محاولة لتفسير الوضوح الشيعي

أضف تعليق

 

الحمدلله وبعد،،

في مرحلة تاريخية سابقة كانت الرموز الشيعية تنكر أن يكون من عقائدها عقيدة (سب الصحابة)، وترى أنها ضحية التجني الطائفي فقط، وقد استطاعت استدرار تعاطف كثير من مثقفي أهل السنة معهم تلك الفترة.. وفي هذه الأيام صرنا نشهد تحولاً حاداً في مدى الوضوح الشيعي في إظهار عقيدة سب الصحابة، قضية أن الشيعة يسبون الصحابة لم تعد –كما كانت من قبل- قضية تحتاج لبرهنة وإثبات، بل تحولت إلى معطى يتم البناء عليه..

 

حسناً .. مالذي تغير ياترى؟ ما الذي دفعهم لهذا الوضوح؟

قبل أن نحاول طرح تفسير لذلك دعونا نحاول التدقيق سوياً في الأحداث التالية:

 

في هذه الأيام يظهر الرمز الديني الكويتي “ياسر الحبيب” في احتفال علني في لندن يتضمن فعاليات متعددة لسب أم المؤمنين عائشة، حيث يقول فيها ياسر الحبيب:

(إني أريد أن أثبت أن عائشة بنت أبي بكر اليوم في النار، بل هي في قعر جهنم، كانت عائشة امرأة قليلة أدب) [ياسر الحبيب، كلمة في احتفال لندن].

 

رئيس جمهورية إيران “محمد أحمدي نجاد” يظهر في خطاب عام على القناة الثالثة الإيرانية في يونيو 2009 يكفِّر ثلاثةً من أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- دفعة واحدة، ومتهماً إياهم بالردة عن الإسلام، حيث يقول:

(طلحة والزبير معروفون في التاريخ، هؤلاء لجؤوا إلى معاوية من منطلق الحمية القبلية، وارتدوا، وحماهم معاوية وآواهم) [نجاد، القناة الثالثة الإيرانية، 10/6/2009]

 

عضو مجلس النواب العراقي “بهاء الأعرجي” يظهر في قناة البغدادية ويتهم أبابكر الصديق بأنه تآمر على العراق، حيث يقول:

(الذي يأخذ الأغلبية في العراق يجد أن عليهم مؤامرة منذ يوم أبي بكر) [بهاء الأعرجي، قناة البغدادية]

 

المعمم الشيعي السعودي حسن الصفار ينشر على موقعه الشخصي كتاباً -لايزال حتى هذه اللحظة متاحاً للجمهور- يشتم فيه أبابكر و أباهريرة والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص وسمرة بن جندب، ويكفِّر فيه معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عن الجميع، حيث يقول الصفار على سبيل المثال:

(ما حصل من بيعة أبي بكر كان أشبه بالانقلاب على علي) [المرأة العظيمة، حسن الصفار، دار الانتشار العربي، الطبعة الأولى، 2000م، ص64]

(معاوية وضع قوماً من الصّحابة، وقوماً من التّابعين، على رواية أخبار قبيحة في علي -عليه السلام- تقتضي الطّعن فيه، والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جُعلاً يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة) [السابق، ص175]

(واستكمالاً لمشروع الردّة إلى الجاهلية، ختم معاوية بن أبي سفيان حياته باستخلاف ولده يزيد على الأمّة) [السابق، ص135].

 

حين نعيد التأمل في هذه الأحداث: رئيس إيراني.. نائب سياسي عراقي.. معمم كويتي.. معمم سعودي.. كلهم يظهرون سب الصحابة، وكلهم شخصيات شيعية مشهورة، وكلهم أظهروها علناً في خطابات جماهيرية أو احتفالات عامة أو مواقع الكترونية شخصية.. والأهم من ذلك كله (في لحظة تاريخية متقاربة).

 

ياترى .. ماتفسير هذا الوضوح الشيعي الحالي؟ لماذا كانت الرموز الشيعية سابقاً يحاولون الاستخفاء والغمغمة واللجوء للأغطية اللغوية المجملة لإخفاء عقيدتهم في سب الصحابة، بينما اليوم، واليوم تحديداً؛ يظهرونها بشكل سافر؟

 

حتى أنني أتذكر قبل هذه المرحلة الزمنية أن الباحثين الشرعيين في مجال العقيدة كانوا يعانون عسراً شديداً في إقناع الناس بأن هذه هي عقيدة الشيعة..

 

وفي المرحلة التاريخية السابقة كان التقاربيون في أزهى مراحلهم حيث كانوا يستطيعون إنكار أن تكون هذه هي عقيدة الشيعة في الصحابة، أما اليوم فالتقاربيون في أسوأ لحظاتهم التاريخية، حيث يجدون حرجاً بالغاً في فتح هذا الموضوع، بل صاروا يخجلون بشكل واضح من مقالاتهم وأطروحاتهم السابقة في تكذيب الباحثين العقديين.

 

حسناً .. مالذي تغير ياترى وخلق هذا التحول الحاد في كشف الشيعة علناً لعقيدتهم في سب الصحابة؟

 

ثمة نظرية تفسيرية طرحها الإمام ابن تيمية -في عدة مواضع من كتبه- لتفسير سلوكيات الطائفة الشيعية، وهي أن مايظهرونه من عقيدتهم مرتبط بشكل جوهري بمدى النفوذ السياسي الذي يملكونه، مع قدرتهم على إبرام الصفقات مع المستعمر لضمان مصالحهم المذهبية ضد المسلمين، يقول ابن تيمية شارحاً صفقات الشيعة مع المستعمر:

(وكذلك إذا صار لليهود دولة بالعراق وغيره تكون الرافضة من أعظم أعوانهم)[منهاج السنة، 3/378]

وقال ابن تيمية أيضاً: (قد عرف أهل الخبرة أن الرافضة تكون مع النصارى على المسلمين)[الفتاوى، 28/528]

 

على أية حال .. من يتأمل النفوذ السياسي الإيراني المتعاظم، وصفقات إيران الخفية مع اللاعبين الغربيين الكبار، ونفوذ الشيعة في العراق اليوم، ونفوذ حزب الله في لبنان.. فإنه لايستطيع بتاتاً أن يفصل ذلك عن ظاهرة الاستعلان الشيعي الحالي بسب الصحابة، وقدوم الحوثيين الشيعة للهجوم على جزيرة الاسلام من الجنوب، وقدوم الشيعة من شرق المملكة لنبش قبور البقيع في غربها، وتهديد المعمم السعودي نمر النمر بانفصال الشرقية عن بقية مناطق المملكة ..

 

كل هذا التوحش العقدي الشيعي الحالي لا يمكن فصله بتاتاً عن إحساسهم بأن قوتهم السياسية تزداد وأنهم في موقف تفاوضي أقوى ..

 

استحضر هذا النفوذ الشيعي السياسي المتكالب، وهذا الهجوم الحوثي، وهذا النبش البقيعي، وهذا الاستعلان المتزايد بسب الصحابة، واستعد من ذاكرتك خطبة المعمم السعودي نمر النمر التي ألقاها في العوامية في فبراير 2009 حين قال في لهجة نارية ملتهبة:

(كرامتنا أغلى من وحدة هذه الأرض..، إذا حال الوضع بيننا وبين كرامتنا سندعوا إلى الانفصال، سندعوا إلى الانفصال وليكن ما يكون) [خطبة لنمر النمر، العوامية]

 

لم يكن الأمر لغزاً .. التهديد الشيعي بانفصال الشرقية هو تهديد ضمني باحتلال حقول النفط عبر الاستقواء بالنفوذ السياسي الشيعي الخارجي والصفقات الخفية مع المستعمر..

 

على أية حال .. ما يجب أن يفهمه صانعوا القرار اليوم أن: الأمن السياسي لأهل السنة مرتبط بالأمن العقدي لهم.. وأتمنى أن لا يأتي اليوم الذي نقول فيه: أُكِلنا حين لم نقدر صرخة نمر النمر حق قدرها..

 

والله أعلم

أبو عمر

شوال 1431هـ

16 سبتمبر 2010

دمعة على فضل الله .. وصمت عن ابن غديان!

2 تعليقان

الحمدلله وبعد،،
كاد يمضغني الغبن مضغاً وأنا أشاهد أقلاماً تقافزت في صحافتنا المحلية ومواقعنا الإلكترونية لتأبين الرمز الشيعي محمد حسين فضل الله .. ودلقت على شخصيته من عبارات التمجيد والتهويل وأنه (العلامة) (المجدد) (المعتدل) الخ .. بينما تلك الأقلام المحلية لم تنبس بحرف توقير واحد لسماحة العالم الزاهد عبدالله بن غديان، والذي استفاضت الأخبار عن زهده في المال والجاه، يا طيب الله ذاك الثرى ..!

بعضها أقلام تسمي نفسها أقلاماً وطنية .. وبعضها الآخر ينسب نفسه للفكر الإسلامي!
واخيبتاه .. أن تسح الدموع على بقايا الكليني .. ويحلو التجاهل لأبناء البخاري..

على أية حال .. دعونا نتجاوز هذه المفارقة الجارحة ولنتأمل في سؤال آخر طرحته تلك المقالات التمجيدية عن خطاب هذا الرمز الشيعي:

لا أحد يستطيع أن ينكر أن لمحمد حسين فضل الله مواقف تصحيحية تربك الفكر الشيعي المواويلي .. مثل إنكار الولاية التكوينية في كتابه (نظرة إسلامية حول الولاية التكوينية) والولاية التكوينية هي اعتقاد أن الأئمة يملكون بعض خصائص الربوبية كتدبير الكون، كما أنه طرح لها عدة تفسيرات أخرى وناقشها في كتابه المشار إليه (الولاية التكوينية، ص13).

كما أنه طرح في الفصل الثاني من كتابه (الزهراء القدوة) أسئلة متشككة حول الحادثة التي اختلقها بعض الوضّاعين من الشيعة بأن عمر –رضي الله عنه- كسر ضلع فاطمة بنت محمد -رضي الله عنها- ولكنه للأسف لم يجزم بنفيها كما جزم غيره من الشيعة.

كما أنه نطق بالترضي عن بعض الصحابة في بعض المواضع، وهذه كلها مواقف تصحيحية مشكورة يجب أن نثمنها ونستفيد منها لتنحلّ عقد التقليد والتصميم بين غلاة الشيعة، ولكن دون أن تستجرنا هذه التصحيحات الجزئية لتدليس الجزء الباقي من الصورة.

