أكلة خيبر

أضف تعليق

الحمدلله وبعد،،
كنت أتأمل طلائع الأخبار الأليمة عن اعتراض العسكرية الاسرائيلية للمساعدات الغوثية لغزة المحاصرة .. وأتعجب من أذى اليهود الذي لم ينقطع عنا .. أذى اليهود لنا معشر المسلمين قديم قدم هذا الدين ذاته .. أتذكر دوماً قصص أذاهم لرسول الله وحتى آخر طفل بين سياج غزة .. ثم أقارن ذلك ببرود النظم السياسية العربية.. فلايكاد ينطفئ في داخلي جمر الغبن..
 
الصحافة السعودية ظهرت في حادثة غزة الأخيرة في أقصى صور الخزي والعار .. وماظننت أن تبلغ الأمركة بصحافتنا هذا المبلغ .. حتى داود الشريان الذي كان قومياً بنكهة إسلامية وعمل في بدايات حياته الصحفية في مجلة الدعوة ثم صار يكتب مقالات نضالية في جريدة الحياة.. ومع ذلك استطاع الثعلب عبدالرحمن الراشد أن يفككه ويعيد تجميعه بما يطابق مواصفات قناة العربية.. فمن يعيد لنا داود؟
 
يروي البخاري في صحيحه عن عائشة ، رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في مرضه الذي مات فيه (يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم) [البخاري 4428]
وفي رواية أبي داود (ما زلت أجد من الأكلة التى أكلت بخيبر فهذا أوان قطعت أبهرى) [ابوداود 4514]
 
فهذا رسول الله لما حان وقت أجله غلب على جسده الشريف سم اليهود .. وكاد ينقطع أبهره منه .. والأبهر عرق في القلب إذا انقطع لم تبق معه حياة ..
فهذا تاريخ اليهود معنا وقد ارتقى به القرآن من حوادث فردية الى مستوى المبدأ والمفهوم حيث يقول تعالى (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ) [المائدة82].
 
والحقيقة أن مشاركة الفريق الأردوغاني في إغاثة غزة المحاصرة تسهم بشكل كبير في تخفيف مصابنا بممارساته السيئة على الضفة الأخرى .. فقد كنا نتألم حد الفجيعة بكون أردوغان يرسل جيوشه لمساندة الحرب على أفغانستان، وكون الحزب اتخذ خطوات محسوبة باتجاه التطبيع مع الدولة اليهودية.. ولكن مع ذلك فقد خفف المصاب هذه الإغاثة لغزة المحاصرة ويجب أن نشكر الحزب على ذلك..
 
وتابعت –أيضاً- لعدد من المفكرين السياسيين الذين أصمو آذاننا بالحديث عن الوعي السياسي والتخطيط السياسي وأن السياسة بحر الخ .. تابعت مقالاتهم أبحث في هذا البحر الذي يذكرون .. وللأسف لم أجد إلا نياحاً تجيده الثكالى .. بحثت عن طرحهم لبرامج عملية لاستثمار الغضب الشعبي من حادثة غزة وللأسف لم أجد إلا لغة عاطفية يجيدها العامي في السياسة مثلي.. أصبنا بالصمم من كثرة نقدهم للصحوة والسلفية والاسلاميين بقلة الوعي السياسي .. ومع ذلك لم نجد في أطروحاتهم حول الحدث أمراً عجباً يغري بتصديق تمدحهم ببعد النظر السياسي..
 
على أية حال .. حين أرى مثل هذا المشهد الحزين في غطرسة اليهود وأذاهم لإخواننا الفلسطينين فإنني أردد دون شعور:
أعطني خوذة جندي .. وخذ ألف مفكر..
 
