة الصهيونية الأشهر (إيديعوت أحرونوت) هذا التوظيف لأحد المقالات في صحيفة الرياض التي يرأسها الأستاذ تركي السديري:

(الكاتب فارس بن حزام يقول “نحن ليس لدينا الشجاعة لنواجه الحقيقة، وبدلاً من أن نعتذر نذهب نلوم أطرافاً خارجية”، ويقول فارس بن حزام أيضاً: “الدعاة في المساجد السعودية، والمواقع الانترنتية الراديكالية، هم المسؤولون عن موجات من الشباب السعودي نفذت الهجمات الجهادية حول العالم”، في هذه المقالة التي نشرت في صحيفة الرياض السعودية اتهم الكاتب فارس بن حزام المجتمع السعودي بكونه تجاهل الأسباب الحقيقية خلف الهجمات الجهادية وتجنيد الشباب) [Yedioth Ahronoth, 22/10/2006]

وهكذا تستند الصحافة الصهيونية على مقالات (الليبراليين السعوديين) في تعبئة الرأي العالمي ضد المجتمع السعودي، لتخفيف العبء الذي تواجهه تجاه عدوانها على المسلمين، ولذلك فإنه قد يبدو للمراقب أن (العمالة الليبرالية) هي عمالة مزدوجة، فالأجنبي يستغل الليبراليين السعوديين لترويج أجندته الفكرية في الداخل السعودي، ويستغل مقالاتهم لتشويه المجتمع السعودي في الخارج.

وفي هذه الأيام تابع الجميع الفعاليات الأليمة لمنتدى “خديجة بنت خويلد” الذي ترعاه الغرفة التجارية الصناعية بجدة، وقد رفع المنتدى شعار “تذليل العقبات أمام المرأة السعودية” وهو شعار رائع ونحن بحاجة إليه، فالمرأة السعودية تعاني من مشكلات كثيرة منها: قلة وجود بيئات العمل المتناسبة مع قناعاتها الدينية كالنقاب والمباني المستقلة عن مزاحمة الرجال، ومثل مشكلات عضل الفتيات عن الزواج، والعنوسة بسبب كلفة الزواج، وحرمان المرأة السعودية في مرحلة (الحمل والحضانة) من تسهيلات خدمية كثيرة تليق بشرف ورفعة الدور التربوي الذي تقوم به، وطول ساعات العمل بالنسبة للمرأة بما لا يتناسب مع احتياجاتها الأخرى، فيجب المبادرة بتخفيض ساعات العمل للنساء وزيادة أجورهن لتغطية أعباء الحياة المتزايدة، وغير ذلك كثير من مشكلات المرأة في السعودية والتي تورطنا بكثير منها بسبب الاستهلاك الأعمى لنظم الحياة الغربية المادية البائسة.

ومع كل هذه المشكلات فقد تألم المجتمع كثيراً حين انكشف له أن المنتدى لا صلة له بمعاناة المرأة السعودية من قريب ولا من بعيد، بل المنتدى يدفع باتجاه تعقيد أزمة المرأة في السعودية، فالمنتدى كله عن فرض المزيد من الاختلاط مما يعني حرمان المنقبات من بيئات عمل مناسبة ومريحة، وكسر الحشمة والفضيلة لدى سافرات الوجوه، فضلاً عما تخلل المنتدى من مشاهد مخلة بالفضائل القرآنية كلبس التنورات القصيرة وكشف السيقان على الملأ، وضرب المعازف في بيئات مختلطة، وتزاحم الرجال والنساء، وترويج الفتاوى الشاذة، واستقدام غير المختصين الشرعيين وتصديرهم للناس لترقيق دينهم.

واخسارة المال، والجهد، والوقت؛ الذي يذهب من خزائن المال العام سدى، ماذا استفادت الفتاة السعودية من ذلك كله سوى تحويل مشكلتها من مشكلة بسيطة تحتاج لحلول إدارية منظمة إلى سفور ومعازف واختلاط؟! لقد أثبت الزمن أنه ليس لدى التغريبيين السعوديين أي “حلول مدنية” لمشكلات الناس، بل ليس لديهم إلا مسلسل الشهوات (سفور، معازف، اختلاط، تشويه الهيئات، علاقات مشبوهة بجهات أجنبية، الخ).

ولذلك فإن الشيخ عبدالله المطلق –عضو هيئة كبار العلماء- برغم حرصه المعروف على تجنب الإشارة لجهات بعينها إلا أنه لم يطق ماحدث من انتهاكات جسيمة للضوابط الشرعية في منتدى خديجة فصرح –حفظه الله- قائلاً (الموضوع الذي حدث في جدة والذي تحدث عنه هؤلاء في شؤون المرأة هم حقيقةً لا يمثلون المرأة السعودية، فهي بمعزل عن هذه الافتراءات التي يأتي إليها هؤلاء ويدعون فيها إلى الاختلاط، ويفسرون الاختلاط الممنوع بأنه التلاحم الجسدي، المرأة السعودية والشعب السعودي لا يرضى بأن يمثله هؤلاء) ونشر تصريحه هذا في وسائل الإعلام.

كما أصدر الشيخ الوالد عبدالمحسن العباد –حفظه الله- بياناً رصيناًً مطولاً في إيضاح المخالفات الشرعية في هذا المنتدى بعنوان (لا يليق اتخاذ اسم “خديجة بنت خويلد” عنواناً لانفلات النساء).