أعني بصيغة أخرى: هل هذه كل القضية؟ هل محمد حسين فضل الله فعلاً كما صوره لنا هؤلاء الكتاب أنه عالم شيعي معتدل يحترم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟

دعونا نستل عينةً من بعض مواقف الأستاذ محمد حسين فضل الله ونختبر فيها هذه الدعوى:
في كتابه “نظرة إسلامية حول الغدير” اتهم فضل الله أبابكر وعمر وعثمان بأنهم خانوا الواجب الشرعي في الخلافة، واغتصبوا حق علي بن أبي طالب:
(وهذا هو الذي يفسر تعاون علي مع الخلفاء الذين سبقوه مع أنهم أبعدوه عن حقه…، وقف الإمام علي مع الذين أبعدوه عن الخلافة وغصبوا حقه) [الغدير، فضل الله، ص33-34]

وفي كتابه “الزهراء القدوة” وهوكتاب يتمدح به فضل الله، حيث يقول عنه في مقدمته (كتاب “الزهراء القدوة” يمثل كل فكري في سيدة نساء العالمين)، وفي أكثر من موضع في كتاباته الأخرى يحيل إليه، والمروجون لفضل الله يعتبرون هذا الكتاب من مفاخره!

على أية حال.. في هذا الكتاب الذي يمثل “كل فكر” فضل الله يتهم فيه أبا بكر وعمر بحلول غضب الله ورسوله عليهما، حيث يقول:
 (وهكذا وبكل قوة وشجاعة احتجت الزهراء عليهما –أي على أبي بكر وعمر- وسجّلت عليهما أنهما أغضباها، وأغضبا بذلك رسول الله، ومن فوق ذلك أغضبا الله سبحانه وتعالى، وبقي غضبها جرحاً نازفاً في قلب أبنائها ومحبيها) [الزهراء القدوة، محمد حسين فضل الله، الفصل الثاني: فقرة ظلاماتها]

وفي كتابه هذا اتهم ابابكر –رضي الله عنه- بأنه “مجرم”، وأنه اعتدى على فاطمة، وأنه ندم في آخر حياته، يقول فضل الله :
(لم نصل إلى حد النفي لهذه الحوادث -كما فعل الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء بالنسبة لضربها ولطم خدها- لأن النفي يحتاج إلى دليل كما أن الإثبات يحتاج إلى دليل، ولكن القدر المتيقن من خلال الروايات المستفيضة، بل المتواترة تواتراً إجمالياً، هو الاعتداء عليها، من خلال كشف دارها، والهجوم عليه، والتهديد بالإحراق، وهذا كافٍ للتدليل على حجم الجريمة التي حصلت.. هذه الجريمة التي أرّقت حتى مرتكبيها، ولذا قال الخليفة الأول لما دنته الوفاة: “ليتني لم أكشف بيت فاطمة ولو أعلن عليٌّ الحرب”) [الزهراء القدوة، محمد حسين فضل الله، الفصل الثاني، فقرة ظلاماتها]

هكذا بكل جسارة في التوقح يعتبر أبابكر مرتكباً لـ”جريمة” الاعتداء على فاطمة وأنه ندم آخر حياته! وينشر ذلك في كتابٍ يعتبره “كل فكره” في هذه القضية !

قد يقول قائل هاهنا: أن التشكيك في حادثة الضلع هو غاية ما يستطيعه فضل الله في السياق الشيعي، أي أن هذا هو السقف الأعلى المتاح له؟ والحقيقة أن هذا غير دقيق بتاتاً، فانظر كيف أنه في النص السابق نقل عن أضخم مرجعية شيعية في عصره وهو “كاشف الغطاء” نقل عنه أنه ينكر أن يكون أبابكر وعمر ضربوا ولطموا فاطمة، ومع ذلك يرفض الأخذ بإنكار كاشف الغطاء، ويتمسك بجزء من الانحراف !

بل إن فضل الله يتهم نية أبي بكر بأمور خبيثة يستنتجها، حيث يستنتج أن أبا بكر منع فاطمةَ فدكاً لقطع الطريق عليها في طلب الخلافة لعلي! يقول فضل الله:
(كانت المطالبة بفدك جسر العبور إلى الخلافة..، لذلك كانت فدك المنطلق ولم تكن الغاية، ويقال إن “ابن أبي الحديد” في شرحه لنهج البلاغة سأل أستاذه : لماذا لم يعط “أبو بكر” فدكاً للزهراء ولو كانت للمسلمين لأعطوها لفاطمة؟ قال له: لو أعطيت فدك لطالبت بالخلافة لعلي، ولذلك رأى أن يقطع الأمر من أول الطريق حتى لا يمتد مطلبها إلى أبعد من ذلك، والله العالم) [كتاب: الزهراء القدوة، محمد حسين فضل الله، الخاتمة]

ولفضل الله استنباطات في غاية الطرافة، فمن المعروف في القصة الشهيرة في البخاري أنه لما اشتد بالنبي وجعه قال (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده) قال عمر: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، قال –صلى الله عليه وسلم- (قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع) [البخاري، 114]

فماذا استنبط فضل الله من هذا الحديث؟ استنبط منه أن عمر –رضي الله عنه- يبث الشكوك في الصحابة ليدلس على مراد النبي صلى الله عليه وسلم! يقول فضل الله عن هذا الحديث:
(ومع ذلك قال بعض من عنده “إن النبي ليهجر” أو “غلبه الوجع” ، وما أشبه ذلك، حتى بذر الشك فيما يكتبه النبي) [الغدير، فضل الله، ص30].

ونشر فضل الله في موقعه مقالة يتهم فيها عثمان بن عفان –رضي الله عنه- بقبائح مشينة، وبأنه كسر ضلع ابن مسعود، وظلم عمار، وسطا على جواهر وحلي! يقول في موقعه:
(وما زاد في الهوة بين عثمان وبين كبار الصحابة أمثال أبي ذر الغفاري وعبد الله بن مسعود، انتهاجه سلطة تعسفية تجاههم، تجلت بالنفي تارة، وبالضرب والإذلال تارة أخرى حتى مات الأول منفياً في الربذة، ومات الثاني مقهوراً بعد أن كسر ضلعه وحُرم عطاءه) (ومما تعرض له من حوادث ضرب عثمان لعمّار ضرباً موجعاً حتى غشي عليه وحدث له فتق..، وكان ذلك على أثر استيلاء عثمان على جواهر وحليّ وما إلى ذلك) [مقالة بعنوان: عمّار بن ياسر: الثبات في الموقف، الموقع الرسمي]

ومن الأمور المثيرة أثناء القراءة في طعون الشيعة على الصحابة أن جل ما يردده هؤلاء من (طعون تاريخية) هي عينها التي نجدها في كتاب ابن المطهر الحلي (منهاج الكرامة) والذي نقضه أدلته فقرةً فقرة ابوالعباس ابن تيمية في (منهاج السنة) .. تأمل فقط الفقرة السابقة التي ذكر فيها فضل الله أن عثمان ضرب ابن مسعود وعمار، هي عينها مقولة الحلي في كتابه حيث يقول الحلي:
(وكان ابن مسعود يطعن عليه ويكفّره، ولما علم عثمان ضربه حتى مات، وضرب عمارا حتى صار به فتق) [منهاج الكرامة، ابن المطهر الحلي، تحقيق عبدالرحيم مبارك، مؤسسة عاشوراء،ص108]

وهذه الفقرة أوردها ابن تيمية في منهاج السنة في سياق نقضه لكتاب منهاج الكرامة، ومما قاله عنها: (وأما قوله “إنه لما حكم ضرب ابن مسعود حتى مات” فهذا كذب باتفاق أهل العلم) [منهاج السنة النبوية، ابن تيمية] وواصل ابن تيمية الرد وذكر تحقيقات تاريخية في غاية العذوبة لا يمكن عرضها هاهنا.

كما نشر فضل الله في موقعه أيضاً اتهام عثمان بن عفان –رضي الله عنه- بالظلم والانتقام بلغة مسيئة كما يقول:
 (ويظهر أن عثمان ـ بعد ورود كتاب معاوية عليه ـ وجد مبرراً للانتقام من أبي ذر، وتأديبه كما يشتهي) [مقالة بعنوان: أبو ذر الغفاري: الداعية والباحث عن الحقيقة، الموقع الرسمي]

ومن جملة طعون فضل الله في الصحابة أنه اتهم الصحابي الجليل أنس بن مالك بالافتراء وكتمان إمامة علي بن أبي طالب، وأنه أصيب بالبرص عقوبةً له على ذلك، يقول فضل الله:
(ولم يقم ثلاثة للشهادة، ومنهم أنس بن مالك، فقال له علي: “مالك لا تقوم مع أصحاب رسول الله فتشهد بما سمعته يومئذٍ منه؟” فقال: يا أمير المؤمنين كبرت سني ونسيت. فقال علي: “إن كنت كاذباً فضربك الله ببياض لا تواريها العمامة” فما قام حتى ابيض وجهه برصاً) [الغدير، فضل الله، ص31].

لا حول ولا قوة إلا بالله .. محمد حسين فضل الله “العلامة المجدد!” يزعم أن الصحابي الجليل أنس بن مالك –رضي الله عنه- عاقبه الله بالبرص لكذبه في عدم الشهادة بإمامة علي بن أبي طالب!

وأما عباراته الموحشة على الصحابة بشكل عام فهي كثيرة، ومنها أنه زعم أن كل الصحابة بقيت في نفوسهم بعض رواسب الجاهلية إلا علي بن أبي طالب [الغدير، ص10]، واتهم الصحابة في السقيفة بالبعد عن الإسلام [الغدير، ص17] ، واستعمل “لغة سوقية” في التعبير عن الصحابة كقوله: (وكأن الإمام علي يقول: أنا واقع بين خيارين: إما أن أقف موقفاً سلبياً، لأن الولاية حقي، وأترك هؤلاء “يقلّعون شوكهم بأظافرهم” كما يقال) [الغدير، 19] ونحو هذه اللغة المهينة التي لا يستعملها من يحمل للصحابة في قلبه ذرة احترام صادق.

وأما صاحب رسول الله معاوية بن أبي سفيان –رضي الله عنه- الذي استأمنه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على الوحي، وولاه عمر بن الخطاب المعروف بشدة تحريه في الولاة؛ فقد اجتهد فضل الله في استعمال الإسفاف والعبارات الدنيئة في حقه رضي الله عنه، والله حسيبه يوم القيامة، ومن ذلك:

اتهم معاوية –رضي الله عنه- بترسانة تهم في موضع واحد، حيث اتهم معاوية بأنه: مفلس وظالم ومعتدي، ونفى إيمانه وجهاده! حيث يقول:
 (بعض المفلسين الذين ليس لهم سابقةٌ في إيمان، ولا جهاد في إسلام، ممن استولوا على مقدّرات المسلمين ظلماً وعدواناً كمعاوية وأشباهه) [خطبة بعنوان: الإمام الصادق في مواجهة التزوير والتحريف، الموقع الرسمي له]

واعتبر معاوية معادياً للرسول! كما يقول (معاوية إضافة إلى أنه مغتصب للخلافة، كان يقف في الخط المعادي لنهج رسول الله) [صلح الإمام الحسن، الموقع الرسمي]

بل ويتحدث عن معاوية بأسلوب لا يتحدث به عن أخبث الناس كما يقول: (كانت الخطة أن يغسل معاوية دماغ المسلمين) [خطبة بعنوان: الإمام الحسن: الإنسان النموذج، 2 أبريل 2004، الموقع الرسمي]

ويبدوا أن محمد حسين فضل الله واسع الخيال ماشاء الله حيث يستنتج أن معاوية –رضي الله عنه- عنده خطة ضد التعليم! كما يقول:
 (كانت الخطة هي تجهيل المسلمين، لأنَّ أمثال معاوية ويزيد ومن هم على شاكلتهما لا يمكن أن يسيطروا على مجتمع يملك وعي العلم وسعة المعرفة) [مقالة بعنوان: الإمام علي بن الحسين عالم منفتح على الله، الموقع الرسمي]
لما رأيت خصوبة الخيال هذه التي يتمتع بها فضل الله ندِمت أن الأمة لم تستفد من إمكانياته في الرواية والقصة القصيرة.

