مصحف البحر الميت

تعليق واحد

-مدخل:

الحمدلله وبعد،،

ماذا يجري في الصحافة السعودية هذه الأيام؟ حسناً .. تأمل معي هذا التصفيق الحار في الصحافة السعودية:

-(أعتقد دون مبالغة أن أركون المجدد الأكبر للإسلام في عصرنا الراهن) [الشرق الأوسط، 16 سبتمبر 2010] 

-(أركون من الكبار الذين كانوا يجاهدون في بث النور، وإحلاله محل الظلمة الكالحة في عالمنا العربي) [الوطن، 18سبتمبر 2010]

– (يظل أركون مشعلاً حقيقياً ) [الوطن، 17 سبتمبر 2010]

-(يهدف أركون إلى استخلاص التجربة الروحية الكبرى للإسلام وتنقيتها من كل ما علق بها على مدار تاريخ المسلمين) [الرياض، 19سبتمبر2010]

-(أركون أول من قدم نقدا للتفكير الخرافي المعارض للمعرفة، وبدد هيمنة الأسطورة في العقل العربي-الإسلامي) [الرياض، 16سبتمبر2010]

-(أركون أحد حكماء المسلمين الكبار) [الشرق الأوسط، 17 سبتمبر 2010]

-(خلال الأيام الثلاثة الأخيرة اشتغلت بكل ما كان متاحاً، ورقياً أو إلكترونياً، بتوديع ثقافتنا لرمز عالمي مثل الراحل الأخير محمد أركون) [الوطن 19سبتمبر2010]

-(أركون أحد هذه الهامات الفكرية من المشهد الثقافي والفكري العربي) [صحيفة اليوم، 19 سبتمبر2010]

-(عمل محمد أركون طوال أكثر من نصف قرن على تقديم قراءة جديدة للإسلام، قراءة تستند إلى مرجعيات ومناهج علمية) [الحياة 16 سبتمبر2010]

-(ساهمت -أفكار أركون- بقوة في الدفاع عن القيم الإسلامية النبيلة ) [الشرق الأوسط، 16سبتمبر 2010]

-(نجح أركون في العودة بالإسلام إلى طابعه الإنساني) [الشرق الأوسط 18سبتمبر 2010]

 

هذه نماذج فقط، ويمكن مراجعة الصحافة السعودية خلال الأسبوع الماضي لتسمع أضعاف هذه الطبول.

 

حسناً .. لماذا هذه الدعاية الصحفية السعودية لأركون؟ ماذا وراء هذا الإمعان في التلميع والمغالاة في ألفاظ المديح لشخصية محمد أركون؟ لماذا تعرض الصحافة السعودية أركون باعتباره: المجدد الأكبر، المجاهد لبث النور ومكافحة الظلام، المشعل الحقيقي، حكيم الاسلام الكبير، الهامة الفكرية، معيد الاسلام لطابعه الانساني، صاحب المنهج العلمي في دراسة الإسلام، الخ الخ ؟

 

ماذا وراء حفلة الإطراء هذه ياترى؟ لماذا تسكب هذه الأوصاف التبجيلية بهذه الحمولة المتجاوزة للوزن المسموح به؟ هذا قطعاً ليس ممارسة عفوية، وليس حدثاً عشوائياً غير مفهوم، بل هذا التمجيد إنما هو لاعتبارات تتعلق بفكر هذا الشخص الممجّد ذاته، هذا يعني أننا لا يمكن أن نصل لتفسير هذه الدعاية إلا بمعرفة ماذا يريد أركون نفسه؟

 

إذن لننتقل إلى إلقاء الضوء على شئ من أفكار أركون، وقبل أن ننتقل لذلك أحب التنويه إلى أنني تعمدت إغفال أسماء الكتّاب لهذه الشواهد الصحفية السابقة لأنني لست معنياً بآحاد وأفراد هؤلاء الكتّاب، وإنما المراد تفسير كامل البنية الإعلامية السعودية وكيف تصنع مثل هذه التوجهات، نريد تناول الإعلام السعودي كنظام ينتج المعرفة بطريقةٍ ما ويروجها للقارئ المحلي، ولذلك جعلت الشواهد السابقة معمّاة الكاتب عمداً لتجريدها من ارتباطاتها الآحادية والفردية، وتحويلها إلى مجرد نماذج لنظام إعلامي.

 

 

 

-مشروع مصحف البحر الميت:

جوهر مشروع أركون هو (إعادة دراسة القرآن على ضوء العلوم الإنسانية)، ويتصور البروفيسور محمد أركون أنه لا يوجد اليوم على وجه الأرض نص صحيح للقرآن، وأن النص القرآني الموجود اليوم نص محرّف، وأن النص الأصلي شبه مفقود، لكن ما الحل في نظر أركون؟ من أطرف مشروعات أركون لحل هذه المشكلة التي يراها أنه لا يمكن أن نصل للنص الصحيح للقرآن إلا إذا وصلنا إلى مخطوطات موجودة في البحر الميت، هذه المخطوطات اللاهوتية في البحر الميت ستوصلنا إلى النص الصحيح للقرآن، كما يقول أركون:

(لنذكر الآن المهام العاجلة التي تتطلبها أية مراجعة نقدية للنص القرآني..، أي نقد القصة الرسمية لتشكيل القرآن، هذا يتطلب منا الرجوع إلى كل الوثائق التاريخية سواءً كانت ذات أصل شيعي أم خارجي أم سني، هكذا نتجنب كل حذف تيولوجي لطرف ضد آخر، بعدها نواجه ليس فقط مسألة إعادة قراءة هذه الوثائق، وإنما أيضاً محاولة البحث عن وثائق أخرى ممكنة الوجود كوثائق البحر الميت التي اكتشفت مؤخراً) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 290]

 

إذن المصحف الموجود بين أيدينا مصحف ناقص، ونحتاج إلى مصحف مبني على مخطوطات البحر الميت.

 

ليس ذلك فقط، بل يرى أركون أن جزءاً من القرآن موجود في خزائن غامضة في الهند واليمن، وإذا استطعنا الوصول لهذه الخزائن فربما أمكننا إعادة كتابة القرآن، كما يقول أركون:

(يفيدنا في ذلك أيضاً سبر المكتبات الخاصة عند دروز سوريا، أو إسماعيلية الهند، أو زيدية اليمن، أو علوية المغرب، يوجد هناك في تلك المكتبات القصية وثائق نائمة متمنعة، مقفل عليها بالرتاج، الشئ الوحيد الذي يعزينا في عدم إمكانية الوصول إليها الآن هو معرفتنا بأنها محروسة جيداً) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 291].

 

أركون حزين لأن الآيات القرآنية التي يمتلكها الرافضة في خزائن سرية في الهند واليمن لا نستطيع الوصول إليها لمعرفة النص الصحيح للقرآن، لكن أركون –أيضاً- للأمانة، ليس حزيناً جداً، لأن هذه الخزائن الخطيرة مربوطة بحراسات مشددة، فربما يفتحها الرافضة لنا يوماً فنصل للنص الصحيح للقرآن.

 

حسناً .. لدينا الآن مصدران هامان لمعرفة نص القرآن الصحيح بحسب أركون، أولهما: مخطوطات البحر الميت، والثانية: الخزائن السرية في الهند واليمن.

وأنا أقرأ هذا الكلام لأركون لا أدري لماذا تذكرت كتباً كانت منذ زمن تباع على الأرصفة عناوينها: مثلث برمودا، لغز يحير العالم، الأطباق الطائرة ومخلوقات الفضاء، تنبؤات نوستراداموس، الخ الخ.

 

ويرى أركون أن هناك مخطوطات ثمينة تدلنا على النصوص المفقودة للقرآن قد تم تدميرها، كما يقول:

)يبدو لي أنه من الأفضل أن نستخلص الدروس والعبر من الحالة اللامرجوع عنها، والتي نتجت عن التدمير المنتظم لكل الوثائق الثيمنة الخاصة بالقرآن، اللهم إلا إذا عثرنا على مخطوطات جديدة توضح لنا تاريخ النص وكيفية تشكله بشكل أفضل) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 45]

 

ولكون أركون يتحدث كثيراً عن مخطوطات مفقودة وأخطاء في نص القرآن؛ فإنه يعتقد أننا يجب أن ننجز “طبعة محققة” من القرآن تتجاوز أخطاء النسخ الموجودة بين أيدينا اليوم، ولكنه يتحسر أن المستشرقين المعاصرين لم يعودوا يفعلون ذلك كما كان يفعله قدماء المستشرقين، كما يقول أركون:

(المعركة التي جرت من أجل تقديم طبعة نقدية محققة عن النص القرآني؛ لم يعد الباحثون يواصلونها اليوم بنفس الجرأة كما كان عليه الحال في زمن نولدكة الألماني وبلاشير الفرنسي) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 44]

 

وهذه المشكلة التي يعتقدها أركون حول ضياع القرآن ليست وليدة العصر بل هي مبكرة، فهو يرى أن علماء الإسلام قاموا بالتلاعب القراءات القرآنية لصناعة نص منسجم، كما يقول أركون:

(نحن نعلم كيف أنهم راحوا يشذبون “قراءات القرآن” تدريجياً، لكي تصبح متشابهة أو منسجمة مع بعضها بعضاً، لكي يتم التوصل إلى إجماع أرثوذكسي) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 111].

 

وفي أحد كتبه عقد مبحثاً بعنوان (فرضيات الخطاب الإسلامي المعاصر) وذكر منها الفرضية التالية: (الفرضية الأولى: أن الصحة التاريخية للمصحف قد تأكدت منذ الجمع الذي تم في خلافة عثمان، وكل تشكيك بظروف هذا التشكيل يعتبر زندقة)، ثم انتقد هذه التي يسميها فرضية وقال (إن طراز وجود الإسلام في التاريخ مرتبط بالحفاظ على هذه الفرضيات، على الرغم من التكذيب القاطع الذي تلقاه من جهة الواقع والنقد العلمي الحديث معاً) [الفكر الاسلامي قراءة علمية، أركون، 66]

 

فهو يرى أن حفظ القرآن وصحة جمعه ليس عقيدة إسلامية، بل “فرضية” يكذبها الواقع والنقد العلمي.

 

ومن أسباب ضياع نص القرآن -كما يتصور أركون- أن الصحابة لم يكونوا أمناء في نقل القرآن من قراءة الرسول إلى التدوين، كما يقول أركون:

 (الخطاب القرآني-وهو- البلاغ الشفهي من الرسول في مواقف استدعت الخطاب، ولن تنقل جميعها بأمانة إلى المدونة الرسمية المغلقة) [نافذة على الإسلام، أركون، 65].

 

ويشير أركون دوماً إلى هذه القضية، وهي أن جمع القرآن فيه خلل يجب تصحيحه، كما يقول:

 (نحن نجد أنفسنا اليوم عاجزين أكثر من أي وقت مضى عن فتح الإضبارات التي أغلقت منذ القرنين الثالث والرابع الهجريين والتي تخص المصحف وتشكله) [الفكر الاسلامي قراءة علمية، أركون، 30].

 

ماسبق يدور حول تصور أركون لنقل القرآن، وأنه نقل محرف، وهو يكثر من طرق هذا الموضوع بصيغ متنوعة، لكن السؤال الآخر: دعنا مما يرى أركون أنه مفقود، ما رأي أركون في الموجود من القرآن حالياً؟

 

أما بالنسبة لمحتوى القرآن الموجود حالياً، فيرى أركون أن النبي –صلى الله عليه وسلم- اقتبس من الأساطير الموجودة في عصره وأدخلها باعتبارها قرآن، كما يقول أركون:

(إن أساطير غلغامش، والاسكندر الكبير، والسبعة النائمين في الكهف؛ تجد لها أصداء واضحة في القرآن) [الفكر الاسلامي قراءة علمية، 84].

 

ويرى أركون أن هذا هو عامة أسلوب النبي في القرآن وهو أسلوب استعمال الأساطير للتأثير على الأتباع، كما يقول:

(ينبغي القيام بتحليل بنيوي لتبيين كيف أن القرآن ينجز أو يبلور بنفس طريقة الفكر الأسطوري الذي يشتغل على أساطير قديمة متبعثرة) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 203].

 

ويتصور أركون أن القصص التي في القرآن أخذها النبي من التوراة مع شئ من التصرف والتعديل، كما يقول:

(مهمة التحليل التاريخي لا تتركز في الكشف عن المؤثرات التي أتت من مصدر موثوق وصحيح وهو التوراة، وبالتالي إدانة الأخطاء والتشويهات والإلغاءات والإضافات التي يمكن أن توجد في النسخة القرآنية بالقياس إلى النسخة التوراتية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 130].

 

وأما المعلومات الأخرى التي تضمنها القرآن فيرى أركون أننا لو درسنا التاريخ لوجدنا أن القرآن فيه مغالطات تاريخية وأخطاء في تصوير الواقع، كما يقول أركون:

(ينبغي القيام بنقد تاريخي لتحديد أنواع الخلط، والحذف، والإضافة، والمغالطات التاريخية؛ التي أحدثتها الروايات القرآنية بالقياس إلى معطيات التاريخ الواقعي المحسوس) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 203]

 

ويرى أركون أن القرآن ظلم المشركين وقسا عليهم دون مبرر، حيث أقصاهم ولم يقدم أي مسوغات لهذا الإقصاء، كما يقول أركون:

(نلاحظ أن وصف المعارضين يختزل إلى كلمة واحدة هي “المشركون” لقد رُمُوا كلياً ونهائياً وبشكل عنيف، في ساحة الشر والسلب والموت، دون أن يقدم النص القرآني أي تفسير أو تعليل لهذا الرفض والطرد) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 96].

 

ويرفض أركون المقولة التي تقول إن المشكلة في الاسلاميين المتطرفين وليست في القرآن، بل يرى أن القرآن هو المسؤول عن إنتاج التطرف، كما يقول أركون:

(إن الأرثوذكسيات الحالية، أقصد الحركات الاسلاموية الناشطة حالياً، إذ تغلب دكتاتورية الغاية السياسية ؛ هي في الواقع مخلصة لسورة التوبة، شكلاً ومضموناً، روحاً ولفظاً) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 96]

 

ويؤكد أركون بشكل متكرر عن مسؤولية القرآن فيما يرى هو أنه تطرف إسلاموي، كما يقول أركون:

(إن الحركات الإسلاموية المعاصرة، بدأً من الإخوان المسلمين، وانتهاءً بالمحاربين الإيرانيين، مروراً بالتنظيمات الأكثر هيجاناً وعنفاً كالتكفير والهجرة؛ تشهد كلها بشكل ساطع على ديمومة النموذج القرآني وفعاليته، على الأقل من الناحية التعبوية والتجييشية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 106].

 

وفي مواضع أخرى يؤكد أركون أن القول بأن المشكلة في الاسلاميين وليست في القرآن، أن هذا تعامي عن أصل المشكلة، بل المشكلة عنده في القرآن ذاته، يصرح أركون بشكل أعم حول مسؤولية القرآن عن إنتاج التطرف فيقول:

(إنه لشئ أساسي أن نفهم أنه منذ المرحلة القرآنية راحت تتجمع وتتشكل كل عناصر الأرثوذكسية الإسلامية الصارمة) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 96].

 

وأما مسألة العنف فأركون يرى أنها ليست مجرد قراءة إسلاموية للقرآن كما يقوله كثير من العلمانيين، بل أركون يرى أن القرآن هو الذي يولد العنف، ولذلك لما استعرض قوله تعالى في سورة التوبة “فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد” قال أركون:

(لقد اخترت الانطلاق من هذه الآية لأنها تشكل بالنسبة لسورة التوبة؛ الذروة القصوى للعنف الموجه لخدمة المطلق، الله المطلق) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 93]

 

وأما مايقوله العلمانيون من أن العلوم الدينية تضاد العقل، فأركون يرى أن المشكلة ليست في علماء هذه العلوم الدينية، وإنما المشكلة في القرآن نفسه، فالقرآن هو المسؤول عن إنتاج علوم تضاد العقل، كما يقول أركون:

(لقد لعب القرآن الدور الحاسم الذي نعرفه في توسع وانتشار ما لا نزال نمارسه الآن تحت اسم العلوم الدينية بصفتها مضادة للعلوم العقلية) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 58].

 

ويزيد أركون حدة التصعيد في التنديد بالقرآن ويرى أن أسلوب القرآن أسلوب متشنج ومكرر كما يقول عن أسلوب القرآن في سورة التوبة أنه:

(يأتي تارةً على هيئة تكرار زائد، أو تبسيطات، أو تشنجات قاسية، تطلبتها طبيعة الظرف التاريخي، كما هو الحال في سورتنا هذه) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 103].

 

ويرى أركون أن النقد الفيلولوجي استطاع أن يكشف القصور في أسلوب القرآن كما يقول:

(لقد ذهب النقد الفيلولوجي إلى حد التقاط وكشف النواقص الأسلوبية في القرآن) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 201].

ولأركون موقف معروف من النقد الفيلولوجي، فهو يرى أنه مفيد، لكن يجب عدم الاقتصار عليه.

 

ولذلك لا يجد أركون أي حرج نفسي في أن يصف القرآن بأنه “فوضوي” بلغة إزرائية كما يقول:

(بالنسبة لعقولنا الحديثة المعتادة على منهجية معينة في التأليف والإنشاء والعرض القائم على المحاجّة المنطقية؛ فإن نص المصحف وطريقة ترتيبه تدهشنا بفوضاها) [الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، أركون، 86].

 

 

حسناً .. سنتوقف عن عرض المزيد من الشواهد حول موقف أركون من كون القرآن قد ضاع منه الكثير، وما تبقى منه أسطوري ويبث العنف ويضاد العقل، سنتوقف لنطرح سؤالاً آخر يبدوا لي أنه الآن يدور في ذهن القارئ بشكل ملح، السؤال هو: كيف يتجرأ أركون على القرآن بهذا الشكل؟ ما الذي يجعله يندفع في إدانة القرآن بهذه البساطة؟

 

في تقديري الشخصي أن السبب الجوهري الذي يجعل أركون يتعامل مع القرآن بهذه الحدة والتشنج هو أنه غير مقتنع أن هذا القرآن من الله -جل وعلا- أصلاً، فأركون يستغرب كثيراً ممن يعتقد أن هذا القرآن كلام نزل من الله، ولذلك يقول أركون مثلاً:

(أصبحوا يقدمون الخطاب القرآني، لكي يُتلى ويُقرأ ويُعاش، وكأنه الكلام الأبدي الموحى به من قبل إله متعالٍ) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 146]

 

فصحة نسبة القرآن إلى الله يعتبرها أركون معضلة، تشابه معضلات النصارى التي لم يجدوا لها حلاً، حيث يقول أركون:

(معضلة عويصة مشتركة لدى المسيحية والإسلام، أقصد تاريخية بعث يسوع المسيح، والصحة الإلهية للقرآن) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 45].

 

ولذلك يعتبر أركون أن مسألة نسبة القرآن إلى الله هي “مزاعم تقليدية” يجب تجاوزها، كما يقول:

(لكي أفتتح حقلاً جديداً من التفكير تصبح فيه المزاعم التقليدية للمسيحية والإسلام معاً مُتَجاوزة، عن طريق دراسة مشاكل ماقبل البعث، والصحة الإلهية للقرآن) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 46]

 

 

ويشير أركون إلى الأدلة التي استدل بها القرآن والنبي –صلى الله عليه وسلم- على صحة نسبة القرآن إلى الله، وهي كون هذا القرآن “معجز” لا يأتي به بشر، ولكن أركون يرى أن هذا دليل غير كافٍ للاعتقاد بكون القرآن من الله، وإنما هذه –بحسب رأيه- مجرد تبجيل للقرآن من أتباعه، كما يقول أركون:

(نلاحظ أن كل نظرية الإعجاز، أو الأصل الإلهي للقرآن؛ تشهد على الانتقال السري الخفي من مشكلة فكرية مثارة في الحالتين، أي حالة البعث وحالة القرآن؛ إلى حلول تبريرية وتبجيلية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 47]

 

ولكن الذي يدهش أركون أن المسلمين لا يعيرون هذه القضية شأناً، بل يعيشون مع القرآن ويستهدون به ولا يشكّون في نسبته إلى الله، ولايشكل لهم أزمة، فهو يلاحظ أن المسلمين متجاوزين لهذا السؤال أصلاً، وهذا أمر يزعج أركون، لأنه غير مقتنع بذلك، ويريد أن تكون للمسألة صدى، يريد أن يعتبر المسلمون أن هذا سؤال ملح فعلاً ولا يوجد فيه يراهين حقيقية، كما يقول أركون:

(وبسبب أن القرآن قد أصبح حقيقة معاشة من قبل المسلمين، على كل مستويات الوجود الفردي والجماعي، فإن أي تساؤل يتعلق بمدى صحته كوثيقة تاريخية يصبح مسألة ثانوية أوهامشية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 129].

تهميش هذا السؤال، والاعتقاد الجازم بأن القرآن من الله؛ أمر كرر أركون تأذيه منه.

 

وتبعاً لكونه يستغرب من اعتقاد المسلمين بنسبة القرآن إلى الله، فهو -أيضاً- يستغرب وبنفس الدرجة كون المسلمين يعتقدون أن الشريعة من الله، كما يقول أركون:

(السؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف حصل أن اقتنع ملايين البشر أن الشريعة ذات أصل إلهي؟) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 296].

 

وهاتان القضيتان السابقتان كانتا واضحتان بشكل مبكر لدى أركون؛ أعني صحة نقل القرآن إلينا عبر المصحف، وصحة نسبة هذا القرآن إلى الله، فكلا المسألتين كان أركون يعاني فيهما من توترات وشكوك وارتيابات، كما يقول في توضيح العناية بكلا المسألتين:

(ينبغي التمييز بين الصحة التاريخية للمصحف، والصحة الإلهية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 83]

 

أعتقد أن سلسلة الأسئلة سوف تتابع، دعنا ننتقل إلى سؤال أعلى من السؤال السابق: طالما أن أركون يرى أنه لايوجد براهين كافية على صحة نسبة القرآن إلى الله، (وأظن أن مسألة الصحة الإلهية للقرآن هي أول بحث نشره ولست متأكداً من ذلك)، فإن السؤال الذي يلي ذلك: هل أركون إذن مؤمن بالله، أم لديه إشكالية في هذا الأمر أيضاً؟

 

الحقيقة أن أي قارئ لكتابات أركون يدرك أن الرجل كان لديه قلقاً كبيراً حيال مسألة الإيمان بالله، تارة يقترب من هذا السؤال بشكل مباشر، وتارة يرى أنه سؤال غير مهم، سواءً إيجاباً أو سلباً، وإنما المهم الوظيفة التي يؤديها الاعتقاد (المنهج الوظيفي في دراسة الأديان)، ومع ذلك كله فلا يرتاب قارئ لكتابات أركون أن الرجل كان يعاني من حيرة شديدة في هذا الموضوع تلمس حرارتها بين السطور.

 

سأضرب بعض الأمثلة التي توحي بهذه الحيرة، ففي أحد المواضع من كتبه كان أركون يعتبر أن مفهوم (الله) إنما اخترعه النبي والصحابة ليصارعوا به خصومهم السياسيين في الجزيرة، كما يقول أركون:

(نلاحظ أن الجماعة الجديدة الطالعة قد بلورت مفهوم “الله” من جديد، ليس من أجل مضامينه الخاصة الصرفة، وإنما بالدرجة الأولى من أجل تسفيه طريقة استخدامه من قبل أهل الكتاب) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 101].

 

ولذلك يرى أركون أنه لا وجود “فعلي” لإله ثابت في الخارج، وإنما هو وجود ذهني في عقول الناس يتغير طبقاً لتغير تصوراتهم الذهنية، كما يقول أركون:

(على عكس ما تظن المسلمة التقليدية التي تفترض وجود إله حي ومتعالٍ وثابت لا يتغير؛ فإن مفهوم “الله” لا ينجوا من ضغط التاريخية وتأثيرها، أقصد أنه خاضع للتحول والتغير بتغير العصور والأزمان) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 102].

 

وتحويل مفهوم (الله) إلى معنى ذهني مجرد لا وجود له في الخارج اتجاه مطروق بكثرة في الفلسفات الإلهية القديمة (يمكن مطالعة مناقشة الإمام ابن تيمية لهذه القضية في الصفدية حين تعرض لقول ابن سينا أن واجب الوجود هو المطلق بشرط الإطلاق: 1/297 تحقيق رشاد سالم.)

 

ونتيجة لهذه الحيرة الأركونية في مسألة وجود الله فإن أركون لا يجد غضاضة في التعبير عن الله بألفاظ غير مؤدبة، وهذا كثير في كتبه، ومن أمثلة ذلك قوله:

(الله نفسه ينخرط مباشرة، حتى في المعارك السياسية، ضد أعدائه) [الفكر الاسلامي قراءة علمية، أركون، 147]

 

مثل هذه الأساليب في التعامل مع القرآن، ومع الله جل وعلا؛ لا تدع مجالاً للشك أن الكاتب يعاني من قلق كبير في الإيمان بهذه القضايا، يستحيل أن يكون القلب معموراً بالإيمان ويتلفظ بعبارات غير مؤدبة تجاه ربه، وكتاب ربه.

 

حسناً .. أخي القارئ ضع في ذهنك الآن ما يقوله أركون من أن: القرآن بعضه مفقود في خزائن الرافضة في الهند واليمن، وأن علماء الإسلام تلاعبوا بالقراءات القرآنية، وأن الصحابة لم يكونوا أمناء في تدوين القرآن، وأن النبي أدخل في القرآن الأساطير، وقصص التوراة بعد أن شوهها، وأن القرآن فيه مغالطات تاريخية، وأن القرآن قسا على المشركين دون مبرر، وأن القرآن هو الذي ينتج التطرف، والعنف، ومضادة العقل، وأن أسلوب القرآن فيه قصور وتكرار زائد وتشنج، وأنه لا يوجد أدلة على صحة نسبة القرآن إلى الله.

 

ضع ما سبق كله في ذهنك، ثم استحضر كيف عرضت الصحافة السعودية أركون بأنه المجدد الأكبر للإسلام، وأحد المجاهدين لمكافحة الظلام وإحلال النور في عالمنا العربي، وأنه مشعل حقيقي، وأنه أحد حكماء الاسلام الكبار، وأحد الهامات الفكرية، والمدافع عن القيم النبيلة.

 

أعرف أخي الكريم أن جوفك يتقاطر مرارةً الآن، وحُق لك ذلك والله، فليس سهلاً أن ترى صحافة بلاد الحرمين وجزيرة الإسلام ومنطلق دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب تبجل وتلمع وتكرم من يهين كتاب الله جل وعلا.

 

أعرف أنك –يا أخي الكريم- تتساءل الآن كما تساءلتُ مثلك: إلى أين يريد أن يذهب بنا هذا الإعلام التغريبي ياترى؟ حتى كتاب الله لم يعد له كرامة؟

 

على أية حال.. الشواهد والمعطيات حول موقف أركون من القرآن كثيرة، وكثيرة جداً، بسب أن أساس ما يسمى مشروع أركون إنما يدور حول القرآن، بمعنى آخر فإن ما يسمى مشروع أركون يرتكز كله حول هدف ووسيلة، فأما (الهدف) فهو: تحرير المسلمين من القرآن ليستطيعوا أن يصلوا إلى الحداثة، وأما (الوسيلة) لتحقيق هذا الهدف فهي: تطبيق العلوم الإنسانية على القرآن، لنحقق ماحققه الغرب في تجاوز الكتاب المقدس. هذا باختصار مكثف كل ماتدور حوله كتابات أركون.

 

ولكن برغم كثرة كلامه حول القرآن إلا أننا يجب فعلاً أن نتوقف عن عرض المزيد من الشواهد، فأظن القارئ المسلم المعظم لله وكتابه لم يعد يطيق أكثر من ذلك، وإنني أشعر أن لهيب الغيرة لله وكتابه قد بلغت غايتها في قلب القارئ الآن، لذلك من الأفضل أن ننتقل لسؤال آخر:

 

ما هو تفسير تشكُّل تصورات وعقيدة أركون بهذه الصورة شديدة الحدة تجاه القرآن ذاته؟ لماذا أعلن أركون الحرب على القرآن منذ أكثر من نصف قرن؟ هذا سؤال يحتاج فعلاً إلى إجابة، وفي تقديري الشخصي أن هناك ثلاثة عوامل صاغت، أو وجّهت على الأقل، بوصلة اعتقادات أركون إلى هذا الاتجاه، وهي: (الطفولة الكنسية، والتشرب الاستشراقي، والعقدة العرقية) وسنحاول إلقاء الضوء على هذه العوامل الثلاث في المحاور القادمة.

 

-مفعول الطفولة الكنسية:

في عام 1868 م أنشأ الكاردينال الكاثوليكي “لافيجري” جمعية علنية في الجزائر عُرِفت باسم الآباء البيض (White Fathers) ، وسبب تسميتهم بهذا الإسم أنهم قرروا أن يلبسوا أردية بيضاء بهدف التناغم مع البيئة الاجتماعية، فأُطلِق عليهم هذا الاسم، ولهم صور فوتوغرافية مبكرة نشروها في كتبهم التي كتبوها عن هذه الحركة يظهرون فيها بهذه الأردية البيضاء.

 

وقد كتب عن هذه الجمعية بغزارة كلا الطرفين، أعني مؤرخي الجزائر ومؤرخي الكنيسة على حد سواء، وممن كتب عنها مؤرخ الجزائر الأشهر ابوالقاسم سعد الله صاحب الموسوعات في تاريخ الجزائر (تاريخ الجزائر الثقافي عشر مجلدات، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر خمس مجلدات، وغيرها) ، وكُتِب عن تاريخ لافيجري منشئ الجمعية كتب خاصة مثل دراسة الأستاذ سعيدي مزيان، وهي رسالة ماجستير بعنوان (النشاط التنصيري للكاردينال لافيجري في الجزائر).

 

وكان الآباء البيض –كما جاء في تاريخهم- يستهدفون مناطق البربر (منطقة القبائل) بعناية أكثر، وفي مدينة وهران (شمال غرب الجزائر) أنشأ الآباء البيض مدارس لتحقيق أغراضهم ضمن أنشطة أخرى.

 

والحقيقة أن الكتابات عن نشأة أركون وطفولته محدودة، ولكن الباحثة د.أورسولا قامت بإعداد رسالتها للدكتوراة عن أركون في جامعة هامبورج في ألمانيا، ثم طرحت خلاصة لهذه الدراسة باللغة الانجليزية ضمن كتاب يرصد النشاط العلماني في الأوساط السنية، بعنوان:

(Modern Muslim intellectuals and the Quran ).

 

عرضت الدكتورة أورسولا فصلاً استعرضت فيه السيرة الذاتية لأركون، وتبرز أهمية هذه السيرة من جهتين: أن أركون هو أحد مدراء المعهد الذي رعى الدراسة، وأن الباحثة أخذت من أركون مباشرة عبر حوارات ومراسلات كما ذكرت ذلك.