وكذلك الشيخ الوالد عبدالرحمن البراك –حفظه الله- ألقى كلمة شرعية جزلة حول هذا المنتدى المشبوه وقال (هذا المنتدى مؤسس على مخالفة الشريعة، وقد سموه زوراً منتدى خديجة، ولو سموه منتدى هدى شعراوي لكان أليق به، فإنها هي من مفاتيح فساد المرأة المصرية وقد اشتهرت بذلك).

كما تحدث عن المنتدى أيضاً الشيخ صالح اللحيدان –عضو هيئة كبار العلماء- قائلاً (ما حدث في منتدى خديجة بنت خويلد في جدة, هو في حد ذاته إساءة إلى خديجة).

ثم بعد هذه المواقف الحسبوية للعلماء الكبار الشيخ البراك والعباد والمطلق واللحيدان؛ أصدر مجموعة أخرى من العلماء والدعاة بياناً جماعياً تحليلياً كشف كل النقاط في هذا المنتدى الخطير، وقد وقَّعه سبعون شخصية دعوية سعودية.

ويلاحظ المراقب لهذا المنتدى (منتدى خديجة) أن القائمين عليه لم يستطيعوا أن يخفوا الجهات الأجنبية المشبوهة التي قدمت مساندة خلفية لهذا المنتدى المريب، فمن ذلك –مثلاً- الدعم الذي قدمته زوجة السفير الأمريكي “جانيت سميث” حيث حضرت هذه الفعاليات التغريبية وألقت عبارات الإطراء الممزوجة بلغة “المشاركة في القضية”، فكانت تتحدث من منطلق الجبهة الواحدة وليس من منطلق المراقب المحايد، حيث نشرت صحيفة المدينة خبر حضور زوجة السفير الأمريكي لمنتدى خديجة حيث تقول الصحيفة:

(قالت زوجة السفير الأمريكي لدى المملكة الدكتورة “جانيت سميث” أستاذة العلاقات الدولية: إن المنتدى تميّز بالتنظيم الجيد والحضور المميز، متمنية أن يستمر هذا التفاعل في جميع المنتديات، وأن يحقق المنتدى الأهداف التي عقد من أجله) [صحيفة المدينة، 1/12/2010].

وزوجة السفير الأمريكي “جانيت سميث” ليست شخصية هامشية، أو ترتبط بالسفير الأمريكي بمجرد رابطة زوجية/اجتماعية، بل هي جزء من المؤسسة السياسية الأمريكية ذاتها، فقد عملت كمساعدة للشؤون القانونية في “الكونغرس” نفسه، ومنذ قدمت “جانيت سميث” للمملكة وهي شغوفة باختراق الشباب السعودي من الداخل، وقد اعترفت هي ذاتها بشئ من ذلك في لقاء أجرته مجلة “سيدتي” مع “جانيت سميث” نفسها، حيث جاء في اللقاء:

(-مجلة سيدتي: ما النشاطات التي قمتِ بها خلال وجودك في الرياض؟

-جانيت سميث: انغمست خلال الشهور القليلة الأولى من انتقالي إلى هنا في التعرف على العاملين في السفارة، والتعرف إلى رجال الأعمال والمؤسسات الأميركية في الرياض، والجالية الدبلوماسية الكبيرة، والأهم من ذلك لقائي بمجموعات كثيرة من الرجال والنساء السعوديين) [مجلة سيدتي، 19/3/2010]

و “جانيت سميث” لم تقف على منصة الدعم الخارجي فقط، بل تجاوزت ذلك وأخذت تمارس دور الإفتاء والترجيح في المسائل الفقهية ماشاء الله تبارك الله! حيث تقول جانيت سميث:

(أشعر باستغراب شديد عندما استمع إلى مطالبة المرأة السعودية بحقوق هي في الأصل كانت متاحة لها في الدين الإسلامي، وأرجعت ذلك لما يعرف بالعادات والتقاليد التي استجدت وليس لأصول الدين) [صحيفة الوطن، 11/11/2010]

وربما لو واصلت صحيفة الوطن جهودها المشكورة وانتدبت بعض محرريها لجمع فتاوى “جانيت سميث” لتنتفع بها الفتاة السعودية لكان ذلك عملاً جليلاً يطبع -بإذن الله- على نفقة أحد المحسنين باسم (مجموع فتاوى زوجة السفير الأمريكي).

ومن علاقات التغريبيين بمنتدى خديجة مع السفارات الأجنبية صفقة عقدوها مع السفارة الفرنسية لتدريب بعض الليبراليات تمهيداً لخوض معركة قانونية في “التغيير التشريعي” في السعودية حيث نشرت صحيفة عكاظ:

(غادر وفد نسائي سعودي إلى العاصمة الفرنسية باريس لزيارة عدد من المؤسسات والوزارات الحكومية في فرنسا، بدعوة من “السفارة الفرنسية” في الرياض، لتنفيذ برنامج يهدف إلى تعزيز الثقافة الحقوقية والقانونية للمرأة السعودية) [صحيفة عكاظ، 6/12/2010]

أضحكتني كثيراً هذه اللغة البريئة في عرض الخبر! حسناً إذن.. كان “البرنامج” بدعوة من “السفارة” الفرنسية نفسها، فهي التي تكبدت تخطيط البرنامج، وكلفته المالية، وتحديد مضامينه، والرسالة التي يراد إيصالها منه، وهذا يعني –أيضاً- أن هناك جلسات تنسيق مسبقة بين (التغريبيين) في غرفة جدة، وبين (الغربيين) في السفارة الفرنسية، جلسات قد يتخللها أمور كثيرة تليق بهذه العلاقات.

