الحمدلله وبعد.
بعد حادثة نيويورك والتعليق عليها؛ بعث إلي عدد كبير من الإخوة يتساءل عن جواز إطلاق لفظ (اللواط) على جريمة (عمل قوم لوط)، وهل في هذا إساءة لنبي الله لوط؟
وهذا بحث للشيخ بكر ابوزيد –رحمه الله- لم أر أوسع منه في تحرير حكم هذه اللفظة، وذكر الشيخ عن نفسه قصة طريفة في آخر البحث.
 
قال الشيخ بكر ابوزيد رحمه الله في كتابه البديع (معجم المناهي اللفظية) :
 
(اللواط :
يحْمِلُ لفْظُ : (( لَوَطَ )) في لسان العرب ، معنى : الحب ، والإلصاق ، والإلزاق . لكن لا يُعرف أن مصدره : (( اللواط )) هو بمعنى اكتفاء الرجال بالرجال في الأدبار . إلا أن المعنى لُغة لا يأبي دخوله في مشموله ، ومن ثم إطلاقه عليه ؛ لتوفر معانيه في هذه : (( الفِعْلة )) من جهة قوة الباعث : الحب والشهوة للذكران ، انظر إلى قول الله – تعالى – عن قوم لوط في تقريعه ولومه لهم – : {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} [ لأعراف:81] ، فقوله : (( شهوة )) فيه معنى الحب الذي هو من معاني (( لَوَطَ )) ؛ ولهذا صار : (( لُوْط )) اسم علم من لاط بالقلب ، أي : لصق حبه بالقلب .
هذا من جهة قوة الباعث على الفعل : (( الحب )) وكذا من جهة : (( الفعل )) الذي فيه إلصاق ، وإلزاق ، كما تقول العرب : لاط فُلان حوضه ، أي : (( طيَّنَّة )) .
وفي الصحيحين ، من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – مرفوعاً : (( …. ولتقُوْمنَّ الساعة وهو يُليط حوضه فلا يُسقى فيه )) .
فتأيَّد هذا الاشتقاق لغة ، ولم يمتنع هذا الإطلاق (( اللواط )) على هذه الفِعلة الشنعاء ، (( واللوطي )) على فاعلها . وقد أجمع على إطلاقها العلماء من غير خلاف يُعرف . فالفقهاء يعْقِدون أحكام اللواط ، واللوطية ، في مصنفاتهم الفقهية ، والمفسرون في كتب التفسير ، والمحدثون في شرح السنة ، واللغويون في كتب اللغة .
وفي الرجل يأتي المرأة في دبرها ، أطلق عليه : (( اللوطية الصغرى )) فعن ابن عمر – رضي الله عنهما – مرفوعاً ، وموقوفاً : (( هي اللوطية الصغرى )) أخرجه أحمد ، وعبدالرزاق ، والبزار ، والنسائي في : عشرة النساء ، والطبراني في : (( الأوسط )) والبيهقي في : (( السنن الكبرى )) و (( جامع شعب الإيمان )) .
وكلمة الحفاظ على إعلاله مرفوعاً ، وأنه عن ابن عمر من قوله . إذا كانت مدابرة الرجل للمرأة تُسمى في لسان الصحابة – رضي الله عنهم – : (( لوطية صغري )) فلازم هذا أنهم كانوا يطلقون على هذه : (( الفاحشة )) اسم (( اللواط )) أو : (( اللوطية الكبرى )) . وانظر الآثار عنهم – رضي الله عنهم – وعن التابعين في : (( روضة المحبين : 362 – 372 )) .
وقد سمى الله – سبحانه – هذه الفِعْلة : (( فاحشة )) في قوله تعالى : {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} [ لأعراف: من الآية80] .
كما سمى : (( الزنا )) : (( فاحشة )) فقال – سبحانه : {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} [ الاسراء:32] .
وسماه النبي – صلى الله عليه وسلم – : (( عمل قوم لوط )) في أحاديث منها حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : (( من وجدتموه يعمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به )) رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه .
وقد اختلفت تراجم المحدثين فالترمذي – مثلاً – قال : (( باب ما جاء في حد اللوطي)).
وأبو داود ، وابن ماجه ، قالا : (( باب فيمن عمِل عَمَلَ قوم لوط )) .