وأما الصحابي الجليل أبوسفيان فقد كان فضل الله لا يتورع عن تكفيره! فقد نشر عنه في موقعه الرسمي ما يلي:
(أثار حفيظة المسلمين ودفعهم إلى الجهر بالمعارضة، ما تناهى إلى سمعهم من قول لأبي سفيان في محضر الخليفة يستشف منه بداية التفكير في تحويل الخلافة إلى ملك، وكان ذلك بعد خلوته ببني أمية التي أنكر فيها النبوة والرسالة،) [مقالة بعنوان: المقداد بن الأسود، الموقع الرسمي]

وهذه العبارة التكفيرية لأبي سفيان والتي نشرها فضل الله في موقعه؛ الحقيقة أنها مسروقة من كتاب محمد جواد الفقيه (سلسلة الأركان الأربعة: المقداد بن الأسود) لكن فضل الله عدّل فيها قليلاً لتخف حدتها، ويمكن مقارنة النص السابق بالنص الأصلي المسروق:
(أثار حفيظة المخلصين فدفعهم إلى الجهر بالمعارضة ، فقد تناهى إلى سمعهم قول لأبي سفيان في محضر الخليفة تستشم منه رائحة الإِلحاد في دين الله ، وبداية التفكير في تحويل الخلافة الى ملك) [المقداد بن الأسود، محمد جواد الفقيه، دار التعارف، ص161]

والغريب أن فضل الله في مقالته عن المقداد ذكر عدداً من المصادر القديمة ولم يذكر هذا المصدر المعاصر الذي اختلس منه هذه المادة! فهي شتيمة ومسروقة أيضاً !
والمراد أن محمد جواد الفقيه يعتبر أباسفيان ملحد، بينما فضل الله يعتبره منكراً للنبوة والرسالة فقط!

ويرى فضل الله أيضاً أن أبا سفيان –رضي الله عنه- كان يعطل مشروع الرسول –صلى الله عليه وسلم- كما يقول:
(أبا سفيان كان يمثّل قيادة هذا الحزب القرشي الذي عطّل مشروع رسول الله وأشغله بحروب دامية) [قراءة في رسالة الإمام الحسن، محمد حسين فضل الله، نشرة فكر وثقافة، 5 أيار 2001م، الموقع الرسمي]

وهناك طعون أخرى كثيرة ذكرها فضل الله في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بعضها صريح، بينما أكثرها بطريقة ملفوفة وغير حادة، وهو –بصراحة- موهوب في كيفية تمرير القدح في الصحابة من خلال ابتسامات دبلوماسية هادئة جداً.

وأما غلوه في آل البيت وإنزالهم منزلة فوق المنزلة الشرعية التي أنزلهم الله إياها فهذا كثير جداً، ومن تلك النماذج التي توحي بلاعقلانية الرجل قوله:
(ارتفعت الزهراء إلى مقام العصمة وسمت إلى مرتبة القداسة..، إننا نعتقد أن الزهراء معصومة عن الخطأ والزلل والسهو والنسيان..، فإن هذا ما نستوحيه من وصول المرأة ـ كالزهراء ـ إلى مرتبة العصمة المختصّة بالأنبياء) [الزهراء القدوة، محمد حسين فضل الله، الفصل الثالث، فقرة العصمة]

قارن هذا الغلو اللاعقلاني في فاطمة الزهراء بما ذكره هو نفسه عن الأنبياء، حيث يقول في تفسيره المسمى (من وحي القرآن) مايلي:
 (الأسلوب القرآني لا يريد أن يعمِّق في ذهننا الإسلامي الفكرة التي تتحدث عن شخصية الأنبياء بالمستوى الذي يوحي بأن هناك أسراراً فوق العادة تكمن في داخل شخصيتهم.. فهناك أكثر من نقطة ضعف.. ويمكن أن تتحرك لتصنع أكثر من وضعٍ سلبيٍّ على مستوى التصوُّر والممارسة) . [من وحي القرآن، فضل الله، سورة طه، 115]

فاطمة –رضوان الله عليها- بلغت عنده مرتبة القداسة فلا يعرض لها السهو ولا النسيان، بينما الأنبياء لديهم أوضاع سلبية على مستوى التصور والممارسة!
بل قارن بين قوله أن فاطمة –رضوان الله عليها- معصومة عن السهو والنسيان بكون النبي نفسه –صلى الله عليه وسلم- سها في صلاته مرات عديدة!

وحين جاء فضل الله يريد أن يحلّل سبب فشو ظاهرة تأليه الأنبياء اتهم الأنبياء أنفسهم –صلوات الله عليهم- بأنهم يخطئون أحياناً فيدعون الناس لعبادتهم! كما يقول في تفسيره:
(وربَّما يتعلّل هؤلاء وأولئك بانتماء هذا الفكر إلى الأنبياء، فهم يدعون النّاس إلى أن يكونوا عباداً لهم، بتقديم فروض العبادة لهم، وبتقديسهم بالمستوى العظيم الذي يرتفع بهم إلى مستوى الربوبيّة، وقد يحدث ذلك من خلال ما يريد النبيّ لنفسه من قداسة وتأليه، وقد يحدث ذلك من خلال ما يفرضه أحد الأنبياء من توجيه النّاس إلى عبادة نبيّ آخر، أو في تأليه الملائكة، وذلك لما يثيره الأنبياء أمام النّاس من قصص وتعليمات في عظمة الملائكة وقداستهم التي تصل بهم إلى مستوى التأليه والربوبيّة) [من وحي القرآن، فضل الله، سورة آل عمران، 79]

ومما هو لصيق الصلة بالموقف من الأنبياء أن فضل الله لما وصل في تفسيره المشار إليه المسمى (من وحي القرآن) إلى آية (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) [البقرة، 213] أورد كلام الطباطبائي وأنه استدل بآية البقرة هذه على عصمة الأنبياء في تبليغ الوحي (ما يسمونه عندهم “العصمة التبليغية” ) فاعترض عليه “فضل الله” ورفض كلام الطباطبائي وجوز وقوع النبي في الخطأ في تبليغ الوحي! حيث يقول فضل الله في تفسيره:
(ونلاحظ على ذلك، أنَّ ما ذكره –الطباطبائي- لا يلازم ما ذكره من العصمة عن الخطأ في التبليغ..، ولا ملازمة بين ذلك وبين العصمة، فإنَّ من الممكن -من الناحية التجريدية- أن يخطىء النبيّ في تبليغ آية أو ينساها في وقت معين، ليصحح ذلك ويصوّبه بعد ذلك، لتأخذ الآية صيغتها الكاملة الصحيحة) [من وحي القرآن، فضل الله، 4/153]

والحقيقة أن أي قارئ سيصل إلى هذا النص لا بد أن يثور عنده تساؤل حول الدافع الذي يحفّز فضل الله إلى أن ينفي العصمة التبليغية عن النبي صلى الله عليه وسلم؟! ما الذي يجعل فضل الله ينقل كلام الطباطبائي (وهو عالم شيعي له تفسير مشهور اسمه الميزان، ت1982م) في عصمة النبي في التبليغ ثم يبطله ويرد على أدلته؟

الواقع أن فضل الله لديه إشكاليات كبيرة حول (حفظ القرآن)، لكنه يحرص أن يعرضها بطريقة غير حادّة، ولذلك رفض مفهوم العصمة التبليغية، وقد نثر عدداً من الارتيابات حول القرآن في عددٍ من كتبه.

ومن ذلك أن فضل الله يجوِّز أن يكون المصحف الذي اعتمده الصحابة فيه أخطاء لغوية ونحوية حيث نقل في تفسيره مقولة لصاحب (مجمع البيان) يقول فيها بأنه يستحيل أن يكون المصحف الذي اعتمده الصحابة فيه أخطاء لغوية إذ كيف يعلمونه الناس وفيه أخطاء؟ فرد عليه فضل الله بقوله:
(ويمكن المناقشة في ذلك بأن من الممكن عدم الالتفات في البداية إلى اكتشاف الخطأ في الكتابة، كما لم يلتفتوا إلى الكثير من الأمور التي لم يشعروا بأهميتها كما نشعر الآن، ثم امتنع الجيل الآخر عن التصرف في ذلك حذراً من الإساءة إلى طريقة الكتابة في القرآن، لئلا يتجرأ الناس على التغيير والتبديل فيما قد يسئ إلى أصل القرآن) [من وحي القرآن، فضل الله، 7/539-540]

فهو يجوّز أن يكون في المصحف أخطاء لغوية ونحوية لم يتنبه لها الصحابة ثم استمرت مع الزمن وهاب الناس إصلاحها!

ومن إشاراته غير الصريحة أنه أعلن التزامه بالنتائج التي توصل إليها الخوئي –وهو أكبر مرجعية شيعية في عصره- حيث يقول فضل الله في تفسيره وفي موقعه الرسمي:
(لعلّ أفضل دراسة لإثبات عدم تحريف القرآن هي الدراسة التي قام بها السيد الخوئي في كتابه “البيان في تفسير القرآن”، لأنه درسها دراسة علمية عميقة في هذا المجال) [الموقع الرسمي].

القارئ السني قد لا يتفطن للمقصود هاهنا، ويظن أن فضل الله يقر بسلامة القرآن وكمال حفظه كما يتصور السني، ولكن الواقع أن الخوئي –كما هو معروف في حقل الدراسات الشيعية- ينفي صيغاً معينةً من تحريف القرآن ولكنه يثبت وقوع صيغٍ معينةٍ أخرى من التحريف، ومن التحريف الذي أثبته قوله عن نوع معين من مرويات تحريف القرآن:
(إن كثرة الرويات من طريق أهل البيت تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين، ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر) [البيان، الخوئي، ص 226].

ويقول الخوئي –أيضاً- عن بعض صيغ التحريف التي يرى وقوعها:
(النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين، مع التحفظ على نفس القرآن المنزل؛ والتحريف بهذا المعنى قد وقع في صدر الاسلام، وفي زمان الصحابة قطعا) [البيان، للخوئي، 198].