وفي أثناء أيام منتدى خديجة رمت الأميرة عادلة “تصريحات تغريبية مفتوحة” أفزعت الناس، وكان فيها شئ من التحدي لمشاعر المجتمع، كقول الأميرة عادلة مثلاً (النقاب متعلق بالتقاليد وليس بالدين)!، وقد ردّ على الأميرة عادلة طليعة من العلماء والدعاة المحتسبين، منهم سماحة الشيخ الوالد عبدالمحسن العباد، والعالم الشاب عبدالعزيز الطريفي، والشيخ عصام العويد.

فأما الشيخ الوالد عبدالمحسن العباد –حفظه الله- فقد أصدر بياناً قال فيه:

(يا ابنة خادم الحرمين! قد سماك والدك عادلة فكوني عادلة، وليس من العدل أن تكوني غنيمة كبيرة باردة للتغريبيين يصولون باسمك ويجولون..، وما سمعنا أن أحداً من إخوتك فرح به التغريبيون كما فرحوا بك) [الشيخ العباد، رسالة بعنوان “ليس هذا من العدل ياعادلة” ]

وأما فتى الكهول الشيخ عبدالعزيز الطريفي فقد قال:

(وأنا أُدرك أن عادلة لا تُدرك من أمور الدين والعلم ما يؤهلها أن تخوض في مثل هذه القضايا الكبيرة، ولكنها ممتلئة حماساً وانسياقاً لتهيئة الموضع المناسب للمرأة كما تزعم، وهذا ما أوصلها إلى هذا الاندفاع الذي يجب على أهل الأمر والعقل الأخذ على يدها برفق، حتى لا تسوق نفسها وغيرها إلى هوة في الدين والأخلاق لا يُقام منها) [الطريفي، رسالة بعنوان “إلى الأميرة عادلة” ]

ومن أجمل ما في مناقشة الشيخ الطريفي للأميرة عادلة إشارته الطريفة للجهات الأجنبية الخفية التي تدعم التغريبيين حيث قال (والصراع الذي يحدث حول المرأة في بلادنا، صراعٌ لا يُرى منه إلا سطح الطاولة، ولا تُرى أرجلها الممسكة بها)[الطريفي، رسالة “إلى الأميرة عادلة” ]

وأما الشيخ عصام العويد –حفظه الله- فكتب مقالة تتقاطر غيرةً وشرفاً ومما جاء فيها قوله:

(فهل جئتِ أيتها الأميرة عادلة لتذبحي أحلامنا المشرقة في زهرات حياتنا بسكين “خديجة؟ لنبكي بعد ذلك كأشباه الرجال آمالنا في بناتنا التي وئدت على عتبة باب بنت الملك! ) [الشيخ العويد، مقالة بعنوان “من يحفظ بناتنا من الأميرة عادلة؟” ]

وأنا شخصياً لم يتضح لي جيداً: هل الأميرة عادلة تتبنى هذا التوجه التغريبي عن قناعة وخلفية فكرية فعلاً، أم تم الزج بها وتوظيفها في المشروع التغريبي استغلالاً لنسبها السياسي لكي تصل توصيات التغريبيين بأسرع الطرق لمصنع القرار؟

ويلاحظ المراقب لهذه الغارات التغريبية في السعودية أنها تميل إلى تركيز عملياتها في مدينة جدة حيث توفر لها إمارة المنطقة تغطية جوية فعالة لا تجدها في بقية إمارات المناطق في السعودية، فالأمير خالد الفيصل –هداه الله- يوفر لهؤلاء التغريبيين، وخصوصاً التغريبيين في الغرفة التجارية الصناعية بجدة؛ كل الخدمات التي يحتاجونها ويسعى لتذليل الصعاب أمامهم، ويذب عنهم من يريد إيقاف أنشطتهم المريبة، ولذلك فإنني أتذكر حين زرت الموقع الإلكتروني للغرفة التجارية بجدة وجدت نافذة بعنوان (مركز خديجة بنت خويلد) فلما دخلت الصفحة وجدت نافذة أخرى بعنوان (إنجازات مركز خديجة بنت خويلد) فشدني هذا العنوان، فقلت في نفسي لأنظر ما هي منجزات هذا المركز ياترى؟

وحين فتحت صفحة هذه المنجزات، وقرأت أول منجز يفاخرون به؛ كدت أبتلع الضحك من تدافعه، حيث يقول أصحاب منتدى خديجة في موقعهم عن أول منجزاتهم:

(خاطب المركز أمير منطقة مكة المكرمة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل ووزير العمل، مستفسراً حول إعادة إضافة مادة (114) في اللائحة التنفيذية لوزارة العمل التي تنص على أنه “لا يجوز في حال من الأحوال اختلاط النساء بالرجال في أماكن العمل”، علماً أنه قد تم إلغاء ذلك النص من النظام الجديد للعمل والعمال (مادة 160)، وقد استلم المركز شاكراً خطاباً تعميمياً من صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أنه تم حذف المادتين من نظام العمل والعمال، وكذلك من اللائحة التنفيذية، والاستعاضة عن ذلك بمادة عامة للجميع “نساء ورجال” ) [موقع الغرفة التجارية الصناعية بجدة، إنجازات مركز خديجة].

هذا هو أول منجز يفاخر به مركز خديجة بنت خويلد، وهو أنهم تلقوا دعم الأمير خالد الفيصل وتأكيده بعدم عودة مادة (منع الاختلاط) التي حذفها الوزير السابق غازي القصيبي -تجاوز الله عنا وعنه- من نظام العمل والعمال!