ومثله اختلاف أسماء مؤلفاتهم في ذلك : فكتاب (( ذم اللواط )) للهيثم بن خلف الدوري ، المتوفى سنة ( 307 هـ ) وكتاب : (( القول المضبوط في تحريم فعل قوم لوط )) لمحمد بن عمر الواسطي ، المتوفى سنة ( 849 هـ ) على أن الراغب الأصفهاني ، المتوفى سنة ( 502 هـ ) قد حلَّ هذا الإشكال في كتابه : (( المفردات )) : ص/ 459 فقال : (( وقولهم : تلوّط فُلان ، إذا تعاطى فِعل قوم لوط ، فمن طريق الاشتقاق ، فإنه اشتق من لفظ : لوطٍ ، الناهي عن ذلك لا من لفظ المتعاطين له )) انتهى .
ثم لهذا نظائر في الحقائق الشرعية مثل لفظ : (( الإسرائيليات )) وإسرائيل هو : يعقوب ، والنبي – صلى الله عليه وسلم – إنما قال : (( حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج )) .
ومثل لفظ : (( القدرية )) نسبة إلى القدر ، ومذهبهم ، الباطل نفيه ، فيقولون : لا قدر والأمر أُنُف .
ومثل ما جاء في تعبد النبي – صلى الله عليه وسلم – في غار حراء ؛ إذ جاء بلفظ : (( يتحنَّثُ في غار حِراء )) ومعلوم أن : (( الحنث )) الإثم ، ومواطنه ، فيزاد : تعبد معتزلاً مواطن الإثم . وهكذا في أمثالها كثير .
ثم إن للعرب في كلامها أساليب أخر ، منها :
إطلاق السبب على المسبب .
وإطلاق المسبب على السبب .
وإطلاق الفعل على غير فاعله .
وإطلاق البعض على الكل .
وإطلاق الكل على البعض .
وإطلاق الفعل على مقاربه .
وكل هذه معروفة عند البلاغيين وهي من علوم القرآن البلاغية .
ومن أساليب العرب في كلامهم :
النسبة إلي المتضايفين على سبيل النحت ، مثل : عبدشمس : عبشمي . والنسبة إلى المضاف إليه على الأغلب مثل : عبدالقيس : قيسي . ومثل : (( بني إسرائيل )) يُقال : إسرائيلي . وفي عصرنا يقال : (( العزيزية )) نسبة إلى : عبدالعزيز . و (( الرحمانية )) نسبة إلى : (( عبدالرحمن )) لكن في تسويغ ذلك بالنسبة إلى أسماء الله تعالى نظر ؛ لأن من الإلحاد في أسماء الله تعالى تسمية مشركي العرب أصنامهم على سبيل الإلحاد في أسماء الله تعالى مثل : (( اللات )) من (( الإله )) و (( العزى )) من (( العزيز )) .. ومنه هنا : عمل قوم لوطٍ : لوطي . ويراد به النسبة إلى نهيه ، لا إلى لوط عليه السلام .
ومحال أن يخطر ببال أحد خاطر سوء في حق نبي الله لوط – عليه السلام – أو في حق نبي الله يعقوب – عليه السلام – .
ولهذا فلا تلتفت إلى ما قاله بعض من كتب في : قصص الأنبياء – عليهم السلام – من أهل عصرنا ، فأنكر ، فأنكر هذه اللفظة : (( اللواط )) وبنى إنكاره على غلط وقع فيه بيان الحقيقة اللغوية لمعنى (( لاط )) وأن مبناها على (( الإصلاح )) فإن الحال كما تقدم من أن مبناها على : الحب والإلزاق ، والإلصاق ، وقد يكون هذا إصلاحاً وقد يكون إفساداً ، حسب كل فعل وباعثه والله أعلم .
وبعد تقييد ما تقدم تبين لي بعد استشارة واستخارة ، أن جميع ما قيدته من استدلال استظهرته لا يخلو من حمية للعلماء الذين تتابعوا على ذلك ، والحمية لنبي الله لوط – عليه السلام – وهو معصوم ، أولى وأحرى ، والله – سبحانه وتعالى – يقول : {هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ} [ الرحمن:60] فكيف ننسب هذه الفعلة الشنعاء : (( الفاحشة )) إلى نبي الله : لوط – عيه السلام – ولو باعتباره ناهياً ، ولو كان لا يخطر ببال مسلم أدني إساءة إلى لوط – عليه السلام – ؟
ولعل من آثار هذه النسبة أنّك لا تجد في الأعلام من اسمه لوط إلا على ندرة . فهذا – مثلاً – (( سير أعلام النبلاء )) ليس فيه من اسمه لوط ، سوى واحد : أبو مخنف لوط بن يحيى .
هذا جميعه أقوله بحثاً ، لا قطعاً ، فليحرره من كان لديه فضل علم زائد على ما ذكر ؛ ليتضح الحق بدليله . والله المستعان ) أ.هـ
 
المصدر: معجم المناهي اللفظية، للشيخ العلامة المتفنن بكر ابوزيد، مادة (لواط).
28  يوليو  2011م
Advertisements