ولذلك فإن الشيخ د.ناصر القفاري حين قام بدراسة تحليلية لكتاب الخوئي حول تحريف القرآن توصل إلى نتيجة طريفة يقول فيها:
(الخوئي صاحب البيان هو في غايته كصاحب فصل الخطاب، إلا أن الأخير استخدم الطريقة المكشوفة، والأول سلك مسلك المكر والاحتيال) [أصول مذهب الشيعة، القفاري]

ورأيت البعض يدعي أن محمد حسين فضل الله ليس حريصاً على نشر التشيع في الأوساط السنية، وهذا كلام مغلوط كلياً، فإن الدكتور القرضاوي حين أطلق صرخته ضد المخططات الإيرانية للتشييع العقدي على أساس جاذبية الخطاب السياسي الإيراني، حيث التشيع السياسي ينتهي غالباً بتطبيع التشيع العقدي، المهم أن القرضاوي حين رفض ذلك عاتبه فضل الله لم يقف في وجه تشييع المجتمعات السنية؟! حيث يقول القرضاوي:
(وآية الله الشيخ محمد حسين فضل الله, أنكر عليَّ أني لم أغضب من أجل نشر التبشير المسيحي, كما غضبت من أجل نشر التبشير الشيعي, وقد رددتُ على هذا الزعم في بياني السابق) [القرضاوي، صحيفة العرب القطرية، 9/10/2008]

والحقيقة أنه كانت هناك نماذج أخرى كثيرة من نصوص فضل الله تستحق العرض والمناقشة، لكنني فضلت الاستغناء عنها لأنني شعرت أنني أطلت كثيراً، ويبدوا لي أن النماذج السابقة كافية في تزويد القارئ بأرضية مقنعة للتساؤل حول حمى الإطراءات والمدائح السنية المتنافسة حول ضريح فضل الله!

يلفت انتباهي دوماً حين أقرأ لرموز الشيعة كيف أنهم يبنون أهرامات من الاعتقادات على أساسات من القش .. أكوام هائلة من المرويات المتسرطنة الأسانيد، بل أكثرها معاضيل ومراسيل بلا خطام، ومع ذلك تبنى عليها شواهق الاعتقادات!

حتى أن الباحث الشيعي المعروف (حسن فرحان المالكي)، مع أنه بذل حياته البحثية كلها يطوف حول محور (علي-معاوية) ، وكان يرى أن بيعة أبي بكر وعمر وعثمان غير صحيحة، وأن البيعة الشرعية الصحيحة الوحيدة هي بيعة علي بن أبي طالب، وكتب كتاباً مستقلاً عن بيعة علي، وكتابين آخرين في تجويز ذم طوائف من الصحابة، وكتاب في نقد عقيدة الحنابلة، وكتاب في نقد الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ومع كل هذه الميول الشيعية اعترف حسن فرحان قبل عدة سنوات اعترافاً مدوياً أن أكذب الطوائف المنتسبة للإسلام هم الشيعة، حيث قال تحديداً (لو جمع كذب الشيعة إلى كذب جميع الطوائف لفاقها).

فلما قال حسن فرحان هذه العبارة جنّ جنون الشيعة، وكانوا يقدرونه ويستضيفونه، فرجع مرةً أخرى في مجلة إيلاف الالكترونية وأكد مقولته حيث يقول:
 (وجدتُ عتباً كبيراً من عقلاء الشيعة عندما قلتُ هذه العبارة “لو جمع كذب الشيعة إلى كذب جميع الطوائف لفاقها” وأنا لا زلتُ عند رأيي في هذه المسألة) [انظر: اعترافات مثيرة للمتمرد على السلفية من داخلها، مجلة إيلاف]

لدي هاهنا في خاتمة هذه المقالة عدة أسئلة بسيطة:

لدي سؤال بسيط: إلى أولئك الذين أراقوا محابرهم فوق ضريح فضل الله: عن أي “معتدل وعلامة ومجدد” تتحدثون يارحمكم الله إذا كان ابوبكر وعمر وعثمان يتهمهم فضل الله بالتتابع على خيانة الأمانة واغتصاب حق الأمة؟! ويرمي عثمان بالعظائم، ويتهم أنس بن مالك أنه كذب في الإقرار بالإمامة فعاقبه الله بالبرص، وينفي إيمان وجهاد معاوية، وأنه يغسل دماغ المسلمين، ويتجرأ على تكفير أبي سفيان رضي الله عنه؟!

وعن أي “معتدل وعلامة ومجدد” تتحدثون عن رجل يرى أن فاطمة بلغت مرتبة القداسة فلا تسهو ولا تنسى، بينما الأنبياء يجوز عليهم أوضاع من سلبية التصور والممارسة، ويخطئون في دعوة الناس إلى عبادتهم وتقديسهم!؟!

عن أي “معتدل وعلامة ومجدد” تتحدثون عن رجلٍ ينفي عصمة النبي –صلى الله عليه وسلم- في تبليغ الوحي، ويجوز وقوع الأخطاء اللغوية في القرآن، ويتبنى نظرية الخوئي في التحريف الجزئي للقرآن؟!

ارحموا عقولنا أرجوكم..!
إذا كان الأنبياء، والقرآن، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قد رخصوا في عيونكم إلى هذا الحد؛ فلا تورطوا أنفسكم بإرخاصهم في عيون بقية المسلمين، واكتفوا بالبلاء على أنفسكم..

هل هذا يعني أننا يجب أن لا نلتفت لظواهر التصحيح الجزئي عند بعض الشيعة؟ لا، قطعاً، ليس هذا المراد، وإنما المراد ضرورة التفريق بين (تشجيع التصحيح) و (تدليس الانحراف)، فشتان بين أن نقول أن فضل الله قام بمواقف تصحيحية مشكورة لكن لايزال لديه ضلالات نتمنى أنه واصل تصحيحها، وبين أن نقول: فضل الله العلامة المجدد الرباني فقيد الأمة! ونقدمه للمسلمين مجرماً في ثوب الأبرياء، هذا غاية التلبيس على أهل السنة.

وهل هذا يعني أنه لا يجوز مداراة الشيعة وملاطفتهم في سبيل دعوتهم إلى الكتاب والسنة؟ لا –أيضاً- ليس هذا المراد، بل لا يمكن دعوتهم بدون مداراة لأعيانهم، حتى أن الشيخ ابن عثيمين أوصى المعلمين السنّة بمداراة الطلاب الشيعة، كما جاء في فتاوى الشيخ:
(يقول السائل: من المعلوم ياشيخ لديكم أنه يوجد عندنا نحن في المدينة النبوية الرافضة بكثرة، ويدرسون معنا في المدارس كلها؟ فأجاب الشيخ: نحن ننصح إخواننا المدرسين في البلاد التي ذكرتَ، والتي يختلط فيها أهل السنة وأهل البدعة أن يحاولوا بقدر المستطاع تأليف أهل البدعة وجذبهم إليهم..؛ لكن لو أن الأستاذ يعامل طلابه من أهل البدعة بالقسوة والآخرين باللين، أو يعاملهم بالتشديد في التصحيح والآخرين بالتخفيف، أو يعاملهم بإسقاطهم وهم مجيبون صواباً، فلا شك أن هذا يولِّد في قلوبهم البغضاء والكراهية، حتى للحق الذي كان عند هذا الأستاذ) [فتاوى الباب المفتوح، ل21].

وبنفس النصيحة التي أوصى بها الشيخ العاملين في قطاع التعليم أوصى بها العاملين في القطاعات العسكرية، حيث جاء في فتاوى الشيخ:
(يقول السائل: أنا أعمل في الشرقية، وفي الآونة الأخيرة دخل معنا الرافضة في العمل العسكري بكثرة؟ فأجاب الشيخ: الذي أرى أن تحرصوا على أن تتألفوهم للأخذ بالسنة وتقولوا لهم: أنتم الآن مقرون أننا أهل السنة فهل أنتم تكرهون السنة أم لا؟ ونحن نوافقكم أن من آل البيت من ظُلم كالحسين بن علي رضي الله عنه، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نتبع سنة محمد صلى الله عليه وسلم، وجادلوهم بهذه الأشياء لكن بدون عنف؛ بإرادة هدايتهم، ولعل الله أن يهديهم) [فتاوى الباب المفتوح، ل31]

بل إن الشيخ ابن عثيمين أوصى طلاب العلم بأن يدعون بعضهم لبيوتهم ويدعونهم إلى الله كما يقول الشيخ:
(مع محاولة دعوتهم إلى الحق، لا على السبيل الجماعي، السبيل الجماعي يمكن ألا يحصل فيه فائدة، لكن تنظرون إلى المهذَّب منهم الذي عنده وعي، وتدعونه إلى بيوتكم وتتكلمون معه بإنصاف وعدل) [فتاوى الباب المفتوح، ل8]

ونهى الشيخ ابن عثيمين عن إخراج الشيعة من المساجد كما جاء في فتاوى الشيخ:
(يقول السائل: فضيلة الشيخ في المنطقة الشرقية يكثر فيها الرافضة ، وقد يدخل بعضهم أحد المساجد فيصلي فهل ننكر عليه ونخرجه من المسجد، وخصوصاً في مناطق الأعمال، حيث يزدحم المسجد في صلاة الظهر باشتراكه مع الرافضة في نفس العمل؟ فأجاب الشيخ: لا أرى أن تخرجوهم من المسجد، بل أرى أن تمكنوهم من المسجد ليصلوا، ولكن يجب عليكم أن تناصحوهم، وألا تيأسوا من هداية الله لهم؛ لأن الله عز وجل على كل شيءٍ قدير، وقد بلغني أنه -ولله الحمد- بدأ منهم أناس يتحررون من رقِّ مذهبهم ويلتحقون بمذهب أهل السنة والجماعة) [فتاوى الباب المفتوح، ل6]
وللشيخ ابن عثيمين فتاوى أخرى كثيرة في المداراة الدعوية للشيعة والتلطف لهم لهدايتهم إلى الحق، كل هذا مع حسم الشيخ ووضوحه في بيان ضلال الرافضة وتنبيه أهل السنة وتعليمهم مخاطر الضلالات الشيعية، والجمع بين الأمرين هو طريقة الربانيين، بخلاف التغريبيين الذين يتلطفون لهم لكن لا يصدعون بضلالهم!

فالمراد أن التعايش المطلوب هو حفظ الحقوق المعيشية للشيعة، وليس السكوت عن ضلالهم وانحرافاتهم، وأهل السنة يجمعون الأمرين دوماً، فيحفظون لهم حقوقهم المعيشية ولا يظلمونهم، ولكنهم يبينون الحق ويصدعون بإبطال الباطل.

وأحسن من تكلم عن المسألة الشيعية وبيان مراتب التعايش هي رسالة محررة للغاية للشيخ سفر الحوالي بعنوان (الأقلية حين تتحكم في الأكثرية) نشرت بتاريخ 29/4/1424هـ، ولا أعلم للمعاصرين رسالة أكثر تحريراً منها، ولو استشارني أحد إخواني في قسم العقيدة أو السياسة الشرعية أو الثقافة الإسلامية عن موضوع لرسالة ماجستير لنصحته بدراسة هذه الرسالة الحوالية المذهلة، ولا زلت والله أعجب من دقة أبي عبدالرحمن حين حررها.