ومن أكثر الأمور إدهاشاً فيما يتعلق بالملف التغريبي عند الأمير خالد الفيصل –وفقه الله للحق- هو أن الأمير خالد حين نفذ سلسلة الأعمال التغريبية: إيقاف محاضرات العلماء، إقامة مجالس الغناء، استضافة غلاة العلمانيين بمركز الفكر العربي، إيقاف حلقات التحفيظ، الخ حين تتابعت هذه الأعمال أعلنت مباشرة “جهة أجنبية مُريبة” منح الأمير خالد الفيصل جائزة، وقالوا صراحة أن سببها هو أنه “قام بدور أكثر من المطلوب”! حيث يقول جراهام كوك مؤسس ورئيس الجائزة:

(إن هدف الجائزة هو تشجيع كل من قام بأكثر من المطلوب) [صحيفة الوطن، 8/11/2010]

فقول هذه الجهة الأجنبية “دور أكثر من المطلوب” هذا يعني أن هناك أصلاً شئ مطلوب، وأن هناك تقييم لمن يقوم بهذا الشئ المطلوب، ثم هناك جائزة حسب هذا التقييم!

ثم تطورت العلاقة بالأجنبي في “مؤسسة الفكر العربي” التابعة للأمير خالد الفيصل إلى صفقات مع مؤسسات أمريكية تقدم أجندتها الثقافية، كما تقول صحيفة الوطن مثلاً:

(يوقع رئيس مؤسسة الفكر العربي الأمير “خالد الفيصل”، ورئيس الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور “بيتر دورمان” مذكرة تفاهم تتعلق بالمرحلة الثانية من مشروع “تمام” التطوير التربوي المستند إلى المدرسة في العالم العربي)[صحيفة الوطن، 8/12/2010]

ويعرف المؤرخون أن “الجامعة الأمريكية في بيروت” هي أقدم مطبخ تغريبي واستعماري في المنطقة، فقد أسست عام 1866م وكان اسمها حينذاك (الكلية السورية-البروتستانتية)، وقد أسسها -وهو أول رئيس لها أيضاً- المبشِّر التنصيري (دانيال بليس) المتوفى سنة 1916م، وقد كتب عن الجامعة الكثير من الدراسات والأوراق، وأهم من ذلك كتب كثير من الدارسين فيها تجربتهم التي كشفت الكثير من الأبعاد.

ومن أهم من كتب تجربته في الجامعة الأمريكية في بيروت المفكر اليساري العروبي المشهور (د.هشام شرابي) ت2005م، والذي بدأ ماركسياً ثم استحوذ على تحليلاته الفكرية مفهوم (النظام الأبوي أو البطركية) وقد بالغ كثيراً في تقدير نجاعته كجهاز تفسيري، والمهم أن د.شرابي قد سجل تجربته في كتابه (الجمر والرماد)، وشرح كيف تم شحنهم بتهويل الأجنبي وتقزيم التراث، ومن الفقرات التي قالها د.شرابي في كتابه:

(أصبحنا في الجامعة الأمريكية في بيروت مشلولي الفكر تجاه ما نقرأ، وخصوصاً إذا كان مصدره أجنبياً..، ومن الغريب أني بعد صف الفرشمن انقطعت كلياً عن قراءة الكتب العربية..، لا أشك أن نوعية الفكر الذي تعرضت إليه في الجامعة الأميركية عزز اغترابي عن نفسي)[الجمر والرماد، د.شرابي، ص28، 36، 40، دار الطليعة]

فحين أتأمل ما ينقله المؤرخون عن ضلوع الجامعة الأمريكية في بيروت في أخطر الأنشطة التغريبية في المنطقة، ثم أرى الأمير خالد الفيصل يوقع معها صفقة فكرية؛ تأخذني شهقات الاستغراب بعيداً بعيداً.. وآخذ في التساؤل: لم؟ ما الدافع ياترى؟ هل الأمير خالد يجهل أنشطتها الخطيرة؟

ومما يرفع حواجب الانتباه إلى حد الذهول أن الصحف الأمريكية الكبرى أصبحت ترمي بتثمينات عالية جداً للدور التغريبي الذي يقوم به الأمير خالد الفيصل –هداه الله-، بل وصل الأمر إلى أن مجلة “الفورن بوليسي” وهي المجلة الأشهر في مجال السياسة الخارجية الأمريكية، والتي أسسها هنتجتون (صاحب صدام الحضارات) قبل أربعين سنة عام 1970م، هذه المجلة التي تعكس رؤية كثير من صناع السياسات في أمريكا نشرت مقالاً تدعوا فيه إلى أن يكون الأمير خالد الفيصل هو الملك القادم بدلاً من ولي العهد والنائب الثاني! حيث تقول المجلة:

(البيت السعودي في اضطراب حول من يخلف الملك…، الأمير خالد الفيصل سيظهر على الأرجح كملك المستقبل، فالأمير خالد الفيصل شاعر ورسام متحمس، وصديق لولي عهد بريطانيا الأمير تشارلز، والأكثر أهمية بالنسبة للمستقبل السياسي للأمير خالد، هو أن قد ظهر كرمز محترم بين مختلف أجنحة العائلة المالكة، كما أنه قادر على قيادة المملكة بيد ثابتة إلى الأمام) [Foreign Policy, 21/10/2010]

هذا التدخل الإعلامي الأمريكي في شؤوننا الداخلية ظاهرة مقلقة وتهدد استقرارنا السياسي، والسعوديون –بإذن الله- مهما كان بينهم من الخلاف فليسوا بحاجة إلى هذه التوصيات الأمريكية، وسيستطيع السعوديون حل مشكلاتهم والتراضي بينهم بما يحفظ لنا الأمن والاستقلال بعيداً عن دس الأمريكان أنوفهم فيما لايعنيهم.