 

في هذه السيرة الهامة (p.127) يذكر أركون بأنه من (البربر)، وأنه ولد في عام 1928م في قرية (تاوريرت ميمون) ونشأ في عائلة فقيرة، وكان والده يملك متجراً صغيراً في قرية اسمها (عين الأربعاء) شرق وهران، فاضطر ابنه محمد أن ينتقل مع أبيه، ويحكي أركون عن نفسه بأن هذه القرية التي انتقل إليها كانت قرية غنية بالمستوطنين الفرنسيين وأنه عاش فيها “صدمة ثقافية”، ولما انتقل إلى هناك درس في مدرسة “الآباء البيض” التبشيرية، والأهم من ذلك كله أن أركون شرح مشاعره تجاه تللك المدرسة حيث يرى أنه (عند المقارنة بين تلك الدروس المحفزة في مدرسة الآباء البيض مع الجامعة، فإن الجامعة تبدو كصحراء فكرية) [p.128].

 

وقد لفت أركون انتباه المبشرين، وظهرت محطة أخرى من الرعاية الكنسية، وهي دور المستشرق/المبشّر لويس ماسينيون، فبعد محطة (الآباء البيض) جاءت محطة (المبشر ماسينيون)، وماسينيون ليس مستشرقاً علمانياً ككثير من المستشرقين، بل الحقيقة أن أكثر مشاهير المستشرقين علمانيين، لكن ماسينيون لم يكن كذلك أبداً، بل كان مجاهراً بكاثوليكيته والدعوة إليها وقيادة مؤسسات تبشيرية بكل وضوح، وكان من أهم الأفكار التي يروجها ماسينيون، واشتهر بذلك، هو إمكانية تأصيل المسيحية من داخل الإسلام ذاته، أي الاستدلال على عقائد المسيحية بالقرآن، ولذلك كان الراحل ادوارد سعيد، برغم أنه معجب بموسوعية ماسينيون، إلا أنه تحدث عن “تدينه العميق” ثم قال عنه:

(ماسينيون يؤمن بإمكان اختراق عالم الإسلام، لا من طريق الدراسة العلمية فحسب، بل بتكريس النفس لجميع أنشطة ذلك العالم، ولم يكن أقلها أهمية عالم المسيحية الشرقية داخل عالم الإسلام، وكان ماسينيون يشجع بحرارة إحدى جماعاتها الفرعية، وهي جمعية البدلية الخيرية الكاثوليكية) [الاستشراق، إدوارد سعيد، ص 411، ترجمة عناني].

 

ولما رأى ماسينيون الحلاج صوفياً تأملياً انتهت حياته بالصلب، استولى عليه نموذج الحلاج باعتباره شبيها بما يعتقده في المسيح، وهو أنه ضحى بنفسه للصلب، فكرس سنوات كثيرة لجمع المادة عنه، وأخرجها في كتاب موسوعي ترجم إلى اللغة العربية (شرح مراحل تأليف الكتاب ع.بدوي في موسوعته)، وكان ماسينيون يرى أن الحلاج هو أعظم إنسان في الإسلام، وأنه استطاع أن يتفوق على النبي محمد الذي لم يقبل الصلب، يشرح إدوارد سعيد دلالات هذه الفكرة لدى ماسينيون قائلاً:

(كان ماسينيون يرى أن الشخص المثالي هو الحلاج، الذي حاول تحرير ذاته بسعيه ووصوله آخر الأمر إلى الصلب، وإن محمداً رفض عمداً الفرصة التي أتيحت له بسد الفجوة التي تفصله عن الله، ومن ثم فإن إنجاز الحلاج يتمثل في تمكنه من تحقيق الوحدة الصوفية مع الإله) [الاستشراق، إدوارد سعيد، 413، ت عناني].

 

وأما المنصب السياسي الذي كان يعمل فيه ماسينيون فهو مستشار الادارة الفرنسية الاستعمارية للشؤون الاسلامية، ويبدأ الدور الذي لعبه ماسينيون في كون ماسينيون هو الذي تدخل شخصياً لكي ينتقل أركون إلى السوربون، ودرس هناك على ماسينيون وغيره، ولما أعلنت وفاة أركون كان من أطرف ما في الأمر أن الذي أعلن الوفاة لوسائل الإعلام هو الأب المسيحي كريستيان ديلورم، وهو الذي شرح حيثيات وصية أركون بأن يدفن في المغرب، وليس في الجزائر، ووصفته وسائل الإعلام بأن الأب ديلورم مقرّب من أركون، وكان مما قاله ديلورم (أن أركون درس في السوربون بتدخل من الدكتور ماسينيون)، وهذا كان ظاهراً في إعلانات وفاته في وسائل الإعلام في الأسبوع الماضي.

 

ثم لما درس لدى ماسينيون في باريس ظهرت آثار أفكار ماسينيون على أركون، مثل مركزية مفهوم الديانات الابراهيمية، وانتقاص اللغة العربية، والكتابة عن الحركات السرية، فكل هذه المشاغل التي عمل عليها ماسينيون رددها أركون لاحقاً.

 

حسناً .. حين نضع هذا الاهتمام الذي كثفه ماسينيون تجاه أركون في كفة، حيث تدخل ليدرس أركون في السوربون، ونقارن في الكفة الأخرى الاضطهاد الذي كثفه ماسينيون ضد مالك بن نبي بسبب توجهاته الإسلامية، فإن الصورة ستكون أكثر وضوحاً.

 

وقد روى مالك بن نبي قصة الضغوط والعراقيل والملاحقات التي نفذها ماسينيون ضده بشكل مختصر في كتابه القديم (مذكرات شاهد للقرن) وشرحها باستفاضة في كتابه الصادر أخيراً بعد موته (العفن) وهو جزء من سيرته الذاتية.

 

بدأ اضطهاد ماسينيون لمالك بن نبي بعد أن ألقى مالك بن نبي محاضرة في باريس على الطلبة الجزائريين والعرب بعنوان (لماذا نحن مسلمون؟) عام 1931هـ، وبعد ثلاثة أيام وصل إلى مالك رجل أمن، عرفه بهويته، وقال له: من الذي ينفق عليك؟ فقال له مالك: والدي. ثم انصرف رجل الأمن مباشرة.

 

ثم تلقى مالك استدعاء من ماسينيون، فاستغرب مالك بن نبي من صيغة الدعوة من كونها غير مباشرة وفيها فوقية، فلم يأبه لها. وبعد زمن قصير وصل إلى مالك خبر من أبيه في الجزائر يخبره فيه أنه يعاني من مضايقات في عمله ويحتاج تدخل ماسينيون لإصلاح وضعه، وانتهت هذه المضايقات بخروج أبيه من وظيفته وضياع حقوقه وهو في الثمانين من العمر.

 

يقول مالك بن نبي بمرارة عن حادثة رجل الأمن:

(لم أضع في ذهني أي صلة بين هذا الحادث التافه ومحاضرتي أمام الطلبة، وخصوصاً بينه وبين مركز أبي الموظف الصغير بالجزائر…، فتحطمت السمكة الصغيرة رخوة لينة بفتور على شفتي ماسينيون) [مذكرات شاهد للقرن، مالك بن نبي، 237-242 ].

 

دعنا نتوقف هاهنا لنتأمل الاستنتاجات المتوقعة، هذه الرعاية الكنسية لأركون منذ محطة الآباء البيض، ومروراً بمحطة ماسينيون، وخصوصاً دعم ماسينيون لأركون وحربه على مالك بن نبي، وانتهاءً بعلاقات أركون العميقة مع رجال الدين النصارى في باريس.

 

ماذا يمكن أن نستنتج من هذه المعطيات؟ أعتقد أن القول بأن أركون لديه ميول تنصيرية هو أطروحة في غاية السطحية، خصوصاً لمن طالع كتابات أركون وما فيها من العلمانية الجذرية التي تستخف بالأديان كلها.

 

إذن ليس هذا هو أثر هذه النشأة والدعم النصراني، وإنما مفعولها يقع في مستوى آخر، وهو أن هذه النشأة والدعم الكنسي منذ طفولته المبكرة وحتى إجراءات دراسته في فرنسا كان لها أثر جوهري في (تقويض الحواجز الإيمانية بين أركون والقرآن)، وهذا من أهم العوامل التي تفسر اندفاعه في التنديد بالقرآن والسخرية بمحتواه وأسلوبه، فالإخاء المبكر مع هؤلاء المنصرين وشكوكهم المستمرة في نسبة القرآن إلى الله، وأن النبي –صلى الله عليه وسلم- أخذه من التوراة والانجيل، وأن القرآن هو مصدر العنف؛ هذه الأفكار النصرانية كلها امتصها أركون وكررها في كتاباته، وإن كان في صيغة علماني لا نصراني.

 

-إعادة إنتاج الاستشراق:

تشرّب أركون كتابات المستشرقين، ثم أعاد إنتاجها في صيغ مختلفة، والجميل في الأمر أن أركون لا يخفي أبداً مديونيته الباهضة للمستشرقين، بل يجاهر بأنه لم يفهم القرآن إلا من دراسات نولدكة وطبقته، كما يقول أركون مثلاً:

((تقدم الدراسات القرآنية قد تم بفضل التبحر الأكاديمي الاستشراقي منذ القرن التاسع عشر) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 70].

 

ويؤكد دوماً الدعوة إلى تبني نتائج المستشرقين في نقد القرآن وشكرهم عليها، كما يقول أركون في لغة هتافية:

(لنكن متواضعين في ذات الوقت ولنعترف بمكتسبات العلم الاستشراقي وانجازاته، ولذا فإني أحيي بكل اعتراف بالجميل جهود ومكتسبات رواد الاستشراق) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 32].

 

وحاول أركون أن يعرض قائمة بأسماء الدراسات التي طورت الدراسات القرآنية (يعني بالتطوير محاولة إثبات أن نص القرآن محرف، أو أن الموجود منه أخذه النبي محمد من التوراة والانجيل، الخ) ولكن حين عرض هذه الأسماء التي تزيد على اسم عشرين باحثاً، تفطن إلى أن كل الأسماء المذكورة هم باحثون مستشرقون! ويبدوا أنه شعر بالحرج، ولذلك وبعد عدة صفحات رجع وقال:

(كنت قد ذكرت آنفاً لائحة بأسماء الباحثين الرواد، الذين ساهموا في الدراسات القرآنية بشكل علمي، وأدوا إلى تقدمها، وإلى تقدم معرفتنا العلمية بالقرآن، وربما كان القارئ قد لاحظ أني لم أذكر إلا أسماء مستشرقين، وعدم ذكري لأي مفكر مسلم يكفي لإلغاء دراستي هذه، أو الحط من قيمتها في نظر المؤمنين الأرثوذكسيين) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 39].

 

ولا يتوقف الأمر عند القرآن بل حتى العقيدة الإسلامية (التي يسميها التيولوجيا) يرى أنها تحتاج لإعادة نظر بعد أن درسها المستشرقون، كما يقول أركون:

(فيما يخص الإسلام، فإننا نجد أن أعمال هنري لاوست وهنري كوربان؛ تكفي للإقناع بالحاجة الملحة إلى افتتاح تفكير تيولوجي آخر ومختلف قائم على أسس جديدة كلياً) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 121].

والتيولوجيا في نظر أركون هي كما يقول (علم أصول الدين يطابق ما نسميه اليوم بالتيولوجيا)[الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 171].

وهكذا فإن أصول الدين تحتاج عند أركون لإعادة قراءة بعد أبحاث المستشرقَين لاوست وكوربان.

 

حسناً .. لماذا يرفض المسلمون دراسات المستشرقين التشكيكية حول القرآن؟ هذا سؤال أرّق اركون، وطرحه في أكثر من موضع من كتاباته، وهو يرى أن المسلمين يرفضون هذه الدراسات الاستشراقية لأنها لا تدعم الأساطير التي يؤمنون بها! كما يقول أركون:

(من هنا نفهم السر في رفض المسلمين، بالأمس واليوم، للعلم الاستشراقي المطبّق على دراسة الحديث والسيرة والقرآن، فهذا العلم يحط من قدر المعرفة الأسطورية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 175].

 

ويتحدث أركون بلغة حزينة مأتمية شفقةً على المسلمين لماذا يرفضون دراسات المستشرقين التي تشكك في القرآن، كتب أركون في هذه الشأن مقطوعات رثاء مبكية فعلاً، يرثي فيها لحالة المسلمين في يقينهم بالقرآن، ورفضهم تشكيكات المستشرقين، يقول أركون:

(حتّامَ يستطيع المسلمون أن يستمروا في تجاهل الأبحاث الأكثر خصوبةً وتجديداً؟ قصدت بالطبع أبحاث العلماء الغربيين الذين يدعونهم بالمستشرقين، أقول ذلك وأنا أفكر بأبحاث نولدكة، وجوزيف شاخت، وجوينبول عن الحديث النبوي، وغيرهم كثير، كلهم متجاهلون تماماً من قبل المسلمين، أو يُهاجمون من قبل الفكر الإسلامي دون تمييز. حتّامَ يُهملون، أو يُمررون تحت ستار من الصمت، أو يحذفون كلياً من الساحة الثقافية العربية أو الإسلامية؟ هل يمكن أن يستمر هذا الوضع إلى أبد الآبدين؟ ولمصلحة من؟) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 54]

 

بعد هذه المقطوعة البكائية لأركون، وهذا اللطم والتفجع على عدم قبول المسلمين لتشكيكات المستشرقين في القرآن والسنة؛ من المهم التنويه إلى أن أركون برغم أنه يتظاهر أحياناً بنقد (الاستشراق الفيلولوجي) في مقابل الانتصار لما يسميه (الاسلاميات التطبيقية) أي تطبيق كامل العلوم الإنسانية، لا الاقتصار فقط على المنهج الألسني الفيلولوجي كما اعتاد على ذلك الاستشراق التقليدي؛ إلا أنه ومع ذلك كله فهو لا يعتبر الاستشراق التقليدي تجاوز في نقد الاسلام، بل يعتبره قصر في النقد فقط!

 

لنأخذ أمثلة على ذلك: تجد خطاً جديداً من “بعض” المستشرقين الجدد يسعون لأن يكونوا منصفين مع الإسلام، ويتجاوزوا خطأ الاستشراق التقليدي، فتراهم يثنون على بعض جوانب الإسلام، كثنائهم على عظمة القرآن وأخلاقياته، وهذا الأمر يؤلم أركون، فهو لا يريد أي إنصاف للإسلام والقرآن، يريد المستشرقين أن يمارسوا نقداً جذرياً، تأمل معي كيف يلوم أركون هذه الظاهرة الجديدة، ويعاتبهم لارتكابهم جريمة إنصاف، كما يقول:

(نسجل هنا ظهور كتب عديدة في المكتبات الفرنسية والانكليزية وغيرها، مكرسة للاسلام التقليدي والثوري، إنها مؤلفات مجامِلة وتبجيلية، وهي تؤخر من مجئ لحظة التجديد للفكر الإسلامي) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 110].

 

وتجد “بعض” المستشرقين، وخصوصاً المتأخرين منهم، يحاول أن يكون محايداً في قضايا شرعية معينة، فينقل فيها أقوال علماء الإسلام دون أن يتدخل ليبدي رأياً شرعياً، باعتباره مجرد قائ من الخارج، هذا الأمر يزعج أركون جداً، فهو يحرض المستشرقين على أن لا ينقلوا آراء علماء الإسلام، ويطلب منهم التدخل وإنتاج عقيدة وفقه شرعيين، يقول أركون عن هذا الاتجاه:

(فيما يخص المستشرقين فقد لاحظنا ميلهم إلى مجرد نقل ما يقوله المسلمون عن الإسلام، من اللغة العربية إلى اللغات الأوروبية، بشكل موضوعي، ولكنهم لا ينخرطون في المراجعات والتجديدات المنهجية والابستمولوجية التي أصبحت ضرورية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 110].

 

من المزعج لأركون جداً أن يقترف المستشرق جناية الموضوعية مع الإسلام!

 

وهذا ليس خاصاً بالمستشرقين، بل أي مفكر غربي يكتب كلاماً فيه بعض الإنصاف للإسلام والقرآن يهاجمه أركون مباشرة، كما يقول مثلاً:

(نلاحظ اليوم ظهور تيار آيديولوجي في الغرب، يدّعي الانتماء إلى المراسيم الجامعية، والتمسك بالقيم الأكاديمية في البحث، ولكنه ينشر ويعمم في اللغات الأجنبية شعارات الخطاب الإسلامي المعاصر، وكلامه الردئ المبتذل. أفكر هنا بالمؤلفات التبجيلية التي كتبها معتنقون جدد للإسلام كروجيه غارودي مثلاً) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، ص14، وحاشية ص 43].

 

على أية حال .. فالمراد أن ما يصنعه أركون من نقد في بعض الأحيان للاستشراق، وخصوصاً الاستشراق التقليدي، ليس في جوهره تراجعاً عن التطاول الاستشراقي على القرآن، بل هو رغبة في زيادة التطاول، فهو مزايدة من أركون على المستشرقين، باتجاه المزيد من التهجم على القرآن، والتشكيك فيه.

 

ومن هذه الكتب الاستشراقية الحاقدة يبني أركون تصوراته، ولا يرى أي غضاضة في الإشادة والتنويه بها، بل يزايد عليها ويطلب منها المزيد والمزيد من التهجم.

 

أعتقد أن السؤال الموضوعي هاهنا: وما الإشكال في هذه الدراسات الاستشراقية التي ينوه بها أركون؟

الحقيقة أن هذا سؤال موضوعي يستحق الجواب عنه، لكن يستحيل قطعاً في هذه الورقة المختصرة عرض كل الشواهد على لا علمية هذا الطابور الطويل من المستشرقين الذي يجرجره أركون معه في كتبه، وأن دراساتهم مبنية على الشكوك المحضة والتلفيق والخلط، ومتأثرة بالمحضن الاستعماري والتبشيري الذي يمولها.

 

ولكن من الممكن أن نعرض نماذج مختصرة على ذلك، فلنأخذ أشهر رمز يؤكد أركون أنه لم يفهم القرآن فهماً علمياً إلا بعد قراءة كتابه، وهو تيودور نولدكة (Theodor Noldeke) المتوفي عام 1930م، والذي دشن موسوعة (تاريخ القرآن) والذي أصله رسالته للدكتوراة التي أنجزها عام (1858م ) وقد اهتم بهذا العمل وواصل تطويره شفالي وفيشر وبرجشتر، ومن بعدهم بلاشير، وغيرهم كثير.

 

سنأخذ عينات من هذا الكتاب المؤثر على عقول أجيال المستشرقين الغربيين، ومعيدي إنتاج الاستشراق من العرب، حيث يعتبرون هذا الكتاب أرقى دراسة استشراقية حول القرآن، خذ مثلاً نماذج من الكتاب حتى تعرف مدى الجدية العلمية:

(في حين أن سورة الفاتحة تظهِر قرباً كبيراً من الصلوات اليهودية والمسيحية، فإن لسورتي القسم –الفلق والناس- خلفية وثنية واضحة، إن الذي وضع هذه الصلوات في مكانها الحالي في القرآن أراد لها أن تكون نوعاً من جدار حماية له) [تاريخ القرآن، نولدكة، 274]

يشكك نولدكة في صحة كون الفاتحة والفلق والناس من القرآن، ويرى أن الفاتحة  مأخوذة من اليهود والنصارى، والفلق والناس مأخوذتان من الوثنية العربية.

 

ويقول نولدكة عن آية الرجم التي نسخ لفظها وبقي حكمها:

(لا يمكن أن تكون هذه الآية المسماة آية الرجم من القرآن لأن هذه القوانين الجزائية الرهيبة لم تظهر إلا بعد موت محمد) [تاريخ القرآن، نولدكة، 276].

يفترض أن رجم الزاني المحصن عقوبة تم اختراعها بعد وفاة النبي –صلى الله عليه وسلم- ولذلك لا يمكن تكون آية الرجم آية منسوخة لفظاً من القرآن.

 

ومن المسائل التي أظهر نولدكة عناية بتفسيرها هي: ما سر اختيار ابوبكر لزيد بن ثابت ليجمع القرآن؟ ويفترض نولدكه من جملة خيالاته أن ذلك بسبب أن زيد بن ثابت شاب صغير وسيكون ابوبكر قادراً على تطويعه بخلاف الموظفين كبار السن، يقول نولدكة:

(أما عن شباب زيد بن ثابت فثمة تفهم عند الدارسين لهذا الموضوع، إذا ينتظر المرء من شاب مطاوعة أكبر لأوامر الخليفة، من موظف كبير في السن وعنيد) [تاريخ القرآن، نولدكة، 251].

 

وضمن محاولة نولدكة للتشكيك في جمع القرآن في عهد أبي بكر افترض نولدكة قصة خيالية للوصول لذلك، وهي أن قصة جمع أبي بكر للقرآن قصة تمت صناعتها وفبركتها في سياق الصراع مع عثمان بن عفان، لتجريده من منقبة السبق! يقول نولدكة:

(بعد أن اضطر المؤمنون إلى التكيف مع الحقيقة المرة، وهي أن عثمان بن عفان، الحاكم العاجز وغير المحبوب، قد أصبح الأب الروحي للنسخة الرسمية للقرآن، أرادوا، على الأقل، منطلق المساواة، أن ينسبوا لسلفه، الذي يفوقه أهمية بمقدار كبير، جزءاً مما سبق من عمل على هذه النسخة) [تاريخ القرآن، نولدكة، 255].

 

هكذا يلاحظ القارئ أن البحث العلمي صار رخيصاً جداً، مجرد فرضيات وخيالات وشكوك وتوجسات، دون أية براهين أو معطيات حقيقية، ويعاملون الرواية المنخولة في البخاري التي تجالد في تمحيصها فحول المحدثين، بنفس الموثوقية التي يعاملون بها رواية نسجها الأصفهاني في كتاب الأغاني ذات مساء عليل، ويضيفون لذلك ما يتيسر من توهمات؛ ويسمون هذه العشوائية  تطوراً في البحث العلمي!

 

هذا الكتاب ذي النزعة الروائية التخيلية، أعني كتاب نولدكة عن تاريخ القرآن، هو الذي يقول عنه أركون بأنه زوده بـ”الفهم العلمي” للقرآن، ويتحسر بأن الجهود توقفت عن مواصلة مسار نولدكة!

 

على أية حال .. ماسبق كان عرضاً موجزاً لكيفية تشرب أركون للخطاب الاستشراقي في أسوأ صوره، وكيف أصبح يعيد إنتاج هذا الخطاب الاستشراقي في شكوكه التقليدية بصحة القرآن في نسبته إلى الله، وصحة نقل الصحابة له.

 

-العقدة العرقية:

يشكل (البربر) في الجزائر أحد أعمدة الإسلام الذين نصروه واعتزوا به، وكان منهم فقهاء تضلعوا في العربية والعلوم الشرعية، وواسطة العقد في هؤلاء فقيه الإصلاح الشيخ عبدالحميد بن باديس، وكان البربر –أيضاً- من أول من رفع راية الجهاد في سبيل الله ضد الاستعمار الفرنسي ومن أشهرها ثورة المقراني، ولهم فضائل ومناقب كثيرة لا يجحدها إلا مكابر.

 

ولكن كان هناك في الجزائر “بعض” الصراعات العرقية النابعة من شُعب الجاهلية والتي شجعها الاستعمار الفرنسي بكثافة لاستغلالها في بسط هيمنته، ونشأ في ثنايا هذه الظروف اتجاه علماني بربري حاقد لديه عقدة عرقية ضد الإسلام واللغة العربية باعتبارها دين ولغة العرب.

 

والحقيقة أن قراءة سلوكيات أركون تجاه القرآن واللغة العربية، ومشاعره التي نقلها عن نشأته؛ توحي بأنه كان يعاني من هذه العقدة العرقية ضد الإسلام واللغة العربية، يحكي أركون عن نفسه أنه (عندما انتقل إلى قرية عين الأربعاء واجه لأول مرة التهميش والازدراء لكونه ليس من الناطقين بالعربية ولا من الناطقين بالفرنسية، وكان عليه أن يعالج هذا الصراع الداخلي لهذا التمييز، سواءً كان هذا الرفض بسبب النظام الاستعماري، أو بسبب صراع المكانة الاجتماعية المختلفة بين الجزائريين العرب والجزائريين البربر).

[U. Gunther, Mohammed Arkoun, p.127]

 

ولذلك تجد كثيراً لدى أركون لمز اللغة العربية بسبب ارتباطها بالمفاهيم العقدية القرآنية، ويرى أنها مفاهيم ثقيلة تقيدها، في مقابل تفخيم شأن الفرنسية وحيويتها، يقول مثلاً:

(سوف يشيعون في الوقت ذاته العقبات المعرفية المتعلقة بالإرث اللاهوتي الثقيل للغة التي اختارها الله في القرآن، كانت هذه المحاجة قد ضغطت دائماً بشكل إيجابي لصالح التصور الذي يمتلكه العرب-المسلمون عن الدين واللغة) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 41]

 

وقد شرح مالك بن نبي –رحمه الله- شيئاً من ظروف ومعطيات تلك المرحلة، وكيف كانت المؤسسة الاستعمارية الفرنسية تغذي المشاعر العرقية لدى البربر ضد الإسلام، لصناعة ذراع بربري يخدم أغراضها الاستعمارية، يقول مالك بن نبي:

(بدأت باريس تعد عدتها لاستقبال زوار معرض المستعمرات، افتتح المعرض بعد أسابيع، وكان الزائر الذي يدخل من الباب الرئيسي يشاهد على يساره جناحاً لـ”الآباء البيض”، تعرض فيه نسخ العهد القديم والجديد، ويوزع فيه كتاب بعنوان “الرسائل الجزائرية” يتناول صاحبه المحامي الجزائري التقاليد الاسلامية بنقد فيه التشويه والتشنيع، كأنما أراد به الزلفى لدى الآباء البيض، وكان الأمر الأهم في المعرض بالنسبة للزوار الجزائريين كان بلا ريب كتاب “الرسائل الجزائرية” لأنه يندرج في تلك الملابسات التي كانت فيها الإدارة الاستعمارية تهئ “الظهير البربري” كخطوة أولى لتنصير مراكش) [مذكرات شاهد للقرن، مالك بن نبي، 228-232، مختصراً].

 

وهذه العقدة العرقية التي كان يعانيها أركون ضد العرب ولغة العرب ودين العرب؛ ربما تكون هي التي دفعته بشدة إلى تبني الهوية الفرنسية (هوية الغالب) للانتقام من الهوية العربية (هوية المغلوب)، وتشرب أركون للهوية الفرنسية بكل مكوناتها وأحاسيسها عملية غريبة فعلاً، وهي تستحق دراسة نفسانية، حتى أن أركون يتمثل نفس مشاعر الغرور الفرنسية في مواجهة بقية الهويات الغربية، ففي أحد كتبه التي ترجمت من الفرنسية إلى الانجليزية يمارس فيها ذات الاستعلاء الفرنسي التقليدي على القارئ الانجلوساكسوني، حيث يقول فيها مخاطباً الناطقين بالانجليزية:

(القراء باللغة بالانجليزية قد يكون يكونون أقل ألفة لهذه المفاهيم من القراء باللغة الفرنسية، وهذا عائد لكون الطلاب في المدارس الفرنسية يدرسون شيئاً من الفلسفة في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية).

[M. Arkoun, The Unthought in Contemporary Islamic Thought, 2002, pp. 15-16]

 

حتى أمريكا وبريطانيا واستراليا وكندا الخ لم تسلم من مزايدة أركون على الفلسفة الفرنسية، والنمط الفرنسي في المعرفة والفكر والتعليم!

 

ولكن العبودية تظل عبودية، والرق يظل رقاً، فحين نستعيد التاريخ ونتذكر أنه في الوقت الذي طُرِدت فرنسا وانتهى استعمارها للجزائر عام 1962م لم يكن أركون حينذاك صغيراً، بل كان عمره آنذاك  34 سنة، أي أنه عاش ثلث قرن تحت إهانة الاستعمار الفرنسي لهويته الجزائرية، ومع ذلك يتشرب هوية المستعمر بطريقة في غاية الغرابة.

 

كيف يبلغ الوضع بالمرء أن يحتضن في قلبه سيف من استعمره؟ لا أشك أن أركون كان مصاباً بمتلازمة استوكهولم ( Stockholm Syndrome)، ولذلك حين انتقده بعض الفرنسيين لمقالته عن قضية سلمان رشدي عام 1989م؛ طاش لبه وأصابته نوبة غضب غريبة، لماذا؟ لأنه يستنكر كيف يطعنون في ولائه للفرنسيين؟ وقد شرح ذلك مطولاً في كتابه (الإسلام، أوروبا، الغرب) وقد قال فيه كلاماً ذا دلالات عميقة على عمق مشاعر العبودية والرق التي يعيشها أركون في علاقته مع الفرنسيين، حيث يقول:

(في الوقت الذي دعوا إلى نبذي وعدم التسامح معي، راحوا يدعون للتسامح مع سلمان رشدي، وهذا موقف نفساني شبه مرضي، أو ردّ فعل عنيف تقفه الثقافة الفرنسية في كل مرة تجد نفسها في مواجهة أحد الأصوات المنحرفة لبعض أبناء مستعمراتها السابقة، لقد عشت لمدة شهور طويلة بعد تلك الحادثة حالة المنبوذ، يمكن للفرنسي الأصلي أن ينتقد أشياء كثيرة دون أن يحاسبه أحد، لكن الفرنسي ذا الأصل الأجنبي مُطالَب دائماً بتقديم أمارات الولاء والطاعة والعرفان الجميل) [الاسلام أوروبا الغرب، أركون، 105]

 

على أية حال .. هذه العوامل الثلاث –في تقديري الشخصي- هي من أهم العوامل التي صاغت تفكير أركون وحركته بهذا الاتجاه، وهي الطفولة الكنسية، والتشرب الاستشراقي، والعقدة العرقية.

 

لننتقل الآن إلى محاولة فهم الدور الذي لعبه أركون في فرنسا بعد ذلك.

 

-مفكر أم سياسي؟ :

في أواسط عام 1426هـ تقريباً التقيت بمفكر فرنسي مشهور متعاطف مع الحركات الإسلامية ويتحدث العربية، وطوال اللقاء لم أسأله إلا سؤالاً واحداً: ما هو موقع أركون في الساحة الثقافية الفرنسية؟ فتحفظ في الجواب أولاً، ثم قال كلاماً معناه أن أركون يعرض خدماته على الحكومة لخدمة أهدافها الثقافية، هذا معنى كلامه ولا أتذكر عبارته بالضبط.

