معايير تحديد أولويات المواجهة

أضف تعليق

 

       هناك فريق من الناس يشنع كثيراً على دعاة أهل السنة بالقول بأنهم لايرتّبون الإنحرافات بشكل صحيح، فتراهم يردون على من يخالفهم في بعض الملفات الشرعية، ويدعون العلمانيين الأقحاح، أو يقولون أحياناً: سلِم منكم اليهود والنصارى ولم يسلم منكم مفكرون لازال يشملهم الإسلام. أو يقولون أحياناً: أهل السنة يحتاجون إلى الوعي بأي الحروب أولى بالمواجهة. أو يقولون في أحيان أخرى: هرم الانحرافات يقف بالمقلوب في الوعي السني!

وقد لاحظت أن أغلب من يردد هذه الحجج هم التيارات المنتسبة للاستنارة الإسلامية، والإصلاح السياسي، ويرددها –أيضاً- تيار جديد بدأ يظهر على الساحة الآن وهو تيار (الوطنية الإسلامية) وهو تيار يعلن –بمناسبة وبلامناسبة- ولاءه السياسي الكامل والمطلق، ويتعامل مع المخالفين على أساس أنهم “شركاء في الوطن”، ويؤسس شرعية مطالباته وقائمة أجندته الفكرية على أساس “ثوابت الوطن”، ويتحاشى بطريقة فوبيّة غريبة أية لغة يفهم منها البناء على أسس “عقائدية”.

على أية حال.. لسنا معنيين كثيراً بمن يردد هذه الحجج، ولكن يعنينا هاهنا أن نحلّل مدى شرعية هذه الحجج؟ وهل تتفق مع المنهج الدعوي عند أهل السنة، أم هي بدعة وإحداث في دين الله؟.

حين نعيد تأمل هذه اللافتات التي يرفعونها حول “أولويات بيان الانحرافات والرد على المخالفين” نلاحظ أنها تنطوي على “معيار” ضمني، هذا المعيار هو بكل وضوح أن أولوية الرد على المخالف تتحدد على أساس “حجم الانحراف” فالملحد أولى بالرد من العلماني، والعلماني أولى بالرد من المخالف المنهجي لأهل السنة، والمخالف المنهجي لأهل السنة أولى بالرد على الخطأ الفقهي الجزئي، وهكذا.   ولذلك إذا رأو عالماً أو داعية يرد على “مخالف منهجي” لأهل السنة، قالوا له: سلم منك الملاحدة والعلمانيون وجئت ترد على من يشاركك أكثر الأصول والهموم؟! هذا الموقف منعكس عن مقياس يجعل الأولوية مرتبطة بمراتب الانحراف ذاته. فما مدى صحة هذا الموقف؟.

الحقيقة أنه وبأدنى تأمل في طريقة السلف الصالح وأئمة الهدى فإن الباحث يعرف أن هذا معيار باطل مخالف للمنهج الدعوي عند أهل السنة، ومن تأمل ردود أهل السنة من الصحابة والتابعين وأئمة الأمصار من بعدهم فإنه سيلاحظ أن هناك معياراً مختلفاً كلياً. فالمعيار عند أهل السنة لايربط أولويات المواجهة بـ(حجم الانحراف)، وإنما يربط أولويات المواجهة بـ(حجم الحاجة إلى البيان).

تأمل معي بعض هذه النماذج، في الصحيحين أن عبد الله بن عمرو قال رجعنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر فتوضئوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فأخذ رسول الله ينادي بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار. لو طبقنا معيار الطوائف الفكرية بأن البيان والرد يكون على (حجم الانحراف) لقلنا: لماذا يهتم النبي وينادي بأعلى صوته بقضية جزئية لاتتعدى أن بعض الناس بسبب السرعة نسوا جزءاً يسيراً من أقدامهم لم يمسه الماء؟! هل يسوغ أن نقول: الأمم من حول النبي فيهم اليهود والنصارى وعبدة النار والمشركون، والداخل الإسلامي يعاني من الفقر، ومع ذلك يعتني النبي بقضية جزئية تتصل بأحد جزئيات الطهارة؟.  هذه التساؤلات لايستطيع أن ينفك عنها العقل الذي تشبع بالمعيار الفكري بأن الرد والبيان يكون على حجم الانحراف، أما العقل الرصين الذي تشبع بالمعيار الشرعي بأن الرد والبيان يكون بحسب الحاجة إلى البيان فإنه يفهم هذا الفعل النبوي فهماً صحيحاً.