ثم إن هذه التوصيات الأمريكية المشبوهة تدعم الرأي الذي يرى أن الأمير خالد الفيصل يسعى لكسب الكثير من الدعم الأمريكي بواسطة قراراته التغريبية.

ماسبق كان نماذج لعمالة الليبراليين السعوديين، وصيغ علاقة هؤلاء التغريبيين بالجهات الغربية الداعمة، ومستوى استقوائهم بالأجنبي؛ لكن هاهنا زاوية أخرى تحتاج لإلقاء الضوء، وهي كيف يفكر الأمريكان والغربيون تجاه علاقتهم بهؤلاء التغريبيين العملاء؟

الحقيقة أن هناك عدة دراسات وبحوث غربية يستطيع المتابع أن يستكشف من خلالها نمط التفكير الأمريكي تجاه هذه العلاقة، لكن في تقديري أن من أهم هذه الدراسات ورقة المفكر الأمريكي اللامع (جون ألترمان) المتخصص في قضايا الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية (CSIS)، وله عناية خاصة بدراسة وتحليل (الإعلام العربي) وألف فيه كتابه المعروف (إعلام جديد، سياسات جديدة: من الفضائيات إلى الانترنت في العالم العربي) وحلل فيه عدداً من الصحف والفضائيات العربية وطبيعة التحديات الجديدة التي فرضتها. والمراد أن “ألترمان” هذا في يونيو 2004م كتب ورقة بحثية مصغرة (9 صفحات) في دورية (بوليسي ريفيو) وهي أحد أهم دوريات اتجاه المحافظين، بعنوان (الأمل الخادع لليبراليين العرب) ثم أعاد عرض نفس الفكرة مع شئ من التلخيص في صحيفة (الفايننشال تايمز) في أغسطس 2004م بعنوان (الليبراليون العرب يحتاجون الاحتضان الحذر)، وبعد عشرة أيام نشرت ترجمة المقالة إلى العربية في صحيفة النهار بإذنٍ من المؤلف.

وأي قارئ لهذه الورقة البحثية، ومختصرها؛ يكتشف أن الأمريكان لديهم حيرة شديدة في تعيين المستوى الذي يجب أن يصل إليه دعمهم لعملائهم من التغريبيين، فهم من جهة يخشون أن يتخلوا عنهم فيسقط المشروع التغريبي، ومن جهة أخرى يخشون أن يندفعوا في دعمهم فتسقط سمعة التغريبيين في مجتمعاتهم إذا اكتشفت عمالتهم! يقول ألترمان:

(يحظى الليبراليون العرب حالياً باهتمام غير مسبوق من العديد من صانعي السياسات الاميركيين، ويدعو ديبلوماسيون ومسؤولون في واشنطن ولندن وباريس وعواصم أخرى هؤلاء الليبراليين العرب إلى تناول الطعام، وأحياناً إلى شرب الخمر سوياً، وغالباً ما يحصلون على مبالغ طائلة لتمويل منظماتهم غير الربحية..، وهذا  الاهتمام الغربي المتزايد سوف يقولب هؤلاء الليبراليين العرب باتبارهم عملاء لجهود غربية مزعومة لإضعاف العالم العربي وإخضاعه..، يجب ألا نتخلى عن الليبراليين العرب فالكثير منهم مقاتلون شجعان لأجل الأفكار الغربية، ومن شأن التخلي عنهم أن يوجّه اشارات خاطئة، لكن يجب ألا تجعل الولايات المتحدة كل آمالها معتمدة على نجاحهم النهائي) [FT, 3/8/2004]

والحقيقة أن من أخطر الرسائل التي تبادلها التغريبيون حول العلاقة بالأجنبي رسالة نشرها الأستاذ جمال خاشقجي قبل عدة سنوات، حيث شعر خاشقجي أن أصحابه التغريبيين مندفعون في الاستقواء بأمريكا لفرض الأجندة الليبرالية على السعودية، ولما ذهب خاشقجي لأمريكا والتقى بعدة مسؤولين وناقشهم عن مدى جديتهم في التدخل للتغيير؛ اكتشف أن الأمريكان لديهم موازنات ويرون من الخطورة التدخل المباشر، فكتب خاشقجي هذه الرسالة الصريحة لزملائه التغريبيين، ونشرها علناً في صحيفة الوطن، وسأنقلها بطولها لأهميتها في شرح الخلاف في الداخل التغريبي حول الاستقواء بالأجنبي، ومدى الاندفاع في العمالة عند أكثر التغريبيين، يقول خاشقجي:

(السادة أعضاء حزب أمريكا في العالم العربي، أعرف أن ما منكم من أحد سيقر بالانتماء لهذا الحزب المنتشر من الخليج إلى المحيط، ولكنكم ستهتمون بقراءة خطابي هذا، فأنتم بيننا، نتبادل معكم الرأي في مجالسنا ومقاهينا المشغولة هذه الأيام بتلمس مخرج من أزمات تراكمت، ليس لي أن أشكك في وطنيتكم، بل أميل إلى الإيمان بصدق ولائكم من خلال بحثكم عن أمل ولو كان بالارتماء في حضن الشيطان الأكبر، ولكن لم تندفعوا لذلك إلا بعد أن غلقت دونكم الأبواب، وأنتم ترون عالمكم العربي وأمتكم يترديان سياسيا وحضاريا، وفوق ذلك خوف من فتاوى المتنطعين وسطوتهم،  فتعلقتم وقد كتمتم عقيدتكم بحبل أمريكي، ولم يعد يهمكم إن قال قائلهم إن هذا حبل من الشيطان. أيها السادة، لقد جئتكم من أمريكا بخبر يقين، أن لا تتحمسوا كثيرا للوعد الأمريكي، وأن تحافظوا على كل أسباب الوطنية والانتماء، فلا تفقدوا الأمل في إصلاح حقيقي يبعث من داخلكم، فالأمريكيون غير مستعدين لتدخل حقيقي في المنطقة، وفي حالة من الارتباك والحيرة، فلا توجد لديهم خطط مفصلة لنشر ما بشروا به من ديمقراطية و ثقافة رخاء في عالمنا، إنهم متخوفون أن يؤدي تدخل سافر منهم إلى نتيجة عكسية لما يعلنون، ذلك أنهم لم يحسموا أمرهم فيما يفعلون مثلا مع القوى الإسلامية التي يعتقدون أنها ستكون المستفيد الأول من أي انفتاح ديمقراطي وممارسة انتخابية..، حضرت مؤخرا أكثر من لقاء في الولايات المتحدة وخارجها مع أمريكيين، خبراء في الشرق الأوسط، رسميين وأكاديميين متخصصين، أصدقاء ودون ذلك، فوجدت الأكاديميين متشككين في نوايا السياسيين في نشر الديمقراطية في العالم العربي، ومن لم يشك في النوايا غير مطمئن إلى القدرات، فيرد عليهم السياسيون أن الإدارة الأمريكية صادقة في مسعاها ويكادون أن يقسموا على ذلك لشعورهم بمقدار الشك الساخر من حولهم، ولكن عندما تسألهم عن التفاصيل، ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ وماذا لو ؟ يعتذرون عن الإجابة مستخدمين آلية ” ليس كل ما يعلم يقال “، لذلك أيها السادة “أعضاء حزب أمريكا في العالم العربي” أدعوكم ألا تلقوا بكل ما في يدكم في السلة الأمريكية، ألا تحرقوا مراكبكم وتقفزوا في الظلام، وادعموا ما هو قائم من مشاريع الإصلاح في أوطانكم، وانخرطوا فيها معتمدين على قدراتكم الذاتية وفق طاقتكم، التي تحددونها أنتم، فما حك جلدك مثل ظفرك) [صحيفة الوطن، 10/2/2004] .أخ

في تقديري الشخصي أن هذه الرسالة الخاشقجية هي “أخطر” رسالة من الداخل التغريبي نفسه تكشف صراع التغريبيين أنفسهم حول “خيار الاستقواء بالأجنبي”، وتلاحظ في هذه الرسالة الصريحة إحساس خاشقجي المتوتر بأن هناك اندفاع بين التغريبيين حيال الاستعانة بأمريكا لفرض التغريب، وخاشقجي يريد طمأنتهم وأنه يتفهم اندفاعهم بأنهم رأو الأبواب مغلقة عن التغيير التغريبي، ثم يخبرهم خاشقجي بأنه زار الأمريكان وتناقش معهم وأخبروه بأنهم لازالوا غير مقتنعين بفكرة التدخل المباشر، وأطرف ما في الموضوع أن خاشقجي يحاول أن يقنع أصحابه التغريبيين بالعدول عن هذا الاندفاع في الاستقواء بالخارج بحجة أن الأمريكان “غير جادين” في مساعدتكم بشكل مباشر، وهذه الحجة التي يعرضها خاشقجي تضمر أخطر مما تفصح، فهذا يعني -طبقاً لمنطق خاشقجي- أن الأمريكان لو كانوا جادين في التدخل المباشر فلا إشكال في الاستعانة بهم!

حسناً .. يبدو أن التفاصيل والاستطرادات الكثيرة السابقة قد تسهم في تبدد الصورة الكلية للموضوع، لذلك دعنا نحاول استخلاص المشهد من جديد:

السفارة الأمريكية تتصل بعدد من المثقفين السعوديين تعرض عليهم تسهيلات وقروض، القنصل البريطاني يمول مركزاً سعودياً لتدريب الفتيات، طالبات في كلية أهلية سعودية ينفذ لهن برنامج للقاء بالرئيس الأمريكي وتلقي توصياته في كيفية التغيير في السعودية، مجموعة برلمانيات بريطانيات يراسلن ليبراليات سعوديات لعرض المساعدة في إلغاء اشتراط المحرم للسفر وإلغاء ولاية التزويج والطلاق ونحوها، جهة أمريكية غامضة تضغط على مجموعة (الإم بي سي) لإعادة الأستاذ عبدالرحمن الراشد لإدارة فضائية العربية، الصحافة الأجنبية توظف مقالات الليبراليين السعوديين لتشويه المجتمع السعودي وتعبئة الرأي العالمي ضده، زوجة السفير الأمريكي تدعم منتدى جدة، السفارة الفرنسية تصمم برنامجاً تدريبياً لمجموعة فتيات سعوديات، الأمير خالد الفيصل يمنح جائزة أجنبية لأنه قام بدور أكثر من المطلوب، ويعقد صفقة فكرية مع قلعة التغريب الأقدم “الجامعة الأمريكيةفي بيروت”، وترشحه دورية أمريكية نافذة كملك مستقبلي في السعودية، وباحثين أمريكيين رفيعي المستوى يحذرون من زيادة الدعم لئلا يتشوه التغريبيون في مجتمعاتهم باعتبارهم “عملاء”، وأخيراً .. خاشقجي يوصي أصحابه التغريبيين بأنه ناقش الأمريكان واكتشف أنهم غير جادين في التدخل المباشر!