 

منذ قال لي هذا المفكر هذه العبارة، بدأت أتنبه لمعطيات كثيرة لم أكن أتنبه لها مسبقاً حول شخصية أركون والدور الذي يقوم به.فمثلاً:

 

 ما سبب الكثرة المفرطة للجان الحكومية الفرنسية التي يعمل فيها أركون؟ لماذا توظفه الحكومة بهذا الشكل؟ ومنها لجنة الحكماء العشرين التي وضعه شيراك فيها، والتي أقرت منع النقاب، ودافع هو عن هذا القرار الإجرامي في وسائل الإعلام.

ما سبب كون أركون يكثر في كتبه من القول بأن هذا مشروع ضخم، ولكنه يحتاج إلى باحثين ومؤسسات، وسيكون له دور كبير في علمنة المسلمين، الخ هذه الرسالة التي توحي بطلب التمويل يوجهها لمن؟

 

ماسبب كون أركون يدخل بنفسه على المسؤولين الفرنسيين الكبار يطالب بإقامة مؤسسات بحثية لمشروعاته كما يقول عن نفسه (طلبت لقاء “ميتران” في قصر الاليزيه لكي أشرح له ضرورة تأسيس معهد كبير للدراسات الإسلامية في فرنسا على غرار المعهد الكاثوليكي أو المعهد البروتستانتي) [صحيفة الراية القطرية، 21فبراير2010 ]

 

ما سر هذا النفوذ لأركون في المؤسسات الأكاديمية الفرنسية حتى أنه يملك الترشيحات للمفكرين العرب الذين ينسجمون مع توجهاته؟

 

يذكر بعض المراقبين أنه لما انتشر في المغرب علاقة أركون بالتمويلات الفرنسية نشط كثير من المرتزقة في الثناء على أركون ومحاولة الارتباط به، وقد نقل هذه الظاهرة المخزية المفكر الإسلامي المغاربي محمد بريش، فحين بدأ يلمع نجم أركون مطلع الثمانينات لفت ذلك نظر الدكتور بريش، فبدأ برصد كتاباته باللغة الفرنسية وحضر دروسه بل وذهب لبعض أقاربه وسألهم عنه، ثم أنجز دراسة بدأ بنشرها على شكل حلقات في مجلة الهدى، وعمر هذه الدراسة الآن أكثر من ربع قرن! يقول الدكتور بريش شارحاً ظروف بحثه:

 (هذه الورقات حررت سنة 1985 ميلادية، كانت الغاية منها الوقوف في وجه تيار يريد أن يحد من بلورة شعب الدراسات الإسلامية حديثة النشأة في الجامعات بالمغرب، والملاحظ من فجاءة نمو نشاط أركون على أصعدة متعددة، ولمعان إعلامي مصاحب له، أن الأستاذ قد امتطى الفرس المسرج له من منبر السربون لإنجاز بعض المهام هي في الأساس فكرية، لكنها بفضل ما حشد لها من وسائل وترويج أضحت إيديولوجية، وازداد الأمر لدي إلحاحا لما علمت أن عددا من الأساتذة يرغبون في تسجيل أطروحة الدكتوراه بإشراف الأستاذ الفاضل لمجرد الحظوة بمباركة الجهات التي تدعمه) [د.بريش، حاشية على بحث: دراسة فكر الدكتور أركون]

 

مفكر وباحث مشهور بحجم جورج طرابيشي يتحدث عن أركون بصيغة توحي بالنفوذ السياسي لأركون، كما يقول طرابيشي: (قُيّض لي إثر هجرتي إلى فرنسا عام 1984 أن ألتقيت أركون شخصياً وأن أحظى بموافقته لتقديم أطروحة دكتوراه إلى السوربون تحت إشرافه)[الحياة 16سبتمبر 2010]

 

وتزداد هذه الملاحظات السابقة تعزيزاً إذا استحضرنا الفارق الجوهري بين تعامل (السياسي الفرنسي) مع أركون، وتعامل (المثقف الفرنسي) مع أركون، فالسياسي الفرنسي شديد الاهتمام بأركون ويضعه في مناصب ولجان حكومية كثيرة، بينما المثقفون الفرنسيون لا يعيرونه اهتماماً، كما نراهم -مثلاً- شديدي الحفاوة بإدوارد سعيد، وقد روى أركون مرارته الشديد من إهمال المثقفين الفرنسيين لدراساته، واعتبارهم أن دراسات أركون ليس فيها إضافة، بل هي تكرار لما يقوله الفرنسيون أنفسهم، يقول أركون عن المثقفين الفرنسيين:

(يقولون لي –بشكل انتقادي ومعاكس- : ما الذي تفعله أنت؟ أنت تردد بشكل ناقص الأفكار والمواقع والانتقادات نفسها التي كنا نحن الغربيين قد بلورناها تجاه تراثنا الديني منذ زمن طويل، أنت لم تأت بشئ جديد، كل ما تفعله شئ تافه، مللنا منه، عفا عليه الزمن) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 23]

 

ويعبر أركون عن موقف المثقفين الفرنسيين وعدم احترامهم لبحوث أركون بصيغة أخرى فيقول:

(نلاحظ أن المثقفين الغربيين، أو قسماً كبيراً منهم، يحاولون جاهدين التقليل من أهمية مشروعي، بل واعتباره تحصيل حاصل) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 31].

 

بل وعبّر أركون عن ازدراء المثقفين الفرنسيين له بطريقة تستدر الرحمة بصراحة، حيث يقول:

(عندما قدمت هذا المشروع لأول مرة عام 1984 م لم أكن قد وصلت إلى هذا المستوى من المرارة والخيبة فيما يخص العلاقة مع الباحثين الغربيين) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 32].

 

حين نوازن بين عناية المؤسسة السياسية الفرنسية بأركون، في مقابل ازدراء المثقفين الفرنسيين لأركون واعتباره ليس لديه جديد ولا إضافة؛ فإن ذلك يطرح السؤال من جديد: هل أركون مفكر أم سياسي؟ هل هذا الحضور لأركون بسبب مؤهلات فكرية أم بسبب دور سياسي معين يقوم به؟

 

ومن تأمل هذه المعطيات السابقة ورأى التمجيد والتبجيل والتقديس الذي يريقه هاشم صالح على هوامش أركون، وكيف يصف بالعبقرية كلاماً عادياً جداً لأركون، وكيف يتظاهر هاشم صالح بالدهشة من كلام أركون العادي الذي يعرفه هاشم صالح قبل أن يقوله أركون أصلاً، وكيف وقف نفسه على ترجمة كتب أركون، برغم أن هاشم صالح قارئ جاد وليس بحاجة “فكرية” إلى هذا الدور التبعي الذي يقوم به وراء أركون؛ من تأمل ذلك كله فإنه سيتذكر حتماً عبارة الدكتور بريش، وأن هاشم صالح ليس جاداً أبداً في هذا الثناء، وإنما يبحث عن حظوة الجهات التي تدعم أركون لا أقل ولا أكثر.

 

ويتردد السؤال بصيغة أخرى: هل أركون “مثقف” أم مجرد “مدير ثقافي” تستعمله المؤسسة السياسية الفرنسية لترويج الآيديولوجية الفرنكفونية؟ ليس لدي جواب حاسم عن هذه الإشكالية، لكنها مجرد تساؤلات ومؤشرات تعزز ملاحظة ذلك المفكر الفرنسي.

 

أعتقد أننا أطلنا في استعراض الظروف التي شكلت أفكار أركون، والدور الذي يلعبه في الساحة الفرنسية، دعنا نعود إلى مناقشة بعض المكونات الفكرية لكتابات أركون.

 

-دعوى ابتكار (الإسلاميات التطبيقية) :

يكثر أركون من القول بأنه أول من نقد الاستشراق التقليدي بكونه لم يستفد من التطور في مناهج العلوم الإنسانية، وأن أركون لهذا الغرض سبك مفهوم (الإسلاميات التطبيقية) أي التي تطبِّق جميع مفاهيم العلوم الإنسانية، في مقابل (الاستشراق الكلاسيكي) الذي يستخدم مناهج تقليدية وخصوصاً الفيلولوجيا، أو المنهج الوصفي المحض فقط، ويُغرِق أركون في الثناء على نفسه بهذا الذي يراه منجزاً وسبقاً.

 

ويشير أركون كثيراً إلى الفرق بين الإسلاميات التطبيقية كما يقترحها، والاسلاميات الكلاسيكية كما يعمل عليها المستشرقون، كقول أركون مثلاً:

(من أجل أن نحدد مفهوم “الاسلاميات التطبيقية” فإنه من اللازم أن نذكر بالمساهمات التي قدمتها ماسنسميه “الاسلاميات الكلاسيكية” ) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 51].

 

ومن هذا التمدح الذي يكثر منه أركون قوله:

(دعوت إلى تجديد جذري لمنهجية الاستشراق الكلاسيكي، وإلى تطبيق أحدث مناهج العلوم الإنسانية على التراث العربي الإسلامي، ولكن لا سميع لمن تنادي، فزملائي المستشرقين لا يزالون مصرين على عدم الاكتراث) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 82].

 

حسناً .. عبارة (الإسلاميات التطبيقية) ،مصطلحاً ومضموناً، كلها مطروقة قبل أركون، ولم يأت بجديد، بل هوكلام مستهلك.

 

فأما عبارة (الإسلاميات التطبيقية) من حيث المصطلح، فهي كانت مجرد تطبيق مباشر لفكرة الفرنسي باستيد، وليس فيها أي ابتكار، فبعد أن أصدر الانثروبولجي الفرنسي باستيد كتابه الشهير (الانثروبولوجيا التطبيقية) عام 1971 كتب أركون بعده مقالة بعنوان (في الاسلاميات التطبيقية) عام1976.

 

يشير الدكتور واردينبيرج  -المتخصص في الإسلاميات- إلى ذلك، ويلمح إلى أن هذا المفهوم تحصيل حاصل، فيقول:

(أركون ربما سبك تعبير “الإسلاميات التطبيقية” بالقياس إلى تعبير “الانثروبولوجيا التطبيقية”، والتي كان الانثروبولوجي الفرنسي روجر باستيد أنتجها. بطريقةٍ ما، كل الاسلاميات، التي ليست أكاديمية نظرية، تشكل نوعاً من المعرفة “التطبيقية”، علاوةً على ذلك حتى المعرفة النظرية تلعب دوراً في المجتمع، وفي العلاقة بين الناس من مجتمعات مختلفة)

 [J. Waardenburg, Islam: historical, social, and political perspectives, p. 156   ]

 

 

ويقول الدكتور كريستين –محاضر الدراسات الإسلامية في كلية الملك في لندن- في بحثه عن الإسلام والتهجين الثقافي حين تعرض لأركون:

(برنامج “الإسلاميات التطبيقية” تم طرحه أولاً في عام 1973، ثم استفاض فيه أركون في مقالة بعنوان “لأجل إسلاميات تطبيقية” عام 1984. بينما كان هذا اللقب مأخوذاً من روجر باستيد “الانثروبولوجيا التطبيقية” عام 1973، فإن البرنامج التصوري يعتمد على الاستعارة من نطاق واسع من منجزات العلوم الإنسانية الغربية في القرن العشرين).

[C. Kersten, Islam, cultural hybridity and cosmopolitanism, JIGS]

 

وفي أول دراسة طرحها أركون في باريس عن مفهوم الإسلاميات التطبيقية؛ عقد فقرة بعنوان (مفهوم الإسلاميات التطبيقية) ابتدأها باقتباس مكون من أربعة أسطر من كتاب روجر باستيد (الانثروبولوجيا التطبيقية) مستنداً إليه في توضيح الفرق بين العلم والتطبيق، ثم قال أركون:

(لن نستعرض هنا كل التحليلات التي قدمها روجيه باستيد، لكننا ندعو القارئ بإلحاح إلى العودة إليها) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 54].

 

حسناً .. دعنا الآن من استعارة أركون للمصطلح من باستيد بشكل حرفي ومباشر، ولننظر في المحتوى والمضمون للفكرة، وهي نقد الاستشراق التقليدي بكونه متخلف عن ثورة العلوم الإنسانية، فهذه الفكرة –أيضاً- مطروقة قبل أركون، ففي الخمسينات والستينات كانت العلوم الإنسانية مزاج العصر، وكُتِب عن ذلك في شتى الاتجاهات.

 

وفي تقديري أن النقد الأهم هو ورقة عالم الاجتماع المصري (أنور عبدالملك) التي نشرها مطلع الستينات ونقد فيها الاستشراق التقليدي في جملة قضايا ومنها تخلف الاستشراق التقليدي عن تطور مناهج البحث العلمي في العلوم الإنسانية، وكان لهذه الورقة أصداءً حادة في الطرفين المؤيد والمعارض، وسماها بعض المراقبين الطلقة الأولى في نقد الاستشراق، والمؤرخون لنقد الاستشراق، وما يسمى (مدرسة النقد مابعد الكولونيالي) يشيرون دوماً إلى ورقة أنور عبدالملك باعتبارها افتتاحية هذا الاتجاه.

 

ففي شتاء عام 1963 نشر أنور عبدالملك أطروحته (الاستشراق في أزمة) في مجلة (ديوجين)، وهذه الورقة التاريخية تضمنت أربع قضايا أساسية: أثر المحضن الاستعماري لأبحاث الاستشراق، وخلل المستشرقين العلمي في طريقة جمع المعلومات والبيانات عن الشرق، وأن التحولات الدولية الجذرية (حركات التحرر، وظهور القوميات والدول الاشتراكية، الخ) تستوجب إعادة فهم الشرق من جديد، وقصور أدوات ومناهج الاستشراق عن تطور العلوم الإنسانية والاجتماعية.

 

ومما جاء في ورقة أنور عبد الملك قوله:

(أصبح المختصون –بل حتى عموم الناس- واعين فجأةً بالفجوة الزمنية، ليس بين علم الاستشراق والمادة المدروسة فقط، ولكن –أيضا-ً بين مفاهيم ومناهج وأدوات العمل في العلوم الانسانية والاجتماعية وتلك المستعملة في الاستشراق، الاستشراق التقليدي وجد نفسه غير متواكب مع تطور البحث العلمي، من أجل ذلك يجب التفكير في مجمل الإشكالية بصورة جديدة)

[A. Abdel-Malek, Orientalism in crisis, Diogenes, 1963, p.112]

 

وكان هذا هو روح تلك المرحلة أصلاً، حتى أنه في نفس الفترة التاريخية فإن مؤتمر المستشرقين غير اسمه من الاستشراق إلى العلوم الإنسانية، كما ينقل الباحث هوبينتي في بحثه عن ماضي وحاضر الاستشراق فيقول:

(في باريس في 1973 غير المؤتمر عنوانه من “المؤتمر الدولي للمستشرقين” إلى “المؤتمر الدولي للعلوم الإنسانية في آسيا وشمال أفريقيا” )

[T. Hubinette, Orientalism past and present]

 

لكن هناك طبعاً فارق جذري بين دعوة أنور عبد الملك المبكرة، ودعوة أركون اللاحقة، فأنور عبد الملك يرى أن ثورة العلوم الإنسانية والاجتماعية تفضح تجني الاستشراق على المسلمين، بينما أركون يرى أن ثورة العلوم الإنسانية تفتح المزيد للمستشرقين لإدانة المسلمين وتاريخهم وقرآنهم.

 

الوعي بتخلف مناهج المستشرقين عن ثورة الانثروبولوجيا أول من طرحه -فيما أعلم- هو الرائد أنور عبدالملك، ولكن شتان بين من يرى أن التطور العلمي يكشف تجني المستشرقين، وبين من يرى أن التطور العلمي يتيح المزيد من التجني للمستشرقين.

 

 

فلا أدري سر هذا التمدح الذي أصم أركون آذاننا به، طالما أن المصطلح والمضمون، كلاهما؛ مسبوقان، وبكثافة؟!

 

 

-إشكالية تطبيق العلوم الإنسانية على الوحي:

بغض النظر عن كون أركون مسبوق بنقد تخلف مناهج المستشرقين عن تطور العلوم الإنسانية، وبغض النظر عن كون أركون لم يقدم أي تطبيق حقيقي منظم لهذه الدعوة، بغض النظر عن ذلك كله؛ إلا أن هناك في هذه الدعوة الأركونية ثلاث إشكاليات قاتلة لم يستطع أركون ولا مشايعوه تقديم أي جواب مقنع حولها، وهي (الاستعمال الاستسلاحي، إهدار هامش التحيز، وتغييب خلافية المفاهيم) وسنستعرضها فيما يلي :

 

-الإشكالية الأولى: استعمال أركون لمفاهيم العلوم الإنسانية هو استعمال (استسلاحي) وليس استعمال (علمي) بتاتاً، أعني أنه لا يستخدم هذه المفاهيم العلمية للوصول لتفسير “علمي” لقضايا التراث، وإنما يستعملها كأسلحة وذخيرة للنكاية بما يسميه الإسلام السياسي، فالنتيجة موجودة مسبقاً، وإنما شعار العلوم الإنسانية هاهنا مجرد (استغلال) لوهج تطورها المعاصر.

 

أعني أن تحويل العلوم الإنسانية إلى أدوات قتالية ضد القرآن، هذا صنيع عقلية تبحث عن إحراز أهداف حركية/علمانية وليست تبحث عن العلم، ولذلك كان شحرور يدعي أنه يستخدم الرياضيات (نظرية المجموعات) ضد الخطاب الشرعي، وكان الماركسيون يدعون أنهم يستعملون الاقتصاد ضد الفكر الاسلامي، ونصر ابوزيد يدعي أنه يستخدم الهرمنيوطيقيا، وكل هذا دجل خالص وإنما هو استغلال علمانوي لأجزاء من بعض العلوم للتظاهر بالعلمية، وهكذا.

 

ونتيجةً لهذا التوظيف العلمانوي للعلوم الإنسانية تجد أركون يستبعد من العلوم الانسانية ما يتعارض مع آيديولوجيته العلمانية، كمثال على ذلك: أية أبحاث في علم النفس تثبت أثر الإيمان بالغيب على الاستقرار النفسي والتطور فإنه يتحاشاها، لأنه يبحث عن ما يدين هذه الغيبيات لا ما يعززها، وهكذا أي أبحاث إنسانية تثبت عظمة النص القرآني يستبعدها، لأنه يريد إدانة القرآن فقط.

 

الطريف في الأمر فعلاً أن أركون يعيب على الإسلاميين أصحاب مشروع (أسلمة المعرفة) الذي تبناه المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ويرى أن جهدهم هو (أدلجة للعلوم الإنسانية) لأنهم يستخدمونها في سبيل خدمة الفكر الإسلامي، بينما ما يقوم به أركون من أدلجة للعلوم الإنسانية واستعمالها في محاربة الفكر الإسلامي، فإنه يرى ذلك كله لا صلة له بالأدلجة!

 

وبسبب هذه العقلية القتالية المستعجلة فإن تصور أركون لمفاهيم العلوم الإنسانية، وتصويره لها؛ هو تصور تبسيطي ومختزل وتغلب عليه النزعة العدائية بسبب أنه قرأ هذه المفاهيم ليس بعقلية موضوعية تنشد العلم، وإنما قرأها تحت ضغط التفتيش عن أي سند لتهديم القرآن، وأي قارئ لكتاب موجز في اللسانيات أو الانثروبولوجيا أو القانون أو الاقتصاد ونحوها يدرك مباشرة حجم الاختزال والتسطيح الذي يمارسه أركون حول مفاهيم العلوم الإنسانية، وهوعرض فوضوي وفيه كثير من الخلط.

 

خذ مثالاً على تبسيطية وتسطيح مفاهيم العلوم الإنسانية لدى أركون، يقول:

(إن معارفنا التقليدية غير الدقيقة ينبغي تجاوزها كما ينصحنا بذلك غاستون باشلار)[تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 44].

سألتك بالله هل رأيت تسطيحاً أكثر من ذلك؟! تجاوز “المعرفة غير الدقيقة” هذه بدهية لدى كل المفكرين في كل الحضارات، وليست هذه فكرة لباشلار!

هذا لا يختلف عن شخص يقول لك: (الشيخ ابن باز يقول يجب أن نؤمن بالاسلام) ! الإيمان بالإسلام بدهية عند كل علماء المسلمين.

ثم ما هذه الصيغة التربوية في عرض فكرة باشلار “كما ينصحنا بذلك باشلار” ؟!

 

العلوم الانسانية المعاصرة علوم غزيرة وفيها تفاصيل هائلة متفاوتة، وهذا الاستعراض العشوائي السطحي لبعض مفاهيمها في كتابات أركون هو عرض ضار للمعرفة والعلمية، ويقوض الثقافة بشكل عام.

 

ولذلك حين قرأت مرةً قول الناقد علي حرب (صاحب الحواشي والهوامش على مشروعات الفكر العربي!) ورأيت كيف انخدع بتلخيصات أركون المختزلة تألمت كثيراً لتدهور ما يسمى الفكر العربي إلى هذا الدرك، يقول علي حرب:

(لا بد أن أعترف بأني ممن يتوفرون على قراءة أركون ومطالعة كتبه وتتبع نتاجه، وأنا أفيد منه فائدة مزدوجة، يتمثل وجهها الأول في اطلاعي من خلال قراءته على مالم يتح لي الاطلاع عليه من نتاجات الفكر الغربي المعاصر، ذلك بأن أركون يستعرض في مقالاته معظم الكشوفات الراهنة في علوم الإنسان) [نقد النص، علي حرب، 71].

 

يا حسرةً على من يسمون أنفسهم “المفكرين العرب”! صار يتلقى العلوم الإنسانية من تلخيصات أركون العشوائية والمليئة بالخلط والتشويه الآيديولوجي، ثم لا يجد في نفسه غضاضة أن يذم التقليد ويدعوا للاجتهاد ويشنع على طلاب العلوم الشرعية أنهم “عقول نقلية” !

 

-الإشكالية الثانية: أركون يتجاهل ويتهرب بشكل مستمر من المشكلة الجوهرية المطروحة حول (تحيز العلوم الإنسانية الغربية)، لا يستطيع القارئ الموضوعي أن يخفي رثاءه وهو يرى تعامل أركون مع مفاهيم العلوم الإنسانية باعتبارها أطعمة مسبقة الصنع جاهزة للتناول مباشرة.

 

ومشكلة التحيز في الانثروبولوجيا الغربية مشكلة عميقة استدعت الكثير من التأكيدكيدأ من كثير من المفكرين النابهين، تأمل فيما يقوله الراحل ادوارد سعيد منذ نهاية السبعينات عن حجم التسييس في العلوم الاجتماعية:

(بل إن العلوم السياسية وعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع في الدراسات الأكاديمية الحديثة هي علوم آيديولوجية، ومن هنا كان التسليم بأن دراساتهم دراسات “سياسية” ) [الاستشراق، ادوارد سعيد، ت عناني، 54].

 

ولذلك فإن الدكتور المسيري مطلع التسعينات قاد انتفاضة ثقافية (طبقاً لتعبير هويدي) للكشف التفصيلي عن جوانب التحيز في العلوم الإنسانية الغربية المعاصرة، وتمخض عن هذه الاجتماعات والمؤتمرات التي نفذوها في الرياض ثم القاهرة أن جمعوا خلاصة أبحاثهم في (سبعة مجلدات) كان عنوانها العام (إشكالية التحيز) وهي مطبوعة، وقد روى المسيري قصة تلك الاجتماعات ومن حضرها من المفكرين السعوديين بشكل خاص في بداية المشروع في كتابه (رحلتي الفكرية، ص456). ومما قاله المسيري في الخطاب الذي وجّه للمشاركين في المؤتمر:

 

(ثمة إحساس غامر لدى الكثير من العلماء العرب بأن المناهج التي يتم استخدامها في الوقت الحاضر في العلوم العربية والإنسانية ليست محايدة تماماً، لعله قد حان الوقت لكي يتم الإفصاح عن هذه الاجتهادات الفردية بشكل أكثر وضوحاً وتحديداً) [رحلتي الفكرية، المسيري، 457].

 

ومن أكثر المفكرين السعوديين وعياً بقضية التحيز في العلوم الإنسانية الغربية الناقد الأدبي الدكتور سعد البازعي، وهوعلامة بارزة في هذا المجال، ومن كتبه المهمه في هذا السياق: كتاب استقبال الآخر 2004، وكتاب المكون اليهودي في الحضارة الغربية 2003. وقد اعتنى د.البازعي بتحليل التسليم المطلق بفكرة عالمية المناهج والمفاهيم الغربية، وربما العيب الوحيد في كتابات البازعي هو الوقار الأكاديمي المفرط الذي يحرم شريحة كبيرة من القراء من الاستفادة من كتاباته.

 

بل حتى المستشرقين التقليديين أنفسهم أكثر وعياً من أركون بمشكلة التحيز في العلوم الإنسانية، فهذا مكسيم ردونسون أحد أشهر المدافعين عن الاستشراق ضد نقاده، ومن خصوم ادوارد سعيد، ومع ذلك يقول عن تحيز العلوم الإنسانية:

(العلوم الاجتماعية والإنسانية -مثلاً- مشروطة بالمجتمع الذي يعيش به المؤلف، وبأفكار عصره بالذات، وبأفكاره هو) [مكسيم رودنسون، حوار أجراه حسين الشيخ ونشر في مجلة أرابيسك]

 

-الإشكالية الثالثة: هذه العلوم الإنسانية، أوبشكل أدق كثير من مفاهيم العلوم الإنسانية، هي مفاهيم خلافية بشكل حاد، وليست حقائق مثبتة معملياً.

خذ مثلاً على ذلك أحد أكثر مصطلحين يدوران في كتابات أركون وهو مصطلح “التفكيك”، فهو مفهوم خلافي كلياً، فبينما يرى أركون أن التفكيك مفهوم علمي جبّار، ومن أعظم منجزات العلوم الانسانية، ويجب استخدامه عاجلاً في حفر التراث، تجد مفكرين غربيين كثيرين يغالون في الاستهتار بمفهوم التفكيك وأنه عبثي، ربما أكثر من قرأت له من هذا الاتجاه الناقد الايطالي المشهور إمبرتو إيكو، فقد وصل به الإزراء لمفهوم التفكيك أن اعتبره حالة “هرمسية”، وأن اعتبار التأويل لا متناهي يقتضي أن كل الأفكار صحيحة حتى لو تناقضت، وهذا يقوض مبادئ العقلانية المؤسسة للحضارة الغربية  (التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، إمبرتو إيكو، ترجمة بنكراد).

 

الفيلسوف الأمريكي المشهور والمعاصر “جون سيرل” سبق أن تحدث بتهكم عن تفكيكية دريدا وأسلوبه في الكتابة، يقول سيرل:

(ميشيل فوكو ذات مرة صوّر أسلوب درّيدا بأنه يمارس “إرهاب الغموض”، نص دريدا مكتوب بلغة غامضة جداً لدرجة أنك لا تستطيع أن تستنتج بالضبط ماهي الأطروحة؟، لذلك هو “غامض”، وبعد ذلك إذا أراد الشخص أن ينتقد الكتاب سيقول له دريدا: “أنت أسأت فهمي، أنت مغفل”، لذلك هو “إرهابي” )

 [J. Searl, The word turned upside down, NYRB, 1983]

 

والحقيقة أن هذه العبارة المتضمنة لتندر الفيلسوفين فوكو وسيرل بأطروحة دريدا عبارة شائعة في هذا المجال، والمراد من ذلك فقط طرح نموذج كاشف لحجم الخلاف داخل هذه السياقات الفكرية، مما يجعل شعار الاستعجال في تطبيق الإنسانيات على الوحي شعار فيه فهم متواضع لواقع الانثروبولوجيا الغربية، ومافيها من النزاع حول هذه المفاهيم ذاتها.

 

بل يصل أمر الجدل الخلافي داخل الانسانيات إلى تولُّد صراع سياسي حول اتجاهات العلوم الإنسانية، فكل مدرسة سياسية تدعم التيارات والمدارس الانثروبولوجية التي تحقق أغراضها، وهذه الظاهرة واقعةٌ باعتراف أحد المبهورين بالغرب ذاته، كما يقول هاشم صالح في اعتراف أليم:

(من المعروف أن آيديولوجيا اليمين الفرنسي، انظر جريدة الفيغارو وكل المؤسسات الضخمة الملحقة بها، تحارب بعنف العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة، وخصوصاً إذا كانت ذات توجه يساري وتحرري عميق، فهي تروج –مثلاً- لأفكار ريمون بودون، عالم الاجتماع الرسمي المرتبط بالأجهزة الشرعية، وتحارب بيير بورديو الخارج على شرعية اليمين والمفكك لآيديولوجيته) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، هامش لهاشم صالح، 178].

 

لاحظ أن المفكرين الفرنسيين الكبار، مثل بورديو وريمون، خاضعون لتجاذبات سياسية، بكل ما تملكه تلك القوى من مؤسسات ضخمة، لو تأمل أركون ومشايعوه بشكل كافٍ في مثل هذه الظواهر لاستوعبوا إشكالية أن العلوم الانسانية الغربية هي استجابة أولاً لإشكاليات العقل الغربي وظروفه ومطامحه وتوازناته، وبالتالي فهي مفاهيم خلافية، وفيها احتمالات واسعة للتحيز، و وهذا يفرض جهداً مضاعفاً في فحص مفاهيم العلوم الغربية، وليس الاندفاع في الهتاف بضرورة تطبيقها مباشرة كما يصنع أركون.

 

وربما يتضح الفرق أكثر لو قارنّا تسطيح أركون للعلوم الإنسانية، مع مفكرين عرب آخرين تعاملوا مع العلوم الإنسانية بجدية وعلمية، خذ مثلاً الدكتورة المعروفة يمنى الخولي في كتابها (مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها) عام 1990، فقد تعاملت مع العلوم الإنسانية في أساساتها المعرفية ذاتها وناقشتها بجدية، فإذا قارنا ذلك بالتسطيح الأركوني استبانت الصورة بشكل أوضح.

 

على أية حال .. هذه الإشكاليات الثلاث (الاستعمال الاستسلاحي، وإهدار هامش التحيز، وتغييب خلافية المفاهيم) لم يجب عنها أركون، ولا مشايعوه، إلى الآن، وإنما هم في غاية الاندفاع وبطريقة هتافية لتطبيق العلوم الإنسانية على القرآن حتى نتخلص منه ونصل للحداثة!

 

كم هو مثير للشفقة أن ترى أركون ومشايعيه لا يتحدثون إلا عن (تطبيق، تنفيذ، تفعيل) مفاهيم العلوم الإنسانية، وكأننا عبيد مسترقّون لا حق لنا في مناقشة هذه المفاهيم الغربية، أصبحت مهمتنا فقط أن نبادر، وعلى وجه الاستعجال، إلى تطبيق هذه المفاهيم الانثروبولوجية على التراث.