وهذا المثال طبّقه على سائر مواقف النبي –صلى الله عليه وسلم- التي غضب فيها وأظهر فيها اهتماماً واضحاً في مسائل جزئية فقهية يحتمل الخلاف فيها، وقارنها بحال المجتمع النبوي الذي يحيط به أصناف الكفار، وفي داخله أعتى المنافقين، ويعج بالفقراء والمعوزين، ومع ذلك كله يهتم النبي بجزئيات المسائل ويرد على أناس من الداخل الإسلامي ذاته. وإذا شاء القارئ الفاضل المزيد من هذه النماذج فيمكنه مراجعة بابٍ لذيذٍ إلى الغاية عقده عبقري السنة الإمام البخاري في صحيحه باسم (باب الغضب في الموعظة والتعليم) وهو موجود في  الصحيح في (كتاب العلم) فقد ساق فيه شواهد نبوية على اهتمام النبي وغضبه في مسائل جزئية، وعلى أية حال فكتاب العلم في صحيح البخاري إذا تأمله طالب العلم وجد أنه يحسم كثيراً من مسائل النزاع في المنهج الدعوي لأهل السنة.   خذ مثالاً آخر، حين مات النبي –صلى الله عليه وسلم- كان جيش أسامة لغزو الروم قد عقدت رايته، وفي الداخل الإسلامي ظهرت طائفة تنكر وجوب دفع الزكاة لأحد بعد رسول الله، فجهز أبوبكر الجيوش لقتالهم، برغم أنهم يعلنون أنهم مسلمون ويقولون “لا إله إلا الله”، لكن لديهم تأويل لآيات الزكاة بأن المخاطب والمختص بأخذها هو النبي لاغيره فكانوا يقولون: كيف يحق لأبي بكر أن ينزل نفسه منزلة النبي في هذه الفريضة؟!   وقد شرح الإمام ابن تيمية تأويلهم فقال (وأما مانعوا الزكاة فقد ذكروا أنهم قالوا: إن الله قال لنبيه “خذ من أموالهم صدقة” وهذا خطاب لنبيه فقط، فليس علينا أن ندفعها لغيره، فلم يكونوا يدفعونها لأبي بكر ولا يخرجونها له) [الفتاوى، 28/542]   فهؤلاء منتسبون للإسلام، ومتأولون لا في أصل الزكاة، بل في حق أبي بكر باستلامها، حتى أن بعض كبار الصحابة أشكلت عليه المسألة بادئ الأمر كما قال عمر (كيف تقاتلهم وهم يقولون لا إله إلا الله)، ومع ذلك فقد جرد أبوبكر سيفه وجهز الصحابة لقتالهم، بكل مايتضمنه القتال من سفك الدماء وغنيمة الأموال. فلم يقل أبوبكر: جيش أسامة على تخوم البلقاء يقاوم الروم النصارى، ونحن نقاتل متأولين في مسألة فيها احتمال! بل علم بفقهه الدقيق أن مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة في تحريف الإسلام من الداخل في مثل هذا الظرف لاتقل عن أهمية مواجهة النصارى. فلو طبقنا المعيار الفكري بأن (المواجهة على قدر الانحراف) لقلنا أخطأ ابوبكر، لأن مواجهة نصارى الروم وهم كفار أصليون محاربون أولى من مواجهة متأولين في الداخل المسلم يقولون لا إله إلا الله، فضلاً عن مقاتلتهم!   لكن لو طبقنا المعيار الشرعي بأن (المواجهة على قدر الحاجة إلى البيان) لاستوعبنا حنكة أبي بكر ودقة فقهه وعمق علمه بدين الله، ولذلك تكلم علماء الإسلام كثيراً عن البركات التي حصلت بعزمة أبي بكر على قتال المتأولين في الزكاة.   ويمكن أن نشاهد هذا المعيار السني في تطبيقات الصحابة بشكل عام، كمثل تشديد ابن مسعود على المتأولين في الذكر الجماعي، وتشديد ابن عمر على المتأولين في كون المعاصي مقدرة (وهم الذين سموا القدرية لاحقاً)  برغم أنهم لم ينكروا أصل القدر، بل تأولوا بعض معناه فقط، وبرغم أنهم ينتسبون للعلوم الشرعية كما يصفهم الراوي في صحيح مسلم حين جاء يسأل ابن عمر (فقلت أبا عبد الرحمن: إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم – وذكر من شأنهم – وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف) ، ومع ذلك كله قال فيهم ابن عمر مقالته الشديدة المعروفة. فهل يصح القول: كيف يشدد الصحابة على هذه الاجتهادات في التأويل ويدعون الملاحدة واليهود والنصارى والمجوس والولاة الظلمة والمظالم المالية؟!   بحسب معيار الطوائف الفكرية المعاصرة، نعم، فإن معيارهم سيقودهم إلى التورط بإدانة الصحابة ذاتهم، لكن بحسب المنهج الدعوي عند أهل السنة فهذه المواقف الصحابية معدودوة في مناقبهم ومن شواهد عمق فقههم وعلمهم.