هذا طبعاً جزء من الوثائق والأحداث التي انكشفت مؤخراً حول العلاقة العضوية الوثيقة بين (الغربيين) و (التغريبيين) السعوديين، دعونا نسجل عدداً من الهوامش الختامية حول هذه الظاهرة المعقدة:

يبدو لي أن أخطر نتيجة لهذه الظاهرة هي استنزال العقاب الإلهي، الذي قد يكون بحلول النقمة في الدنيا قبل الآخرة، بأن يحرمنا الله –مثلاً- من هذه النعم والبركات والخيرات التي تفجرت بها أرض هذه البلاد بسبب عدم شكر هذه النعمة، كما قال تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [النحل، 112].

ومن أصعب نتائج هذه الظاهرة أن هؤلاء التغريبيين الذين قبلو بلعب دور “العميل” والتعاون مع السفارات والقنصليات ومراكز البحوث الغربية ضد بلدانهم؛ أنهم يمثلون خطراً أمنياً محدقاً يهدد استقرارنا السياسي، حيث أصبحوا مجسات ينفذ من خلالهم الأجنبي إلى الداخل السعودي، فهم في النهاية “أدوات للاستعمار طويل الأجل”، وهذه عادة التغريبيين في التاريخ كما لاحظ ذلك رائد العقلانية العربية الأستاذ (جمال الدين الأفغاني) حيث يقول:

(علمتنا التجارب، ونطقت مواضي الحوادث؛ بأن المقلدين من كل أمة، المنتحلين أطوار غيرها؛ يكونون فيها منافذ وكوى لتطرق الأعداء إليها)[الأفغاني، العروة الوثقى، ص59]

وهذه الظاهرة ليست جديدة على التاريخ الإسلامي أصلاً، فقد أخبرنا الله جل وعلا عن كثير ممن هم داخل المجتمع المسلم ويتعاونون مع أعدائه، كما قال تعالى (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) [التوبة، 47]، ووضح لنا القرآن أنهم يستقوون بالأجنبي خشية على أنفسهم كما قال تعالى (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) [المائدة، 52]، ووضح لنا القرآن –أيضاً- التركيبة النفعية/البراجماتية لهذه الشريحة، فهم يستقوون دوماً بالطرف الأقوى، وليس لديهم انتماء عقدي حقيقي لمجتمعهم كما قال تعالى (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [النساء، 141]، ونظائر هذه الآيات لا تخفى بإذن الله.

وهذه النظرة ليست خاصة بالإسلاميين، بل كل المفكرين الأحرار في كل الأمم المعاصرة يعتبرون التعاون مع الأجنبي ضد البلد (خيانة وطنية)، ومن المشاهد اليوم أن الليبراليين السعوديين يدفعون اليوم باتجاه تطبيع مفهوم الخيانة الوطنية.

ومن توابع ظاهرة (العمالة التغريبية) أنها تمنح تيار (غلاة التكفير والعنف) ذرائع لتعبئة الشباب المسلم ضد مجتمعه، وتصويره بأنه مجتمع فاسد، واستقطابه للأعمال المسلحة، وهذا ليس توقع، بل هذا واقع، فقد زرت وطالعت عدداً من مجلات ومواقع غلاة التكفير والعنف ولاحظت أنهم يحتجون بتصرفات التغريبيين على شرعية جرائمهم، وهذا لا يعني صحة احتجاج الغلاة، ولكن يعني وجوب قطع الطريق عليهم.

ومن أهم جرائم هؤلاء التغريبيين تشويههم لصورة أرض الحرمين وجزيرة الإسلام ومنطلق دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وتوظيف الإعلام الأجنبي لمقالاتهم لتعبئة الرأي العالمي ضد الواقع الشرعي في المجتمع السعودي.

ومن الكوارث التي صنعها هؤلاء التغريبيون أنهم حطموا (الإبداع الثقافي) في السعودية، فالشاب المتطلع للثقافة منذ أن ينتمي إليهم تجده تدريجياً يذبل عنده حس الإبداع، وينمو لديه حس التقليد والتبعية والهزيمة النفسية للأجنبي، ويتحول من عقل يفكر إلى يدين تصفق للغربي فقط، وهذه ليست ملاحظة من جهة الإسلاميين، بل هذه حالة لاحظها مفكرون خارج التيار الإسلامي، ومنهم المؤرخ العروبي المعروف فهمي جدعان، ففي ثنايا تأريخه للفكر العربي المعاصر رمى بملاحظة مليئة بالدهشة، حيث يقول:

(والذي يثير الاهتمام لدى الكتاب التغريبيين -من المصريين خاصة- هذا الانقياد الكامل العجيب للقيم الغربية، وهذا الغياب المطلق لكل روح نقدية بإزاء هذه القيم، فلقد اشتعلت رؤوسهم ذكاء ونقداً للمدنية العربية الإسلامية؛ بينما تقلص هذا الذكاء تقلصاً كاملاً بإزاء المدنية الغربية التي كانت تلاقي في عقر دارها في الفترة نفسها انتقادات لا ترحم) [جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام، ص 331، دار الشروق]

ويهمني هاهنا التأكيد على أنه يجب أن لا نبالغ في تقدير حجم الليبراليين والتغريبيين، فهم مجرد “شرذمة” تعاني أصلاً من نبذ اجتماعي، ولن يتم لهم بإذن الله ما يصبون إليه، وقد لاحظت أن التغريبيين والليبراليين يحرصون دوماً على إشاعة انطباعات عن سعة شريحتهم، بهدف كسر المقاومة النفسية لدى المتلقي، وهذا كله تزييف، بل إنني أتوقع لهؤلاء التغريبيين أو الليبراليين (نكبة سياسية) قريبة بسبب اندفاعهم في الاستقواء بالأجنبي وافتضاح عمالتهم لقوى خارجية مشبوهة.