حسناً .. توقفوا قليلاً، أليس من حقنا قبل أن نندفع في تطبيق هذه المفاهيم أن نناقش مدى علميتها وموضوعيتها؟ أليس من حقنا أن نقترح مفاهيم بديلة؟ أليس من حقنا أن نعدل بالإضافة والحذف والشطب في عناصر هذه المفاهيم لتتوافق مع قناعاتنا؟

 

 أركون ومشايعوه يريدون منا أن نكون (مندوب مبيعات) دورنا فقط هو توصيل (منتجات الانثروبولوجيا الغربية) إلى المستهلكين بأوسع نطاق ممكن، ولا حق لنا كمندوبي مبيعات الاعتراض على مواصفات المنتج، فهذا حق حصري للمصنع الغربي فقط!

 

والمراد أن مواجهة خطاب أركون وزمرته يجب أن تكون مواجهة مزدوجة: تخليص التراث الإسلامي من تحريفهم إياه لإسقاطه، وتخليص العلوم الإنسانية من تحريفهم لها لخدمة أغراضهم العلمانية التقليدية.

 

-بحوث “يجب أن نبحث” :

منذ السبعينيات وأركون يقول لدي برنامج عمل لتطبيق العلوم الإنسانية، يجب أن نطبق العلوم الإنسانية، يجب أن ندشن، يجب ويجب ويجب..الخ. منذ أربعين سنة وهو يردد وجوبيات البحث، ولكنه لم يبحث فعلاً.

حسناً .. تفضل يا أركون وقدم لنا تطبيقاً للعلوم الإنسانية على التراث، لا يقدم لك شيئاً، وإنما يطرح عمومات، مع عشرات المرادفات للفظة يجب، ويفترض، وندشن، ونبدأ وهكذا.

 

كل مايقوله أركون هو “إعلانات بحوث” وليس “بحوث فعلية”، يبدوا أن أركون لم يفرق جيداً بين معنى قولنا (فلان بحث المسألة) وقولنا (فلان يقول يجب أن نبحث المسألة)، كل ما يفعله أركون ينتمي للجملة الثانية، وهو توزيع واجبات البحوث بأقصى كثافة ممكنة، هذا كل شئ.. خذ مثلاً بعض الأمثلة:

(بالطبع فإني لن أستطيع إنجاز هذا المشروع الكبير والعويص كله في هذه الدراسة وحدها، وإنما سوف أقدم بعض المعالم والصوى الضرورية التي لا بد منها لإنجاز مسار طويل عريض)[الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 86].

 

ويتحدث عن نصوصه البحثية فيقول:

(ليست النصوص المجموعة بين دفتي هذا الكتاب إلا معالم على الطريق الطويل والصعب، لتأسيس تاريخ منفتح وتطبيقي للفكر الإسلامي) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 11].

 

ويتحدث مرةً أخرى عن وجوبيات البحث:

(ينبغي أن نقوم بنقد جذري لكل التراث ضمن الخط الذي افتتحه –مثلاً- الفيلسوف بول ريكور في كتابيه: فن السرد، والزمن والحكاية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 174].

 

وهكذا يستمر على هذا الأسلوب، وبسبب أن كل كتاب جديد لأركون، ينتظر فيه القراء وعوده الواسعة بتطبيق العلوم الإنسانية على التراث؛ يكتشفون مجدداً أن الكتاب هو إعادة لنفس النغمة “يجب أن نطبق العلوم الإنسانية على التراث” ، وبسبب ذلك فقد تعرض أركون لنقد لاذع، وقد كشف ذلك في أحد كتبه يقول:

(كان قرائي يعيبون علي دائماً أني أتوقف كثيراً وطويلاً عند الاعتبارات النظرية والمنهجية، دون أن أقدم أمثلة تطبيقية مقنعة على هذه التنظيرات) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 52].

 

وبدلاً من أن يقدم ما وعد به خلال أربعين سنة، راح أركون في كل كتاب جديد يلخص بعض كلام المستشرقين التقليدي في التطاول على القرآن، ويضيف إليه تعديد مجرد لطابور مصطلحات أنثروبولوجية لإيهام القارئ أن هناك شيئاً خطيراً مدهشاً يملكه أركون!

 

آمل عزيزي القارئ أن تستمتع بحجم التمثيل في الشاهد التالي، وتأمل محاولة خداع القارئ بأن هناك شيئاً مدهشاً خطيراً لا يستوعبه، يقول أركون:

(الذي يرسخ مجموعة أطروحات ومفاهيم مجمعة وملخصة داخل الميتافيزيك الكلاسيكي، نذكر من هذه المفاهيم: الانطولوجيا المتعالية، والزمن البروميثيوسي للتقدم المطرد، والتطور المطرد أو المثالي، ثم مفهوم التنمية بعدئذ، ومفهوم الفضاء المحسوس للإنتاجية، والعقل العلماني أو الدنيوي الذي يمنح الشرعية ثم الإدارة القمعية للأجساد الراغبة مع المونتاجات أو التركيبات الاستيهامية والهلوسية والتي تتيح ظهور الرجال العظام، أقصد الدولة والأمة القومية الحديثة) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 50].

 

أعرف عزيزي القارئ أنك غارق في الضحك الآن، لكن صدقني أنه لا يلجأ لمثل هذه المسرحيات الاصطلاحية إلا شخص خالي الوفاض من مضامين حقيقية يقدمها.

إذا كان هذا هو النقد الفكري فهوعملية رخيصة جداً، أستطيع أنا بالمقابل أن ألتقط من معاجم العلوم الإنسانية قافلة مصطلحات مع عبارات من مثل يجب أن نبحث وأن نستفيد من العلوم الإنسانية إلخ. ولأضرب على ذلك مثالاً يوضح سهولة التلاعب بمثل ذلك، أستطيع شخصياً أن أقول:

(إن الخطاب العلماني والليبرالي العربي، حتى في أكثر مستوياته جذرية؛ لا يزال غير قادر على التعامل بشكل صحيح مع الغرب والدولة العربية والخطاب الديني، وهذا ناتج عن تدهور ميكانيزمات الفهم نتيجة عدم استثمار فتوحات العلوم الإنسانية المعاصرة، نحن بحاجة ماسة وسريعة لتوظيف نظرية “الالتباسات المترسبة”، ومفهوم “فيتيشية السلعة”، ومحاولة فهم ما يسمى “آلية الإقفال” وعلاقتها بالتطورات الفكرية للمجتمع، الواقع اليوم يؤكد –بما لا مجال للشك فيه- دور “الاستعارات العضوانية” وآلية “الدراما المقدسة”، في صياغة أكثر المظاهر تعقيداً، لذا لا بد من التمييز الملح بين الجانسبينية المتطرفة والمعتدلة، إن فشلنا في ضبط توازنات الخطاب عائد لبعدنا عن الخصوبة التي يقدمها اليوم علم اللغة العصبي (نيورولينجويستيك) وما يمكن أن يقدمه لنا من فهم علمي لما يسمى ألسنياً “مخزن العلامات” …الخ الخ).

 

ألا تلاحظ؟ العملية رخيصة جداً، وربما تسألني من أين أتيت بهذه المصطلحات؟ أبداً، التقطت من الرف بجانبي قاموساً للعلوم الإنسانية وانتزعت منه بعض المصطلحات ذات الصلة بالقضايا الفكرية، وبنفس الوقت “ذات الرنين الاصطلاحي”.

طبعاً لا أنا، ولا غيري من الإسلاميين يرضى أن ينزل إلى هذا المستوى من الخداع، وإنما يتقبل القيام بهذا الدور من تنازل عن أخلاقيات العلم.

 

وما يكتبه أركون برغم أنه مجرد إعلانات بحوث، ففيه تكرار وإعادة بطريقة مثيرة للسآمة بشكل عجيب، فكل كلام أركون الكثير، والكثير جدا؛ لا يخرج عن إعادة تقليب وعرض متكرر لعدة مصطلحات لا تتجاوز العشرة مثل: الأسطورة، اللامفكر فيه، المخيال، الابستيما، التقديس، الأرثوذكسية الإسلامية، مجتمعات الكتاب، التاريخانية، وجوب الاستفادة من العلوم الإنسانية!

 

وكل كتبه التي بلغت العشرات هي تنويع وتقليب، واعادة عرض، وتكرار، وتوسيع ثم اختصار، واختصار ثم توسيع، لهذه المصطلحات المحدودة، وهكذا، ولذلك قراءة أي كتاب لأركون تعني ضمناً قراءة الكتاب الآخر.

بل لو أعطيت شخصاً صفحتان فيهما تعريف لهذه المصطلحات فسيعتبر كلام أركون عجن للمعجون!

 

-الخداع اللغوي:

لي صديق حميم بيني وبينه أخوة علمية قديمة، قلت له مرةً: يا أخي استغرب من حفاوة بعض الشباب بكتابات أركون، كلها خداع لغوي وتلاعب لفظي. فقال لي: هل من المعقول ذلك، هل من المعقول أن يكون كلامه فارغ ومع ذلك يتحدث عنه الإعلام وله قراء الخ؟

حسناً دعني أضرب لك بعض الأمثلة التي تبرهن أن مايفعله أركون وأمثاله مجرد خداع لغوي لا يحتوي أي قيمة علمية حقيقية.

دعنا نضرب مثالاً من المظلة العامة لمشروعه (الإسلاميات التطبيقية)، ومثالاً من أكثر أداة إجرائية يستعملها وهي (اللامفكر فيه).

 

فأما شعار (الإسلاميات التطبيقية) التي يتمدح أركون بأنه اخترعها، والتي يعني بها تطبيق العلوم الإنسانية على التراث، فأستطيع أنا شخصياً أن أكذب على الناس وأتظاهر بأن لدي مشروع فكري تجديدي وأسميه (الإسلاميات التجريبية) وتعني تطبيق العلوم الطبيعية على التراث، فأركون دعا لتطبيق العلوم الإنسانية، وأنا سأدعوا لتطبيق العلوم الطبيعية، سنضع في البرنامج مختبرات ومعامل لتمحيص وفحص كل الدعاوى التراثية حسب أحدث نظريات الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وآليات القياس والرصد، سنقوم بتجارب معملية مثلاً لفحص صحة دخول الجني في الإنسي؟ ونقوم بوضع تجارب لرجل وامرأة في حالة خلوة ونختبر بأحدث الآليات المخبرية هل هناك فعلاً شيطان يقوم بدور الثالث بينهما؟ ونقوم بتصميم رحلات فضائية لاستكشاف صحة مايقوله القرآن عن انشقاق القمر ورجم الشياطين بالشهب وأنه لا فطور في السماء الخ الخ وهكذا سنضع كل القضايا الشرعية الغيبية والعملية تحت مجهر مختبرات العلوم الطبيعية وستكون ثورة في فهم الإسلام على أسس علمية.

 

وسأقول حينها في مقدمة هذا البرنامج المزيف، أو في خطبة المؤتمر: لقد حان الوقت، أكثر من أي زمن مضى، وبشكل ملح وعاجل، لنستثمر العلوم الطبيعية في تمحيص الخطابات الدينية المطمورة، لا وقت لدينا لمجاملة الأورثوذكسية الإسلامية، بمثل ذلك، وبمثل ذلك فقط؛ سنضع خطواتنا الأولى في درب الحداثة!

 

هذه القصة المتخيلة السابقة أردت بها أن أوضح أن الغدر بالقراء البسطاء أمر ميسور، والتظاهر بالانتساب للعلوم الحديثة من أجل تمرير الزندقة شأن ممكن، لكن الإنسان النبيل يرفض أن يستغل العلوم المعاصرة لتمرير قناعات علمانية متطرفة.

 

تعال لننظر في المثال الثاني وهو أكثر مصطلح يردده أركون، أعني مصطلح (اللامفكر فيه)، وأول كتاب صدر لأركون بالانجليزية كان عنوانه (اللامفكر فيه)، لو تأملت في هذا المصطلح الذي يدعي أركون أن فيه مضامين جديدة، لاكتشفت أنه ليس فيه أي جديد، أي جديد بتاتاً.

 

فهذا المصطلح هو نفسه حين نقول (هذه مسألة غير مطروقة) (هذا سؤال لم يُبحث) (لم يسبق أن طرح أحد هذه الإشكالية) الخ ، فمالجديد في هذا المفهوم، كل ما في الأمر بدلاً من أن تقول: لم يطرح ولم يطرق، تقول: اللامفكر فيه، فلا داعي للتهويل واستدعاء الانبهار بافتعال واضح.

 

سواء سميتها: اللامطروق، أو اللامبحوث، اللامُتنبه إليه، أو المهمّش، أو المقموع، أو التفكير خارج الصندوق الخ، فالقضية لا تعدوا مجرد اشتقاق لفظي لممارسة علمية معروفة منذ الأزل، فالخداع اللغوي يوهم القارئ البسيط أن اللفظ الجديد يقتضي أن فيه محتوى جديد!

 

ثم إن تطبيق أركون لهذا المفهوم تطبيق مضحك، فهو دوماً يخلط بين أمرين (اللامفكر فيه) و (المفكر فيه لكنه مرفوض)، فيجعل الثاني لامفكراً فيه، وهذا خطأ محض، وسأضرب مثالاً لتوضيح ذلك:

أشهر وأكثر تطبيق لهذا المفهوم يكرره في كتبه قوله أن: مسألة الخطأ في تدوين القرآن وجمعه هو من اللامفكر فيه، وهذا بصراحة سذاجة علمية خالصة، فمسألة احتمال تحريف القرآن أثناء جمعه مسألة مبحوثة بكثافة، وفيها سجالات كثيرة بين أهل السنة وخصومهم، ورد أهل العلم على هذه الأطروحة بكثرة، وفيها عشرات الرسائل الجامعية في مناقشة المستشرقين في هذه القضية، فكيف تكون أطروحة لا مفكراً فيها؟! لو قال أنها أطروحة مفكر فيها لكنها مرفوضة لكان كلامه صحيحاً.

 

ثم إننا نستطيع أن نشتق ألفاظ جديدة لممارسات معروفة مسبقاً وندعي أن هذا تجديداً كما يفعل أركون، فبخصوص هذا المصطلح (اللامفكر فيه) الذي لا يعني شيئاً أكثر من معنى (غير مطروق) نستطيع أن نأتي لممارسة معروفة في البحث العلمي وهي ضرورة مراعاة الزمن في الإفتاء بالأحكام الشرعية، وأي فتوى شرعية لم يراع فيه الزمن فهي مختلة، حسناً سنشتق لفظاً جديداً لهذه الممارسة وسنسميه (اللامزمن) ونعني به أي حكم  شرعي لم يراع فيه الزمن، وسنطالب يإعادة قراءة التراث على ضوء مفهوم (اللامزمن) من أجل تخليص التراث من أي حكم شرعي يناقض مفهوم (اللامزمن)، وننتج المقالات تلو المقالات في عبقرية هذا المفهوم وكونه (مفهوم شغال)! فهل يقبل طالب علم يحترم نفسه أن يلعب هذا الدور التمثيلي؟!

 

والمراد من هذه الأمثلة إثبات أن الخداع اللغوي لإيهام القراء أن اللفظ الجديد يعني أن فيه محتوى جديد عملية ميسورة، لكن تأباها النفوس السامية.

 

سلوكيات غريبة:

يتمتع أركون بسلوكيات في غاية الغرابة، تقلص من احترامه لدى القارئ، خذ بعض الأمثلة:

نحن نعرف أن العلوم الانسانية والاجتماعية علوم متفرعة تتشظى باستمرار، فعلم الاجتماع –مثلاً- يتفرع إلى فروع ثانوية في كل منها نتاج هائل من البحوث، وكذلك اللسانيات والاقتصاد والقانون والنقد الأدبي والعلوم السياسية الخ، ولذلك تجد مثلاً متخصص مشهور في القانون تسأله بعض الأسئلة فيقول بكل ثقة “ليس لدي تصور أنا متخصص فقط في الحقل الفلاني من القانون، يمكنك أن تسأل فلان”، وهذه الظاهرة واجهتها كثيراً لدى المتخصصين الغربيين، وهي ظاهرة طبيعية، فغزارة النتاج البحثي المعاصر في العلوم الحديثة فرض ظاهرة جديدة وهي أن المتخصص في علم واحد لا يستطيع ملاحقة بحوث ذلك العلم بذاته، فيحتاج إلى التخصص داخل التخصص.

 

ولكن أركون –ماشاء الله تبارك الله- يدعي بأنه يطلع على “جميع البحوث” التي تكتب عن “جميع فروع” العلوم الإنسانية والاجتماعية، بـ “جميع اللغات” الغربية، لكن ليس لديه وقت لنقلها للغة العربية، ولذلك يترك مهمة النقل للعربية للمترجمين، كما يقول عن نفسه:

(لم يتسع لي الوقت مع الأسف لأقوم بعملين مهمين مجهدين في وقت واحد وهما: متابعة التيارات العلمية المختلفة في العلوم الإنسانية والاجتماعية بالاطلاع على جميع مايصدر من كتب باللغات الغربية، ثم إيجاد المصطلحات اللازمة لنقل أجهزة المفهومات المتجددة والمتحولة من كل لغة من اللغات الأصلية، الانجليزية والفرنسية والألمانية خاصةً، إلى العربية، إني أعترف بأهمية هذا العمل، ولا أزال أقوم به في محاضراتي الجامعية) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، 7].

 

لا أعرف مفكراً غربياً معاصراً لديه من الصفاقة ما يكفي لإطلاق هذه الدعوى، إن من يقول هذا الكلام هو المسؤول الأول عن تسرب الشك في صدقية الكاتب لدى القارئ، هذا لا يورثنا الشك فقط فيما لم يعرضه أركون من العلوم الإنسانية، بل يورثنا الشك –أيضاً- فيما يعرضه من هذه العلوم هل اطلع عليها بشكل كافي أم مجملات وعمومات لإيهام القارئ بالاطلاع؟، فالصدقية إذا انهارت أكلت الأخضر واليابس.

 

العلم الواحد من العلوم الإنسانية لا يمكن متابعة بحوثه الغزيرة في الدوريات العلمية بلغة واحدة كالانجليزية، فكيف يدّعي أركون أنه يطلع على “جميع” البحوث، عن “جميع”  العلوم الإنسانية، بـ”جميع اللغات” الغربية !

 

والقارئ لكتابات أركون السطحية يكتشف بسهولة حجم الاندفاع في هذا التمدح، حتى أن الكاتب العلماني المحارب محمد المزوغي (المشغول بإسقاط ابويعرب) يقول عن أركون:

(المُتتبع لفكر أركون يستطيع بسهولة أن يحدس الحقيقة التالية: وهي أن مصادره الأساسية لا تتعدى مجال الفكر الفرنسي، وما يُدعّم ذلك هو التطابق الواضح بين أطروحاته الفكرية، وخلاصة أعمال أولئك المفكرين) [العقل في التاريخ، محمد المزوغي].

 

هذه دعوى ممكنة جداً، وهي أن أركون متابع لمجمل الأطروحات “الفكرية” في الساحة الفرنسية، أما الاطلاع على “العلوم الإنسانية” بجميع فروعها ولغاتها الغربية؛ فهذا دجلٌ محض تمنيت أن أركون لم يورط نفسه فيه.

 

ومن سلوكيات أركون الغريبة -أيضاً- محاولة فرض نفسه على الباحثين الآخرين بالقوة، تجده كثيراً يعاتب الباحثين بطريقة غير لائقة لماذا لم يشيروا إليه؟! خذ بعض الأمثلة:

يقول أركون عن المفكر المغربي المعروف عبدالله العروي:

(بعد أن اطلعت على كتاب العروي “مفهوم العقل” وجدت أن نقاط الاتفاق بيننا في ما يخص التوجهات الأساسية عديدة جداً، إلى درجة أني دهشت لأنه لم يشِر إلى أي كتاب من كتبي، أو إلى أي فكرة من أفكاري) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 56].

 

وفي حادثة أخرى فإن الباحثة العلمانية دلال البزري روت قصة تحضيرها ومناقشتها لرسالتها الدكتوراة في فرنسا، وكان في لجنة المناقشة أركون، ومما قالته الكاتبة:

(أركون يأخذ على اطروحتي أموراً لا تأتي على بالي، مثل عدم تطرّقها إلى كتبه..، يتابع ويستفيض بعرض نتاج معرفته هو، واستنكاره الشديد غالباً لعدم ورود ذكره في أطروحتي) [المستقبل اللبنانية، 26سبتمبر 2010].

 

وثمة سلوكيات غريبة أخرى لا مجال لعرضها.

 

 

-الاعتراف المر:

برغم العلمانية الإلحادية المتطرفة التي يتبناها أركون، وبرغم حقده على القرآن، وبرغم كراهيته الشديدة للتيار الإسلامي؛ إلا أن الإسلاميين فرضوا أنفسهم بتميزهم، ولذلك اضطر أركون –برغم حقده- إلى أن يعترف بأن الاسلاميين سبّاقين إلى العلوم النافعة حتى لو كانت في المجتمع الغربي، يقول أركون عن إقبال الإسلاميين على العلوم الطبيعية:

(نلاحظ مثلاً أن دارسي العلوم الفيزيائية والرياضية والطبية وغيرها ينخرطون في صفوف هذه التيارات –أي الإسلامية- أكثر  بكثير من المختصين بعلوم الإنسان والمجتمع، وقد عرفنا أثناء المعارك والاشتباكات التي جرت في جامعات تونس والجزائر والقاهرة الخ أن المتعصبين والمتزمتين ينتمون بشكل خاص إلى كليات العلوم، إنها ظاهرة تستحق التأمل والتفكير) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 26].

 

وفي موضع آخر يؤكد أركون هذا الاعتراف فيقول:

(نحن نعرف أن الكثير من طلاب الكليات العلمية والتقنية ينتسبون للحركات الأصولية السلفية) [الفكر الإسلامي: قراءة علمية، 181]

 

حسناً يا مسيو أركون، طالما أن الإسلاميين المعظمين للقرآن يتسابقون إلى العلوم الطبيعية والتقنية النافعة، فهذا ينسف جذرياً كل ما تقوله من أن القرآن يقف حائلاً بيننا وبين التقدم، هذا ينسف كل ما تقوله من أن الفكر الإسلامي ضد التقدم، طالما أن الإسلاميين المعظمين للقرآن أكثر استيعاباً منك للفيزياء والهندسة والطب والتقنية الخ فهذا يعني أنك أنت المتخلف وهم المتقدمون!

 

-تكفير الغزالي والقرضاوي لأركون:

في منتصف الثمانينات كان الأستاذ (مولود قاسم) نظم ملتقى اسمه (ملتقى الفكر الإسلامي)، في مدينة بجاية الجزائرية، وكان عن الغزو الثقافي، وكان من ضمن الضيوف الشيخ محمد الغزالي وأركون، ووجه الغزالي –تغمده الله برحمته- نقداً حاداً لأركون، وقال له إن كنت تعتقد هذه العبارة (عبارة وردت في ترجمة عادل العوا لكتابه الأول) فأنت مرتد، وغضب أركون حينها، واحتد النزاع.

 

وقد تكلم الكتّاب الجزائريون شهود ذلك الملتقى كثيراً عن تلك الحادثة، يقول الكاتب الجزائري أمين الزاوي الكاتب في جريدة الفجر الجزائرية المعروفة، يقول:

(كان محمد أركون حدثا فكريا في كل مشاركاته في دورات ملتقى الفكر الإسلامي الذي كان ينظمه المرحوم مولود قاسم بالجزائر، كانت نقاشاته مع الشيخ الغزالي إشارة فارقة للاختلاف بين فكرين يعيشان داخل مجتمع واحد ويدرسان متنا واحدا، لقد كفر الشيخ الغزالي محمد أركون وهو ما يؤكد قصور الفكر الديني) [صحيفة الفجر الجزائرية، 15سبتمبر2010]

 

وكان الشيخ يوسف القرضاوي ينشر في صحيفة الخبر الجزائرية سلسلة مذكرات له، وفي أحد تلك الحلقات قال عن أركون أنه لايؤمن بالشريعة الإسلامية، فثارت ثائرة الكتاب العلمانيين في الجزائر، فتحت عنوان (القرضاوي يكفِّر أركون) كتبت صحيفة الفجر الجزائرية :

(جزم الدكتور يوسف القرضاوي، في مذكراته التي تنشرها يومية “الخبر” بأن البروفيسور محمد أركون المتخصص في دراسات الفكر الإسلامي، لا يؤمن بالشريعة الإسلامية..، القرضاوي يستخف بقامة فكرية بحجم أركون، فيطلق عليه رصاصة الرحمة، متهما إيّاه بالخروج من ملة الإسلام) [الفجر الجزائرية، 15سبتمبر2010].

 

وفي حادثة أخرى تكلم الشيخ القرضاوي عن معاداة أركون للنصوص الشرعية فقال:

(هناك صنف آخر يقفون ضد النصّوص بدعوى أخرى، يعني هم ضد المقاصد، يقولون إن دعاة الشريعة يستخدمون المقاصد حيلة لتطبيق الشريعة؛ وهذه المدرسة الأركونية، محمد أركون والجماعة الذين يعيشون في فرنسا ويعتمدون على اللسانيات وعلى غيرها) [الموقع الرسمي للقرضاوي]

 

-خلاصات أخيرة:

بعد هذه الجولة حول كتابات أركون فإنني أتألم كثيراً من ضحايا الدعاية الإعلامية، فحين أرى شباناً وفتياناً صغاراً يتحدثون أو يكتبون، ويتناقشون طويلاً، ويرددون عبارات من نوع: (قراءة في مشروع أركون) ، و (دراسة تحليلية في خطاب أركون) ، (مفهوم كذا عند أركون) ، و أركون يرى وأركون لا يرى، .. الخ الخ  فوالله إنه لتهبط علي غيوم الغبن والرثاء كيف استطاع الاعلام التغريبي أن يخدع هؤلاء المساكين ويضيعون أعمارهم العلمية الثمينة في دردشات “يجب أن نبحث” و “مصحف البحر الميت” ؟!

 

أو يأتيك بعض المخدوعين يقول “نحتاج دراسات فكرية معمقة عن أركون وعن فلان وفلان” .. ووالله لا نحتاج دراسات فكرية عنهم ولا غيره، بل نحتاج فقط أن نوضح للقارئ المسلم الدجل الفكري الذي يمارسه هؤلاء، وحجم الجهل الفظيع عندهم سواءً بالعلوم الإنسانية المعاصرة أو بالتراث الإسلامي، لكي لا تتصرم الفترة الذهبية للتحصيل العلمي عند الشباب المسلم في ملاحقة هلوسات فكرية يكتبها بعض المرتزقة.

 

إذا كنا سنعتبر دردشات صاحب (مصحف البحر الميت) و كتابات (يجب أن نبحث)؛ أبحاثاً فكرية تستحق الدراسة والمناقشة والتحليل؛ فهذه بحد ذاتها مشاركة في صناعة الوهم، ياجماعة افتحوا عقولكم والله لا مشروع ولا خطاب ولا غيره .. ليس إلا متملق يتزلف أسياده الفرنسيين ليضعوه في مناصب أكاديمية ويمولونه مالياً باعتباره مهندس العلاقة مع الباحثين الذين سيقنعون المسلمين بالتبعية لفرنسا!

 

لو كان لي من أمر الدعوة الإسلامية شيئاً لأوصيت جميع الدعاة بتكثيف الكلام عن أهمية استعمال (العقل) ، لم ينخدع شبابنا بجهلة الفرنكفونيين إلا بسبب ضعف استعمال العقل.. ولا يبتعد الشاب عن القرآن وينهمك في هذه الترهات الفكرية إلا بسبب ضعف استعمال العقل.. ولا يستسلم الإنسان للشهوات برغم عاقبتها إلا بسبب ضعف استعمال العقل لحظة الخطيئة .. ولذلك لا عجب أن كرر القرآن وأعاد وأبدى لمبدأ (أفلا يعقلون)..

 

أخي الغالي على نفسي، يا من لازلتَ تستعمل الدهشة في التعامل مع أمثال هذه الكتابات الفكرية، أرجوك “حرك عقلك” قليلاً، وستكتشف أن هذه الترهات لا تستحق منك الدهشة بتاتاً، فلا تضيع عمرك العلمي الثمين.

 

لا شك أن المشهد مؤلم جداً، رجلٌ يهين القرآن، ويدعي أنه محرف وأن الصحابة لم يكونوا أمناء في نقله، وأننا نحتاج مخطوطات في البحر الميت وخزائن الرافضة في الهند واليمن لنصل للنص الصحيح للقرآن، ثم بعد ذلك، بعد ذلك كله، يكرّم في صحافتنا، ويقدم باعتباره المجدد الأكبر، من يجاهد لبث النور ومكافحة الظلام، أحد حكماء الإسلام الكبار، المشعل الحقيقي، الهامة الفكرية، الخ.

 

ثم يقولون لك بعد ذلك، وبكل براءة ومسكنة: ليس هناك أي تغريب، سبحان الله أين التغريب؟! إنما هو تنمية وتطوير!

 

بل أتدري ما هو أكثر إيلاماً من ذلك؟ تفضل اقرأ هذا الخبر من صحيفة الجزيرة السعودية:

(تحتفي “الاثنينة” بدار الأستاذ عبدالمقصود خوجة في جدة مساء يوم الاثنين 25/12/1427هـ بالأستاذ الدكتور محمد أركون، المفكر الإسلامي المعروف والبروفيسور الفخري بجامعة السوربون بباريس، وذلك تكريماً له ولمشواره العلمي والعملي، وإسهاماً في توثيق تلك المسيرة الطويلة ضمن فعاليات “الاثنينة” ) [الجزيرة، 11يناير2007].

رجل يعلن الحرب على القرآن يكرم بأموال سعودية، وفي محفل عام، على جزيرة الإسلام..

معركتنا مع الإعلام التغريبي ليست معركة حول مسائل اجتهادية، بل هي معركة حول القرآن والسنة ذاتهما، فتارة يصرحون بتعظيم من يهينهما، وتارة يغمغمون ويتدثرون بالخلاف الفقهي، أو يستأجرون أي منتسب للدين من اصقاع العالم، حتى لو كان موظف إداري في جامع الزيتونة؛ لكي يقدم فتوى تناسب أي قرار تغريبي يطبخ في مكانٍ ما.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

(أفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الرعد، 19].

أبو عمر

شوال 1431هـ

2 أكتوبر 2010

محاولة لتفسير الوضوح الشيعي

أضف تعليق

 

الحمدلله وبعد،،

في مرحلة تاريخية سابقة كانت الرموز الشيعية تنكر أن يكون من عقائدها عقيدة (سب الصحابة)، وترى أنها ضحية التجني الطائفي فقط، وقد استطاعت استدرار تعاطف كثير من مثقفي أهل السنة معهم تلك الفترة.. وفي هذه الأيام صرنا نشهد تحولاً حاداً في مدى الوضوح الشيعي في إظهار عقيدة سب الصحابة، قضية أن الشيعة يسبون الصحابة لم تعد –كما كانت من قبل- قضية تحتاج لبرهنة وإثبات، بل تحولت إلى معطى يتم البناء عليه..