وهكذا –أيضاً- انظر في أقوال الأئمة الأربعة في بدعة تأويل الصفات الإلهية، وكيف كانت مواقفهم الشديدة التي وصلت للحكم بكفر المعين أو لعن المعين على أمثال الجهم بن صفوان وعمرو بن عبيد وحفص الفرد ونحوهم (وأقوال السلف في هذا الباب مجموعة في العلو للذهبي واجتماع الجيوش الاسلامية لابن القيم).   فهل يمكن أن نقول للأئمة الأربعة –أبوحنيفة ومالك والشافعي واحمد- أنتم تصرفون جزءاً من وقتكم في التشديد البليغ على من يتأول بعض نصوص الصفات وهي مسائل تحتملها لغة العرب، وتتركون الملاحدة واليهود والنصارى والفساد السياسي في عصوركم؟!  

هذه الطوائف الفكرية تنتج معايير ولاتراعي أن معاييرها تقودها إلى إدانة السلف ذاتهم! وهم يتفاوتون في الموقف من ذلك، فبعضهم يطرد قاعدته وأصله ولايبالي إن كانت قاعدته تقتضي انتقاص السلف واستجهالهم واستبلاههم، وبعضهم فيه بقية دين فيتحاشى أن يطبق قاعدته على عمل السلف، ويفضل أن يعيش بهذا التناقض على أن يواجه لوازم قاعدته.

ومن تطبيقات هذه الإشكالية: ظاهرة “الإباحية الفقهية” المعاصرة، وهي أن بعض أصحاب تدجين الخطاب الدعوي المتصدرين في الفضائيات اليوم صاروا يسلكون منهج “تتبع رخص العلماء وزلاتهم والفتيا بها” بشكل واضح، بل وباندفاع في هذا المجال وتصفيق إعلامي ملفت، وصار عند هؤلاء “لجان علمية” وظيفتها البحث في كل مسألة عن من أباحها من أهل العلم للفتيا بموجب ذلك، لجان يسمونها علمية كل وظيفتها “البحث عن مبيح”!، وتتاح لهم برامج أوقات الذروة ليحقنوا المسلمين المستهدفين بزلات العلماء، كان الله في عوننا نحن المشاهدين المساكين، فبدلاً من أن نجد علماً يحي قلوبنا، صرنا نجد شبهات تربت على اهوائنا لنستكين على وضعنا، شخصيات تصدرت للناس بدلاً من أن تكون وظيفتها إحياء الإيمان في النفوس، صارت وظيفتها توهين التدين في نفوس الناس، وتوفير مبررات الفتور التعبدي والبرود الدعوي.

المهم.. أنه إذا قام أحد علماء ودعاة أهل السنة ببيان الانحراف في عين فتوى بذاتها، أو تجاه مسلك هذا الرجل بعمومه، قاموا عليه وأخذوا يتساءلون باستغراب: تترك العلمانيين وتأتي لهذا المنتسب للدعوة؟! هذا خلاف فروعي لايستدعي منك أن تكتب في بيانه؟! تترك المخالف في الأصول ترد على المخالف في الفروع؟! ونحو هذه العبارات. وإجابة على هذه الدعوى يقول ابو العباس ابن تيمية رحمه الله مبيناً أن الحاجة للبيان في مثل هذه المسائل قد تفوق الحاجة للبيان في بعض مسائل العقيدة الظاهرة لكل أحد، كما يقول رحمه الله: (فإن فتوى من مفتٍ في الحلال والحرام، برأيٍ يخالف السنة أضر عليهم من أهل الأهواء ، وقد ذكر هذا المعنى الإمام أحمد وغيره ، فإن مذاهب أهل الأهواء قد اشتهرت الأحاديث التي تردها واستفاضت ، وأهل الأهواء مقموعون في الأمر الغالب عند الخاصة والعامة، بخلاف الفتيا فإن أدلتها من السنة قد لا يعرفها إلا الأفراد، ولا يميز ضعيفها في الغالب إلا الخاصة ، وقد ينتصب للفتيا والقضاء ممن يخالفها كثير) [الكبرى، 6/144] .  فبالله عليك تأمل في عمق هذا الفقه، حيث جعل الرد على بعض الفتاوى الفروعية التي شذّت عن طريق أهل العلم، قد تكون أولى بالبيان من بعض البدع الكبرى، لأن الأولى خفيّة والثانية ظاهرة، فجعل المعيار رحمه الله ليس حجم الانحراف، بل مدى حاجة الناس للبيان.

