الحمدلله وبعد،،

برغم ابتهاجي الشديد بالمطالبات الإصلاحية التي رفعها العلماء والدعاة هذه الأيام (وثيقة الإصلاح، ووثيقة دولة الحقوق والمؤسسات) واللتان تضمنتا إصلاح كافة مرافق الوطن من المال العام والإسكان والبطالة وتوسيع المشاركة الشعبية الخ، إلا أنه صار يغمرني مؤخراً شعور بأننا نتباحث أموراً ترفية، نعم أمور ثانوية جداً، أتدري لماذا؟ لأن هناك آلاف من الشباب الموقوفين وقفاً تحفظياً يقبعون خلف القضبان، هؤلاء الآلاف بعضهم تقوم والدته ووالده كل ليلة في الهزيع الأخير من الليل يسألون الله أن يرد عليهم فلذات أكبادهم، وبعضهم يغتال السهر زوجاتهم يفكرن فيهم، ويتذكرن الأيام الخوالي، وبعضهم تتلعثم بالسؤال عنهم بنيّاتهم الصغيرات: أين بابا؟ متى يأتي بابا؟

أواه .. ياربّاه .. من لأهالي المعتقلين إلا أنت!


هؤلاء الموقوفين بعضهم انتهت محكوميته ولا زال موقوفاً وقفاً تحفظياً، وبعضهم لم يحاكم بعد إلا أنه موقوف وقفاً تحفظياً، ألم تحن الفرصة للنظر في موضوعهم جذرياً، ألم تحن الفرصة ليعانق هؤلاء الموقوفون أمهاتهم؟ ويقبلون رؤوس آبائهم؟ وتنام بنياتهم الصغيرات في أحضانهم؟

أهالي المعتقلين في “حالة نفسية” لا يعلمها إلا الله جل وعلا..

عن أي مال عام، وبطالة، وإسكان، وطرق، نتحدث؛ بينما هؤلاء المساكين تنهمر دموع أمهاتهم كل ليلة؟! وتتحشرج أصوات زوجاتهم كلما هم بالسؤال عنهم شخصٌ ما.

 

بأي حجة يتم إيقافهم؟ هل بحجة العنف والتفجير؟ كلنا في هذا البلد -بلا استثناء- ضد العنف والتفجير، وكلنا في هذا البلد -بلا استثناء- ضد حماقات القاعدة وغلاة التكفير، بل كلنا في هذا البلد ضد سفاهات ثرثار الشمال سعد الفقيه، لا، بل هناك قدرٌ زائدٌ على ذلك كله، وهو أن الأحداث الأخيرة أثبتت أن رجل الشارع في السعودية لا يرغب في إقامة المظاهرات أصلاً.

 

وتبعاً لذلك: فهؤلاء الموقوفون من ثبت منهم أنه ضالعٌ فعلاً في جريمة تفجير فيجب إقامة العقوبة الشرعية الرادعة عليه، ولا أحد فوق الشرع، فالنبي –صلى الله عليه وسلم- في صحيح البخاري يقول (لو أن فاطمة ابنة محمد سرقت لقطعت يدها)[البخاري، 3475]، فإذا كانت بنت رسول الله ليست مستثناة من الحد الشرعي فكيف يستثنى من هو دونها، سواءً نسب نفسه للجهاد أو غيره، ولكن القضية ليست في من ثبتت إدانتهم بجريمة كبيرة، وإنما القضية في أولئك الآلاف الموقوفين وقفاً تحفظياً، إما أنهم انتهت محكومياتهم، أو أنهم لم يحاكموا بعد، ومع ذلك لا زالوا بين صرير الزنازين..

 

كل محبٍ لهذا البلد وأهله يعلم أن قضية الموقوفين وقفاً تحفظياً أنها أهم أسباب الغليان الاجتماعي بلا منازع، لكنه غليان صامت في كثير من الأحيان، غليان في الأسحار، وفي زفرات الذكرى بين حين وآخر، وفي المجالس المأمونة يتحدث الناس بكلماتٍ من دم..