 

حسناً .. مالذي تغير ياترى؟ ما الذي دفعهم لهذا الوضوح؟

قبل أن نحاول طرح تفسير لذلك دعونا نحاول التدقيق سوياً في الأحداث التالية:

 

في هذه الأيام يظهر الرمز الديني الكويتي “ياسر الحبيب” في احتفال علني في لندن يتضمن فعاليات متعددة لسب أم المؤمنين عائشة، حيث يقول فيها ياسر الحبيب:

(إني أريد أن أثبت أن عائشة بنت أبي بكر اليوم في النار، بل هي في قعر جهنم، كانت عائشة امرأة قليلة أدب) [ياسر الحبيب، كلمة في احتفال لندن].

 

رئيس جمهورية إيران “محمد أحمدي نجاد” يظهر في خطاب عام على القناة الثالثة الإيرانية في يونيو 2009 يكفِّر ثلاثةً من أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- دفعة واحدة، ومتهماً إياهم بالردة عن الإسلام، حيث يقول:

(طلحة والزبير معروفون في التاريخ، هؤلاء لجؤوا إلى معاوية من منطلق الحمية القبلية، وارتدوا، وحماهم معاوية وآواهم) [نجاد، القناة الثالثة الإيرانية، 10/6/2009]

 

عضو مجلس النواب العراقي “بهاء الأعرجي” يظهر في قناة البغدادية ويتهم أبابكر الصديق بأنه تآمر على العراق، حيث يقول:

(الذي يأخذ الأغلبية في العراق يجد أن عليهم مؤامرة منذ يوم أبي بكر) [بهاء الأعرجي، قناة البغدادية]

 

المعمم الشيعي السعودي حسن الصفار ينشر على موقعه الشخصي كتاباً -لايزال حتى هذه اللحظة متاحاً للجمهور- يشتم فيه أبابكر و أباهريرة والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص وسمرة بن جندب، ويكفِّر فيه معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عن الجميع، حيث يقول الصفار على سبيل المثال:

(ما حصل من بيعة أبي بكر كان أشبه بالانقلاب على علي) [المرأة العظيمة، حسن الصفار، دار الانتشار العربي، الطبعة الأولى، 2000م، ص64]

(معاوية وضع قوماً من الصّحابة، وقوماً من التّابعين، على رواية أخبار قبيحة في علي -عليه السلام- تقتضي الطّعن فيه، والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جُعلاً يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة) [السابق، ص175]

(واستكمالاً لمشروع الردّة إلى الجاهلية، ختم معاوية بن أبي سفيان حياته باستخلاف ولده يزيد على الأمّة) [السابق، ص135].

 

حين نعيد التأمل في هذه الأحداث: رئيس إيراني.. نائب سياسي عراقي.. معمم كويتي.. معمم سعودي.. كلهم يظهرون سب الصحابة، وكلهم شخصيات شيعية مشهورة، وكلهم أظهروها علناً في خطابات جماهيرية أو احتفالات عامة أو مواقع الكترونية شخصية.. والأهم من ذلك كله (في لحظة تاريخية متقاربة).

 

ياترى .. ماتفسير هذا الوضوح الشيعي الحالي؟ لماذا كانت الرموز الشيعية سابقاً يحاولون الاستخفاء والغمغمة واللجوء للأغطية اللغوية المجملة لإخفاء عقيدتهم في سب الصحابة، بينما اليوم، واليوم تحديداً؛ يظهرونها بشكل سافر؟

 

حتى أنني أتذكر قبل هذه المرحلة الزمنية أن الباحثين الشرعيين في مجال العقيدة كانوا يعانون عسراً شديداً في إقناع الناس بأن هذه هي عقيدة الشيعة..

 

وفي المرحلة التاريخية السابقة كان التقاربيون في أزهى مراحلهم حيث كانوا يستطيعون إنكار أن تكون هذه هي عقيدة الشيعة في الصحابة، أما اليوم فالتقاربيون في أسوأ لحظاتهم التاريخية، حيث يجدون حرجاً بالغاً في فتح هذا الموضوع، بل صاروا يخجلون بشكل واضح من مقالاتهم وأطروحاتهم السابقة في تكذيب الباحثين العقديين.

 

حسناً .. مالذي تغير ياترى وخلق هذا التحول الحاد في كشف الشيعة علناً لعقيدتهم في سب الصحابة؟

 

ثمة نظرية تفسيرية طرحها الإمام ابن تيمية -في عدة مواضع من كتبه- لتفسير سلوكيات الطائفة الشيعية، وهي أن مايظهرونه من عقيدتهم مرتبط بشكل جوهري بمدى النفوذ السياسي الذي يملكونه، مع قدرتهم على إبرام الصفقات مع المستعمر لضمان مصالحهم المذهبية ضد المسلمين، يقول ابن تيمية شارحاً صفقات الشيعة مع المستعمر:

(وكذلك إذا صار لليهود دولة بالعراق وغيره تكون الرافضة من أعظم أعوانهم)[منهاج السنة، 3/378]

وقال ابن تيمية أيضاً: (قد عرف أهل الخبرة أن الرافضة تكون مع النصارى على المسلمين)[الفتاوى، 28/528]

 

على أية حال .. من يتأمل النفوذ السياسي الإيراني المتعاظم، وصفقات إيران الخفية مع اللاعبين الغربيين الكبار، ونفوذ الشيعة في العراق اليوم، ونفوذ حزب الله في لبنان.. فإنه لايستطيع بتاتاً أن يفصل ذلك عن ظاهرة الاستعلان الشيعي الحالي بسب الصحابة، وقدوم الحوثيين الشيعة للهجوم على جزيرة الاسلام من الجنوب، وقدوم الشيعة من شرق المملكة لنبش قبور البقيع في غربها، وتهديد المعمم السعودي نمر النمر بانفصال الشرقية عن بقية مناطق المملكة ..

 

كل هذا التوحش العقدي الشيعي الحالي لا يمكن فصله بتاتاً عن إحساسهم بأن قوتهم السياسية تزداد وأنهم في موقف تفاوضي أقوى ..

 

استحضر هذا النفوذ الشيعي السياسي المتكالب، وهذا الهجوم الحوثي، وهذا النبش البقيعي، وهذا الاستعلان المتزايد بسب الصحابة، واستعد من ذاكرتك خطبة المعمم السعودي نمر النمر التي ألقاها في العوامية في فبراير 2009 حين قال في لهجة نارية ملتهبة:

(كرامتنا أغلى من وحدة هذه الأرض..، إذا حال الوضع بيننا وبين كرامتنا سندعوا إلى الانفصال، سندعوا إلى الانفصال وليكن ما يكون) [خطبة لنمر النمر، العوامية]

 

لم يكن الأمر لغزاً .. التهديد الشيعي بانفصال الشرقية هو تهديد ضمني باحتلال حقول النفط عبر الاستقواء بالنفوذ السياسي الشيعي الخارجي والصفقات الخفية مع المستعمر..

 

على أية حال .. ما يجب أن يفهمه صانعوا القرار اليوم أن: الأمن السياسي لأهل السنة مرتبط بالأمن العقدي لهم.. وأتمنى أن لا يأتي اليوم الذي نقول فيه: أُكِلنا حين لم نقدر صرخة نمر النمر حق قدرها..

 

والله أعلم

أبو عمر

شوال 1431هـ

16 سبتمبر 2010

دمعة على فضل الله .. وصمت عن ابن غديان!

2 تعليقان

الحمدلله وبعد،،
كاد يمضغني الغبن مضغاً وأنا أشاهد أقلاماً تقافزت في صحافتنا المحلية ومواقعنا الإلكترونية لتأبين الرمز الشيعي محمد حسين فضل الله .. ودلقت على شخصيته من عبارات التمجيد والتهويل وأنه (العلامة) (المجدد) (المعتدل) الخ .. بينما تلك الأقلام المحلية لم تنبس بحرف توقير واحد لسماحة العالم الزاهد عبدالله بن غديان، والذي استفاضت الأخبار عن زهده في المال والجاه، يا طيب الله ذاك الثرى ..!

بعضها أقلام تسمي نفسها أقلاماً وطنية .. وبعضها الآخر ينسب نفسه للفكر الإسلامي!
واخيبتاه .. أن تسح الدموع على بقايا الكليني .. ويحلو التجاهل لأبناء البخاري..

على أية حال .. دعونا نتجاوز هذه المفارقة الجارحة ولنتأمل في سؤال آخر طرحته تلك المقالات التمجيدية عن خطاب هذا الرمز الشيعي:

لا أحد يستطيع أن ينكر أن لمحمد حسين فضل الله مواقف تصحيحية تربك الفكر الشيعي المواويلي .. مثل إنكار الولاية التكوينية في كتابه (نظرة إسلامية حول الولاية التكوينية) والولاية التكوينية هي اعتقاد أن الأئمة يملكون بعض خصائص الربوبية كتدبير الكون، كما أنه طرح لها عدة تفسيرات أخرى وناقشها في كتابه المشار إليه (الولاية التكوينية، ص13).

كما أنه طرح في الفصل الثاني من كتابه (الزهراء القدوة) أسئلة متشككة حول الحادثة التي اختلقها بعض الوضّاعين من الشيعة بأن عمر –رضي الله عنه- كسر ضلع فاطمة بنت محمد -رضي الله عنها- ولكنه للأسف لم يجزم بنفيها كما جزم غيره من الشيعة.

كما أنه نطق بالترضي عن بعض الصحابة في بعض المواضع، وهذه كلها مواقف تصحيحية مشكورة يجب أن نثمنها ونستفيد منها لتنحلّ عقد التقليد والتصميم بين غلاة الشيعة، ولكن دون أن تستجرنا هذه التصحيحات الجزئية لتدليس الجزء الباقي من الصورة.

أعني بصيغة أخرى: هل هذه كل القضية؟ هل محمد حسين فضل الله فعلاً كما صوره لنا هؤلاء الكتاب أنه عالم شيعي معتدل يحترم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟

دعونا نستل عينةً من بعض مواقف الأستاذ محمد حسين فضل الله ونختبر فيها هذه الدعوى:
في كتابه “نظرة إسلامية حول الغدير” اتهم فضل الله أبابكر وعمر وعثمان بأنهم خانوا الواجب الشرعي في الخلافة، واغتصبوا حق علي بن أبي طالب:
(وهذا هو الذي يفسر تعاون علي مع الخلفاء الذين سبقوه مع أنهم أبعدوه عن حقه…، وقف الإمام علي مع الذين أبعدوه عن الخلافة وغصبوا حقه) [الغدير، فضل الله، ص33-34]

وفي كتابه “الزهراء القدوة” وهوكتاب يتمدح به فضل الله، حيث يقول عنه في مقدمته (كتاب “الزهراء القدوة” يمثل كل فكري في سيدة نساء العالمين)، وفي أكثر من موضع في كتاباته الأخرى يحيل إليه، والمروجون لفضل الله يعتبرون هذا الكتاب من مفاخره!

على أية حال.. في هذا الكتاب الذي يمثل “كل فكر” فضل الله يتهم فيه أبا بكر وعمر بحلول غضب الله ورسوله عليهما، حيث يقول:
 (وهكذا وبكل قوة وشجاعة احتجت الزهراء عليهما –أي على أبي بكر وعمر- وسجّلت عليهما أنهما أغضباها، وأغضبا بذلك رسول الله، ومن فوق ذلك أغضبا الله سبحانه وتعالى، وبقي غضبها جرحاً نازفاً في قلب أبنائها ومحبيها) [الزهراء القدوة، محمد حسين فضل الله، الفصل الثاني: فقرة ظلاماتها]

وفي كتابه هذا اتهم ابابكر –رضي الله عنه- بأنه “مجرم”، وأنه اعتدى على فاطمة، وأنه ندم في آخر حياته، يقول فضل الله :
(لم نصل إلى حد النفي لهذه الحوادث -كما فعل الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء بالنسبة لضربها ولطم خدها- لأن النفي يحتاج إلى دليل كما أن الإثبات يحتاج إلى دليل، ولكن القدر المتيقن من خلال الروايات المستفيضة، بل المتواترة تواتراً إجمالياً، هو الاعتداء عليها، من خلال كشف دارها، والهجوم عليه، والتهديد بالإحراق، وهذا كافٍ للتدليل على حجم الجريمة التي حصلت.. هذه الجريمة التي أرّقت حتى مرتكبيها، ولذا قال الخليفة الأول لما دنته الوفاة: “ليتني لم أكشف بيت فاطمة ولو أعلن عليٌّ الحرب”) [الزهراء القدوة، محمد حسين فضل الله، الفصل الثاني، فقرة ظلاماتها]

هكذا بكل جسارة في التوقح يعتبر أبابكر مرتكباً لـ”جريمة” الاعتداء على فاطمة وأنه ندم آخر حياته! وينشر ذلك في كتابٍ يعتبره “كل فكره” في هذه القضية !

قد يقول قائل هاهنا: أن التشكيك في حادثة الضلع هو غاية ما يستطيعه فضل الله في السياق الشيعي، أي أن هذا هو السقف الأعلى المتاح له؟ والحقيقة أن هذا غير دقيق بتاتاً، فانظر كيف أنه في النص السابق نقل عن أضخم مرجعية شيعية في عصره وهو “كاشف الغطاء” نقل عنه أنه ينكر أن يكون أبابكر وعمر ضربوا ولطموا فاطمة، ومع ذلك يرفض الأخذ بإنكار كاشف الغطاء، ويتمسك بجزء من الانحراف !

بل إن فضل الله يتهم نية أبي بكر بأمور خبيثة يستنتجها، حيث يستنتج أن أبا بكر منع فاطمةَ فدكاً لقطع الطريق عليها في طلب الخلافة لعلي! يقول فضل الله:
(كانت المطالبة بفدك جسر العبور إلى الخلافة..، لذلك كانت فدك المنطلق ولم تكن الغاية، ويقال إن “ابن أبي الحديد” في شرحه لنهج البلاغة سأل أستاذه : لماذا لم يعط “أبو بكر” فدكاً للزهراء ولو كانت للمسلمين لأعطوها لفاطمة؟ قال له: لو أعطيت فدك لطالبت بالخلافة لعلي، ولذلك رأى أن يقطع الأمر من أول الطريق حتى لا يمتد مطلبها إلى أبعد من ذلك، والله العالم) [كتاب: الزهراء القدوة، محمد حسين فضل الله، الخاتمة]

ولفضل الله استنباطات في غاية الطرافة، فمن المعروف في القصة الشهيرة في البخاري أنه لما اشتد بالنبي وجعه قال (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده) قال عمر: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، قال –صلى الله عليه وسلم- (قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع) [البخاري، 114]

فماذا استنبط فضل الله من هذا الحديث؟ استنبط منه أن عمر –رضي الله عنه- يبث الشكوك في الصحابة ليدلس على مراد النبي صلى الله عليه وسلم! يقول فضل الله عن هذا الحديث:
(ومع ذلك قال بعض من عنده “إن النبي ليهجر” أو “غلبه الوجع” ، وما أشبه ذلك، حتى بذر الشك فيما يكتبه النبي) [الغدير، فضل الله، ص30].

ونشر فضل الله في موقعه مقالة يتهم فيها عثمان بن عفان –رضي الله عنه- بقبائح مشينة، وبأنه كسر ضلع ابن مسعود، وظلم عمار، وسطا على جواهر وحلي! يقول في موقعه:
(وما زاد في الهوة بين عثمان وبين كبار الصحابة أمثال أبي ذر الغفاري وعبد الله بن مسعود، انتهاجه سلطة تعسفية تجاههم، تجلت بالنفي تارة، وبالضرب والإذلال تارة أخرى حتى مات الأول منفياً في الربذة، ومات الثاني مقهوراً بعد أن كسر ضلعه وحُرم عطاءه) (ومما تعرض له من حوادث ضرب عثمان لعمّار ضرباً موجعاً حتى غشي عليه وحدث له فتق..، وكان ذلك على أثر استيلاء عثمان على جواهر وحليّ وما إلى ذلك) [مقالة بعنوان: عمّار بن ياسر: الثبات في الموقف، الموقع الرسمي]

ومن الأمور المثيرة أثناء القراءة في طعون الشيعة على الصحابة أن جل ما يردده هؤلاء من (طعون تاريخية) هي عينها التي نجدها في كتاب ابن المطهر الحلي (منهاج الكرامة) والذي نقضه أدلته فقرةً فقرة ابوالعباس ابن تيمية في (منهاج السنة) .. تأمل فقط الفقرة السابقة التي ذكر فيها فضل الله أن عثمان ضرب ابن مسعود وعمار، هي عينها مقولة الحلي في كتابه حيث يقول الحلي:
(وكان ابن مسعود يطعن عليه ويكفّره، ولما علم عثمان ضربه حتى مات، وضرب عمارا حتى صار به فتق) [منهاج الكرامة، ابن المطهر الحلي، تحقيق عبدالرحيم مبارك، مؤسسة عاشوراء،ص108]

وهذه الفقرة أوردها ابن تيمية في منهاج السنة في سياق نقضه لكتاب منهاج الكرامة، ومما قاله عنها: (وأما قوله “إنه لما حكم ضرب ابن مسعود حتى مات” فهذا كذب باتفاق أهل العلم) [منهاج السنة النبوية، ابن تيمية] وواصل ابن تيمية الرد وذكر تحقيقات تاريخية في غاية العذوبة لا يمكن عرضها هاهنا.

كما نشر فضل الله في موقعه أيضاً اتهام عثمان بن عفان –رضي الله عنه- بالظلم والانتقام بلغة مسيئة كما يقول:
 (ويظهر أن عثمان ـ بعد ورود كتاب معاوية عليه ـ وجد مبرراً للانتقام من أبي ذر، وتأديبه كما يشتهي) [مقالة بعنوان: أبو ذر الغفاري: الداعية والباحث عن الحقيقة، الموقع الرسمي]

ومن جملة طعون فضل الله في الصحابة أنه اتهم الصحابي الجليل أنس بن مالك بالافتراء وكتمان إمامة علي بن أبي طالب، وأنه أصيب بالبرص عقوبةً له على ذلك، يقول فضل الله:
(ولم يقم ثلاثة للشهادة، ومنهم أنس بن مالك، فقال له علي: “مالك لا تقوم مع أصحاب رسول الله فتشهد بما سمعته يومئذٍ منه؟” فقال: يا أمير المؤمنين كبرت سني ونسيت. فقال علي: “إن كنت كاذباً فضربك الله ببياض لا تواريها العمامة” فما قام حتى ابيض وجهه برصاً) [الغدير، فضل الله، ص31].

لا حول ولا قوة إلا بالله .. محمد حسين فضل الله “العلامة المجدد!” يزعم أن الصحابي الجليل أنس بن مالك –رضي الله عنه- عاقبه الله بالبرص لكذبه في عدم الشهادة بإمامة علي بن أبي طالب!

وأما عباراته الموحشة على الصحابة بشكل عام فهي كثيرة، ومنها أنه زعم أن كل الصحابة بقيت في نفوسهم بعض رواسب الجاهلية إلا علي بن أبي طالب [الغدير، ص10]، واتهم الصحابة في السقيفة بالبعد عن الإسلام [الغدير، ص17] ، واستعمل “لغة سوقية” في التعبير عن الصحابة كقوله: (وكأن الإمام علي يقول: أنا واقع بين خيارين: إما أن أقف موقفاً سلبياً، لأن الولاية حقي، وأترك هؤلاء “يقلّعون شوكهم بأظافرهم” كما يقال) [الغدير، 19] ونحو هذه اللغة المهينة التي لا يستعملها من يحمل للصحابة في قلبه ذرة احترام صادق.

وأما صاحب رسول الله معاوية بن أبي سفيان –رضي الله عنه- الذي استأمنه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على الوحي، وولاه عمر بن الخطاب المعروف بشدة تحريه في الولاة؛ فقد اجتهد فضل الله في استعمال الإسفاف والعبارات الدنيئة في حقه رضي الله عنه، والله حسيبه يوم القيامة، ومن ذلك:

اتهم معاوية –رضي الله عنه- بترسانة تهم في موضع واحد، حيث اتهم معاوية بأنه: مفلس وظالم ومعتدي، ونفى إيمانه وجهاده! حيث يقول:
 (بعض المفلسين الذين ليس لهم سابقةٌ في إيمان، ولا جهاد في إسلام، ممن استولوا على مقدّرات المسلمين ظلماً وعدواناً كمعاوية وأشباهه) [خطبة بعنوان: الإمام الصادق في مواجهة التزوير والتحريف، الموقع الرسمي له]

واعتبر معاوية معادياً للرسول! كما يقول (معاوية إضافة إلى أنه مغتصب للخلافة، كان يقف في الخط المعادي لنهج رسول الله) [صلح الإمام الحسن، الموقع الرسمي]

بل ويتحدث عن معاوية بأسلوب لا يتحدث به عن أخبث الناس كما يقول: (كانت الخطة أن يغسل معاوية دماغ المسلمين) [خطبة بعنوان: الإمام الحسن: الإنسان النموذج، 2 أبريل 2004، الموقع الرسمي]

ويبدوا أن محمد حسين فضل الله واسع الخيال ماشاء الله حيث يستنتج أن معاوية –رضي الله عنه- عنده خطة ضد التعليم! كما يقول:
 (كانت الخطة هي تجهيل المسلمين، لأنَّ أمثال معاوية ويزيد ومن هم على شاكلتهما لا يمكن أن يسيطروا على مجتمع يملك وعي العلم وسعة المعرفة) [مقالة بعنوان: الإمام علي بن الحسين عالم منفتح على الله، الموقع الرسمي]
لما رأيت خصوبة الخيال هذه التي يتمتع بها فضل الله ندِمت أن الأمة لم تستفد من إمكانياته في الرواية والقصة القصيرة.

وأما الصحابي الجليل أبوسفيان فقد كان فضل الله لا يتورع عن تكفيره! فقد نشر عنه في موقعه الرسمي ما يلي:
(أثار حفيظة المسلمين ودفعهم إلى الجهر بالمعارضة، ما تناهى إلى سمعهم من قول لأبي سفيان في محضر الخليفة يستشف منه بداية التفكير في تحويل الخلافة إلى ملك، وكان ذلك بعد خلوته ببني أمية التي أنكر فيها النبوة والرسالة،) [مقالة بعنوان: المقداد بن الأسود، الموقع الرسمي]

وهذه العبارة التكفيرية لأبي سفيان والتي نشرها فضل الله في موقعه؛ الحقيقة أنها مسروقة من كتاب محمد جواد الفقيه (سلسلة الأركان الأربعة: المقداد بن الأسود) لكن فضل الله عدّل فيها قليلاً لتخف حدتها، ويمكن مقارنة النص السابق بالنص الأصلي المسروق:
(أثار حفيظة المخلصين فدفعهم إلى الجهر بالمعارضة ، فقد تناهى إلى سمعهم قول لأبي سفيان في محضر الخليفة تستشم منه رائحة الإِلحاد في دين الله ، وبداية التفكير في تحويل الخلافة الى ملك) [المقداد بن الأسود، محمد جواد الفقيه، دار التعارف، ص161]

والغريب أن فضل الله في مقالته عن المقداد ذكر عدداً من المصادر القديمة ولم يذكر هذا المصدر المعاصر الذي اختلس منه هذه المادة! فهي شتيمة ومسروقة أيضاً !
والمراد أن محمد جواد الفقيه يعتبر أباسفيان ملحد، بينما فضل الله يعتبره منكراً للنبوة والرسالة فقط!

ويرى فضل الله أيضاً أن أبا سفيان –رضي الله عنه- كان يعطل مشروع الرسول –صلى الله عليه وسلم- كما يقول:
(أبا سفيان كان يمثّل قيادة هذا الحزب القرشي الذي عطّل مشروع رسول الله وأشغله بحروب دامية) [قراءة في رسالة الإمام الحسن، محمد حسين فضل الله، نشرة فكر وثقافة، 5 أيار 2001م، الموقع الرسمي]

وهناك طعون أخرى كثيرة ذكرها فضل الله في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بعضها صريح، بينما أكثرها بطريقة ملفوفة وغير حادة، وهو –بصراحة- موهوب في كيفية تمرير القدح في الصحابة من خلال ابتسامات دبلوماسية هادئة جداً.

وأما غلوه في آل البيت وإنزالهم منزلة فوق المنزلة الشرعية التي أنزلهم الله إياها فهذا كثير جداً، ومن تلك النماذج التي توحي بلاعقلانية الرجل قوله:
(ارتفعت الزهراء إلى مقام العصمة وسمت إلى مرتبة القداسة..، إننا نعتقد أن الزهراء معصومة عن الخطأ والزلل والسهو والنسيان..، فإن هذا ما نستوحيه من وصول المرأة ـ كالزهراء ـ إلى مرتبة العصمة المختصّة بالأنبياء) [الزهراء القدوة، محمد حسين فضل الله، الفصل الثالث، فقرة العصمة]

قارن هذا الغلو اللاعقلاني في فاطمة الزهراء بما ذكره هو نفسه عن الأنبياء، حيث يقول في تفسيره المسمى (من وحي القرآن) مايلي:
 (الأسلوب القرآني لا يريد أن يعمِّق في ذهننا الإسلامي الفكرة التي تتحدث عن شخصية الأنبياء بالمستوى الذي يوحي بأن هناك أسراراً فوق العادة تكمن في داخل شخصيتهم.. فهناك أكثر من نقطة ضعف.. ويمكن أن تتحرك لتصنع أكثر من وضعٍ سلبيٍّ على مستوى التصوُّر والممارسة) . [من وحي القرآن، فضل الله، سورة طه، 115]

فاطمة –رضوان الله عليها- بلغت عنده مرتبة القداسة فلا يعرض لها السهو ولا النسيان، بينما الأنبياء لديهم أوضاع سلبية على مستوى التصور والممارسة!
بل قارن بين قوله أن فاطمة –رضوان الله عليها- معصومة عن السهو والنسيان بكون النبي نفسه –صلى الله عليه وسلم- سها في صلاته مرات عديدة!

وحين جاء فضل الله يريد أن يحلّل سبب فشو ظاهرة تأليه الأنبياء اتهم الأنبياء أنفسهم –صلوات الله عليهم- بأنهم يخطئون أحياناً فيدعون الناس لعبادتهم! كما يقول في تفسيره:
(وربَّما يتعلّل هؤلاء وأولئك بانتماء هذا الفكر إلى الأنبياء، فهم يدعون النّاس إلى أن يكونوا عباداً لهم، بتقديم فروض العبادة لهم، وبتقديسهم بالمستوى العظيم الذي يرتفع بهم إلى مستوى الربوبيّة، وقد يحدث ذلك من خلال ما يريد النبيّ لنفسه من قداسة وتأليه، وقد يحدث ذلك من خلال ما يفرضه أحد الأنبياء من توجيه النّاس إلى عبادة نبيّ آخر، أو في تأليه الملائكة، وذلك لما يثيره الأنبياء أمام النّاس من قصص وتعليمات في عظمة الملائكة وقداستهم التي تصل بهم إلى مستوى التأليه والربوبيّة) [من وحي القرآن، فضل الله، سورة آل عمران، 79]

ومما هو لصيق الصلة بالموقف من الأنبياء أن فضل الله لما وصل في تفسيره المشار إليه المسمى (من وحي القرآن) إلى آية (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) [البقرة، 213] أورد كلام الطباطبائي وأنه استدل بآية البقرة هذه على عصمة الأنبياء في تبليغ الوحي (ما يسمونه عندهم “العصمة التبليغية” ) فاعترض عليه “فضل الله” ورفض كلام الطباطبائي وجوز وقوع النبي في الخطأ في تبليغ الوحي! حيث يقول فضل الله في تفسيره:
(ونلاحظ على ذلك، أنَّ ما ذكره –الطباطبائي- لا يلازم ما ذكره من العصمة عن الخطأ في التبليغ..، ولا ملازمة بين ذلك وبين العصمة، فإنَّ من الممكن -من الناحية التجريدية- أن يخطىء النبيّ في تبليغ آية أو ينساها في وقت معين، ليصحح ذلك ويصوّبه بعد ذلك، لتأخذ الآية صيغتها الكاملة الصحيحة) [من وحي القرآن، فضل الله، 4/153]

والحقيقة أن أي قارئ سيصل إلى هذا النص لا بد أن يثور عنده تساؤل حول الدافع الذي يحفّز فضل الله إلى أن ينفي العصمة التبليغية عن النبي صلى الله عليه وسلم؟! ما الذي يجعل فضل الله ينقل كلام الطباطبائي (وهو عالم شيعي له تفسير مشهور اسمه الميزان، ت1982م) في عصمة النبي في التبليغ ثم يبطله ويرد على أدلته؟

الواقع أن فضل الله لديه إشكاليات كبيرة حول (حفظ القرآن)، لكنه يحرص أن يعرضها بطريقة غير حادّة، ولذلك رفض مفهوم العصمة التبليغية، وقد نثر عدداً من الارتيابات حول القرآن في عددٍ من كتبه.

ومن ذلك أن فضل الله يجوِّز أن يكون المصحف الذي اعتمده الصحابة فيه أخطاء لغوية ونحوية حيث نقل في تفسيره مقولة لصاحب (مجمع البيان) يقول فيها بأنه يستحيل أن يكون المصحف الذي اعتمده الصحابة فيه أخطاء لغوية إذ كيف يعلمونه الناس وفيه أخطاء؟ فرد عليه فضل الله بقوله:
(ويمكن المناقشة في ذلك بأن من الممكن عدم الالتفات في البداية إلى اكتشاف الخطأ في الكتابة، كما لم يلتفتوا إلى الكثير من الأمور التي لم يشعروا بأهميتها كما نشعر الآن، ثم امتنع الجيل الآخر عن التصرف في ذلك حذراً من الإساءة إلى طريقة الكتابة في القرآن، لئلا يتجرأ الناس على التغيير والتبديل فيما قد يسئ إلى أصل القرآن) [من وحي القرآن، فضل الله، 7/539-540]

فهو يجوّز أن يكون في المصحف أخطاء لغوية ونحوية لم يتنبه لها الصحابة ثم استمرت مع الزمن وهاب الناس إصلاحها!

ومن إشاراته غير الصريحة أنه أعلن التزامه بالنتائج التي توصل إليها الخوئي –وهو أكبر مرجعية شيعية في عصره- حيث يقول فضل الله في تفسيره وفي موقعه الرسمي:
(لعلّ أفضل دراسة لإثبات عدم تحريف القرآن هي الدراسة التي قام بها السيد الخوئي في كتابه “البيان في تفسير القرآن”، لأنه درسها دراسة علمية عميقة في هذا المجال) [الموقع الرسمي].