وثمة مقولتان للعلامة المتفنن بكر ّبوزيد كلما قرأتهما رقصت جوانحي طرباً لهما، وما رأيت كلام هذه الطوائف الفكرية في هذا الباب إلا تذكرت عبارته يرحمه الله، وهاتان العبارتان كلاهما مذكورتان في كتابه “الردود”، فأما العبارة الأولى فهي قوله رحمه الله وغفر له: (إذا رأيت من ردّ على مخالف في شذوذ فقهي، أو قول بدعي، فاشكر له دفاعه بقدر ‏ما وسعك، ولا تخذله بتلك المقولة المهينة “لماذا لا يرد على العلمانيين”)[الردود، بكر ابوزيد، 49 ]. وأما العبارة الثانية فهي قوله رحمه الله:  (فقل لي بربك: إذا أظهر المبطلون أهواءهم، والمرصدون في الأمة: واحد يخذّل، وواحد ساكت، فمتى يتبين الحق؟) [الردود، بكر ابوزيد، 17 ]  .

وعلى أية حال .. أولئك الذين يلومون علماء ودعاة أهل السنة على مقاومتهم للانحرافات المنهجية –حتى المنتسبة منها للفكر الإسلامي- بحجة أن مقاومة اليهود والنصارى والملاحدة والعلمانيين أولى إنما يتمسكون بحجة مؤداها الإزراء بجهود النبي وأصحابة وأئمة الهدى من بعدهم في العناية بسائر تشريعات الإسلام كليها وجزئيها، وأن جهود البيان والرد عندهم ليست مرتبطة بحجم الانحراف، بل مرتبطة بمدى حاجة الناس للبيان.

 

 

 

أبو عمر

ربيع الأول 1431هـ

21 فبراير 2010

Advertisements

إشكال حول نمط فهم الإسلام

أضف تعليق

        بعد سيل الشبهات الذي لازال يسوط بها الإعلام ظهور الشباب المسلم تساءل أكثر من شاب أمامي وقالوا: هل فهمنا للاسلام في خطوطه العامة هو فهم صحيح؟ أم أننا نحتاج مراجعة كلية لفهم جوهر الإسلام؟  أي بغض النظر عن الخلاف في المسائل التفصيلية. وأنا أقول والله العظيم أن من قرأ كتاب الله صادقاً متجرداً، وقلب نظره في قصص أنبياء الله، الذين حكاهم الله لنا ليس للتسلية وإنما للعبرة والعمل والاهتداء والائتساء، فمن تأمل أخبار الأنبياء، وتأمل في المجتمعات التي بعثوا فيها، ومافيها من الفقر والمظالم والاستبداد، ثم تأمل كيف نظم الرسل أولوياتهم، ومالقضايا التي صرفوا جهودهم فيها؟   ثم لو تأمل الانسان الصادق الباحث عن الحق في سيرة أئمة الهدى بعد الرسل، وهم أصحاب النبي، سيما من اختصوا بالعلم دون الولاية العامة، كابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وزيد بن ثابت، ثم من درس عليهم وسار على نهجهم من التابعين، وأركان التابعين أربعة –كما يقول الإمام ابن تيمية- وهم سعيد بن المسيب والحسن البصري وابراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح، فهؤلاء الأربعة دارت عليهم الفتوى في عصر التابعين، وتدين القرن الثاني الذي فضله الله سبحانه بفتاواهم، وهم حملة علم أصحاب رسول الله.   ثم إذا تدبر الباحث –أيضاً- أئمة القرن الثالث الذي درسو على هؤلاء وواصلو المسيرة، وهم تابعو التابعين، واركان تابعي التابعين أربعة -كما يقول ابن تيمية أيضاً- وهم مالك بن أنس إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث بن سعد إمام أهل مصر، وسفيان الثوري إمام أهل العراق.   فإذا تدبر الباحث مامضى، أعني تدبر مجتمعات الأنبياء التي بعثوا فيها، ثم قارنها بأولويات الأنبياء، ثم تدبر مجتمعات أئمة الدين التي قاموا فيها، وقارنها بجهودهم وأولوياتهم، لم يبق عنده شعرة شك ولا ارتياب أن ماعليه الطوائف الفكرية اليوم كلها مناقض أشد المناقضة لطريقة الرسل وأئمة الهدى، وأن ما أدركنا عليه علماءنا كالإمام ابن باز وابن عثيمين ونحوهما من عيون أئمة أهل السنة والجماعة أنه هو الموافق في الجملة لطريقة الأنبياء وائمة الهدى، ولايشك في ذلك إلا جاهل بسيرة الطرفين، أو صاحب هوى أعماه هواه.   والرسل وأئمة الهدى هم معيار الحق، وكلاهما محل للاقتداء وفهم الوحي على طريقتهم، فالله لما ذكر الرسل قال كما في سورة الأنعام{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} فالله يخبر نبيه عن أن هؤلاء الرسل الذين يحكي خبرهم إنما هم للاقتداء.   ولما ذكر الله أئمة الدين في موضعين من كتابه جعلهم –أيضاً- محلاً للائتساء والاهتداء فقال في سورة الأنبياء{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} وقال في سورة السجدة {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}.