على أية حال .. كنت مرةً أتأمل المعاناة المدنية التي يعيشها المجتمع السعودي كأزمة الإسكان والتعليم والصحة والطرق، وأقارن ذلك كله بما تكتبه تلك الأقلام التي تسمي نفسها أقلاماً وطنية ونهضوية وتنموية ومدنية وحضارية الخ فلا أجدها تقدم أية حلول عملية لمعاناة هذا البلد المسكين .. بل عامة ما يكتبون لا يكاد يخرج عن ثلاثة قوائم (طرح الشبهات، والترصد للفتاوى، وتخذيل المحتسبين) !

فهؤلاء لم يعالجوا الأزمة المدنية .. ولم يدعوا العقيدة والشريعة في حالها !
والله أعلم،،
أبو عمر
شعبان 1431هـ
18 يوليو 2010

وليمة الصفار

2 تعليقان

الحمدلله وبعد،،
في محافظة القطيف، وفي حي أرستقراطي فاخر، وتحديداً على شارع الأندلس؛ يتربع منزل الرمز الديني الشيعي حسن الصفار.. ومن خلال منزله ومكتبه هذا دشن الصفار مشروعاً منذ عدة سنوات يستضيف فيه بشكل دوري شخصيات سنية على موائد فاخرة لإلقاء كلمات عن التعايش بين السنة والشيعة والتسامح المذهبي والتقارب، وضرورة إصلاح الأخطاء التاريخية..

المزيد

عصر دبلجة الواقع

تعليق واحد

الحمدلله وبعد،،

تستحق هذه المرحلة التي نعيش فيها أن تسمى حقبة (دبلجة الواقع) .. فكتابات الطوائف الفكرية المعاصرة اليوم هي أشبه باستديو فكري يحترف التصوير المضلّل أكثر من كونه خطاب نزيه يختلف معك في التقييم لكنه أمين في نقل الواقع كما هو .. ولذلك فالصور التي ترسمها الطوائف الفكرية عن الواقع الإسلامي كلها –تقريباً- صورٌ قد تمت معالجتها بالفوتوشوب الفكري.. وتدهشني للغاية قدرات الخداع التصويري الذي تمتهنه هذه الطوائف الفكرية في مقالاتها الصحفية وحواراتها الفضائية. دعونا نقف سوياً على نماذج طريفة من هذه الفبركات التي أنتجتها استديوهات الفكر العربي والمحلي المعاصر:

تحدثنا الطوائف الفكرية كثيراً عن أن الفتوى المحلية عندنا لديها مغالاة في (سد الذرائع) وأن مشايخنا يسدون كل ذريعة، وأنهم لايعرفون قاعدة فتح الذرائع، وبعضهم يقول: كل ذريعة تتصل بالمرأة فإن الفتوى المحلية تبادر لسدها وتحريمها، فهل هذا التصوير صحيح؟   عدت لواقع الفتوى المحلية فوجدت الذرائع التي فتحها مشايخنا أضعاف أضعاف الذرائع التي سدوها، فكل ذريعة لم تتحقق فيها شروط سد الذريعة فتحوها، خذ فقط بعض الأمثلة:   السفر لبلاد الكفار لعلم أو تجارة فيه ذريعة إلى التأثر بالكفار والنظر المحرم وغير ذلك، ومع ذلك لم يحرمه مشايخنا لأنه عارضته مصلحة راجحة. إدخال الانترنت إلى المنزل فيه ذريعة إلى دخول المواقع الفاسدة، ومع ذلك لم يحرمه مشايخنا للمصلحة الراجحة. ركوب الطالبات في حافلة يقودها رجل فيه ذريعة لفتنته بهن، ومع ذلك لم يحرمه مشايخنا للمصلحة الراجحة، وهكذا أيضاً : اتصال النساء بالبرامج الفضائية والإذاعية للسؤال والاستشارة بأصواتهن علناً فيه ذريعة إلى الفتنة، اتصال العوائل بمطاعم التوصيل السريع وتوصيف البيت لهم وإيصال الطلبات فيه ذريعة للفتنة، ويوجد في كثير من المشاغل النسائية غرف لتبديل الملابس وفيها ذرائع كبيرة لأن يستغلها بعض ضعاف النفوس ولكن مشايخنا لم يجزموا بالتحريم لأنه لم يتبين لهم إلى الآن كثرة إفضائها إلى المفسدة.   ومن الأمثلة العامة أيضاً: السهر في الولائم فيه ذريعة قوية للنوم عن فريضة صلاة الفجر، تأجير الناس الاستراحات وفيها ذريعة لأن يستخدمها بعض المستأجرين في اجتماعات غير مقبولة شرعاً، شراء السيارة للمراهق وفيها ذريعة لأن يستعملها في أغراض مضرة، الخ الخ.   وكل هذه الذرائع السابقة لم يحرمها أهل العلم عندنا، وهكذا لو تتبعت احتمالات الذرائع في تصرفات الناس فإنك لن تنتهي، ومع ذلك فإن فقهاءنا الشرعيين لم يحرموا إلا نزراً يسيراً من الذرائع التي تحققت فيها شروط سد الذريعة، وأما هذه الذرائع التي لاتخلو منها تصرفات الناس وأحوالهم الاجتماعية فإنهم لم يسدوها إما لندرة إفضائها إلى المفسدة، أو لأنه عارضتها مصلحة شرعية راجحة، أو ترتب عليها مشقة على الناس تفوق مايتخوف فيها من الفساد، كما قال ابوالعباس ابن تيمية وهو من أشهر الفقهاء الذين احتفو بقاعدة سد الذرائع (الذريعة إلى الفساد يجب سدها؛ إذا لم يعارضها مصلحة راجحة) [الفتاوى 15/419]   وأنت إذا تأملت فتاوى أهل العلم عندنا وجدتهم في غاية التوازن في قاعدة سد الذرائع، وصدق الحرص على تحقيق مصالح الناس الدينية والدنيوية، فإذا ترجح وقوع المفسدة ولم يعارضها مصلحة راجحة منعو، وإذا كان الإفضاء إلى المفسدة نادراً، أو كان كثيراً لكن عارضته مصلحة راجحة لم يسدو الذريعة بل فتحوها، فكيف يقال: أنهم يسدون كل ذريعة، أو أن لديهم مغالاة في سد الذريعة، أو أنهم لايعرفون قاعدة فتح الذرائع؟ أظن من يقول ذلك لديه تساهل في سد الذريعة ولذلك يتبرم بمنهج المتوازنين.   حسناً ..

لنواصل أمثلة أخرى من فبركات الطوائف الفكرية: تحدثنا الطوائف الفكرية بكثرة عن أن أهل السنة والمتبعين لمنهج السلف أشغلوا الناس بمسائل جزئية وصارت حياة الناس كلها نقاش في فتاوى فقهية وتدقيقات عقدية، وهذا بالتالي أبعدنا عن النهضة والحضارة، لما سمعت الطوائف الفكرية تكرر هذا الكلام قلت في نفسي: الله يهدي الدعاة محتمل أنهم أشغلوا الناس فعلاً؟ وصرت مهتماً برصد نمط الحديث في مجالس الناس، فما رأيت هذا الذي يقولونه، ولا رأيت مسائل عقدية ولا فقهية أشغلت مجالس الناس.   بل رأيت مجالس الناس مشغولة بأخبار القرارات الحكومية، وأسعار العقار، والتشكي من سوء الخدمات البلدية والصحية، وإشاعات الصندوق العقاري، والتحليلات الرياضية، ومزاين الابل، وشاعر المليون، والمسلسلات التركية، والأحداث المحلية مثل أمطار جدة والرياض، والأحداث السياسية كالحوثيين وقراصنة الصومال والانتخابات الأمريكية، وألعاب البلايستيشن وأخواتها، بالإضافة إلى غرائب وعجائب من القصص تبدأ بقولهم (يقولون..) الخ الخ فلا أدري أين هذه المسائل العقدية والفقهية التي أشغلت الناس؟!

ولما رأيت حمية الطوائف الفكرية لوقت الأمة وحرقتهم على الزمن قلت في نفسي ربما أن هؤلاء المنتسبين للفكر والثقافة مشغولون بمعالي الأمور فعلاً، فلما ذهبت لمواقعهم التي يكتبون فيها على الشبكة رأيت أحاديثهم: توصيات متبادلة بأفلام سينمائية، ومشاهداتهم السياحية، ومقاطع يوتيوب طريفة، وتتبع تفصيلي لأحداث سياسية خارجية لاناقة لهم فيها ولاجمل..   افترض أن العلماء والدعاة أشغلوا الناس بالمسائل الشرعية فوالله إن ذلك خير من إشتغالكم بأخبار الأفلام السينمائية وتحليلاتكم السياسية التي لاثمرة لها! لست أدري أين تلك الغيرة الاستثنائية على الوقت التي تصيبكم حين الحديث عن العلماء والدعاة؟!

وتحدثنا الطوائف الفكرية أيضاً أن الخطاب الشرعي لأهل السنة هو المسؤول عن تخلف العلوم المدنية، فلما ذهبت للخطاب الشرعي وجدت العلماء يقولون إن العلوم المدنية التي تحتاجها الأمة (فرض كفاية) إن قام بها من يكفي وإلا أثم الجميع، ووجدت في تراجم الفقهاء من جمع إلى تخصصه الفقهي دراسة الطب، أو دراسة الهيئة والفلك، ونحو ذلك، بل لما نظرت في دعاتنا المعاصرين وجدت الكثير منهم جمع لتخصصه الدعوي تخصصاً مدنياً فالشيخ الداعية محمد المنجد متخرج من جامعة البترول، والشيخ د.خالد الجبير طبيب (استشاري أمراض القلب)، والشيخ الداعية عبدالمحسن الأحمد طبيب (وحدة التنفس الحرجة) وغيرهم، بل إن أكثر المناشط الطلابية الإسلامية فعالية وحراكاً توجد في كليات العلوم الطبيعية في جامعة الملك سعود وجامعة البترول، الخ   بل إن المفكر الفرانكفوني المتطرف محمد أركون اضطر للاعتراف بإقبال الإسلاميين على كليات العلوم الطبيعية حيث يقول عن الإسلاميين: (نلاحظ مثلاً أن دارسي العلوم الفيزيائية والرياضية والطبية وغيرها ينخرطون في صفوف هذه التيارات –أي الإسلامية- أكثر  بكثير من المختصين بعلوم الإنسان والمجتمع، وقد عرفنا أثناء المعارك والاشتباكات التي جرت في جامعات تونس والجزائر والقاهرة الخ أن المتعصبين والمتزمتين ينتمون بشكل خاص إلى كليات العلوم، إنها ظاهرة تستحق التأمل والتفكير) [تاريخية الفكر العربي، أركون، 26].