القارئ السني قد لا يتفطن للمقصود هاهنا، ويظن أن فضل الله يقر بسلامة القرآن وكمال حفظه كما يتصور السني، ولكن الواقع أن الخوئي –كما هو معروف في حقل الدراسات الشيعية- ينفي صيغاً معينةً من تحريف القرآن ولكنه يثبت وقوع صيغٍ معينةٍ أخرى من التحريف، ومن التحريف الذي أثبته قوله عن نوع معين من مرويات تحريف القرآن:
(إن كثرة الرويات من طريق أهل البيت تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين، ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر) [البيان، الخوئي، ص 226].

ويقول الخوئي –أيضاً- عن بعض صيغ التحريف التي يرى وقوعها:
(النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين، مع التحفظ على نفس القرآن المنزل؛ والتحريف بهذا المعنى قد وقع في صدر الاسلام، وفي زمان الصحابة قطعا) [البيان، للخوئي، 198].

ولذلك فإن الشيخ د.ناصر القفاري حين قام بدراسة تحليلية لكتاب الخوئي حول تحريف القرآن توصل إلى نتيجة طريفة يقول فيها:
(الخوئي صاحب البيان هو في غايته كصاحب فصل الخطاب، إلا أن الأخير استخدم الطريقة المكشوفة، والأول سلك مسلك المكر والاحتيال) [أصول مذهب الشيعة، القفاري]

ورأيت البعض يدعي أن محمد حسين فضل الله ليس حريصاً على نشر التشيع في الأوساط السنية، وهذا كلام مغلوط كلياً، فإن الدكتور القرضاوي حين أطلق صرخته ضد المخططات الإيرانية للتشييع العقدي على أساس جاذبية الخطاب السياسي الإيراني، حيث التشيع السياسي ينتهي غالباً بتطبيع التشيع العقدي، المهم أن القرضاوي حين رفض ذلك عاتبه فضل الله لم يقف في وجه تشييع المجتمعات السنية؟! حيث يقول القرضاوي:
(وآية الله الشيخ محمد حسين فضل الله, أنكر عليَّ أني لم أغضب من أجل نشر التبشير المسيحي, كما غضبت من أجل نشر التبشير الشيعي, وقد رددتُ على هذا الزعم في بياني السابق) [القرضاوي، صحيفة العرب القطرية، 9/10/2008]

والحقيقة أنه كانت هناك نماذج أخرى كثيرة من نصوص فضل الله تستحق العرض والمناقشة، لكنني فضلت الاستغناء عنها لأنني شعرت أنني أطلت كثيراً، ويبدوا لي أن النماذج السابقة كافية في تزويد القارئ بأرضية مقنعة للتساؤل حول حمى الإطراءات والمدائح السنية المتنافسة حول ضريح فضل الله!

يلفت انتباهي دوماً حين أقرأ لرموز الشيعة كيف أنهم يبنون أهرامات من الاعتقادات على أساسات من القش .. أكوام هائلة من المرويات المتسرطنة الأسانيد، بل أكثرها معاضيل ومراسيل بلا خطام، ومع ذلك تبنى عليها شواهق الاعتقادات!

حتى أن الباحث الشيعي المعروف (حسن فرحان المالكي)، مع أنه بذل حياته البحثية كلها يطوف حول محور (علي-معاوية) ، وكان يرى أن بيعة أبي بكر وعمر وعثمان غير صحيحة، وأن البيعة الشرعية الصحيحة الوحيدة هي بيعة علي بن أبي طالب، وكتب كتاباً مستقلاً عن بيعة علي، وكتابين آخرين في تجويز ذم طوائف من الصحابة، وكتاب في نقد عقيدة الحنابلة، وكتاب في نقد الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ومع كل هذه الميول الشيعية اعترف حسن فرحان قبل عدة سنوات اعترافاً مدوياً أن أكذب الطوائف المنتسبة للإسلام هم الشيعة، حيث قال تحديداً (لو جمع كذب الشيعة إلى كذب جميع الطوائف لفاقها).

فلما قال حسن فرحان هذه العبارة جنّ جنون الشيعة، وكانوا يقدرونه ويستضيفونه، فرجع مرةً أخرى في مجلة إيلاف الالكترونية وأكد مقولته حيث يقول:
 (وجدتُ عتباً كبيراً من عقلاء الشيعة عندما قلتُ هذه العبارة “لو جمع كذب الشيعة إلى كذب جميع الطوائف لفاقها” وأنا لا زلتُ عند رأيي في هذه المسألة) [انظر: اعترافات مثيرة للمتمرد على السلفية من داخلها، مجلة إيلاف]

لدي هاهنا في خاتمة هذه المقالة عدة أسئلة بسيطة:

لدي سؤال بسيط: إلى أولئك الذين أراقوا محابرهم فوق ضريح فضل الله: عن أي “معتدل وعلامة ومجدد” تتحدثون يارحمكم الله إذا كان ابوبكر وعمر وعثمان يتهمهم فضل الله بالتتابع على خيانة الأمانة واغتصاب حق الأمة؟! ويرمي عثمان بالعظائم، ويتهم أنس بن مالك أنه كذب في الإقرار بالإمامة فعاقبه الله بالبرص، وينفي إيمان وجهاد معاوية، وأنه يغسل دماغ المسلمين، ويتجرأ على تكفير أبي سفيان رضي الله عنه؟!

وعن أي “معتدل وعلامة ومجدد” تتحدثون عن رجل يرى أن فاطمة بلغت مرتبة القداسة فلا تسهو ولا تنسى، بينما الأنبياء يجوز عليهم أوضاع من سلبية التصور والممارسة، ويخطئون في دعوة الناس إلى عبادتهم وتقديسهم!؟!

عن أي “معتدل وعلامة ومجدد” تتحدثون عن رجلٍ ينفي عصمة النبي –صلى الله عليه وسلم- في تبليغ الوحي، ويجوز وقوع الأخطاء اللغوية في القرآن، ويتبنى نظرية الخوئي في التحريف الجزئي للقرآن؟!

ارحموا عقولنا أرجوكم..!
إذا كان الأنبياء، والقرآن، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قد رخصوا في عيونكم إلى هذا الحد؛ فلا تورطوا أنفسكم بإرخاصهم في عيون بقية المسلمين، واكتفوا بالبلاء على أنفسكم..

هل هذا يعني أننا يجب أن لا نلتفت لظواهر التصحيح الجزئي عند بعض الشيعة؟ لا، قطعاً، ليس هذا المراد، وإنما المراد ضرورة التفريق بين (تشجيع التصحيح) و (تدليس الانحراف)، فشتان بين أن نقول أن فضل الله قام بمواقف تصحيحية مشكورة لكن لايزال لديه ضلالات نتمنى أنه واصل تصحيحها، وبين أن نقول: فضل الله العلامة المجدد الرباني فقيد الأمة! ونقدمه للمسلمين مجرماً في ثوب الأبرياء، هذا غاية التلبيس على أهل السنة.

وهل هذا يعني أنه لا يجوز مداراة الشيعة وملاطفتهم في سبيل دعوتهم إلى الكتاب والسنة؟ لا –أيضاً- ليس هذا المراد، بل لا يمكن دعوتهم بدون مداراة لأعيانهم، حتى أن الشيخ ابن عثيمين أوصى المعلمين السنّة بمداراة الطلاب الشيعة، كما جاء في فتاوى الشيخ:
(يقول السائل: من المعلوم ياشيخ لديكم أنه يوجد عندنا نحن في المدينة النبوية الرافضة بكثرة، ويدرسون معنا في المدارس كلها؟ فأجاب الشيخ: نحن ننصح إخواننا المدرسين في البلاد التي ذكرتَ، والتي يختلط فيها أهل السنة وأهل البدعة أن يحاولوا بقدر المستطاع تأليف أهل البدعة وجذبهم إليهم..؛ لكن لو أن الأستاذ يعامل طلابه من أهل البدعة بالقسوة والآخرين باللين، أو يعاملهم بالتشديد في التصحيح والآخرين بالتخفيف، أو يعاملهم بإسقاطهم وهم مجيبون صواباً، فلا شك أن هذا يولِّد في قلوبهم البغضاء والكراهية، حتى للحق الذي كان عند هذا الأستاذ) [فتاوى الباب المفتوح، ل21].

وبنفس النصيحة التي أوصى بها الشيخ العاملين في قطاع التعليم أوصى بها العاملين في القطاعات العسكرية، حيث جاء في فتاوى الشيخ:
(يقول السائل: أنا أعمل في الشرقية، وفي الآونة الأخيرة دخل معنا الرافضة في العمل العسكري بكثرة؟ فأجاب الشيخ: الذي أرى أن تحرصوا على أن تتألفوهم للأخذ بالسنة وتقولوا لهم: أنتم الآن مقرون أننا أهل السنة فهل أنتم تكرهون السنة أم لا؟ ونحن نوافقكم أن من آل البيت من ظُلم كالحسين بن علي رضي الله عنه، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نتبع سنة محمد صلى الله عليه وسلم، وجادلوهم بهذه الأشياء لكن بدون عنف؛ بإرادة هدايتهم، ولعل الله أن يهديهم) [فتاوى الباب المفتوح، ل31]

بل إن الشيخ ابن عثيمين أوصى طلاب العلم بأن يدعون بعضهم لبيوتهم ويدعونهم إلى الله كما يقول الشيخ:
(مع محاولة دعوتهم إلى الحق، لا على السبيل الجماعي، السبيل الجماعي يمكن ألا يحصل فيه فائدة، لكن تنظرون إلى المهذَّب منهم الذي عنده وعي، وتدعونه إلى بيوتكم وتتكلمون معه بإنصاف وعدل) [فتاوى الباب المفتوح، ل8]

ونهى الشيخ ابن عثيمين عن إخراج الشيعة من المساجد كما جاء في فتاوى الشيخ:
(يقول السائل: فضيلة الشيخ في المنطقة الشرقية يكثر فيها الرافضة ، وقد يدخل بعضهم أحد المساجد فيصلي فهل ننكر عليه ونخرجه من المسجد، وخصوصاً في مناطق الأعمال، حيث يزدحم المسجد في صلاة الظهر باشتراكه مع الرافضة في نفس العمل؟ فأجاب الشيخ: لا أرى أن تخرجوهم من المسجد، بل أرى أن تمكنوهم من المسجد ليصلوا، ولكن يجب عليكم أن تناصحوهم، وألا تيأسوا من هداية الله لهم؛ لأن الله عز وجل على كل شيءٍ قدير، وقد بلغني أنه -ولله الحمد- بدأ منهم أناس يتحررون من رقِّ مذهبهم ويلتحقون بمذهب أهل السنة والجماعة) [فتاوى الباب المفتوح، ل6]
وللشيخ ابن عثيمين فتاوى أخرى كثيرة في المداراة الدعوية للشيعة والتلطف لهم لهدايتهم إلى الحق، كل هذا مع حسم الشيخ ووضوحه في بيان ضلال الرافضة وتنبيه أهل السنة وتعليمهم مخاطر الضلالات الشيعية، والجمع بين الأمرين هو طريقة الربانيين، بخلاف التغريبيين الذين يتلطفون لهم لكن لا يصدعون بضلالهم!

فالمراد أن التعايش المطلوب هو حفظ الحقوق المعيشية للشيعة، وليس السكوت عن ضلالهم وانحرافاتهم، وأهل السنة يجمعون الأمرين دوماً، فيحفظون لهم حقوقهم المعيشية ولا يظلمونهم، ولكنهم يبينون الحق ويصدعون بإبطال الباطل.

وأحسن من تكلم عن المسألة الشيعية وبيان مراتب التعايش هي رسالة محررة للغاية للشيخ سفر الحوالي بعنوان (الأقلية حين تتحكم في الأكثرية) نشرت بتاريخ 29/4/1424هـ، ولا أعلم للمعاصرين رسالة أكثر تحريراً منها، ولو استشارني أحد إخواني في قسم العقيدة أو السياسة الشرعية أو الثقافة الإسلامية عن موضوع لرسالة ماجستير لنصحته بدراسة هذه الرسالة الحوالية المذهلة، ولا زلت والله أعجب من دقة أبي عبدالرحمن حين حررها.

على أية حال .. كنت مرةً أتأمل المعاناة المدنية التي يعيشها المجتمع السعودي كأزمة الإسكان والتعليم والصحة والطرق، وأقارن ذلك كله بما تكتبه تلك الأقلام التي تسمي نفسها أقلاماً وطنية ونهضوية وتنموية ومدنية وحضارية الخ فلا أجدها تقدم أية حلول عملية لمعاناة هذا البلد المسكين .. بل عامة ما يكتبون لا يكاد يخرج عن ثلاثة قوائم (طرح الشبهات، والترصد للفتاوى، وتخذيل المحتسبين) !

فهؤلاء لم يعالجوا الأزمة المدنية .. ولم يدعوا العقيدة والشريعة في حالها !
والله أعلم،،
أبو عمر
شعبان 1431هـ
18 يوليو 2010

القبعة المخفية

تعليق واحد

 
الحمدلله وبعد،،
دعونا نتخيل المشهد التالي: لوجاءنا رجل ينسب نفسه إلى المشيخة والفتيا، وأخذ يردد أن (العبرة بالكتاب والسنة) وأن المرجع الحاكم هو (النص الشرعي) لا غير، فكلامه هاهنا تنظير صحيح لا غبار عليه، لكن حين جئنا لجرد فتاوى هذا المنتسب للمشيخة وجدناه يفتي في كل المسائل بما يوافق مراد السلطان، ولا يخرج عن ذلك قيد شعرة، سواءً كانت المسألة تتعلق بالعقيدة أو أموال الناس أو المسائل السلوكية الخ.
 
وكلما قال له الناس: أنت لا تتبع النص وإنما تتبع مراد السلطان؟ قال لهم: بالعكس، أنا أتبع النص، وكل المسائل التي أفتيت بها عندي فيها نصوص شرعية، وكلها أفتيت بها بعد البحث والتأمل والنظر في النصوص، وهذا ما أدين الله به، ويجب عليكم إحسان الظن، وأن تبعدوا عن أنفسكم قلق اتباع السلطان، واستحضار هذه العلاقة، الخ.
 
سؤالي هنا: هل تتوقع أن الناس سيصدقون هذا الشخص؟ وأنه فعلاً لم يكن يتبع هوى السلطان في كل هذه المسائل وإنما وافقه عَرَضاً هكذا؟ يعني أن توافُق عامة فتاواه مع مراد السلطان إنما وقع اعتباطاً ومصادفةً لا عن ميول مسبقة؟
 
بالطبع لن يصدق الناس ذلك، لكن كيف توصل المتلقون إلى التأكيد بأن هذا الشخص ليس مرتبطاً بالنصوص بقدر ما هو مرتبط بمؤثر خارجي يحمل النصوص عليه؟
 
الحقيقة أن المتلقي لا يكتشف ذلك من الكلام النظري الذي يردده هذا الشخص حول اتباع النص، ولا من الفتوى الواحدة والاثنتان، وإنما من مجمل سلوكيات الخطاب.
 
ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أن ما يكشف التوجه الحقيقي للخطاب ليس (القاعدة المعلنة نظرياً) ولا (المسألة والمسألتان) ، وإنما (كثرة المسائل) هي التي تكشف القواعد الفعلية المضمرة، فالقواعد المتبناة فعلياً تسري في التفاصيل ويستخلصها المتلقون منها فيعرفون أصول الشخص من خلال انبثاثها في تطبيقاته ومواقفه، والقواعد منبثة في الفروع كانبثاث الأعصاب في جسم الإنسان.
 
هل هذا معنى جديد؟ لا، أبداً، فقد نبه المحققون من أهل العلم بشكل مبكر على أن كثرة التطبيقات تكشف القواعد الحقيقية للشخص حتى وإن لم يصرِّح بها، ومن هذه التنبيهات الرائعة مقولة شيخ غرناطة العلامة الشاطبي -رحمه الله- في الاعتصام حيث يقول (ويجرى مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات) [الاعتصام للشاطبي، 2/201] وهذا الاقتباس من عيون تجليات الشاطبي رحمه الله.
 
حسناً انتهينا الآن من مشهد فقيه السلطان دعونا ننتقل لمشهد آخر:
لو جاءنا شخص ينتسب إلى التجديد الديني وقال لنا أن مشروعه هو تجاوز التقليد، ونبذ المألوفات التي نسبت للشريعة خطأً، وإعادة فحص الفتاوى الشائعة، وأن لا عبرة إلا بالنص الشرعي فقط، وأن هذا هو الطريق لنهضة الفقه وتقدم الخطاب الديني.
فما رأيكم في هذا الكلام؟
بالنسبة لي –شخصياً- أرى أن هذا تنظير في غاية الروعة، ولا يستطيع باحث موضوعي كائناً من كان أن يعترض عليه، بل هذا مطلب شرعي أصلاً.
 
لكن حين جئنا للمواقف الجزئية والفروع والتطبيقات وجدنا هذا الشخص يحاول أن يميل بالمسائل لموافقة الفكر الغربي والقيم الغربية والثقافة الغربية، أو على الأقل عدم التصادم بها.
 
فإذا كان الحكم الشرعي يتصادم مع مقررات الثقافة الغربية تطلب له المخارج، فإن كان الحديث فيه مدخل تشبث بتضعيفه وصار من المتشددين في التصحيح، وإن كان الحديث ثابتاً لا مدخل عليه لكن يوجد حديث ضعيف معارض له قفز إليه وصار في غمضة عين آخذا بمنهج المتساهلين في قبول الأحاديث وأن التشدد في الأسانيد خطأ.
 
فإن كان الحديث صحيحاً ولا معارض له؛ نبش التراث بحثاً عن مخالف، فتارة يقول لك نُقِل عن ابن شبرمة، وتارة يقول لك نُقِل عن أبي ثور، وهو لا يعير هؤلاء أصلاً أدنى مرجعية لكن يبحث عن أقرب مخرج طوارئ، وصار “مجرد” وجود الخلاف مبرراً لترك الحكم الشرعي المعارض للثقافة الغربية.
 
فإن لم يجد مخالفاً في التراث الإسلامي يظهر لك -وإن كان على خجل أحياناً- بعبارات تتحدث عن أن تجربة السلف تجربة عظيمة لكنها لا تلزمنا!
أو يبدأ يتحدث عن المقاصد الشرعية وأننا أهلمنا المقاصد ولم نفهم المقاصد ولا زلنا نجهل الشاطبي الخ وطبعاً يعني بالمقاصد ليست المقاصد الشرعية كما يعرفها الأصوليون وأهل العلم وإنما يقصد تحويل النصوص الجزئية إلى معني سيال لا ينضبط، وغالب من يردد المقاصد في هذا السياق يعنون بالمقاصد تعطيل حجية النصوص الجزئية، ويظن أن هذا هو معنى المقاصد.
 
لماذا كل هذا الدوران؟ لأنه تشبع بالثقافة الغربية المهيمنة وصار يرى بمنظارها ويحاكم الأمور إليها بشعور، وهو قليل، وبلا شعور، وهو الأكثر ..
أنا لا ألوم الغربي أن يقيّم المسائل طبقاً لما تقرؤه عينه الزرقاء .. لكني ألوم العربي أن يقيِّم المسائل بعين مزرقّة..
 
حسناً .. دعونا نضرب أمثلة: طوال تاريخ الإسلام كان فقهاء وقضاة الصحابة والتابعين وأتباع التابعين يعملون بـ “حد المرتد” بلا أية إشكالات جذرية .. ثم بعد تصرم خمسة عشر قرن تفاجأنا بأن هذا كان خطأ في فهم الإسلام، أي أن الدماء التي حكم فيها قضاة الصحابة والتابعين وأتباع التابعين كانت كلها خطأ، والذي فهم الحكم الشرعي هم مجموعة من المفكرين المعاصرين!
 
وطوال تاريخ الإسلام كان فقهاء الصحابة والتابعين وأتباع التابعين ثم المذاهب الأربعة يتحفظون في العلاقة بين الرجل والمرأة، وفصّلوا كثيراً من أحكام الذرائع فيها، ثم فجأة وفي هذا العصر صارت أحكام المرأة تمثل “أزمة” !
يالطيف يارب .. يعني معقولة كل هاتيك القرون ما فهمت حكم الله ورسوله وفهمه مجموعة من المفكرين المعاصرين؟!
 
وهكذا كان فقهاء ومجاهدي الإسلام جميعاً وبلا استثناء يقررون جهاد الطلب ويذكرون أحكامه الشرعية، ومافتوح الإسلام وغزوات المجاهدين في أصقاع الأرض إلا جهاد طلب؛ ثم جاءنا هؤلاء وصاروا يتطلبون المخارج لجهاد الطلب.
 
وهكذا كان فقهاء القرون المفضلة والمذاهب الأربعة يقررون الحسبة والإنكار ويذكرون تفاصيل نصوصها وأحكامها الشرعية، ثم بعد كل هذه القرون جاءنا مجموعة من المفكرين وقالوا كل هذا خطأ، وإنما يفرق في المنكر بين التعدي على الآخرين وبين المنكر الشخصي، فالمنكر الشخصي الذي لا يضر الآخرين لا إنكار فيه.
 
من أين يا أحبابنا أتيتم بهذا الضابط الجديد في فريضة الحسبة والإنكار؟ هل هذا هو المبدأ الغربي (تنتهي حريتك حين تبدأ حرية الآخرين) ؟ قالوا: معاذ الله، بل هي قراءة موضوعية غير تقليدية للنصوص الشرعية!
 
ما الجديد في حد الردة، وما الجديد في أحكام المرأة، وما الجديد في أحكام الكافر، وما الجديد في الحسبة والإنكار؟ هل هناك وحي نزل بعد محمد صلى الله عليه وسلم؟ هل هناك أحاديث نبوية جهلها فقهاء الصحابة والتابعون وعرفها هؤلاء؟ ما الجديد ياترى؟
 
الجميع يدرك وبأبسط ملاحظة أنه لا جديد أصلاً في المعطيات الشرعية، وإنما الجديد هو أن تلك العقول تشبعت بثقافة الانسان الغربي وصارت تميل إلى موافقته، وتريد أن تقنع نفسها، وتقنعنا معها، أنها في كل هذه الانحيازات لثقافة الغربي أنها قراءة تجديدية مستقلة موضوعية محايدة تفتح باب الاجتهاد وبعيدة عن أي مؤثرات غربية.
 
كل هذه التفاصيل والمسائل التي وليتم وجوهها شطر البيت الأبيض وقعت هكذا اتفاقاً ومصادفةً ؟ معقولة يا جماعة؟
 
المهم .. لو جاءنا هؤلاء وقلنا لهم: أنتم تتبعون الثقافة الغربية ولا تتبعون النصوص الشرعية، فقالوا لنا: أبداً، هذا ظلم وتجني، كل المسائل التي عملنا فيها لنا فيها وجه شرعي، وما حدث من موافقة الفكر الغربي في هذه المسائل فهي موافقة عرضية وليست مقصودة.
فهل ياترى سيصدق الناس ذلك؟
اشهدوا علي بالبلاهة إن صدقت ذلك ..
 
ياجماعة هذا والله إزراء بالعقول أن نصدق أن أحكام وأصول شرعية بعد خمسة عشر قرن تم تغييرها إلى ما يوافق ثقافة الغربي ويقول لنا أصحابها أن هذا كان بعد بحث لهم ونظر في النصوص!
 
يالبراءتهم وطيبتهم وهم يدّعون ذلك!
بل كل من ظهرت في تطبيقاته هذه الميول علمنا قطعاً أن تحت عمامته قبعة مخفية..
 
والمراد أنه إذا جاءنا رجل وسكب علينا مقطوعات لذيذة في تعظيم النص وحجيته، وأنه مقدم على كل الآراء والأذواق والثقافات، ثم كلما جاء لمسألة شرعية حرفها لتوافق الثقافة الغربية، تارة بتضعيف لفظ النص، وتارة بتأويل معنى النص، فهاهنا يتبين من كثرة هذه الجزئيات أن لدى هذا الرجل أصلاًَ بدعياً وهو “تغريب الفقه الإسلامي” حتى ولو لم يصرح بهذا الأصل المنحرف، بل حتى لو صرح بنقيض هذا الأصل.
 
وقد نبه القرآن إلى سر هذه المسألة وهي أن الاحتكام للنص ليس مجرد قاعدة معلنة، بل يجب أن يظهر في التطبيقات والفروع، كما يشير القرآن لذلك في قوله تعالى:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) [النساء 60]
فهم نظرياً أعلنوا الإلتزام بالنصوص، وعملياً تولوا عنها..
 
كما نبه القرآن إلى ظاهرة (العلاقة البراجماتية مع النص) وهم أولئك الذين يتمسكون بالنصوص إذا كانت تؤدي إلى أهوائهم، ويتملصون منها إذا عارضت أهواءهم، كما يقول تعالى: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ** وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) [النور 48]
 
وخلاصة الأمر .. أن مَن أكثر من حمل النصوص والأحكام على موافقة الثقافة الغربية وعدم مصادمتها؛ علمنا أن هذا أصل خفي عنده يتحكم في تفكيره الفقهي حتى وإن لم يصرح به، وهذا نظير من لاحظ الناس عنده كثرة حمل الفتاوى ومعاني النصوص على هوى السلطان، فإنهم يعلمون أن هذا أصل مضمر عنده، حتى لو أزعجهم بكثرة حديثه أن الأصل عنده هو اتباع النصوص، بل حتى لو صرح هؤلاء بذم هذا الأصل فإن كثرة الفروع كاشفة له.

والله تعالى أعلم.

أبو عمر
شعبان 1431هـ
15 يوليو 2010

وليمة الصفار

2 تعليقان

الحمدلله وبعد،،
في محافظة القطيف، وفي حي أرستقراطي فاخر، وتحديداً على شارع الأندلس؛ يتربع منزل الرمز الديني الشيعي حسن الصفار.. ومن خلال منزله ومكتبه هذا دشن الصفار مشروعاً منذ عدة سنوات يستضيف فيه بشكل دوري شخصيات سنية على موائد فاخرة لإلقاء كلمات عن التعايش بين السنة والشيعة والتسامح المذهبي والتقارب، وضرورة إصلاح الأخطاء التاريخية..

المزيد

شبهة حرية المنافقين

2 تعليقان

-مدخل:
الحمدلله وبعد،، تتمتع شبهة ترك الرسول للمنافقين بتاريخ متقدم نسبياً، حيث كانت تستعمل هذه الشبهة كواحدة من أهم الأدوات لتعطيل العقوبات الشرعية، والتشويش على جهود المصلحين والمحتسبين.

ومن أئمة الدين الذين تمت مواجهتهم بهذه الشبهة الإمام محمد بن عبدالوهاب، حيث كان هناك طالب علم يقال له (أحمد بن عبدالكريم) وهو من أهل الأحساء، وفي بداية أمره نصر التوحيد وعارض سدنة القبور، ثم إن عدداً من دعاة الشركيات أغروه بشئ من الدنيا فانتكس، ثم راسل الشيخ محمد بن عبدالوهاب يخبره بتراجعه عن مواقفه الأولى واحتج بجملة أمور منها أن النبي ترك المنافقين، فرد عليه الشيخ محمد بن عبدالوهاب برسالة موجودة في الرسائل الشخصية للشيخ وهي الرسالة الثالثة والثلاثون، يقول الشيخ محمد رحمه الله:
 (ولكن العجب من دلائلك التي ذكرت كأنها أتت ممن لا يسمع ولا يبصر، أما استدلالك بترك النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن بعده تكفير المنافقين وقتلهم؛ فقد عرف الخاص والعام ببديهة العقل أنهم لو يظهرون كلمةً واحدة أو فعلاً واحداً من عبادة الأوثان أو مسبة التوحيد أنهم يقتلون أشر قتله، فإن كنت تزعم أن الذين عندكم أظهروا اتباع الدين ولم يبق إلا أشياء خفية تظهر على صفحات الوجه أو فلتة لسان في السر، وقد تابوا من دينهم الأول، وقتلوا الطواغيت، وهدموا البيوت المعبودة؛ فقل لي) [الرسائل الشخصية، الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ص215]

وفي عصرنا هذا أخذت شبهة ترك المنافقين بعداً آخر، فإن غالب من كتب عن حرية الرأي، أوشرعنة الديمقراطية وحقوق الإنسان، أوإنكار حد الردة، تحت ضغوط الآيديولوجيا الغربية فإنك تجده يحتج بشبهة ترك النبي للمنافقين، ولايمكن عرض كل من استعمل هذه الشبهة، لكن يمكن لنا أن نشير لبعض النماذج:

من الواضح أن هذه الشبهة طرحت وراجت مبكراً منذ أيام مايسمى برموز النهضة الأوائل كالأفغاني وعبده، والعامل الذي يوحي بذلك أننا نجد الأستاذ رشيد رضا (ت1935م) يرد على هذه الشبهة في مواضع من تفسيره، ومن نماذج ذلك قول الأستاذ رشيد رضا:
(فإن قيل إن مقتضى حرية الدين التي امتاز بها الإسلام في معاملة أهل الكتاب أن يسمح للمنافقين بأن يظهروا كفرهم؟ قلنا: إن الجمع بين إظهار كفرهم وحسبانهم من المسلمين، لهم ما لهم من الحقوق وليس عليهم ما عليهم من الواجبات؛ تناقض لا يقول به عاقل..، فإن قيل: إن القرآن قد فضح بعض المنافقين في هذه السورة وحكم بكفرهم ، ولم ينفذ النبي -صلى الله عليه وسلم- عليهم أحكام المرتدين عن الإسلام، بل بقي يعاملهم هو وأصحابه معاملة المسلمين؟ قلنا: إن ما بينه الله تعالى من حال المنافقين إنما كان وصفا لأناس غير معينين بأشخاصهم..، وكان الذين عرف النبي وبعض أصحابه أشخاصهم قليلين جداً). [تفسير المنار، التوبة، 129]

ومن أوائل من استعمل هذه الشبهة –أيضاً- الشخصية الأزهرية الجدلية عبدالمتعال الصعيدي (ت1966م) في كتابه (الحرية الدينية في الإسلام)، وقد لاحظت أن عدداً من من مؤرخي الفكر السياسي العربي اعتنو بأطروحات الصعيدي، لكن اللافت أن الصعيدي نفسه في كتابه الآخر (السياسة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين) المنشور 1961م دافع فيه دفاعاً مستميتاً عن حرب أبي بكر للمرتدين (ص60)
 
وممن استعمل هذه الشبهة –أيضاً- الدكتور المصري المعروف أحمد صبحي منصور وهو من غلاة العلمانيين، وكان مدرساً بجامعة الأزهر، ثم طرح عدة كتب تضمنت إنكار السنة النبوية، فجرت بينه وبين علماء الأزهر سجالات انتهت بفصله من الوظيفة عام 1987م، وكان لهذه الحادثة دوي وضجيج في الساحة الفكرية المصرية، فاستمر حانقاً على علماء الأزهر، وفي عام 1994م نشر دراسة بعنوان (حرية الرأي بين الإسلام والمسلمين) وحاول أن يؤسس فيها مفهوم الحرية بناء على آيات المنافقين، ويقول الدكتور في إشارة لمن انتقده: (رددت عليه باننى استشهد بآيات القرآن الكريم وهى التى تضمنت تقريراً كاملاً عن حرية المنافقين القوليه والفعليه، وأمر النبى والمؤمنيين بالإعراض عنهم).