 

صدقوني أيها المسؤولون أن كل شاب موقوف وقفاً تحفظياً أن عائلته كلها وأقاربه وأخلاؤه وأصدقاؤه تتنامى فيهم بذور تصدع الانتماء، والسخط، والكراهية للجهات الأمنية، وليس في صالحنا جميعاً أن تكون مؤسساتنا الأمنية خصماً للمجتمع.

 

لاتظن أن التلفت بين جدران السجن صبحاً وعشياً أمراً يسيراً، فقد لفت النبي –صلى الله عليه وسلم- الانتباه إلى شدة السجن على النفوس بقوله –صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح البخاري (ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي)[البخاري، 3372].

وهذا مع كون النبي قاله تواضعاً، إلا أنه يشير إلى ثقل الاعتقال على النفوس.

 

والخروج من السجن نعمةٌ وإحسانٌ من الله يستحق الشكر كما أشار لذلك كتاب الله في قوله تعالى (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ)[يوسف، 100].

 

هل تظن يا أخي الكريم أن شؤم الظلم عاقبته خاصة؟ لا، الظلم عاقبته عامة، والله جل علا يقول (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)[الأنفال، 25]، فكل من سكت عن هذا الظلم من عالمٍ أو مثقفٍ أو مسؤول؛ فيخشى عليه أن يدخل في العقوبة الإلهية، والعلاقة مع الله في غاية الخطورة حيث يقول تعالى في موضعين من كتابه (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)[آل عمران، 28، 30].

 

ماذا يريد الناس؟ لا يريدون الكثير، يريدون فقط تطبيق نظام الإجراءات الجزائية على سلوكيات جهاز المباحث العامة، فنظام الإجراءات الجزائية السعودي من أرقى النظم الحقوقية في العالم.

 

وسأضرب بعض الأمثلة لضمانات المتهم في هذا النظام الراقي، فقد منع النظام أي سلوك فيه إهانة للمتهم (يحظر تعريض المتهم للتعذيب، أو المعاملة المهينة للكرامة)[نظام الإجراءات الجزائية، م2].

ومنح النظام للمتهم حق توكيل محامٍ والتواصل معه (يحق لكل متهم أن يستعين بوكيلٍ أو محامٍ للدفاع عنه) )[نظام الإجراءات الجزائية، م4].

 

ورجال الضبط الجنائي كرجال الشرطة ورجال المباحث العامة لا يجوز لهم إحتجاز أي شخص لأكثر من 24 ساعة إلا بأمر كتابي من المحقق في هيئة التحقيق والادعاء العام (في جميع الأحوال لا يجوز إبقاء المقبوض عليه موقوفاً لأكثر من أربع وعشرين ساعة إلا بأمر كتابي من المحقق) )[نظام الإجراءات الجزائية، م33]

 

وإذا كان الأمر جريمة كبيرة –مثلاً- فإنه يحق لرئيس هيئة التحقيق أن يعطي مدداً إضافية للإيقاف، لكن كل هذه المدد النظامية لا يجوز نظاماً أن يتجاوز مجموعها ستة أشهر، وبعدها يجب أن يذهب المتهم للمحاكمة:

(في الحالات التي تتطلب التوقيف مدة أطول يرفع الأمر إلى رئيس هيئة التحقيق والادعاء العام، ليصدر أمره بالتمديد لمدة أو مدد متعاقبة، لا تزيد أي منها على ثلاثين يوماً، ولا يزيد مجموعها على ستة أشهر من تاريخ القبض على المتهم، يتعين بعدها مباشرةً إحالته إلى المحكمة المختصة، أو الإفراج عنه) [نظام الإجراءات الجزائية، م114]

 

وإذا كان هناك أمر نظامي بالقبض على أي متهم؛ فيجب أن يكون بطريقة راقية فيتم إخبار المتهم بأسباب إيقافه، ثم إتاحة الفرصة له بالاتصال بمن يريد (يجب معاملة المتهم بما يحفظ كرامته، ويجب إخباره بأسباب إيقافه، ويكون له الحق في الاتصال بمن يرى إبلاغه) )[نظام الإجراءات الجزائية، م35].