كم أشعر بالأسى إلى أولئك الذين جعلوا مشروعهم هدم الخطاب الشرعي لأهل السنة بزعم أنه يتعارض مع العلوم المدنية، برغم أن الإسلاميين أسبق من غيرهم في هذا المضمار، ولكنهم يضعون المدنية الدنيوية في منزلتها التي أنزلها إياها القرآن، مجرد وسيلة لتحقيق المطالب الشرعية، ولايجعلونها هي معيار التقدم والحضارة، وإنما معيار التقدم والحضارة موافقة أولويات القرآن.  

قبل أن نستطرد لحديث آخر .. دعونا نكمل نماذج أخرى من مغالطات الطوائف الفكرية:تحدثنا الطوائف الفكرية كذلك عن أن أهل السنة والمتبعين لمنهج السلف لايقبلون بالخلاف في مسائل الاجتهاد، ولايرعون حق المخالف في المسائل الاجتهادية، وأن من لم يوافقهم على كل صغيرة وكبيرة فإنه سيتعرض لسلسلة مضايقات وتسلط، وأن فقه أهل السنة المعاصر يقوم على التنميط الكامل في كل المسائل ولايرحب بالتفكير والاجتهاد، ويستعملون في توصيف هذا الواقع مصطلحات مثل أدلجة وقولبة وتنميط الخ، وبعد أن يصورون هذا الواقع الإسلامي بهذا الشكل يبدؤون في نقل نصوص بعض أئمة السلف في تفهم الخلاف في المسائل الاجتهادية.. الحقيقة أن القارئ لهذه الطوائف الفكرية لايكاد يفكر بفحص هذه الدعوى، بسبب كثرة طرقهم لها بشكل مكثف ومستمر وبصيغ متنوعة..   وقفت مرة مع نفسي وقلت لماذا لا أختبر صحة هذه الدعوى؟ لماذا نستسلم لهذا الطوائف الفكرية؟ لماذا تخلب ألبابنا جاذبية الأضواء السينمائية الفكرية التي يستعملونها في خطابهم فتغيب عقولنا عن تحليل صحة الدعاوى التي يطلقونها؟   وضعت هذه الصورة التي تنقلها الطوائف الفكرية جانباً، وعدت للخطاب الشرعي لأهل السنة أتأمل موقفه من الخلاف في المسائل الاجتهادية، فلما قلبت بحوث الفقهاء وطلبة العلم الشرعي وجدتهم لاتكاد توجد مسألة من مسائل الاجتهاد في الفقه الإسلامي المقارن إلا وقد اختلفوا فيها، وتناقشوا وتباحثوا ورجح كل واحد منهم مارآه بنفوس ملؤها الحب والأخوة، خذ مثلاً بعض أمثلة هذه المسائل:   التسمية عند الوضوء، بداية احتساب مدة المسح على الخفين، نجاسة الدم، الطهارة للطواف، الطهارة لمس المصحف، ومن طهرت قبل خروج أحد فرضي الجمع هل تصليهما جميعاً أم الأخير منهما؟، نهاية وقت العشاء بمنتصف الليل أم بدخول الفجر، المفاضلة بين الأذان والإمامة، وسجود السهو قبل السلام أو بعده، مسألة قصر المسافر إذا أقام إقامة مؤقتة، زكاة الحلي ..الخ هذه نماذج لمسائل تراثية، أما مسائل النوازل المعاصرة التي اختلف فيها فقهاء أهل السنة والمتبعون لمنهج السلف بكل رحابة صدر فهي -أيضاً- كثيرة ومنها:   بدل الخلو، هل الشيك قبض؟، بيع الاسم التجاري، الموت الدماغي، تعذر الحصول على تصريح للحج هل يستقر الوجوب في ذمته فيحج عنه من تركته؟، استعمال المنظفات المعطرة للمحرم، لبس الكمامات للمحرم، تعذر المبيت بمنى ليالي التشريق،  حكم استثمار أموال الزكاة من قبل المؤسسات الخيرية، زكاة مكافأة نهاية الخدمة، زكاة الحقوق المعنوية، ومن مفطرات الصيام التي اختلف فيها الفقهاء المعصرون: التبرع بالدم، بخاخ الربو، أقراص الأدوية أسفل اللسان، منظار المعدة، قطرة الأنف وقطرة العين، تخدير المريض باستنشاق الغاز، الحقن المغذية والعلاجية، السفر بالطائرة بعد غروب الشمس بحيث تظهر له مرة أخرى فهل يمسك الصائم أم لا؟ الخ   ومامضى هي مجرد نماذج لآلاف المسائل الشرعية التي يختلف فيها طلبة العلم الشرعي عندنا أخذاً ورداً ونقاشاً واستدلالاً واعتراضاً، ومع ذلك لاينكر فيها على المخالف، بل بقيت بينهم أخلاق الأخوة والعلم، فكيف يفتري هؤلاء على أهل السنة ومتبعي منهج السلف أنهم لايقبلون الخلاف في المسائل الاجتهادية؟!   بل لقد حضرت في الرياض –عمرها الله بطاعته- عدة ندوات فقهية أقامها الناشطون الفقهيون حول البطاقات الإئتمانية و مسائل زكاة الصناديق الاستثمارية ونحوها من مسائل المعاملات المالية، وفي كل هذه الندوات –بلا استثناء- كان الفقهاء الشباب يختلفون ويتناقشون مع كل احترام وتفهم وتآخي، ولايخرجون من ندوة إلا لموعد ندوة أخرى.   بل وفي شهر محرم من هذا العام عقدت في الرياض ندوة حول مسائل الأسهم وألقى فيها فضيلة الشيخ الفقيه ابوسعد عبدالعزيز الدغيثر ورقة بعنوان (التعويض في سوق الأسهم) وفي مراسلة بيني وبينه قال لي بالحرف الواحد: (والعجيب أن الحضور وصلوا إلى آراء وقناعات تساوي عددهم، فلم يكد يتفق اثنان في مسألة).   وأرجوك أن تلاحظ أن هذه السعة في الاختلاف في الاجتهاديات بين طلبة العلم كلها إلى الآن في مسائل الفقه، أما لو انتقلنا لتصحيح الأحاديث وتضعيفها فسنشهد مظهراً آخر للتسامح في الاجتهاديات، فقد اختلف المشتغلون بالحديث من المعاصرين في تصحيح وتضعيف مئين من الأحاديث، ومع ذلك بقي هذا الاختلاف في دائرة التسامح والحب دام أنه لم يصل لتصحيح شديد الضعف، أو العدوان على أحاديث الصحيحين.   أغلقت بحوث طلبة العلم، وأوقفت ذاكرتي عن استحضار واقع الندوات الفقهية، وأدرت برامج الفتاوى التي يتصدر لها بعض طلبة العلم المعروفين بحسن الفتيا، فشهدت مظهراً آخر للاختلاف في المسائل الاجتهادية، بل لاتكاد تجد مسألة اجتهادية يفتي فيها شيخ معين إلا ووجدت شيخاً آخر يفتي بخلافه.    بل من الطريف أنني رأيت الناس كثيري التبرم باختلاف شيوخنا في الفتيا في المسائل الاجتهادية، ويسرُّ إليك كثير من الناس بأنه يقع في الحيرة بسبب اختلاف المشايخ في الفتيا في المسائل الاجتهادية، ومع كثرة اختلاف شيوخنا وطلبة العلم عندنا في الفتيا في المسائل الاجتهادية لم نرهم أقامو حرباً على بعضهم، ولاشنعوا على بعضهم في مثل هذه المسائل.. ومع ذلك تأتي هذه الطوائف الفكرية وتقول أنتم مؤدلجون تريدون الناس يوافقونكم في كل صغيرة وكبيرة، ولاتسمحون بالخلاف في المسائل الاجتهادية! يالله العجب ما أكذب هذه الطوائف الفكرية!   

أنا شخصياً لا أجد أي تفسير لما تقوله هذه الطوائف الفكرية عن الخطاب الشرعي لأهل السنة إلا أنه “كذب” محض وشهوة افتراء تعيث بنفوسهم ونقمة على الاسلاميين وطلبة العلم والمتبعين لمنهج السلف تدفعهم لتشويههم بهذا الشكل.   هل هذا يعني أنه ليس هناك أخطاء ولاهفوات في موضوع التسامح في المسائل الاجتهادية؟ لا، طبعاً، فهناك مواقف غير دقيقة ومن أشهرها حادثة كتاب الشيخ دبيان في القبضة، وهي التي يدندن حولها هؤلاء دوماً ويحولونها من حالة شاذة إلى قاعدة مطردة! وأي قارئ موضوعي سيعرف حتماً أن حادثة الشيخ دبيان هي الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، فكيف يدع هؤلاء آلاف المسائل التي اتسعت صدور شيوخنا الكبار وشيوخنا الشباب لها، ويتعنتون دوماً في التعلق بحادثة الشيخ دبيان؟! مثل هؤلاء كمثل رجل رأى مهندساً بنى ألف منزل ووقعت منه هفوة في منزل واحد، فقال إن هذا المهندس يهدم المنازل! هل هذا إلا من الجور والظلم الفادح؟! بل والله هذا عين الكذب الفج..   في ذهني الآن نماذج كثيرة لكذبات الطوائف الفكرية في تصوير الواقع الإسلامي بعامة، وواقع الخطاب الشرعي لأهل السنة بخاصة، لكنه لايمكنني مواصلة المزيد فقد أطلت، وإنما يهمني هاهنا هدف واحد فقط، وأعتقد أنني لو حققت هذا الهدف فلايسرني أن لي به حمر النعم، هذا الهدف بكل اختصار هو تنشيط جهاز الفحص لدى القارئ الذي وقع ضحية الطوائف الفكرية المناوئة لأهل السنة، وأن لايستسلم للمعطيات التي يقدمونها، فإذا سمعهم يتحدثون عن الواقع الإسلامي تحت لافتات (نقد الصحوة، نقد السلفية، الخ) فليتوقف عن الاسترسال، وليضع دعاواهم تحت الفحص، وصدقني أنه سيكتشف نماذج طريفة جداً من هوليوديات الطوائف الفكرية .

 

أبو عمر

جمادى الثانية 1431هـ

23 مايو 2010

ومالعيب في الطائفية؟!

تعليق واحد

 

في الأحداث الأخيرة، أعني حادثة الموازنة بين سب السيستاني للصحابة وسب العريفي للسيستاني، رأيت إدانة تتكرر حتى تشربها البعض باعتبارها مسلمة وهي قولهم (للأسف هذا كلام طائفي)، ويشتقون من هذا الوصف تركيبات كثيرة كقولهم على سبيل الذم والاستهجان (مقالة طائفية)، (فتوى طائفية) ، (بيان طائفي) الخ بل ووصل بعضهم إلى المطالبة بـ (سن قانون لتجريم الطائفية) .  هذا يعني أنه إذا ضلت طائفة عن شئ من الشريعة فلايجوز إدانة هذه الطائفة لأنه سيكون كلام طائفي وفتوى طائفية ومقالة طائفية وجريمة طائفية! وتحولت هذه اللافتة (كلام طائفي) إلى مبرر كافٍ لإدانة أي فتوى ضد الطائفة التي ضلت عن شئ من الشريعة، بمعنى لاتحتاج إلى أية أدلة في نقض الفتوى، بل يكفي فقط أن تثبت أنها فتوى طائفية، بعد ذلك أصلح حنجرتك لترتل لطميات النياحة ضد هذه الفتوى، لماذا؟ لأنها فتوى طائفية!