وقد استمر الدكتور أحمد صبحي منصور في عرض هذه الشبهة في كتبه الأخرى ومنها كتابه عن (الحسبة) الذي نشره عام 1995م حيث يقول فيه:
(كان تآمر المنافقين يبلغ درجة الخيانة العظمى حيث كانو يتحالفون مع أعداء الدولة، أو يتآمرون معهم ضد المسلمين وقت الحرب، أي أنه كانت للمنافقين كأفراد وجماعات حرية المعارضة للدين والدولة كيفما شاؤوا، وكان القرآن ينزل يحكم بكفرهم، ويفضح تآمرهم، ولكن يأمر النبي والمؤمنين بالإعراض عنهم، اكتفاء بما ينتظرهم من مصير بائس يوم القيامة) [الحسبة: دراسة أصولية تاريخية، د.أحمد صبحي منصور، ص61].

وفي عام (2003م) نشر الدكتورحاكم المطيري كتابه ذائع الصيت (الحرية أو الطوفان)، لكنه في سبيل شرعنته لمفهوم الحرية الغربي فإنه لم يشر إلا إشارة عابرة لكون النبي لم يتعرض للمنافقين (الحرية أو الطوفان، ص61) بينما كثف تأصيله على ماذكره الفقهاء من الحالات التي لايقاتل فيها البغاة والخوارج، وبعج هذه الحالات ومططها وأخرجها عن سياقها ليركُز فوقها مفهوم الحرية الغربي، والحقيقة أن الدكتور حاكم بعد كتابه الأخير (الفرقان بين حقائق الإيمان وأباطيل الشرك والطغيان) المنشور في 2010م اتضح فيه بشكل حاد مناقضته الجوهرية لتيار التنويريين والاصلاحيين في مسائل (التكفير والخروج) واقترابه من لغة عبدالسلام فرج صاحب الفريضة الغائبة.

وفي عام 2006م نشر الدكتور طه جابر العلواني بحثاً بعنوان (لا إكراه في الدين) احتج فيه على الحرية وتعطيل حد الردة بجملة أمور منها ترك النبي –صلى الله عليه وسلم- قتل المنافقين.

ثم إن الكاتب الانترنتي المعروف زائر الوسطية (=سعيد الكثيري) قام بتصميم كتاب نشره قبل عدة سنوات على شبكة الانترنت اسمه (تجديد فهم الوحي) (www.tajdeedat.com) وقد رأيته أول مرة على الشبكة عام 2007م ولا أدري هل وجد قبل ذلك أم لا، وذكر فيه آيات النفاق محتجاً بها على الحرية، وكان يستل منه أجزاءً ويعيد حقنها في المنتديات الحوارية بشكل دوري، ويستغل غالباً أي جدل يثار هنا أوهناك في المنتديات الحوارية ليدخل في الجدل ويقحم أجزاءً من مادة كتابه (انظر مثلاً ذات آيات النفاق نشرها بمنتدى محاور بتاريخ 21/4/2007م).

ثم في فترة لاحقة قامت الشبكة العربية للأبحاث والنشر بطباعة هذا الكتاب بنفس العنوان (تجديد فهم الوحي) لكن وضعوا للمؤلف اسماً مستعاراً آخر وهو (ابراهيم الخليفة).

وسأعرض جزءاً مختصراً مما قاله الأستاذ ابراهيم الخليفة (=زائر الوسطية) في كتابه هذا حول دلالة آيات النفاق على الحرية، يقول المؤلف:
(لقد قال المنافقون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفعلوا أسوأ مما قاله وفعله الكثير من المخالفين للدين في عصرنا. ماذا كان يقول المنافقون في عهد الرسول عن أنفسهم وعن الصحابة ؟!.
كانوا يقولون إنهم مصلحون ، ويصفون الصحابة بأنهم سفهاء:
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ)
المنافقون كانوا يبغضون مجتمع المؤمنين ويحملون العداء لأهله :
( قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)
المنافقون كانوا يدعمون أعداء مجتمعهم ولو بالأقوال والآراء والوعود :
( أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُـونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْـلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ).
كان المنافقون يكذبون على الرسول: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ)
كانوا كافرين بالفعل ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا).
كانوا يرفضون استغفار الرسول لهم (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ)
كانوا يتآمرون على فقراء الصحابة ليتفرقوا عن الرسول ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا).
في قلب الأزمات كانوا يستخفون ويستهزئون بوعود الرسول لهم (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا).
كانوا يخذلون الرسول والصحابة في أحلك الظروف ويسعون إلى استثارة النزعات وتفريق صفوف المسلمين ( وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا . وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَـا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا).
بعض المنافقين لم يكونوا يشككون في نزاهة الصحابة أو العلماء والقضاة ، بل كانوا يشككون في نزاهة الرسول :
( وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُـوا مِنْهَا رَضُـوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَـوْا مِنْهَا إِذَا هُـمْ يَسْخَطُونَ ).
بعض المنافقين كانوا يؤذون النبي ويصفونه بأنه جاسوس :
(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ)؟
هل يتحمل الموقف من قيمة الحرية أي اختلاف أو توقف أو تحفظ ؟. وهل تكفي الآيات التي تم عرضها لإثبات مشروعية وضرورة إعادة ترتيب سلم القيم ؟!.) [تجديد فهم الوحي، ابراهيم الخليفة، ص447، مع حذف بعض الفقرات].

-قصة المادة المستعارة:
وممن تابع هذا الاتجاه الأستاذ نواف القديمي، حيث أعاد عرض ذات المادة التي صاغها زائر الوسطية -مع شئ من الاختصار- في ثلاثة مواضع: في كتابه أشواق الحرية (ص56) حيث استعارها القديمي للرد على موقف السلفية من الديمقراطية، ثم استعار ذات المادة مرةً أخرى في مقالته (على هامش فتوى البراك) وكانت رداً على فضيلة الشيخ الإمام عبدالرحمن البراك، ثم استعارها مرةً ثالثة في مقالته (هامش الحرية والورطة أمام النص الشرعي) للرد على المشايخ الفضلاء (فهد العجلان، محمد القصاص، بدر باسعد، عبداللطيف التويجري). وفي كل المواضع الثلاث لم يشِر الأستاذ القديمي للمصدر الذي استعار منه هذه المادة.

وقد وقعت لي قصة طريفة مع هذه المادة، ذلك أنني حين قرأت كتاب الأستاذ القديمي (أشواق الحرية) فور صدوره مر بي قول الأستاذ:
(وكانوا يؤذون النبي ويصفونه بالتجسس: “وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ”)[أشواق الحرية، القديمي، 57]

وهي نفس العبارة التي أعادها في مقالته في الرد على البراك، فتوقفت محتاراً أمام هذا التفسير، حيث فسر الأستاذ القديمي قوله تعالى “هو أذن” بأنه اتهام للنبي بالتجسس، بينما كنت أتذكر أنه قد أشكل علي معنى الآية قبل سنوات فراجعت على عجل تفسير ابن كثير فوجدت المعنى أن العرب تقول للشخص “أُذُن” أي يقبل ويصدِّق كل مايقال له، لكني تهيبت أن أخطّئه وقلت في نفسي لعله اطلع على هذا المعنى في أحد كتب التفسير الموسعة.

ثم بعد فترة راجعت التفاسير العشرين المشهورة: الطبري، وابن أبي حاتم، والبغوي، وابن كثير، وابن عطية، وابن الجوزي، والزمخشري، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والخازن، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي، وابوالسعود، والشوكاني، والقاسمي، والألوسي، والسعدي، وابن عاشور.

وفي كل هذه التفاسير العشرين لم أجد أحداً من أهل العلم قال أن معنى “هو أذن” أي جاسوس، وإنما كلهم يؤكدون أن معناها أنه يصدق ويقبل مايقال له، أي أرادو تنقصه –صلى الله عليه وسلم- بالانخداع والاغترار والغفلة، وهذا معنى لاصلة له بالجاسوسية!
ومع ذلك بقيت متحيراً من أين أتى الأستاذ القديمي بهذا التفسير لعبارة (هو أذن) بأنها التجسس؟

ولما أعدت قبل أمس مطالعة كتاب زائر الوسطية وجدت المفتاح، حيث وجدت زائر الوسطية (=ابراهيم الخليفة) يقول في كتابه ذات العبارة:
(كان بعض المنافقين يؤذون النبي ويصفونه بأنه جاسوس “ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن” ) [تجديد فهم الوحي، ابراهيم الخليفة، 452].

وكانت هذه الواقعة بالنسبة لي نموذجاً جديداً لمخاطر القص واللصق، سيما بلا عزو ولا نسبة.
وظني أن سبب خطأ (زائر الوسطية) في هذا التفسير هو أنه رأى بعض أهل اللغة يقولون أن وصف من يسمع ويصدّق مايقال له بأنه (أذن)، يشبه وصف الجاسوس بأنه (عين)، فكلاهما سمي بالجارحة المناسبة، فاختلطت الأمور عند زائر الوسطية فسمى من يصدق مايقال له جاسوساً، أي أنه سمى الأذن عيناً! والواقع أن هذا تشبيه للعلاقة بالعلاقة لاتشبيه للجارحة بالجارحة!

ولما قرأت قول الأستاذ القديمي في كتابه ومقالته عن المنافقين:
(وكانوا يُظهرون البغضاء للمؤمنين: “قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ” )
توقفت أيضاً، لأن هذه الآية يذكرها أهل العلم في باب الولاء والبراء عن أهل الكتاب، وأول الآية “بطانة من دونكم” وأتبعها بقوله “وتؤمنون بالكتاب كله” بما يؤكد هذا المعنى أنها في أهل الكتاب، لكن قلت في نفسي لعل الأستاذ القديمي يجعل هذا الصنف من أهل الكتاب من المنافقين، سيما أن هناك من أهل العلم من ذهب لذلك.
لكن لما طالعت كتاب زائر الوسطية ووجدت ذات العبارة فيه، استبان لي أن الأمر لايعدو كونه قص ولصق، يقول زائر الوسطية في كتابه:
(المنافقون كانوا يبغضون مجتمع المؤمنين ويحملون العداء لأهله: (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) [تجديد فهم الوحي، ابراهيم الخليفة، 447]

ولما قرأت في كتاب الأستاذ القديمي ومقالته قوله:
(وكانوا يتآمرون على رسول الله: “هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا”).
لم تتضح لي العلاقة! فالمنافقون يرفضون الإنفاق على “من عند رسول الله” وليس على “رسول الله”، فلا أدري لماذا جعلها مؤامرة على الرسول، ولم يجعلها مؤامرة على الصحابة الذين عند رسول الله؟
ولما قرأت كتاب زائر الوسطية تبين لي أن عملية الاختصار هذه المرة كانت عاجلة بالشكل الذي سبب هذا القفز في المعنى، حيث يقول زائر الوسطية:
(كانوا يتآمرون على فقراء الصحابة ليتفرقوا عن الرسول “هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا” ) [تجديد فهم الوحي، ابراهيم الخليفة، 448].

ثم استمر الأستاذ القديمي في استعارة المادة، بذات آياتها، وبذات وجوه الاستدلال من كل آية، مع شئ من الاختصار والتصرف أحياناً، ومن ذلك مثلاً:
يقول زائر الوسطية:
(كانوا يخذلون الرسول والصحابة في أحلك الظروف ويسعون إلى استثارة النزعات وتفريق صفوف المسلمين “وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا” )

ويتابعه الأستاذ القديمي:
(وكانوا يخذِلون المُجتمع المسلم في أحلك ظروفه وأزماتِه: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرَاراً).

ويقول زائر الوسطية:
(كانوا يستخفون ويستهزئون بوعود الرسول لهم “وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا” )

ويتابعه الأستاذ القديمي:
(بل ويكفُرُون بموعود الله وحديث رسوله “وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورا” )

بل ومن الطريف أن الأستاذ القديمي حافظ على ترتيب أكثر الآيات كما رتب عرضها زائر الوسطية في كتابه المشار إليه.

والحقيقة أنني لم أكن أستبعد أن يستفيد الأستاذ القديمي من كتاب زائر الوسطية (=ابراهيم الخليفة) المسمى تجديد فهم الوحي، لأن الأستاذ القديمي هو الذي قام على طبع الكتاب عبر مؤسسته الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ومن الطبيعي أن يكون طالع الكتاب قبل نشره بمدة كافية، لكنني كنت آمل أن لاينسب هذه المادة لنفسه ويستعملها في ثلاثة معارك دون أن يشير ولو إشارة بسيطة إلى أنه نقل المادة من كتاب زائر الوسطية (=ابراهيم الخليفة).

ومن جانب آخر فإنني أعتب على الأستاذ القديمي كيف يخوض في تفسير القرآن بناء على قص ولصق من كتاب زائر الوسطية، والجميع يعرف أن زائر الوسطية صاحب تفكير غرائبي لاعقلاني، فهو مهجوس بتأويل النبوءات، مثل حماسه لإثبات أن المسيح الدجال هو الحضارة الغربية، وخوضه سجالات إلكترونية كثيرة لإثبات ذلك، ومن ذلك قوله (فإننا لا نتردد في الزعم بأن المسيح الدجال هو الغرب الحديث أو  الحضارة الغربية) (انظر: موقع تجديد فهم الوحي). ومن أفكاره الخرافية أن فتنة قرن الشيطان هي دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب كما يقول في كتابه (في أفكار الشيخ وفي جهوده جوانب غلو حقيقية ومؤكدة تدور حول مسائل التكفير والعنف، وهذه في تقديرنا هي المقصودة بنبوءة قرن الشيطان) (تجديد فهم الوحي، ص91).

ومن أفكاره التي طرحها –أيضاً- القول بجواز إلغاء حد رجم الزاني المحصن وجلد شارب الخمر (تجديد فهم الوحي، ص149، 150)، بل والأكثر إضحاكاً من ذلك أنه يعتقد أن الصلوات المفروضة الواجبة إنما هي الصلوات الجهرية (المغرب، الفجر، العشاء) أما صلوات النهار (الظهر، العصر) فيرى أنها مستحبة فقط فيقول (إن الصلوات الجهرية تدخل في إطار الواجبات الثابتة والمستمرة، أما بقية الصلوات فتدخل ضمن قسم التزكية) (ص160) ثم شرح استنباطاته العجائبية التي أوصلته لهذه النتيجة، وله من أمثال هذه التقليعات اللاعقلانية الكثير فكتاباته تحمل على محمل الطرافة والتسلية والفكاهة وليست بحوثاً علمية!

بل كنت أتساءل كيف تطبع (الشبكة العربية للأبحاث والنشر) مثل هذا الكتاب الذي يجحد فرضين من الصلوات الخمس التي هي عمود الإسلام، ويجحد جملة من الحدود الجنائية الشرعية، ويجعل دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب قرن الشيطان؟! ثم يقولوا نحن من أهل السنة الحريصون عليها؟! هل رأيتم في حياتكم رجلاً ملتزماً بأصول أهل السنة يروج لكتاب ينكر صلاتين من الفرائض الخمسة ويجحد حدود الله ورسوله ويتهم أئمة الإسلام بأنهم قرون الشيطان؟!

على أية حال .. كان من الخطأ الفادح أن يُعتمَد على صياغة مثل هذا الرجل الغريب الأطوار -أعني زائر الوسطية- وتفسيره لآيات النفاق ووجه دلالتها على هامش الحرية، ثم تستعمل هذه المادة المستعارة في ثلاث معارك ضد السلفية، والإمام عبدالرحمن البراك، وجملة من طلبة العلم! فهذا ما كان تحاشيه خير من تقحّمه، لكن قدر الله وماشاء فعل.

-سُنيّة نتائج الشبهة:
قبل أن نناقش هذه الشبهة كما صاغها زائر الوسطية واستعارها الأستاذ القديمي، دعونا نسلط الضوء على هذه القضية من زاوية أخرى.

كنت أسمع التنويريين والإصلاحيين يرددون بأنهم ملتزمون بأصول أهل السنة، ويبدون انزعاجهم وتبرمهم من أي رجل يضعهم في مواجهة أصول أهل السنة وجهاً لوجه.
حسناً .. دعونا نختبر صحة دعوى تمسك التنويريين والإصلاحيين بأصول أهل السنة، لن نختبر هذه الدعوى بتمحيص جميع مقالاتهم وأفكارهم، بل سنختبرها على ضوء فكرة واحدة فقط من أفكارهم، وهي (شبهة حرية المنافقين)، ولاحظ معي أنها مجرد فكرة واحدة فقط من أفكارهم.

اتفق أهل السنة بجميع طوائفهم على عقوبة ساب النبي، والجمهور يبلغون بالعقوبة القتل، قال ابن المنذر (أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي -صلى الله عليه و سلم- يقتل). بينما أصحاب شبهة (حرية المنافقين) يقولون لايعاقب ساب النبي شرعاً.

واتفق أهل السنة بجميع طوائفهم على عقوبة المرتد (وان اختلفو في بعض التفاصيل) [بداية المجتهد 2/459]، ولكن أصحاب شبهة حرية المنافقين يقولون لايعاقب المرتد شرعاً.

وهكذا تأمل في العقوبات الشرعية التي ذكرها أهل السنة، مثل: عقوبة الداعية الى البدعة، وعقوبة الجاسوس، عقوبة من يقذف الصحابة، وعقوبة المفطر في نهار رمضان جهاراً، عقوبة أي طائفة تمتنع عن شريعة من شرائع الإسلام كالأذان، الخ وقارنها بمدرسة حرية المنافقين تجد أن أصحاب هذا المذهب يؤول كلامهم إلى جحد كل العقوبات من حيث أصل وضعها الشرعي، لأنهم أتاحو الحرية لأغلظ أنواع الكفر، وصارو يقولون أن مادون ذلك فهو أولى بالحرية، فآل هذا القول إلى إلغاء كافة العقوبات الشرعية من حيث أصل وضعها الشرعي، فهذا يعني أن أبواب الحدود في الفقه الإسلامي كانت تضييعاً للوقت!

هذا اللازم الذي تورطت به هذه المدرسة يقودنا إلى اكتشاف خطأ فرضيات هذه المدرسة في تفسيرها لآيات أفعال المنافقين، إذ لوكانت فرضيتهم التفسيرية لآيات أفعال المنافقين صحيحة لما أدت لهذه النتيجة الكارثية التي تلغي عشرات النصوص والتشريعات الأخرى.

وهذه طريقة أهل السنة في تحليل تفسيرات النصوص، فإنهم يدرسون لوازم وآثار التفسيرات المطروحة، فإذا انسجمت مع بقية النصوص علموا صحتها، وإذا أدت للوازم فاسدة علمو بطلان هذا التفسير، ولذلك يقول الإمام ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه: (فساد اللازم يستلزم فساد الملزوم) وهي آلية عقلية استعملها القرآن كثيراً، وأخبر الناس بها أهل السنة.

وهذا اللازم (إلغاء العقوبات الشرعية) ليس لهم إلا أن يتراجعوا عنه، ويقرو بالعقوبات الشرعية التي قررها أهل السنة وينقضوا تفسيرهم الشاذ لآيات أفعال المنافقين، وإما أن يواصلوا تمسكهم بهذا اللازم، فعليهم هاهنا أن يكونو صرحاء مع أنفسهم ويعترفوا أنهم مفارقين لجملة من أصول أهل السنة، وعلى رأسها –في هذه المسألة- أصول أهل السنة في العقوبات والانكار والحسبة، وهي أصول كلية إجماعية وليست مسائل اجتهادية يغمض مأخذها ولايثرب فيها على المخالف.

-الجواب الإجمالي عن الشبهة:
إذا كان تفسير آيات أفعال المنافقين بهذه الصورة يؤول إلى إلغاء العقوبات الشرعية وشعيرة الحسبة والإنكار، فما هو التفسير الصحيح لهذه الآيات التي سردها هؤلاء إذن؟
هذا السؤال يقودنا الآن إلى الجزء الرئيس أو العمود الفقري لهذه المقالة، والحقيقة أن تفسير آيات أفعال المنافقين يحتاج إلى مستويين من الجواب: الجواب الإجمالي، والجواب التفصيلي عن أفراد تلك الآيات التي استدلو بها آيةً آية.

فأما الجواب الإجمالي عن هذه الشبهة فهو أن أقوال وأفعال المنافقين، أو المخالفة للشرع بشكل عام، ليست على حال واحدة، فهي إما أن تكون سراً يتداولونها بينهم –وهذا هو الأصل والغالب- وإما أن تكون ظهرت ونقلت للرسول لكنهم أنكروها أو تابو وتراجعو عنها، وإما أن تكون نقلت للرسول ولم ينكروها ولم يتوبوا عنها لكن الرسول ترك إيقاع العقوبة لمانع شرعي راجح، وإما أن تكون نقلت للرسول ولم ينكروها ولم يقم مانع وتم إيقاع العقوبة.

فأما المرتبة الأولى وهي كون أقوالهم وأفعالهم يسرون ويجتهدون في التستر بها فهي الغالب على المنافقين، ولذلك قال تعالى عنهم (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) [التوبة101] فبين أن النبي لايعلمهم كلهم بأعيانهم وأن الأصل فيهم التستر بأفعالهم.

وقال تعالى (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) [محمد30]. فبين أن الله لم يره إياهم، وإنما يمكن التعرف إليهم بالقرائن لا صراحة.

وقال تعالى (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ) [التوبة64]
فأشارت هذه الآية إلى اجتهادهم في ستر نفاقهم في قلوبهم حتى خافو أن تفضحه الآيات.

ولو قيل لأي مسلم من أعلم أمة محمد بالمنافقين؟ لقال على الفور: حذيفة رضي الله عنه. فاسمع مايقول حذيفة في صحيح البخاري (إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا يومئذ يسرون، واليوم يجهرون) [البخاري 7113].
وبسبب كون الأصل فيهم الإسرار فلذلك استحقو هذا اللقب (المنافقين) والذي تميزو به عن عامة الكفار.

وأما الحالة الثانية وهي حالة إنكار المنافقين ماينسب إليهم، وحلفهم الأيمان بجحده، فهي كثيرة ومن ذلك قوله تعالى (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ)
وقوله تعالى (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ)
وقوله تعالى (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ)
وقوله تعالى (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)

بل أخبر الله عن هذه الوسيلة عندهم كقاعدة عامة في قوله تعالى (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً) أي ترساً ووقاية يستجنون بها، فيتفوهون بالعبارات المصادمة للشريعة فإذا بلغت الرسول حلفوا ماقالوا وأنكرو وجحدو!

والباحث الموضوعي الصادق في البحث عن الحقائق الشرعية يسأل نفسه: لماذا كان المنافقون يحلفون في إنكار ماينسب إليهم؟ لو كان الأمر متروكاً لهم على سبيل الحرية فهل كانو بحاجة إلى الحلف والإنكار؟ وكونهم يحلفون منكرين جاحدين هذا يعني أن هناك “حالة استدعاء ومساءلة وتحقيق” مسبقة اضطرتهم إلى الحلف والإنكار .

وأما حالة الاقرار بالفعل والاعتذار عنه فهي كثيرة أيضاً، ومن ذلك قوله تعالى: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ)
وقوله تعالى (لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)
والباحث الموضوعي يسأل نفسه هاهنا –أيضاً- لماذا بعتذرون عن ماتثبت نسبته إليهم؟ هل لوكان الأمر على سبيل الحرية الشخصية الواسعة احتاجو للاعتذار؟

وفي بعض الأحوال قد تتحقق شروط العقوبة لكن يمنع من أقامتها مانع شرعي راجح، وهو قيام فتنة أعظم، وهذا مما كان يراعيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع ابن أبي خصوصاً، فإنه بقي في بعض القلوب حمية له لأجل مركزه السيادي السابق بين الأوس والخزرج.

وأما إذا تحققت شروط العقوبة وانتفت موانعها الراجحة، فإن النبي كان يأمر بإنفاذ العقوبة، ولذلك عاقب الثلاثة الذين خلفوا، ولما فتح النبي –صلى الله عليه وسلم- مكة أمّن الناس جميعاً إلا تسعة نفر فإنه أراق دماءهم وكان منهم: عبدالله بن سعد بن ابي السرح، ومقيس بن صبابة، وهذين كانا مسلمين ثم ارتدا. فلم يقل النبي لهم حرية الرأي!
وكذلك أصحاب النبي حين قاتل ابوبكر المرتدين، وقتل ابوبكر أم قرفة لما ارتدت بمحضر الصحابة، وقتل ابوموسى ومعاذ بن جبل اليهودي الذي أسلم ثم ارتد كما في الصحيحين.
بل إن عمر جلد صبيغ لما سأل عن متشابه القرآن، ولم يقل هامش حرية الرأي!
وفي صحيح البخاري عن (عكرمة قال أتي علي بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولقتلتهم لقول رسول الله: من بدل دينه فاقتلوه).

فهل هذه الأقضية النبوية والراشدية كلها لم تفهم آيات أفعال المنافقين بينما فهمها مجموعة من المنتسبين للفكر المعاصر الذين ليس لهم عبودية الصحابة ولا عمق علمهم بالشريعة؟! أفهذا من العقل والعقلانية في شئ؟!

وبعض هؤلاء يحتج ويقول: إن النبي يعلم بعض أسماء المنافقين حيث أطلعه الله على ذلك؟ والحقيقة أن هذا المعترض لم يستوعب أن أحكام الإسلام يجريها النبي على الظاهر، ولذلك يقول الإمام الشافعي في كتابه الأم (قد علم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن المنافقين كاذبون وحقن دماءهم بالظاهر) [الأم، الشافعي، 4/264].

-الجواب التفصيلي عن الشبهة:
مامضى هو الجواب الإجمالي عن الشبهة وهي تراوح حالاتهم بين الإسرار –وهو الأصل والغالب- وبين الإنكار أو الاعتذار أو ترك العقوبة لمانع راجح، أو الأمر بإنفاذها إذا استوفت شروطها وانتفت موانعها.

دعونا الآن ننتقل للجواب التفصيلي عن الآيات التي استدلو بها آية آية، والحقيقة أن المادة المستعارة في الرد على الشيخ البراك تضمنت (11) آية، وهي كالتالي:
1-الآية الأولى: يقول الكاتب: كانوا يصفون الصحابة بالسفهاء (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ).
الجواب: هذه الآية في سياقها ذاته نقيض ما احتجو به، لنقرأ الآية في سياقها وننظر الآية التي تعقبها مباشرة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ** وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ).
فبين الله أنهم إذا لقو الذين آمنو لم يظهرو مقالتهم هذه، بل يظهرون ضد ذلك، ولم يظهرو ضد ذلك إلا لأن الأمر ليس على سبيل الحرية.

2-الآية الثانية: يقول الكاتب: وكانوا يحرِّضون الكفار على مُجتمعهم، ويدعونهم لحرب المُسلمين: (أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُـونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْـلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) ..
الجواب: قبل أن نقرأ سياق الآية كنت أقول في نفسي: ألم يتأمل هذا المحتج ماذا يعني احتجاجه هذا؟! هذا يعني أنه لو وجدنا رجلاً يحرض أمريكا على غزو ديارنا واحتلال حقول النفط، أو يحرض إيران على العبث بأمن الحجيج في بلادنا، أورجلاً يتعاون مع الحوثيين ضد جنودنا في الجنوب، أو وجد إخواننا في حماس رجلاً يحرض الصهاينة على أهل غزة ويدعوهم لحربهم، الخ فإنه في كل ذلك لايجوز شرعاً معاقبة هذا المحرض والمؤلب على حرب المسلمين، بل يجب أن تحفظ له حريته، وهذا حق له لايجوز الاعتداء عليه! أي شرع هذا؟! وماهذا الاستنباط الذي يكفي تصوره لإبطاله!

يالله العجب كيف يذهل كثير من الكتبة عن نتائج خطيرة في سياق مشاحنتهم لأهل العلم والسنة، هذا الموضع فقط كافٍ لكشف التخبط العميق في تفسيرهم لآيات أفعال المنافقين.
 المهم .. دعونا نعود للآية، وقصة هذه الآية أن نفراً من المنافقين انطلقوا إلى بني النضير ووعدوهم بنصرتهم ضد المسلمين، ففضح الله المؤامرة دون تعيين القائل ولاتسميته بل بقيت في القرآن مكتومة مطوية، فغاية مافي الآية مؤامرة كشفت أوصافها وليست حرية رأي!

3-الآية الثالثة: يقول الكاتب: وكانوا يكذبون على الله ورسوله: (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).
الجواب: ماقاله الكاتب هاهنا هو عين مانريد إثباته، فقد كفانا إياه جزاه الله خيرا!، فنحن نقول أن المنافقين يظهرون بخلاف حقيقتهم، ويعتذرون لرسول الله أعذاراً يكذبون فيها، بل ويحلفون في هذه الأعذار كما ذكرت هذه الآية، فأذن لهم الرسول لما حلفوا له معاملةً لهم بظاهرهم، فبالله عليكم أي دلالة في اعتذار المنافقين على حرية الرأي المزعومة؟! بل هذا يفيد نقيض كلامهم وهو أن المنافقين لم يكونوا مجابهين بمصادمة الشرع بل يتدسسون ويعتذرون!

4-الآية الرابعة: يقول الكاتب: وكانوا يلمِزون الرسول عليه الصلاة والسلام: (وَمِنْهُمْ مَـنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ).
الجواب: أصل اللمز هو مايكون من التنقص في خفاء كما يقول ابن عطية في تفسيره (يلمزك: معناه يعيبك ويأخذ منك في الغيبة)، وحكي في الآية أسباب نزول غاية مافيها أن بعضهم قال للنبي (اعدل)، وقيل في الآية أن (يلمزك) أي يسألك ويطلب منك إذا أتتك الصدقات. والمراد أن كون المنافقين غاية ما استطاعو هو اللمز الذي فضح الله وصفه دون أعيان قائله هذا دليل على ضد مقصود أصحاب حرية الرأي.

5-الآية الخامسة: يقول الكاتب: وكانوا يؤذون النبي ويصفونه بالتجسس: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ).
الجواب: سبقت الإشارة إلى أن معنى “أذن” ليس هو التجسس، وإنما الاغترار بما يقال، وأن هذا التفسير الخاطئ انتقل مع المادة المستعارة كما هو. لكن لماذا قال المنافقون عن النبي أنه أذن؟ يقول الإمام البغوي رحمه الله (نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون النبي ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم “لا تفعلوا، فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا” فقال الجلاس بن سويد منهم: “بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فننكر ما قلنا ونحلف فيصدقنا بما نقول، فإنما محمد أُذُن” ).