 

بل ويصل الرقي الحقوقي إلى أن دور السجن والتوقيف لا يجوز لها نظاماً أن تقبل إدخال أي شخص فيها إلا إذا كان هناك أمر نظامي مبينة فيه أسباب القبض، والمدة المحددة، فليس هناك في النظام اعتقالات مفتوحة، أو غير محددة السبب (لا يجوز لإدارة أي سجن أو دار توقيف قبول أي إنسان إلا بموجب أمر مسبب، ومحدد المدة، موقع عليه من السلطة المختصة، ويجب أن لا يبقيه بعد المدة المحددة في هذا الأمر) [نظام الإجراءات الجزائية، م36]

 

وأوجب النظام السعودي على رجال هيئة التحقيق والادعاء العام أن يقوموا بجولات تفتيشية مفاجئة للسجون للتأكد من عدم وجود أي سجين دون إجراءات نظامية محددة:

(على المختصين من أعضاء هيئة التحقيق والادعاء العام زيارة السجون ودور التوقيف في أي وقت والتأكد من عدم وجود مسجون أو موقوف بصفة غير مشروعة، وأن يتصلوا بالمسجونين والموقوفين ويسمعوا شكاواهم) [نظام الإجراءات الجزائية، م37].

 

وجعل النظام التحقيق مع المتهم يتم بطريقة في غاية الرقي والاحترام، حيث منع استعمال أية وسائل إكراه –حسية أو معنوية- أثناء التحقيق، حتى “اليمين” لا تطلب منه مبالغةً في احترام إرادته: (يجب أن يتم الاستجواب في حال لا تأثير فيها على إرادة المتهم في إبداء أقواله، ولا يجوز تحليفه، ولا استعمال وسائل الإكراه ضده) [نظام الإجراءات الجزائية، م102].

 

وكرس النظام حرمة خصوصيات المتهم من مسكن وسيارة وأجهزة اتصال ونحوها: (للأشخاص ومساكنهم ومكاتبهم ومراكبهم حرمة تجب صيانتها) [نظام الإجراءات الجزائية، م40].

(يتم تفتيش المسكن بحضور صاحبه أو من ينيبه) [نظام الإجراءات الجزائية، م45].

 

وجعل النظام الأصل في جلسات المحاكمة أن تكون علنية إلا ما استثني، فيحضرها من شاء من أقارب المتهم أو المحامين أو الناشطون الحقوقيون أو غيرهم (جلسات المحاكم علنية) [نظام الإجراءات الجزائية، م155].

 

ومن حق المتهم أثناء المحاكمة أن لا يكون مقيداً بـ(الكلبشات) حتى يكون في وضع محترم (يحضر المتهم جلسات المحكمة بغير قيود ولا أغلال) [نظام الإجراءات الجزائية، م158]

 

وإذا كان هناك شهود يشهدون للمتهم بما يثبت براءته فيجب وضع هؤلاء الشهود في حالة نفسية مرتاحة وآمنة (على المحكمة أن تحمي الشهود من كل محاولة ترمي إلى إرهابهم أو التشويش عليهم عند تأدية الشهادة) [نظام الإجراءات الجزائية، م169].

 

بل ومن أجمل ما في هذا النظام أنه جعل الكلمة الأخيرة في المحاكمة للمتهم لكي يعقب على جميع الأطراف (تسمع المحكمة دعوى المدعي العام، ثم جواب المتهم، ثم دعوى الحق الخاص، ثم جواب المتهم، ولكل طرف من الأطراف التعقيب على أقوال الطرف الآخر، ويكون المتهم هو آخر من يتكلم) [نظام الإجراءات الجزائية، م174].