ومن الأمور اللافتة أن التغريبيين يفرحون بوقوع أعمال عنف في السعودية، لأنهم يجدونها فرصة للتأليب على الواقع الشرعي في السعودية، والحقيقة أن هذا أسلوب فاشل، فالناس جميعاً يعرفون أنه لم يقطع فتنة غلاة التكفير والعنف إلا العلماء والدعاة، وليست الصحافة الليبرالية، فعلماء ودعاة أهل السنة هم الذين بينوا ودللوا ونصحوا في دروسهم وخطبهم وفتاواهم عن انحراف غلاة التكفير، وأن أفعالهم تدخل في مفهوم (الفساد في الأرض) الذي ذكره القرآن في بضعة مواضع، بل العلماء والدعاة وقع عليهم من أذى هؤلاء الغلاة أضعاف ما وقع على المجتمع، فأتذكر قبل عدة سنوات أنني تناقشت مع أحد هؤلاء الغلاة، فزودني برابطين، أحدهما عن ابن باز والآخر عن سفر الحوالي، وفيهما من تضليل الشيخين والاستهتار بهما والتلويح بتكفيرهما ما لا تطيقه أقوى النفوس، ولم أكن أتوقع حينذاك أنهم وصلوا إلى هذا المستوى، ولذلك كانت دهشتي عالية، وقلت في نفسي إذا كان هذا قولهم عن الشيخ ابن باز والحوالي فما هو قولهم عن غيرهما؟!

وأما أنجع وسيلة لمقاومة هذه الظاهرة التغريبية فهي بكل اختصار (القرآن)، فهؤلاء التغريبيين حتى لو كان معهم سفارات وقنصليات وبرلمانات غربية، فنحن معنا (القرآن)، والقرآن أقوى من هؤلاء ومن وراءهم، ولذلك قال تعالى لنبيه (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) [الفرقان، 52] وقد نقل أهل التفسير عن ابن عباس أنه قال أي جاهدهم بالقرآن.

وأمر الله أن تكون النذارة بهذا القرآن فقال تعالى:

(وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ) [الأنعام، 19]

وأمر الله أن يكون التذكير بالقرآن فقال تعالى:

(فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) [ق،45]

ولما أرسل الله موسى إلى فرعون وذكر موسى لربه بطش فرعون وجبروته قال له ربه جل وعلا (قَالَ كَلا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ) [الشعراء، 15].

ومن وسائل الجهاد بالقرآن أن ينتدب طلبة العلم أنفسهم لعقد الدروس العامة والخاصة على الناس في (تفسير آيات الفضيلة) مثل:

مبدأ القرار (وقرن في بيوتكن)، والحواجز بين الجنسين (فاسألوهن من وراء حجاب)، ومنع إلانة الصوت (ولا تخضعن بالقول)، ومنع التبرج (ولاتبرجن تبرج الجاهلية الأولى)، وضرب الخمر على الجيوب (وليضربن بخمرهن على جيوبهن)، وإدناء الجلابيب (يدنين عليهن من جلابيبهن)، ومنع إبداء الزينة (ولا يبدين زينتهن)، ومنع الأصوات التي توحي بحليهن (ولايضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن)، والأمر بغض البصر (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)، (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)، وبيان مقصد طهارة النفوس من التعلق بين الجنسين (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن)، وتثمين حياء المرأة حتى في مشيتها (وجاءته إحداهما تمشي على استحياء)، وأمثال هذه الآيات العظيمة، وخصوصاً إذا انضم لذلك نظائرها من نصوص السنة مثل جعله -صلى الله عليه وسلم- فتنة النساء هي أضر فتنة، وتحذيره من الدخول على النساء، وقوله الحمو الموت، ومنع سفر المرأة بلا محرم، ومنع التعطر في الطريق، واستشراف الشيطان للمرأة إذا خرجت، وترك النبي مصافحة النساء، وقوله طوفي من وراء الرجال، ومنع الخلوة الخ الخ، وهذه النصوص ونظائرها لو جمعت في رسالة واحدة، ووضعت الدروس في تفسيرها وتوعية الناس بها، وتعميق حضورها في وعيهم، وأن يوضح لهم أن هذه المنظومة من النصوص تتضمن معنى كلي قطعي وهو: أن مقصود الله جل وعلا في العلاقة بين الجنسين هو التحفظ والصيانة وسد الذرائع، ولا يشك في ذلك من يقرأ أمثال هذه الآيات في كتاب الله وهو صادق في طلب الحق.

وفي رأيي أن يجب التركيز على (تفسير آيات الفضيلة) لأن المشروع التغريبي صب وقوده الأساسي في ملف المرأة، فهناك زحف تغريبي منظم لسلخ أحكام القرآن والسنة عن المرأة، واستبدالها بالمفهوم والتصور الغربي عن المرأة ودورها في الحياة، فيجب أن لا نستسلم لهم، ولن يحرقهم مثل عمارة النفوس بالقرآن.

والله تعالى أعلم.

ابوعمر

ليلة عاشوراء 1432هـ

16 ديسمبر 2010

Advertisements