وهذا يعني يعني أن المنافقين يعتذرون عن أقوالهم إذا بلغت النبي، وليسو يمنحون عنها حرية الرأي! ولذلك عقب القرآن بعد هذه الآية مباشرة بقوله عنهم (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ).

6-الآية السادسة: يقول الكاتب: وكانوا يُظهرون البغضاء للمؤمنين: “قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ” ).
الجواب: سبقت الإشارة إلى أن هذه الآية الأشبه أن تكون في أهل الكتاب، وهو ما مال إليه جماهير المفسرين، وأن صياغة الشبهة بهذا الشكل الأرجح عندي أنه مما تسرب مع عملية الترحيل الغامضة من كتاب زائر الوسطية.

7-الآية السابعة: يقول الكاتب: وكانوا يصدون عن رسول الله ويستكبرون عليه: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ” )
الجواب: يقول ابن كثير رحمه الله عن سياق هذه الآيات (وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي بن سلول). وقد أنكر ابن أبي مانقل عنه لرسول الله كما يقول قتادة (فدعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك). وابن أبي عموماً كما جاء في الخبر (كان إذا جلس النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال: أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم، فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا). ثم إن سياق الآيات التي سبقت هذه الآية ذلك تشير لذلك حيث جاء فيها (قالو نشهد إنك لرسول الله) (اتخذوا أيمانهم جنة) (وإن يقولوا تسمع لقولهم). ثم إن ابن أبي لما خشي النبي وقوع الفتنة بقتله بسبب كونه سيداً في قومه قبل الإسلام صار هذا مانعاً شرعياً راجحاً في ذلك الظرف الزمني المؤقت. والخلاصة أن هذه الواقعة التي حكاها القرآن لاصلة لها بحرية الرأي المزعومة بل واقعة لها ملابساتها الخاصة المختلفة.

8-الآية الثامنة: يقول الكاتب (وكانوا يتآمرون على رسول الله: “هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا” ).
الجواب: واضح قطعاً أن الكاتب لم يراجع أي كتاب تفسير حين احتج بهذه الآية! ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما نقلت له مقالة المنافقين هذه قام بعملية تحقيق، واستدعى الأطراف المبلغ عنهم، لكن المنافقين أنكرو وجحدو، روى البخاري في صحيحه قال:
 (عن زيد بن أرقم قال: كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي يقول “لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ولو رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل” فذكرت ذلك لعمي، أو لعمر، فذكره للنبي -صلى الله عليه وسلم- فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا فكذبني رسول الله وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي “ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك؟” ، فأنزل الله تعالى “إذا جاءك المنافقون” فبعث إلي النبي -صلى الله عليه وسلم- فقرأ فقال: إن الله قد صدقك يا زيد)

وكون النبي يستدعي الأطراف ويحقق معهم، فهذا يعني أن هذه الآية دليل على المساءلة والتحقيق في الأقوال المخالفة للشريعة، وليست دليلاً على حرية الكفر، ولكن النبي لما أنكرو عاملهم بظاهرهم.

9-الآية التاسعة: يقول الكاتب: بل ويكفُرُون بموعود الله وحديث رسوله: “وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورا” )
الجواب: هذه الواقعة لاصلة لها بحرية الرأي المزعومة بل هي مجرد حالة خور في لحظة حرب مفزعة كما ينبئ عن ذلك سياق الآيات قال تعالى (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ** هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ** وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا).
ومن الطبيعي أن لايتخذ النبي أي إجراء عقابي في لحظة الحرب، وهذا نظير ترك الحدود في الغزو الذي رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ثلاثة من الصحابة عمر وأبي الدرداء وحذيفة، فضلاً عن أنه لم يقم أي دليل على أن هذه العبارة بلغت النبي عن قائل معين، والقرآن نقلها عن غير معين كما هي عادة القرآن في أفعال المنافقين.

10-الآية العاشرة: يقول الكاتب (وكانوا يخذِلون المُجتمع المسلم في أحلك ظروفه وأزماتِه: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرَاراً * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لأتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاّ يَسِيرا).
الجواب: هذه الآية حكى الله فيها مقالتين، المقالة الأولى “يا أهل يثرب لامقام لكم فارجعو” وفيها وجهان أن أوس بن قيظي قالها لقومه، والثانية أن اليهود قالوها لعبدالله بن أبي، وعلى كلا الوجهين لم تستوف شروط العقوبة الشرعية، ومع ذلك فالقرآن حكى هذه المقالة عن غير معين. وأما المقالة الثانية فهي “ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة” وهذا استئذان للنبي لاصلة له بموضوع الحرية.

11-الآية الحادية عشرة: يقول الكاتب (وكانوا أشحة على الخير، ويقذفون الصحابة بألسنة حِداد: (أشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ).
الجواب: أكثر أهل التفسير على أن قوله تعالى “سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير” أي معناها الإلحاح بالكلام المستكره طلباً للغنيمة، وقيل في معناها أقوال أخرى، لكنها على كل الأحوال إذا وصلت إلى القذف، فالقذف له عقوبته الشرعية، فأما إن كان الكاتب يظن أن السلق هنا يصل للقذف وعطل الشارع حد القذف فهذا ضرب للنصوص ببعضها.

هذا مايتعلق بالجواب عن أعيان الآيات التي احتجو بها آيةً آية.

والحقيقة أنني مكثت مرةً أتأمل: لماذا يفصل أصحاب هذا الطرح بين الحرية السلوكية والحرية العقدية؟ فتجد أكثر حديثهم عن الحرية العقدية، فيرون الحرية للكفر والزندقة والنفاق، لكن لو قلت لهم: هل هذه الحرية مكفولة لمن يزني ويشرب الخمر؟ قالوا لا!. فكنت أتساءل وأقول: كيف يصبح المرتد مكفول الحرية، والزاني وشارب الخمر يعاقب؟ إذا كان الرسول أتاح الحرية للردة كما يقررون، فما دون الردة من الجرائم أولى بالحرية!

فانظر كيف أن هذه الطوائف الفكرية المتعلقة بشبهة حرية المنافقين خالفت أهل السنة في أصول العقوبات الشرعية، كل ذلك في شبهة واحدة فقط من شبهاتهم، فكيف لو تتبع الباحث بقية شبهاتهم في أصول التلقي والاستدلال والموقف من المخالف ومنزلة الدنيا وأحكام المرأة ومنهج الفتيا وفقه السياسة الشرعية ونحو ذلك، ثم يأتونك مستغربين ويقولون: لماذا تجعلوننا مخالفين لأهل السنة؟ يالله العجب كيف لاتبصر العيون كل هذه الانشقاقات عن مذهب أهل السنة والجماعة؟!

وكون هؤلاء وافقوا أهل السنة في بقية أصول السنة هذا لايمنع كونهم من أصحاب المحدثات، فإن كثيراً من القدرية (المنكرين لكون الله يقدّر المعاصي كوناً) وافقوا أهل السنة في بقية أصول الإيمان كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وفي تقدير الطاعات والصحابة ونحو ذلك، ولكنهم خالفوا أهل السنة في جزء من القدر وهو تقدير المعاصي، ومع ذلك عدهم السلف من أهل الأهواء وأهل البدع وأهل المحدثات في دين الله، وهكذا فإن هذه الطوائف الفكرية برغم كونها وافقت أهل السنة في بعض أصول الدين، لكنها خالفت أهل السنة في عدة أصول من أصول التلقي والاستدلال وبعض الأصول التشريعية، وهذه العقوبات الشرعية التي أنكروها مجرد نموذج لذلك، فهم أهل إحداث وابتداع في دين الله، وأهل أهواء.

وبعض هؤلاء الذين يحتجون بهذه الشبهة يقولون إذا اختار المجتمع هذه العقوبات الشرعية فيجب تطبيقها، يظنون بذلك أنهم يتخلصون من شناعة قولهم، وماعلموا أن هذا أفظع شناعة، فإن هذه العقوبات الشرعية حين أتت بكتاب الله وسنة نبيه ردوها واستثقلوها ورأو أن فيها تقييداً للحرية وضيق أفق، وحين أقرها المجتمع التزموا بها، فصار تشريع الشعب فوق تشريع الله ورسوله، وهذا هو مؤدى مفهوم الديمقراطية الذي حذر منه الربانيون من أهل العلم، وقد كان الديمقراطيون ينكرونه نظرياً لكنهم الآن يعلنونه عملياً، أعني كون مصدر التشريع هو الشعب وليس رب الشعوب سبحانه وتعالى.

ثم إنه من الغرائب أن يقال أن المجتمع إذا اختار حماية عقيدته فيجب الالتزام بخيار المجتمع، فكيف يضيّق المجتمع على الحريات التي كفلها الشرع في نظركم؟ أنتم ترون النبي كفل الحرية للكفر والقذف والزندقة والردة والتأليب على المسلمين، فكيف يسوغ للمجتمع أن يضيق هذه الحريات التي كفلها رسول الله؟! هل نحن أغير على العقيدة من رسول الله؟!

وأما قول القائل “أنتم في ورطة مع النصوص الشرعية” فهذا قَلَب المشكلة، بل الذي في ورطة مع النصوص الشرعية هو من فسرها بما يؤول إلى إلغاء العقوبات الشرعية وشعيرة الحسبة والإنكار، وأما من فسرها بشكل يتسق مع بقية النصوص الأخرى، ويتسق مع فقه أصحاب النبي وأئمة أهل السنة؛ فهذا في راحة وانسجام، وليس في ورطة.

ويشهد الله وحده أنه لما نشرت مجلة العصر المقالة التي تشوش على فتيا الشيخ الإمام عبدالرحمن البراك في خالص جلبي فإنه قد نازعتني نفسي في الرد، لكني توقفت لاعتبارات نفسية معينة كنت أداريها، ولكن لما صدرت الآن المقالة الثانية قبل أمس في مجلة العصر، فصار كتاب أشواق الحرية والمقالتان اللتان أعقبتاه كلها تكرر نفس الشبهة (حرية المنافقين) والمستعارة من دردشات زائر الوسطية بذات أخطائها؛ شعرت حينذاك بأن الشبهة بحاجة لتفكيك علمي وأنه لامكان للمجاملات في دين الله، لكني لا أناقش إلا شيئاً منشوراً ولا أستغل -بإذن الله- ما أفضى به إلي صديق بشكل خاص في الرد عليه، فالعلاقات الشخصية شئ، والأقوال المنشورة شئ آخر، وهذا مبدأ من مبادئ المروءة أتمنى أن أبقى عليه ماحييت.

والحقيقة أنه من أكثر ما آلمني أنني ألاحظ اليوم تقصير النظام السياسي الحالي في الأخذ على يد السفهاء لردعهم عن العبث بالأحكام الشرعية في قنواتنا وصحافتنا، فلا أعرف حكماً شرعياً يتعارض مع الثقافة الغربية إلا وقد كتبت صحافتنا المحلية في تنقصه وتسفيهه وتحريفه، ومع ذلك لايزال النظام السياسي المحلي لم يتخذ بحق هؤلاء الروادع الشرعية المطلوبة، ثم يأتينا الآن من يسمون أنفسهم التنويريين والاصلاحيين ويقدمون للسياسي شرعنة للمزيد من حرية الزندقة! وكأننا سننهض إذا أتحنا المزيد للكفر وسب الرسول وشتم الصحابة!

هذه الكتابات التي تسميها نفسها تنويراً وإصلاحاً لم تصلح الخلل السياسي، ولم تدع الشريعة في حالها.

والله أعلم
أبو عمر
جمادى الثانية 1431هـ
8 يونيو 2010

 

عصر دبلجة الواقع

تعليق واحد

الحمدلله وبعد،،

تستحق هذه المرحلة التي نعيش فيها أن تسمى حقبة (دبلجة الواقع) .. فكتابات الطوائف الفكرية المعاصرة اليوم هي أشبه باستديو فكري يحترف التصوير المضلّل أكثر من كونه خطاب نزيه يختلف معك في التقييم لكنه أمين في نقل الواقع كما هو .. ولذلك فالصور التي ترسمها الطوائف الفكرية عن الواقع الإسلامي كلها –تقريباً- صورٌ قد تمت معالجتها بالفوتوشوب الفكري.. وتدهشني للغاية قدرات الخداع التصويري الذي تمتهنه هذه الطوائف الفكرية في مقالاتها الصحفية وحواراتها الفضائية. دعونا نقف سوياً على نماذج طريفة من هذه الفبركات التي أنتجتها استديوهات الفكر العربي والمحلي المعاصر:

تحدثنا الطوائف الفكرية كثيراً عن أن الفتوى المحلية عندنا لديها مغالاة في (سد الذرائع) وأن مشايخنا يسدون كل ذريعة، وأنهم لايعرفون قاعدة فتح الذرائع، وبعضهم يقول: كل ذريعة تتصل بالمرأة فإن الفتوى المحلية تبادر لسدها وتحريمها، فهل هذا التصوير صحيح؟   عدت لواقع الفتوى المحلية فوجدت الذرائع التي فتحها مشايخنا أضعاف أضعاف الذرائع التي سدوها، فكل ذريعة لم تتحقق فيها شروط سد الذريعة فتحوها، خذ فقط بعض الأمثلة:   السفر لبلاد الكفار لعلم أو تجارة فيه ذريعة إلى التأثر بالكفار والنظر المحرم وغير ذلك، ومع ذلك لم يحرمه مشايخنا لأنه عارضته مصلحة راجحة. إدخال الانترنت إلى المنزل فيه ذريعة إلى دخول المواقع الفاسدة، ومع ذلك لم يحرمه مشايخنا للمصلحة الراجحة. ركوب الطالبات في حافلة يقودها رجل فيه ذريعة لفتنته بهن، ومع ذلك لم يحرمه مشايخنا للمصلحة الراجحة، وهكذا أيضاً : اتصال النساء بالبرامج الفضائية والإذاعية للسؤال والاستشارة بأصواتهن علناً فيه ذريعة إلى الفتنة، اتصال العوائل بمطاعم التوصيل السريع وتوصيف البيت لهم وإيصال الطلبات فيه ذريعة للفتنة، ويوجد في كثير من المشاغل النسائية غرف لتبديل الملابس وفيها ذرائع كبيرة لأن يستغلها بعض ضعاف النفوس ولكن مشايخنا لم يجزموا بالتحريم لأنه لم يتبين لهم إلى الآن كثرة إفضائها إلى المفسدة.   ومن الأمثلة العامة أيضاً: السهر في الولائم فيه ذريعة قوية للنوم عن فريضة صلاة الفجر، تأجير الناس الاستراحات وفيها ذريعة لأن يستخدمها بعض المستأجرين في اجتماعات غير مقبولة شرعاً، شراء السيارة للمراهق وفيها ذريعة لأن يستعملها في أغراض مضرة، الخ الخ.   وكل هذه الذرائع السابقة لم يحرمها أهل العلم عندنا، وهكذا لو تتبعت احتمالات الذرائع في تصرفات الناس فإنك لن تنتهي، ومع ذلك فإن فقهاءنا الشرعيين لم يحرموا إلا نزراً يسيراً من الذرائع التي تحققت فيها شروط سد الذريعة، وأما هذه الذرائع التي لاتخلو منها تصرفات الناس وأحوالهم الاجتماعية فإنهم لم يسدوها إما لندرة إفضائها إلى المفسدة، أو لأنه عارضتها مصلحة شرعية راجحة، أو ترتب عليها مشقة على الناس تفوق مايتخوف فيها من الفساد، كما قال ابوالعباس ابن تيمية وهو من أشهر الفقهاء الذين احتفو بقاعدة سد الذرائع (الذريعة إلى الفساد يجب سدها؛ إذا لم يعارضها مصلحة راجحة) [الفتاوى 15/419]   وأنت إذا تأملت فتاوى أهل العلم عندنا وجدتهم في غاية التوازن في قاعدة سد الذرائع، وصدق الحرص على تحقيق مصالح الناس الدينية والدنيوية، فإذا ترجح وقوع المفسدة ولم يعارضها مصلحة راجحة منعو، وإذا كان الإفضاء إلى المفسدة نادراً، أو كان كثيراً لكن عارضته مصلحة راجحة لم يسدو الذريعة بل فتحوها، فكيف يقال: أنهم يسدون كل ذريعة، أو أن لديهم مغالاة في سد الذريعة، أو أنهم لايعرفون قاعدة فتح الذرائع؟ أظن من يقول ذلك لديه تساهل في سد الذريعة ولذلك يتبرم بمنهج المتوازنين.   حسناً ..

لنواصل أمثلة أخرى من فبركات الطوائف الفكرية: تحدثنا الطوائف الفكرية بكثرة عن أن أهل السنة والمتبعين لمنهج السلف أشغلوا الناس بمسائل جزئية وصارت حياة الناس كلها نقاش في فتاوى فقهية وتدقيقات عقدية، وهذا بالتالي أبعدنا عن النهضة والحضارة، لما سمعت الطوائف الفكرية تكرر هذا الكلام قلت في نفسي: الله يهدي الدعاة محتمل أنهم أشغلوا الناس فعلاً؟ وصرت مهتماً برصد نمط الحديث في مجالس الناس، فما رأيت هذا الذي يقولونه، ولا رأيت مسائل عقدية ولا فقهية أشغلت مجالس الناس.   بل رأيت مجالس الناس مشغولة بأخبار القرارات الحكومية، وأسعار العقار، والتشكي من سوء الخدمات البلدية والصحية، وإشاعات الصندوق العقاري، والتحليلات الرياضية، ومزاين الابل، وشاعر المليون، والمسلسلات التركية، والأحداث المحلية مثل أمطار جدة والرياض، والأحداث السياسية كالحوثيين وقراصنة الصومال والانتخابات الأمريكية، وألعاب البلايستيشن وأخواتها، بالإضافة إلى غرائب وعجائب من القصص تبدأ بقولهم (يقولون..) الخ الخ فلا أدري أين هذه المسائل العقدية والفقهية التي أشغلت الناس؟!

ولما رأيت حمية الطوائف الفكرية لوقت الأمة وحرقتهم على الزمن قلت في نفسي ربما أن هؤلاء المنتسبين للفكر والثقافة مشغولون بمعالي الأمور فعلاً، فلما ذهبت لمواقعهم التي يكتبون فيها على الشبكة رأيت أحاديثهم: توصيات متبادلة بأفلام سينمائية، ومشاهداتهم السياحية، ومقاطع يوتيوب طريفة، وتتبع تفصيلي لأحداث سياسية خارجية لاناقة لهم فيها ولاجمل..   افترض أن العلماء والدعاة أشغلوا الناس بالمسائل الشرعية فوالله إن ذلك خير من إشتغالكم بأخبار الأفلام السينمائية وتحليلاتكم السياسية التي لاثمرة لها! لست أدري أين تلك الغيرة الاستثنائية على الوقت التي تصيبكم حين الحديث عن العلماء والدعاة؟!

وتحدثنا الطوائف الفكرية أيضاً أن الخطاب الشرعي لأهل السنة هو المسؤول عن تخلف العلوم المدنية، فلما ذهبت للخطاب الشرعي وجدت العلماء يقولون إن العلوم المدنية التي تحتاجها الأمة (فرض كفاية) إن قام بها من يكفي وإلا أثم الجميع، ووجدت في تراجم الفقهاء من جمع إلى تخصصه الفقهي دراسة الطب، أو دراسة الهيئة والفلك، ونحو ذلك، بل لما نظرت في دعاتنا المعاصرين وجدت الكثير منهم جمع لتخصصه الدعوي تخصصاً مدنياً فالشيخ الداعية محمد المنجد متخرج من جامعة البترول، والشيخ د.خالد الجبير طبيب (استشاري أمراض القلب)، والشيخ الداعية عبدالمحسن الأحمد طبيب (وحدة التنفس الحرجة) وغيرهم، بل إن أكثر المناشط الطلابية الإسلامية فعالية وحراكاً توجد في كليات العلوم الطبيعية في جامعة الملك سعود وجامعة البترول، الخ   بل إن المفكر الفرانكفوني المتطرف محمد أركون اضطر للاعتراف بإقبال الإسلاميين على كليات العلوم الطبيعية حيث يقول عن الإسلاميين: (نلاحظ مثلاً أن دارسي العلوم الفيزيائية والرياضية والطبية وغيرها ينخرطون في صفوف هذه التيارات –أي الإسلامية- أكثر  بكثير من المختصين بعلوم الإنسان والمجتمع، وقد عرفنا أثناء المعارك والاشتباكات التي جرت في جامعات تونس والجزائر والقاهرة الخ أن المتعصبين والمتزمتين ينتمون بشكل خاص إلى كليات العلوم، إنها ظاهرة تستحق التأمل والتفكير) [تاريخية الفكر العربي، أركون، 26].

كم أشعر بالأسى إلى أولئك الذين جعلوا مشروعهم هدم الخطاب الشرعي لأهل السنة بزعم أنه يتعارض مع العلوم المدنية، برغم أن الإسلاميين أسبق من غيرهم في هذا المضمار، ولكنهم يضعون المدنية الدنيوية في منزلتها التي أنزلها إياها القرآن، مجرد وسيلة لتحقيق المطالب الشرعية، ولايجعلونها هي معيار التقدم والحضارة، وإنما معيار التقدم والحضارة موافقة أولويات القرآن.  

قبل أن نستطرد لحديث آخر .. دعونا نكمل نماذج أخرى من مغالطات الطوائف الفكرية:تحدثنا الطوائف الفكرية كذلك عن أن أهل السنة والمتبعين لمنهج السلف لايقبلون بالخلاف في مسائل الاجتهاد، ولايرعون حق المخالف في المسائل الاجتهادية، وأن من لم يوافقهم على كل صغيرة وكبيرة فإنه سيتعرض لسلسلة مضايقات وتسلط، وأن فقه أهل السنة المعاصر يقوم على التنميط الكامل في كل المسائل ولايرحب بالتفكير والاجتهاد، ويستعملون في توصيف هذا الواقع مصطلحات مثل أدلجة وقولبة وتنميط الخ، وبعد أن يصورون هذا الواقع الإسلامي بهذا الشكل يبدؤون في نقل نصوص بعض أئمة السلف في تفهم الخلاف في المسائل الاجتهادية.. الحقيقة أن القارئ لهذه الطوائف الفكرية لايكاد يفكر بفحص هذه الدعوى، بسبب كثرة طرقهم لها بشكل مكثف ومستمر وبصيغ متنوعة..   وقفت مرة مع نفسي وقلت لماذا لا أختبر صحة هذه الدعوى؟ لماذا نستسلم لهذا الطوائف الفكرية؟ لماذا تخلب ألبابنا جاذبية الأضواء السينمائية الفكرية التي يستعملونها في خطابهم فتغيب عقولنا عن تحليل صحة الدعاوى التي يطلقونها؟   وضعت هذه الصورة التي تنقلها الطوائف الفكرية جانباً، وعدت للخطاب الشرعي لأهل السنة أتأمل موقفه من الخلاف في المسائل الاجتهادية، فلما قلبت بحوث الفقهاء وطلبة العلم الشرعي وجدتهم لاتكاد توجد مسألة من مسائل الاجتهاد في الفقه الإسلامي المقارن إلا وقد اختلفوا فيها، وتناقشوا وتباحثوا ورجح كل واحد منهم مارآه بنفوس ملؤها الحب والأخوة، خذ مثلاً بعض أمثلة هذه المسائل:   التسمية عند الوضوء، بداية احتساب مدة المسح على الخفين، نجاسة الدم، الطهارة للطواف، الطهارة لمس المصحف، ومن طهرت قبل خروج أحد فرضي الجمع هل تصليهما جميعاً أم الأخير منهما؟، نهاية وقت العشاء بمنتصف الليل أم بدخول الفجر، المفاضلة بين الأذان والإمامة، وسجود السهو قبل السلام أو بعده، مسألة قصر المسافر إذا أقام إقامة مؤقتة، زكاة الحلي ..الخ هذه نماذج لمسائل تراثية، أما مسائل النوازل المعاصرة التي اختلف فيها فقهاء أهل السنة والمتبعون لمنهج السلف بكل رحابة صدر فهي -أيضاً- كثيرة ومنها:   بدل الخلو، هل الشيك قبض؟، بيع الاسم التجاري، الموت الدماغي، تعذر الحصول على تصريح للحج هل يستقر الوجوب في ذمته فيحج عنه من تركته؟، استعمال المنظفات المعطرة للمحرم، لبس الكمامات للمحرم، تعذر المبيت بمنى ليالي التشريق،  حكم استثمار أموال الزكاة من قبل المؤسسات الخيرية، زكاة مكافأة نهاية الخدمة، زكاة الحقوق المعنوية، ومن مفطرات الصيام التي اختلف فيها الفقهاء المعصرون: التبرع بالدم، بخاخ الربو، أقراص الأدوية أسفل اللسان، منظار المعدة، قطرة الأنف وقطرة العين، تخدير المريض باستنشاق الغاز، الحقن المغذية والعلاجية، السفر بالطائرة بعد غروب الشمس بحيث تظهر له مرة أخرى فهل يمسك الصائم أم لا؟ الخ   ومامضى هي مجرد نماذج لآلاف المسائل الشرعية التي يختلف فيها طلبة العلم الشرعي عندنا أخذاً ورداً ونقاشاً واستدلالاً واعتراضاً، ومع ذلك لاينكر فيها على المخالف، بل بقيت بينهم أخلاق الأخوة والعلم، فكيف يفتري هؤلاء على أهل السنة ومتبعي منهج السلف أنهم لايقبلون الخلاف في المسائل الاجتهادية؟!   بل لقد حضرت في الرياض –عمرها الله بطاعته- عدة ندوات فقهية أقامها الناشطون الفقهيون حول البطاقات الإئتمانية و مسائل زكاة الصناديق الاستثمارية ونحوها من مسائل المعاملات المالية، وفي كل هذه الندوات –بلا استثناء- كان الفقهاء الشباب يختلفون ويتناقشون مع كل احترام وتفهم وتآخي، ولايخرجون من ندوة إلا لموعد ندوة أخرى.   بل وفي شهر محرم من هذا العام عقدت في الرياض ندوة حول مسائل الأسهم وألقى فيها فضيلة الشيخ الفقيه ابوسعد عبدالعزيز الدغيثر ورقة بعنوان (التعويض في سوق الأسهم) وفي مراسلة بيني وبينه قال لي بالحرف الواحد: (والعجيب أن الحضور وصلوا إلى آراء وقناعات تساوي عددهم، فلم يكد يتفق اثنان في مسألة).   وأرجوك أن تلاحظ أن هذه السعة في الاختلاف في الاجتهاديات بين طلبة العلم كلها إلى الآن في مسائل الفقه، أما لو انتقلنا لتصحيح الأحاديث وتضعيفها فسنشهد مظهراً آخر للتسامح في الاجتهاديات، فقد اختلف المشتغلون بالحديث من المعاصرين في تصحيح وتضعيف مئين من الأحاديث، ومع ذلك بقي هذا الاختلاف في دائرة التسامح والحب دام أنه لم يصل لتصحيح شديد الضعف، أو العدوان على أحاديث الصحيحين.   أغلقت بحوث طلبة العلم، وأوقفت ذاكرتي عن استحضار واقع الندوات الفقهية، وأدرت برامج الفتاوى التي يتصدر لها بعض طلبة العلم المعروفين بحسن الفتيا، فشهدت مظهراً آخر للاختلاف في المسائل الاجتهادية، بل لاتكاد تجد مسألة اجتهادية يفتي فيها شيخ معين إلا ووجدت شيخاً آخر يفتي بخلافه.    بل من الطريف أنني رأيت الناس كثيري التبرم باختلاف شيوخنا في الفتيا في المسائل الاجتهادية، ويسرُّ إليك كثير من الناس بأنه يقع في الحيرة بسبب اختلاف المشايخ في الفتيا في المسائل الاجتهادية، ومع كثرة اختلاف شيوخنا وطلبة العلم عندنا في الفتيا في المسائل الاجتهادية لم نرهم أقامو حرباً على بعضهم، ولاشنعوا على بعضهم في مثل هذه المسائل.. ومع ذلك تأتي هذه الطوائف الفكرية وتقول أنتم مؤدلجون تريدون الناس يوافقونكم في كل صغيرة وكبيرة، ولاتسمحون بالخلاف في المسائل الاجتهادية! يالله العجب ما أكذب هذه الطوائف الفكرية!   

أنا شخصياً لا أجد أي تفسير لما تقوله هذه الطوائف الفكرية عن الخطاب الشرعي لأهل السنة إلا أنه “كذب” محض وشهوة افتراء تعيث بنفوسهم ونقمة على الاسلاميين وطلبة العلم والمتبعين لمنهج السلف تدفعهم لتشويههم بهذا الشكل.   هل هذا يعني أنه ليس هناك أخطاء ولاهفوات في موضوع التسامح في المسائل الاجتهادية؟ لا، طبعاً، فهناك مواقف غير دقيقة ومن أشهرها حادثة كتاب الشيخ دبيان في القبضة، وهي التي يدندن حولها هؤلاء دوماً ويحولونها من حالة شاذة إلى قاعدة مطردة! وأي قارئ موضوعي سيعرف حتماً أن حادثة الشيخ دبيان هي الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، فكيف يدع هؤلاء آلاف المسائل التي اتسعت صدور شيوخنا الكبار وشيوخنا الشباب لها، ويتعنتون دوماً في التعلق بحادثة الشيخ دبيان؟! مثل هؤلاء كمثل رجل رأى مهندساً بنى ألف منزل ووقعت منه هفوة في منزل واحد، فقال إن هذا المهندس يهدم المنازل! هل هذا إلا من الجور والظلم الفادح؟! بل والله هذا عين الكذب الفج..   في ذهني الآن نماذج كثيرة لكذبات الطوائف الفكرية في تصوير الواقع الإسلامي بعامة، وواقع الخطاب الشرعي لأهل السنة بخاصة، لكنه لايمكنني مواصلة المزيد فقد أطلت، وإنما يهمني هاهنا هدف واحد فقط، وأعتقد أنني لو حققت هذا الهدف فلايسرني أن لي به حمر النعم، هذا الهدف بكل اختصار هو تنشيط جهاز الفحص لدى القارئ الذي وقع ضحية الطوائف الفكرية المناوئة لأهل السنة، وأن لايستسلم للمعطيات التي يقدمونها، فإذا سمعهم يتحدثون عن الواقع الإسلامي تحت لافتات (نقد الصحوة، نقد السلفية، الخ) فليتوقف عن الاسترسال، وليضع دعاواهم تحت الفحص، وصدقني أنه سيكتشف نماذج طريفة جداً من هوليوديات الطوائف الفكرية .

 

أبو عمر

جمادى الثانية 1431هـ

23 مايو 2010

Older Entries