وهذه الطوائف الفكرية لاترى في الوجود إلا القضايا المادية، فالعدل عندها هو العدل المالي، برغم أن كل أوامر الله سبحانه نوع من العدل. ولايعرفون من الظلم إلا المظالم المالية، برغم أن كل مناهي الله سبحانه نوع من الظلم. ولايعرفون من الحقوق إلا الحقوق المالية، برغم أن لكتاب الله حقاً بصيانته من التحريف، ولسنة رسول الله حقاً بصيانتها من الطعن، ولأصحاب رسول الله حق بصيانتهم من القدح، وللفضيلة والأعراض حقوق عظيمة بمقاومة من يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وللعلماء حق بالذب عنهم، الخ .فهؤلاء أهل الأهواء الفكرية لايعرفون من هذه الحياة إلا هذه القضايا المادية، ولذلك يعيبون علماءنا ويسفهونهم، وهم في الواقع إنما مؤدى كلامهم الإزراء بالرسل والصحابة والتابعين، ولكن لجهلهم وهواهم لايتفطنون.   ومن قرأ كلامهم اندهش من اندفاعهم بكل وسيلة ممكنة في تقزيم العقيدة والفقه، واستجهال أهل العلم، ولمز اهتماماتهم.

وأما الاحتكام للوحي فقد عطلوه كلياً، فكلما قال لهم أهل السنة: قال الله وقال رسول الله، قالوا المسألة فيها خلاف، فصار الخلاف حاكماً على الوحي، برغم أن الله أنزل الوحي ليكون حاكماً على الخلاف كما قال تعالى في  سورة النساء (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) وهؤلاء يردون الله والرسول إلى النزاع نسأل الله السلامة، ولذلك قال الشاطبي قولته الخالدة : (وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية؛ حتى صار الخلاف في المسائل معدودا فى حجج الإباحة!).

وإذا قال لهم أهل السنة هذا “منكر” قالوا ليس قطعي الثبوت أو ليس قطعي الدلالة، فحصروا الشريعة في نزر يسير يسمونه القطعي، وصار غالب كلام الله وكلام رسوله لايفيد الهدى ولايصلح للاحتجاج عندهم لأنه إما غير قطعي الثبوت أو غير قطعي الدلالة!   والله تعالى أمر العدد اليسير من الناس أن يبلغ دين الله كما قال تعالى في سورة التوبة (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم) ولوكان الدين بالقطعي لكان هذا التوجيه عبث، إذ النقل الذي يأتي به نفر يسير لايحصل به القطعي.   وقال النبي في أحاديث يبلغ المعنى المشترك فيها درجة التواتر القطعي (بلغو عني ولو آية) وقال (نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه) ولو كان الدين لايثبت ولايحتج فيه إلا بالقطعي الثبوت والدلالة لكان توجيه النبي هذا لغو لاثمرة له، إذ مافائدة أن يبلغ رجل واحد خبراً سيكون غير قطعي الثبوت، وربما دخل تفسيره ظنية المعنى.   وقد تواتر عند أهل التاريخ والسير والحديث، بل كل علوم أهل الإسلام نقلت ذلك، حتى كتب الأدب، أن النبي كان يرسل إلى الأمم رسولاً واحداً يخبرهم بالاسلام كله وليس حديثاً واحداً، ومع ذلك يرتب النبي آثار هذا التبليغ عليهم، ولو كانت الحجة لاتثبت إلا بالقطعي لما آخذ هؤلاء الأمم بخبر واحد في أصول الدين وفروعه!   فانظر كيف اختصروا المطالب الشرعية في القضايا المادية، وكيف عطلوا حاكمية الوحي بتكبيلها بالخلاف والقطعي، فهل هذا بالله عليكم طريقة الأنبياء وأئمة الهدى؟!