برغم أن إدانة أي طائفة ضلت عن شئ من الشريعة هذا مبدأ قرآني، وسنأخذ مثالاً قرآنيا لذلك يشابه واقع الطائفة الشيعية اليوم، فقد جاء طائفة من المسلمين في عصر النبي –صلى الله عليه وسلم- وقامو بـ “سب الصحابة” فقالوا عنهم “مارأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسنة” ، فأنزل الله عليهم تكفيراً طائفياً، فقال تعالى في سورة التوبة:  (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ)[التوبة: 66] فهذه إدانة على أساس الطائفة، وبين أنهم كفروا بعد إيمانهم، بمعنى أنهم كانوا مسلمين قبل ذلك، لكن بسبّهم أصحاب النبي كفروا، وكان تكفيرهم على أساس الطائفة، كما قال تعالى في الآية السابقة (إن نعف عن “طائفة” منكم نعذب “طائفة” ).   وطائفة أخرى –أيضاً- منتسبين إلى الإسلام في عصر النبي –صلى الله عليه وسلم- طرحوا فكرة خلاصتها أنه “يجب أن لانشارك في الجهاد الشرعي لأنه ليس لنا فيه مصلحة وطنية” فحكى الله مقالة هذه الطائفة وأدانهم إدانة طائفية فقال تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ) [الأحزاب:13]   وطائفة أخرى –أيضاً- منتسبة إلى الإسلام في عصر النبي منعهم الله من حق المشاركة بسبب تقصيرهم الشرعي السابق كما قال تعالى: (إِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ) [التوبة:83]   وعلى أية حال الصراع بين الطوائف في القرآن كثير، ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) [الأعراف: 87]   فالقرآن تعامل مع أية “طائفة” ناقضت شيئاً من الشريعة تعاملاً واضحاً، وأدانها على أساس طائفتها، والمراد أن قولهم (هذا كلام طائفي) و (فتوى طائفية) و (مقالة طائفية) هذا كله نقول في الجواب عنه: نعم هذا صحيح، ونقد الطوائف التي ضلت عن شئ من الشريعة هذا مطلب شرعي وفريضة قرآنية، فكيف صار منهج القرآن في مسلماتكم عيباً ومذمةً؟! فياغربة الدين!