كم أتمنى، ويتمنى كل مسلم يجري حب الحقوق في دمه؛ أن يتم تدريب رجال المباحث العامة ورجال الشرطة على (ضمانات المتهم في نظام الإجراءات الجزائية) بشكل مكثف، ودوري، ويتم محاسبتهم بحزم ضد أي أخطاء أو تجاوزات في حقوق المتهمين.

 

وفيما يتعلق بهذا الملف فإنني رأيت بعض المنهمكين بالتحزيب والاستقطاب يتطرقون لملف المعتقلين وليس فيهم أمارات الصدق، وإنما يتطرقون إليه من باب المزايدة على البسالة السياسية في سياق الخصومات التيارية، ولذلك أحب أن أشير إلى أنني لا أطمح لتسجيل أي موقف من هذا النوع، بل ولا تهمني هذه الأهداف الصغيرة التي يتقاتل عليها ضعاف النفوس، لكنني علم الله كلما تذكرت أولئك الموقوفين، وتذكرت أهاليهم؛ غصصت بالعبرة الخفية والشجى الحزين..

 

ومن باب ذكر الفضل لأهله فإنني أحب أن أنوه بجهود العلماء والدعاة الذين كان لهم شرف السبق في التذكير بحقوق الموقوفين، فمن هؤلاء:

بيان وقعه 24 عالم وداعية بعنوان (نداء ومناشدة للإفراج عن الموقوفين أمنياً) وممن وقعه من المشايخ: ناصر العمر، وسعد الحميد، وخالد السبت، وعبدالعزيز العبداللطيف، وعبدالله الزايدي، وغيرهم، وهو منشور على الشبكة.

وكذلك: كلمة صوتية مسجلة للشيخ يوسف الأحمد بعنوان (من يوسف الأحمد إلى الأمير محمد بن نايف بشأن المسجونين أمنياً) وهو موجود على الشبكة أيضاً.

وكذلك: مقالة عذبة لصاحب الهم والرسالة الدكتور محمد الحضيف بعنوان (ياسمو الأمير .. أغلق هذا الملف)، وهي موجودة بموقع الدكتور الشخصي.

وكذلك: رسالة أرسلها الصديق الدكتور محسن العواجي موجهة إلى وزير الداخلية الأمير نايف، عبر برنامج البيان التالي، في رمضان، وتحدث فيها عن ملف المعتقلين بوضوح وألم.

وكذلك: مقالة مطولة ومبكرة كتبها الأخ الفاضل ابولجين ابراهيم الشهري بعنوان (مناشدة للأمير محمد بن نايف لمعالجة ملف الموقوفين)، ونشرها في وقع لجينيات.

وكذلك: مقالة مبكرة -أيضاً- للأخ سليمان الدويش طالب فيها بمعالجة موضوع الموقوفين، وآثاره السلبية.

هذه الجهود: بيان العلماء للشيخ ناصر العمر وإخوانه، وكلمة الشيخ يوسف الأحمد، ومقالة د.الحضيف، وكلمة د.العواجي، ومقالة ابولجين، ومقالة الدويش؛ هي الجهود التي أتذكرها الآن، وقد يكون هناك جهود أخرى فاتت علي، علماً بأن الكثير من الدعاة كان يشير في ثنايا مقالاته إلى هذا الملف ومخاطر عدم معالجته.

فإلى هؤلاء النبلاء الشرفاء أرفع أسمى نياشين الشرف، ولن تذهب –بإذن الله- كلماتكم الصادقة هذه هباءً في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون..

 

اللهم ياحي ياقيوم أحسن بعبيدك الموقوفين هؤلاء بإخراجهم من السجن كما أخرجت نبي الله يوسف ياذا الجلال والإكرام، اللهم أنزل الصبر على أهاليهم واربط على قلوبهم، اللهم اجمع شملهم بوالديهم وزوجاتهم وأبنائهم ياقوي يامتين.

 

والله أعلم،،

ابوعمر

ربيع الثاني 1432هـ

15 مارس 2011

Advertisements