والله المستعان سبحانه.

أبو عمر

صفر 1431هـ

27 يناير 2010

هل انتهت قضايا الأنبياء في عصرنا؟

أضف تعليق

الأنبياء بعثوا إلى مجتمعات كانت تعاني من الفقر، وظلم الغني للفقير، والاستبداد السياسي، مجتمعات ليس فيها تداول سلطة، ولارقابة على المال العام، ولا حرية رأي.. وكثير من الأنبياء بعثوا إلى أمم ليس فيها علوم عقلية، ولافنون، ولامدنية، الخ الخ  ومع ذلك وضع الأنبياء هذه القضايا كلها في مرتبة تالية وبدؤوا أول مابدؤوا بإشعال المعركة مع الشركيات، وإخلاص كل عبادة لله، بدأ من الشعائر وانتهاءً بالتشريعات، فلايستغاث إلا بالله، ولايُشرّع إلا الله، هذا هو التوحيد الذي بعثت به الأنبياء، وهو أعظم قضاياهم، وهو أمر لايخالف فيه حتى أكثر الباحثين مغالطة وتأويلاً. فبين تعالى إرسال الرسل “كلهم” بتوحيد العبادة والشعائر فقال (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25] وبين تعالى –أيضاً- إرسال الرسل “كلهم” بتوحيد الطاعة والتشريع فقال (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) [النساء:64] والثاني من أفراد الأول، لكنه خصه لأهميته.

يأتي بعض الناس اليوم ويقول: نحن نعظّم الأنبياء ونجلّهم ونحترمهم، ولاشك أنهم قاموا بالواجب، ولكن الأولويات عندنا تغيرت! وكأنه ليس في كثير من بقاع عالمنا الإسلامي على مستوى العامة أفظع مظاهر وثنية الشعائر التي أرقت الأنبياء، وكأنه ليس في كثير من النخب الثقافية أفظع مظاهر وثنية التشريع، وكأنه ليس في كثير من القوانين والنظم مواداً مناقضة لتوحيد التشريع.

هل هذا يعني التزهيد باصلاح القضايا المالية والسياسية؟ لا قطعاً، ولكن بحّت حلوق أهل السنة وهم يقولون: رتبوا الأولويات بشكل صحيح كما رتبها الأنبياء، بل صرنا اليوم فيما هو أسوأ، صار البعض يجعل أولويات الرسل قضايا هامشية فيسخر ويتهكم من جهود أهل السنة في إصلاح التوحيد!

إلى أولئك الذين يظنون أن قضايا الأنبياء انتهت وأننا نعيش اليوم “أولويات، ومتغيرات، وتركيبة اجتماعية مختلفة، ونمط حياة جديد، الخ الخ” من هذه الشعارات أهديهم هذه الزفرات التي كتبها الشيخ أحمد الصويان يحكي فيها قصة مدهشة عند زيارته لأحد الدول العربية المجاورة.