أبو عمر 

صفر 1431هـ

31 يناير 2010

رسالة إلى علماء مصر ودعاتها بقلم الشيخ أحمد الصويان

أضف تعليق

 قبل أكثر من ثمانين عاماً – تقريباً – كتب أديب العربية الأستاذ الكبير مصطفـى لطفي المنفلوطي – رحمه الله تعالى – مقالة بعنوان : (دمعة على الإسلام) ، تأسَّف فيها كثيراً على خبرٍ وَصَله من أحد علماء الهند عن تعظيم بعض المنتسبين إلى الإسلام من الهنود التاميل لقبر عبد القادر الجيلاني وغيره من الأولياء، ثم قال متألِّماً متوجِّعاً من تلك الأفعال: (يعلم الله أنني ما أتممت قراءة رسالته حتى دارت بي الأرض الفضاء، وأظلمت الدنيا في عيني، فما أُبصر ممَّا حولي شيئاً حزناً وأسفاً على ما آلت إليه حال الإسلام بين أقوام نكروه بعدما عرفوه، ووضعوه بعدما رفعوه، وذهبوا به مذاهب لا يعرفها، ولا شأن له بها. أيُّ عين يجمل بهــا أن تستبقي في محاجرها قطرة واحدة من الدمع فلا تريقها أمام هذا المنظر المؤثر المحزن؛ منظر أولئك المسلمين وهم ركَّعٌ سجَّدٌ على أعتاب قبر ربما كان بينهم من هو خير من ساكنه في حياته، فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته)   تذكَّرْت هذه المقالــة في زيارتـي الأخيـرة إلى مصــر – حرسها الله من كل سوء – واستشعرت أَلَم المنفلوطي وأنا أدخل في قلب القاهرة إلى مسجد الحسين؛ لقد أفزعني ما رأيت، وهالني تزاحم الناس عند القبر، وتوجُّههم إليه بالدعاء والاستغاثة!   كنت أظن – بادئ الأمر – أن ما يفعلونه دروشة مجردة ورغبة في إجلال ومحبة الحسين – رضـي الله عنــه وأرضــاه – وقد يكون الأمر كذلك عند بعضهم، ولكنني صُعقت – والله – من الشرك الصريح الذي يمارسه بعض الجهلة دون نكير!   والله الذي لا إله إلا هو! إنني أُصبت برعشة وقشعريرة تسري في جسدي وأنا أرى أحدهم يجثو على ركبتيه، ويقول بكل تخشُّع وانكسار: مدد يا سيدنا الحسين… مدد…!   سلَّمت على أحدهم في المسجد وسألته: ماذا يفعل الناس عند القبر؟ لماذا هم مجتمعون هكذا؟   فنظر إليَّ باستغراب ونكير وقال: هذا قبر سيدنا الحسين؟ فقلت له: وماذا يفعلون عنده؟   قال: يا بني! إذا كنت محتاجاً، أو مريضاً، أو مهموماً، فالتمس العون من سيدنا الحسين.   قلت له: ولِمَ لا نتوجَّــه إلــــى ربِّ الحسين – سبحــانه وتعالى – وهــو يقــول لنا: {أَمَّن يُجِيبُ الْـمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 26]؟   قال: لهؤلاء الأولياء مكانة عظيمة لا نستطيع نحــن الضعفـــاء الوصـــول إليها؛ فنحن نتوسل بهم إلى الله !   ثم اجتمع حولنا بعض العامة، وقال أحدهم: هؤلاء الأولياء: سيدنا الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة… أئمة الهدى، وتحت أعتابهم تُستجلَب الرحمات، وبدعائهم يستغيث ذوو الحاجات.   قلت له: أَوَتَظن أن الله – تعالى – هو الذي يفرِّج كَرْبك أم الحسين والسيدة زينب؟   قال بكل استغراب: الله – جل جلاله – هو الذي يفرِّج الكربات، لكنه يضع سِره عند بعض أوليائه، فإذا رضي عنك الولي، كان ذلك سبباً لرضا الله! ثم قال لي آخر (بشيء من الغلظة والنكير): أسيادنا يقولون للشيء: كن، فيكون…!   وبينما أنا خارجٌ من المسجد وقد دارت بي الدنيا وأظلم الطريق في وجهي، إذا بامرأة عجوز تخرج من باب النساء باكية، وترفع صوتها قائلة: ابني تعب من المرض يا سيدنا الحسين… ابني تعب من المــرض يا ســـيدنا الحســـين!   يا سبحان الله!   أيحدث هذا في بلد الإسلام وقلعته الحصينة؟   أيحدث هذا في بلد الأزهر معقِل العلم والعلماء…؟   أنْ يحدث مثل هذا الشرك في بعض مجاهل الهند وأدغال إفريقيا النائية أمر ليس بمستغرب، بسبب اندراس العلم وقلَّة العلماء، لكن الغريب كل الغرابة أن يحدث مثل هذا في مأرز الإسلام وقلبه النابض!   حقيق بكل مسلم غيور على الملَّة أن يبكي بدل الدموع دماً وهو ينظر أو يسمع عن تلك الشركيات المحادَّة لدين الله تعالى!   حقيق بكل داعية مخلص أن يتفطر قلبه ألماً وحزناً، وهو ينظر إلى هؤلاء الناس وأولئك وهم يتيهون في بيداء الشرك و يتخبطون في ظلمة الخرافة.   حقيق بكل عالم وَرِع يريد السلامة وبــراءة الـــذمــة، أن لا يهنأ بطعام ولا شراب، ولا يتلذذ بمنام أو متاع، حتى يؤدي زكاة عِلْمه، ويمحض النصيحة لأمته، ويجدد ما أفسده العوام وأهل الأهواء من عقيدة الإسلام. وليتذكروا قـول الله – تعالى -: {أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأعراف: 561].   وما زاد من ألمي كثيراً أنني قرأت عند مدخل جامع الحسين فتوى فقهية معلَّقة على لوحة كبيرة تؤكد جواز الصلاة في المساجد التي فيها قبور، وترد على القائلين بالتحريم.   يا قرَّاء الإسلام!   أنتم حفظة القرآن الكريم وقرَّاء الإسلام، تُقرئوننا قول الله – تعالى -: {وَأَنَّ الْـمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 81]، وقوله – تعالى -: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [الأعراف: 92]، وقوله – عز وجل -: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ #^12^#) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}. [البقرة: 12 – 22] ولا يخفى عليكم أنه لا يوجد فـــي كتـــاب الله – جل وعلا – أوضح ولا أبين ولا أصرح من الدعوة إلى التوحيد، والبراءة من الشرك، وسدِّ ذرائعه، وقطع أسبابه.   يا علماء مصر!   أنتم تعلمون أن أخص خصائص دين الإسلام: (التوحيد الخالص)، كما قال – تعالى -: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْـخَالِصُ} [الزمر: 3]، وكما قال – سبحانه -: {وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]. به بعث جميع الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – كما قال المولــى – سبحانه وتعالى -: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 52]، وكما قال – تعالى – أيضاً: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 63]. ثم رفع رايته سيد وَلَد آدم #؛ فقد تواترت النصوص النبوية الشريفة التي تأمر بذلك وتدل عليه، ومنها قـول عبد الله بن مسعود – رضـي الله عنه -: قــال رجــل: يا رسول الله! أي الذنب أكبــر عند اللـه؟ قال: «أن تدعو لله نداً وهو خَلَقك»، قال: ثم أي؟ قال: «ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قال: ثم أي؟ قال: «ثم أن تزاني حليلة جارك». فأنزل الله تصديقها: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْـحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 86] .   بل من شدة إشفاق النبي # على أمته أنه حتى مع شدة مرضه الذي مات فيه كــان يحذِّر أصحـابه – رضي الله عنهم – من الزيغ والانحراف عنه؛ ففي الصحيحين عن عائشة وعبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – قـالا: لَـمَّا نزل برسـول الله # (يعني: الموت) طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم كشـفها عن وجهـه، فقـال، وهو كـذلك: «لعنة اللــه على اليهود والنصارى اتخذوا قبـور أنبيائهـــم مساجد» يحذِّر ما صنعوا .   ومِن حرص النبي # على البلاغ المبين أنه لم يكتفِ بسماع بعض أصحابه له، بل حرص أن يكون العلم بذلك عامّاً راسخاً؛ فقد روى أسامة بن زيد – رضي الله عنهما – أن رسول الله # قـال في مرضـه الذي مات فيـه: «أَدخلوا عليَّ أصحابي»، فدخلوا عليه وهو متقنِّع ببردة معافري، فكشف القناع، فقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .   وإني مذكِّركم – أيها الإخوة علماء مصر ودعاتها – بحديث شريف أنتم أعلم به مني، وهو حديث أبي الهيــاج الأسدي؛ حيث قال: قـال لي علــي بن أبــي طالــب – رضـــي اللــه عنـه -: ألا أبعثـك علـى ما بعثني عليـه رسـول اللـــه #: «أن لا تدع تمثــالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته» .   إن التوحيد وإفراد الله – تعالى – بالعبادة بمنزلة الرأس من الجسد؛ فما قيمة الجسد إذا فقد رأسه؟ ولن يجد الإنسان الأُنس والأمن ولذة الحياة إلا في ظل العبودية الخالصة لله – عز وجل – كما قال – تعالى -: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 28]، وقد فسَّر النبي # الظلم في هذه الآية بالشرك .   وكلما ازداد افتقار العبد لمولاه – سبحانه وتعالى – وانكساره بين يديه، والتجاؤه إليه وحده لا شريك له، كانت ثَمَّ طمأنينته وسعادته. يقول – سبحانه -: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 82].   أيها العلماء الأجلاء والدعاة النبلاء!   إنَّ سكوت بعض العلماء وتكاسل بعض الدعاة، وتتابع الناس على ذلك جيلاً إثر جيل، أدَّى إلى رواج سوق الأضرحة وارتفاع أعلامها وتطاوُل مناراتها في كل الأقاليم والمحافظات والمدن والقرى الكبيرة والصغيرة، حتى إن بعض الباحثين في مصر ذكر أن عددها تجاوز ستة آلاف ضريح ، يقام في معظمها موالد حاشدة يجتمع حولها الناس، وتُشدُّ إليها الرحال، وتُذبح لها الذبائح، وتُدفع لها النذور . ويحدث فيها من ألوان الخرافة والدجل والعبـث ما لا يخطر على بال، وأقل ما يقال في كثير من تلك الممارسات إنها مَسْخ للدين وإزراء بأهل الإسلام وتغييب لعقولهم.   إنها ليست مجرد مظاهر عارضة عابرة، بل هي ممارسات متجذرة في قلوب كثير من الناس، وبقاء هذه الأضرحة والمشاهد حتى اليوم يدل على أن الأمر مستفحل استفحالاً شديداً، وأن كثيراً من البسطاء والعوام لا زالوا يجهلون الحق الذي دلت عليه محكمات الشريعة وقواطع الأدلة.   والمؤلم حقاً أن بعض الطرقية في الآونة الأخيرة راح يحيي بعض معالم القبورية من جديد، ويشيِّد أركانها، ويجدد الدعوة إليها، بل يروِّج لها في كثير من وسائل الإعلام.   أعلم أنه قد تتابع تحذير علمــاء مصــر من هذا الشرك، وسرني جداً قول مفتي مصر الشيخ عبد اللطيف عبد الغني حمزة – رحمه الله – بعد أن ذكر بعض الأحاديث النبوية: (من هذه الأحاديث وغيرها يتبين النهي عن البناء على القبور، سواء كان هذا البناء متعلقاً بالميـت: كالقبــة، أو بالحي: كحُجرة، أو مدرسة، أو خباء، أو مسجد، أو بيوت للاستراحة فيها عند الزيارة وغيرها، أو ما كان على القبر نفسه ليرتفع من أن يوطأ، كما يفعله كثير من الناس، وقد حمله الأئمة على الكراهة إذا لم يُقصَد به الزينة والتفاخر، وإلا كان حراماً) .   وسرني أيضاً قول فضيلة الشيخ حسن مأمون شيخ الأزهر، ومفتي الديار المصرية: (أصل الدعوة الإسلامية يقوم على التوحيد، والإسلام يحارب جاهداً كل ما يقرِّب الإنسان من مزالق الشرك بالله، ولا شك أن التوسل بالأضرحة والموتى أحد هذه المزالق، وهي رواسب جاهلية؛ فلو نظرنا إلى ما قاله المشركون عندما نعى عليهم الرسول # قالوا له: {مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، فهي الحجة نفسها التي يسوقها اليوم الداعون للتوسل بالأولياء لقضاء حاجة عند الله أو التقرب منه، ومن مظاهر هذه الزيارة أفعال تتنافى كليــة مع عبادات إسلامية ثابتـة؛ فالطــواف فـي الإسـلام لم يُشْـرع إلا حول الكعبة الشريفة، وكل طواف حول أي مكان آخر حرام شرعاً، والتقبيل في الإسلام لم يُسَن إلا للحجر الأسود، وحتى الحجر الأســود قال فيــه عمر – رضي الله عنه – وهو يقبِّله: والله! لولا أنـي رأيت رسول اللــه # يقبِّلـك ما فعلت؛ فتقبيل الأعتــاب، أو نحاس الضـــريح، أو أي مكان به حرام قطعاً) .   ونظائر هذه الفتاوى كثيرة جداً، وجهود الدعاة والمصلحين في القديم والحديث مذكورة مشكورة، لكنَّ الخطب عظيم ويحتاج الأمر إلى مزيد تأكيد ومضاعفة تذكير؛ فالدعوة إلى التوحيد هي أجلُّ شأن اشتغل به العلماء والمصلحون. {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِـحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنَ الْـمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].   نعم! ربما كان لبعض الجهلة والمتنفذين من أهل الأهواء مصالح شخصية ومطامع دنيوية تدفعهم إلى خداع العوام، ومن مثل هؤلاء سخر شاعر النيل حافظ إبراهيم بقوله:   أحـياؤنـا لا يُـرزقُون بـدرهَمٍ   وبـألفِ ألـفٍ يُرزقُ الأمواتُ   مـَن لِي بحـظِّ النـائمين بحفـرةٍ   قامَت على أحجارِها الصلواتُ   يسـعى الأنـامُ لها ويجـري حولَها   بحـرُ النـذورِ وتُقـرأ الآياتُ   ويقالُ: هذا القطبُ بابُ المصـطفَى   ووسيـلةٌ تُقضى بِهــا الحاجاتُ   لكن الأمر جِدُّ خطير، والأمانة في أعناق العلماء والدعاة كبيرة جداً، قال الله – تعالى -: {وَإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 781]. وسيأتي اليوم الذي يقف فيه العلماء والدعاة بين يدي ربهم ويسألهم – سبحانه – عن هذه الأمانة: هل بلَّغوها للناس حق البلاغ، أم أنهم فرَّطوا وتكاسلوا؟   صحيح أن اقتلاع البدعة من جذورها أمر شاق وعسير، بسبب غربة الدين، وإلف الناس لها، وتتابع الأجيال عليها، وكثرة المنافحين عنهـــا، لكنَّ استحضار قصـص الأنبيــاء – عليهم الصـلاة والسلام – مع أقوامهم من أعظم ما يثير الحمية والغيرة على دين الإٍسلام. والشرف كل الشرف أن يسير العالِم والداعية في ركاب الأنبياء، ويقتدي بآثارهم، ويعض على منهجهم بالنواجذ. قال الله – تعالى -: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 09]، وقال – سبحانه وتعالى -: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّـمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْـحَمِيد} [الممتحنة: 6].   ولهذا؛ فإن الواجب أن يكون العلماء الربانيون والدعاة الصادقون في طليعة المنافحين عن الدين، المجددين لشـــريعة ســيد المرســلين عليه أفضل السلام وأتم التسليم.   ولا يضـرنَّهم تطــاوُل المفسدين، وتعصُّب العوام. قال الله – تعالى -: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْـمُشْرِكِينَ} [الحجر: 49] وما أجمل قول أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز – رحمه الله -: (إن الناس لو كان إذا كبُر عليهم أمر تركــوه، ما قــام لهــم دين ولا دنيا!) . وقديماً وصف إمام العربية مصطفى صادق الرافعي علماء الكنانة بأنهم: «أَسْهُمٌ نافذة من أسهم الله، يرمي بها من أراد دينه بالسوء»، ثم بيَّن – رحمه الله – رسالة الأزهر في: (أن يجدد عمل النبوة في الشعب، وأن ينقي عمل التاريخ في الكتب، وأن يبطل عمل الوثنية في العادات، وأن يعطي الأمة دينها الواضح السمح الميسر، وقانونها العملي الذي فيه سعادتها وقوتها) .   إنَّ الشعـــب المصــري مـــن أرقِّ النـــاس أفئدة، وأكثرهم عاطفة؛ فهــــو محبٌّ بطبعـــه للإسلام وعلمــــائه؛ فلنستثمر هـــذه العـــاطفــة الجياشة في نشر العلم وحمـــــاية جنــــاب التوحيــــد، ولْنـــرعـــــها بتعظـيم السّــــُنة ومحـــــبة الهَدْي النبـــــــوي.   أيها العلماء والدعاة!   استمعوا إلى المنفلوطي وهو يخاطب أهل عصره قائلاً: (هل تعلمــون أن السلف الصالــح كانوا يجصِّصــون قبـــراً، أو يتوسلون بضريح؟   وهل تعلمون أن واحداً منهم وقف عند قبر النبي # أو قبر أحد من أصحابه وآل بيتـه يسأله قضــاء حاجــة أو تفريج همٍّ؟   وهل تعلمون أن الرفاعي والدسوقي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين؟   وهل تعلمون أن النبي # حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل، نهى عنها عبثاً ولعباً، أم مخافة أن تُعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟   وأي فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبــور ما دام كل منها يجرُّ إلى الشرك ويفسد عقيدة التوحيد؟).   أيها العلماء.. أيها الدعاة!   إنني – واللهِ – أحفظ لكم أقداركم، وأُكبر فيكم قوَّتكم وجَرأتكم في الحق، وما هذه الرسالة إلا عرفان بفضلكم، وتذكير بواجبكم: {وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْـمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55]، وأداء لبعض حقكم علينا من النصيحة، وقد جمع النبي # الدين كله في النصيحة، فقال – بأبي هو وأمي -: «الدين النصيحة» .   وليس الهدف من هذه الرسالة هو التحرير العلمي لأطراف الموضوع ومسائله؛ فلذلك مقامه، وإنما هي إشارات مختصرات، ودعوة من القلب لاستنقاذ هؤلاء العوام من أوحال الخرافة التي يتقحمون فيها بلا علم ولا هدىً.   إنها دعوة لأشياخنا وأساتذتنا لاستنهاض الهمم ونصرة الدين.   إنها زفرة ألم أبثها إلى أهل الغيرة وعلماء الملَّة وورثة الأنبياء والدعاة النابهين اللهم هل بلغت!… اللهم فاشهد!

 أحمد بن عبد الرحمن الصويان رئيس تحرير مجلة ” البيان “.

 

أبو عمر

صفر 1431هـ

25 يناير 2010