أبو عمر

صفر 1431هـ

26 يناير 2010

كتائب الاحتساب في عصر ابن تيمية

أضف تعليق

أحد الكتّاب المسيحيين في دمشق، كان يعمل لدى أحد الأمراء واسمه عساف، ونتيجة للدعم السياسي الذي يتمتع به هذا المسيحي فإنه أطلق عبارات جارحة في حق الرسول، فدهش الشباب المسلم ذي الغيرة والحمية وذهبوا للشيخ ابن تيمية يخبرونه بالمنكر، فجمع ابن تيمية الناس وساروا إلى السلطان في كتيبة احتسابية مهيبة تخللتها صعوبات وأحداث مرت بمواجهة الشباب للأمير الذي حمى النصراني وانفلات الوضع ورجم الأمير بالحجارة، ثم سجن ابن تيمية نفسه وجلده بسبب ذلك، ثم مع تصاعد الأزمة أعلن النصراني الإسلام ليحقن دمه، فواصل ابن تيمية المواجهة وألف كتاباً موسعاً جداً يثبت فيه أن حق النبي لايذهب بالإسلام ويجب قتل النصراني الكاتب، وازدادت الأحداث حدة وانتهى الكاتب النصراني والأمير عساف الذي حماه نهاية مأساوية فظيعة. وهذه نصوص المؤرخين الذين جايلوا تلك الفترة أو قاربوها، وهم الثلاثة الكبار حقاً (الذهبي، وابن كثير، وابن حجر) :  
قال الذهبي في تاريخه: (عسّاف ابن الأمير أحمد بن حجيّ. زعيم آل مري. أعرابي شريف، مطاع. وهو الذي حمى النصراني الذي سب، فدافع عنه بكل ممكن. وكان هذا النصراني لعنه الله بالسويداء وقع منه تعرض للنبي صلى الله عليه وسلم، فطلع الشيخان زين الدين الفارقي، وتقي الدين ابن تيمية في جمع كبير من الصلحاء والعامة إلى النائب عز الدين أيبك الحموي، وكلماه في أمر الملعون، فأجاب إلى إحضاره وخرجوا، فرأى الناس عساف، فكلموه في أمره، وكان معه بدوي، فقال: إنه خير منكم. فرجمته الخلق بالحجارة. وهرب عساف، فبلغ ذلك نائب السلطنة، فغضب لافتتان العوام. وإلا فهو مسلم يحب الله ورسوله، ولكن ثارت نفسه السبعية التركية، وطلب الشيخين، فأخرق بهما، وضربا بين يديه، وحبسا بالعذراوية، وضرب جماعة من العامة، وحبس منهم ستة، وضرب أيضاً والي البلد جماعة، وعلق جماعة. ثم سعى نائب السلطنة كما لقن في إثبات العداوة بين النصراني وبين الذين شهدوا عليه من السويدا ليخلصه بذلك. وبلغ النصراني الواقعة فأسلم، وعقد النائب مجلساً، فأحضر القاضي ابن الخويي وجماعة من الشافعية، واستفتاهم في حقن دمه بعد الإسلام، فقالوا: مذهبنا أن الإسلام يحقن دمه. وأحضر الشيخ زين الدين الفارقي، فوافقهم، فأطلق. ثم أحضر الشيخ تقي الدين، فطيب خاطره، وأطلقه والجماعة بعد أن اعتقلوه عدة أيام ثم أحضر النصراني إلى دمشق فحبس، وقام الأعسر المشد في تخليصه، فأطلق وشق ذلك على المسلمين. وأما عساف فقتله بقرب المدينة النبوية في ربيع الأول من هذه السنة ابن أخيه جماز بن سليمان، وفرح الناس) [تاريخ الإسلام، للذهبي، 52/222].
وقال ابن كثير في تاريخه: (واقعة عساف النصراني: كان هذا الرجل من أهل السويداء قد شهد عليه جماعة أنه سب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استجار عساف هذا بابن أحمد بن حجي أمير آل علي، فاجتمع الشيخ تقي الدين بن تيمية، والشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث، فدخلا على الامير عز الدين أيبك الحموي نائب السلطنة فكلماه في أمره فأجابهما إلى ذلك، وأرسل ليحضره فخرجا من عنده ومعهما خلق كثير من الناس، فرأى الناس عسافا حين قدم ومعه رجل من العرب فسبوه وشتموه، فقال ذلك الرجل البدوي: هو خير منكم – يعني النصراني – فرجمهما الناس بالحجارة، وأصابت عسافا ووقعت خبطة قوية، فأرسل النائب فطلب الشيخين ابن تيمية والفارقي فضربهما بين يديه، ورسم عليهما –أي حبسهما- في العذراوية، وقدم النصراني فأسلم وعقد مجلس بسببه، وأثبت بينه وبين الشهود عداوة، فحقن دمه، ثم استدعى بالشيخين فأرضاهما وأطلقهما، ولحق النصراني بعد ذلك ببلاد الحجاز، فاتفق قتله قريبا من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتله ابن أخيه هنالك، وصنف الشيخ تقي الدين بن تيمية في هذه الواقعة كتابه الصارم المسلول على ساب الرسول)  [البداية والنهاية، لابن كثير، 13/396]   -وقال الذهبي في تاريخه أيضاً: (وفيها كانت فتنة عساف بدمشق ورجم العوام له، لكونه حمى نصرانيا سب النبي صلى الله عليه وسلم، فقبض النائب الحموي على جماعة من العلماء، وضرب الشيخ زين الدين الفارقي، رحمه الله تعالى، واعتقله مع ابن تيمية وطائفة بالعذراوية مدة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) [تاريخ الاسلام، للذهبي، 52/33].
وقال ابن كثير في تاريخه أيضاً:(وفيها -في أواخر ربيع الاول- جاء الخبر بأن عساف بن أحمد بن حجى الذي كان قد أجار ذلك النصراني الذي سب الرسول قتل ففرح الناس بذلك) [البداية والنهاية، لابن كثير، 13/401]
وقال ابن حجر: (وكان الحسام –أي حسام الدين الحنفي القاضي- ممن قام في الإنكار في قصة الكاتب النصراني، كاتب عساف أمير العرب. وكان ينقل عنه أنه وقع في حق النبي صلى الله عليه وسلم. فقام في إمرة تقي الدين ابن تيمية، وزين الدين الفارقي. وعقد بسبب ذلك مجالس. وتعصب الشمس الأعشر شاد الدواوين للنصراني، فما وسع النصراني لما خشي على نفسه إلا أنه أسلم فأطلق، فقال القاضي حسام الدين في ذلك: إلام فتور العزم يا آل أحمد … بإبقاء كلبٍ سبًّ دين محمدِ وكان إذا ما أذَّن القوم سبَّه … وكان بذكر القبح فيه بمرصدِ يا سلامة لا يُدرأ الحد بعد ما … تكرر منه الشر من كل موردِ على مثله أهل المذاهب أجمعوا … فكن ممضياً في نحره بمهنّدِ فأنتم ليوث الحرب في كل مَعْرَكٍ … وأنتم سهام العزو في كل مشهدِ وهي طويلة، وهذا عنوان نظمه) [رفع الإصر عن قضاة مصر، لابن حجر] ،
وأما الكتاب الذي ألفه ابن تيمية في هذه الأزمة وهو “الصارم المسلول على شاتم الرسول” فقد قال في مطلعه: (اقتضاني لحادث حدث أدنى ماله –أي رسول الله- من الحق علينا، بل هو ما أوجب الله من تعزيزه ونصره بكل طريق، وإيثاره بالنفس والمال في كل موطن، وحفظه وحمايته من كل موذ، وإن كان الله قد أغنى رسوله عن نصر الخلق، ولكن ليبلوا بعضكم ببعض، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب) [الصارم المسلول، لابن تيمية، 2].
والحقيقة أن ألماسة الكتاب كله قول الإمام ابن تيمية مقولته العابرة لكل مشاعر العزة والاستعلاء بهذا الدين: (فإن الكلمة الواحدة من سب النبي صلى الله عليه وسلم لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار، ولأن يظهر دين الله ظهورا يمنع أحدا أن ينطق فيه بطعن أحب إلى الله ورسوله من أن يدخل فيه أقوام وهو منتهك مستهان) [الصارم المسلول، لابن تيمية، 505]هكذا يفهم ابوالعباس “أولويات الدعوة” .. عزة الدين ومهابته أولى في نفوسنا من إسلام الأعداد الغفيرة وهو مستهان به مزدرى محتقر! فليس لدينا استعداد أن نطاوع النفوذ الإعلامي التغريبي في (تقزيم العقيدة والشريعة) لكي يقبلو بخطابنا الديني .. كلا .. ليست هذه في وارد حساباتنا .. لامساومة بتاتاً على عزة الإسلام وشرفه ومهابته في النفوس .. حرف واحد من الوحي لايمكن بتاتاً أن يكون موضوعاً لصفقة إعلامية مهما كانت المكتسبات ! كما قال ابوالعباس تماماً (ولأن يظهر دين الله ظهورا يمنع أحدا أن ينطق فيه بطعن؛ أحب إلى الله ورسوله من أن يدخل فيه أقوام وهو منتهك مستهان).. إنها غاية “ظهور الدين: التي قال الله عنها في ثلاث مواضع من كتابه في سورة التوبه والفتح والصف: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله).
اللهم أنزل سحائب الرحمات على قبر أبي العباس يارب العالمين .. بنصرته لكتابك ونبيك والسابقين الأولين إلى الإسلام.. اللهم آمين.
أبو عمر
صفر 1431هـ
24 يناير 2010