أبو عمر
جمادى الثانية 1431هـ
5 يونيو 2010

Advertisements

رسالة إلى علماء مصر ودعاتها بقلم الشيخ أحمد الصويان

أضف تعليق

 قبل أكثر من ثمانين عاماً – تقريباً – كتب أديب العربية الأستاذ الكبير مصطفـى لطفي المنفلوطي – رحمه الله تعالى – مقالة بعنوان : (دمعة على الإسلام) ، تأسَّف فيها كثيراً على خبرٍ وَصَله من أحد علماء الهند عن تعظيم بعض المنتسبين إلى الإسلام من الهنود التاميل لقبر عبد القادر الجيلاني وغيره من الأولياء، ثم قال متألِّماً متوجِّعاً من تلك الأفعال: (يعلم الله أنني ما أتممت قراءة رسالته حتى دارت بي الأرض الفضاء، وأظلمت الدنيا في عيني، فما أُبصر ممَّا حولي شيئاً حزناً وأسفاً على ما آلت إليه حال الإسلام بين أقوام نكروه بعدما عرفوه، ووضعوه بعدما رفعوه، وذهبوا به مذاهب لا يعرفها، ولا شأن له بها. أيُّ عين يجمل بهــا أن تستبقي في محاجرها قطرة واحدة من الدمع فلا تريقها أمام هذا المنظر المؤثر المحزن؛ منظر أولئك المسلمين وهم ركَّعٌ سجَّدٌ على أعتاب قبر ربما كان بينهم من هو خير من ساكنه في حياته، فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته)   تذكَّرْت هذه المقالــة في زيارتـي الأخيـرة إلى مصــر – حرسها الله من كل سوء – واستشعرت أَلَم المنفلوطي وأنا أدخل في قلب القاهرة إلى مسجد الحسين؛ لقد أفزعني ما رأيت، وهالني تزاحم الناس عند القبر، وتوجُّههم إليه بالدعاء والاستغاثة!   كنت أظن – بادئ الأمر – أن ما يفعلونه دروشة مجردة ورغبة في إجلال ومحبة الحسين – رضـي الله عنــه وأرضــاه – وقد يكون الأمر كذلك عند بعضهم، ولكنني صُعقت – والله – من الشرك الصريح الذي يمارسه بعض الجهلة دون نكير!   والله الذي لا إله إلا هو! إنني أُصبت برعشة وقشعريرة تسري في جسدي وأنا أرى أحدهم يجثو على ركبتيه، ويقول بكل تخشُّع وانكسار: مدد يا سيدنا الحسين… مدد…!   سلَّمت على أحدهم في المسجد وسألته: ماذا يفعل الناس عند القبر؟ لماذا هم مجتمعون هكذا؟   فنظر إليَّ باستغراب ونكير وقال: هذا قبر سيدنا الحسين؟ فقلت له: وماذا يفعلون عنده؟   قال: يا بني! إذا كنت محتاجاً، أو مريضاً، أو مهموماً، فالتمس العون من سيدنا الحسين.   قلت له: ولِمَ لا نتوجَّــه إلــــى ربِّ الحسين – سبحــانه وتعالى – وهــو يقــول لنا: {أَمَّن يُجِيبُ الْـمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 26]؟   قال: لهؤلاء الأولياء مكانة عظيمة لا نستطيع نحــن الضعفـــاء الوصـــول إليها؛ فنحن نتوسل بهم إلى الله !   ثم اجتمع حولنا بعض العامة، وقال أحدهم: هؤلاء الأولياء: سيدنا الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة… أئمة الهدى، وتحت أعتابهم تُستجلَب الرحمات، وبدعائهم يستغيث ذوو الحاجات.   قلت له: أَوَتَظن أن الله – تعالى – هو الذي يفرِّج كَرْبك أم الحسين والسيدة زينب؟   قال بكل استغراب: الله – جل جلاله – هو الذي يفرِّج الكربات، لكنه يضع سِره عند بعض أوليائه، فإذا رضي عنك الولي، كان ذلك سبباً لرضا الله! ثم قال لي آخر (بشيء من الغلظة والنكير): أسيادنا يقولون للشيء: كن، فيكون…!   وبينما أنا خارجٌ من المسجد وقد دارت بي الدنيا وأظلم الطريق في وجهي، إذا بامرأة عجوز تخرج من باب النساء باكية، وترفع صوتها قائلة: ابني تعب من المرض يا سيدنا الحسين… ابني تعب من المــرض يا ســـيدنا الحســـين!   يا سبحان الله!   أيحدث هذا في بلد الإسلام وقلعته الحصينة؟   أيحدث هذا في بلد الأزهر معقِل العلم والعلماء…؟   أنْ يحدث مثل هذا الشرك في بعض مجاهل الهند وأدغال إفريقيا النائية أمر ليس بمستغرب، بسبب اندراس العلم وقلَّة العلماء، لكن الغريب كل الغرابة أن يحدث مثل هذا في مأرز الإسلام وقلبه النابض!   حقيق بكل مسلم غيور على الملَّة أن يبكي بدل الدموع دماً وهو ينظر أو يسمع عن تلك الشركيات المحادَّة لدين الله تعالى!   حقيق بكل داعية مخلص أن يتفطر قلبه ألماً وحزناً، وهو ينظر إلى هؤلاء الناس وأولئك وهم يتيهون في بيداء الشرك و يتخبطون في ظلمة الخرافة.   حقيق بكل عالم وَرِع يريد السلامة وبــراءة الـــذمــة، أن لا يهنأ بطعام ولا شراب، ولا يتلذذ بمنام أو متاع، حتى يؤدي زكاة عِلْمه، ويمحض النصيحة لأمته، ويجدد ما أفسده العوام وأهل الأهواء من عقيدة الإسلام. وليتذكروا قـول الله – تعالى -: {أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأعراف: 561].   وما زاد من ألمي كثيراً أنني قرأت عند مدخل جامع الحسين فتوى فقهية معلَّقة على لوحة كبيرة تؤكد جواز الصلاة في المساجد التي فيها قبور، وترد على القائلين بالتحريم.   يا قرَّاء الإسلام!   أنتم حفظة القرآن الكريم وقرَّاء الإسلام، تُقرئوننا قول الله – تعالى -: {وَأَنَّ الْـمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 81]، وقوله – تعالى -: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [الأعراف: 92]، وقوله – عز وجل -: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ #^12^#) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}. [البقرة: 12 – 22] ولا يخفى عليكم أنه لا يوجد فـــي كتـــاب الله – جل وعلا – أوضح ولا أبين ولا أصرح من الدعوة إلى التوحيد، والبراءة من الشرك، وسدِّ ذرائعه، وقطع أسبابه.   يا علماء مصر!   أنتم تعلمون أن أخص خصائص دين الإسلام: (التوحيد الخالص)، كما قال – تعالى -: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْـخَالِصُ} [الزمر: 3]، وكما قال – سبحانه -: {وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]. به بعث جميع الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – كما قال المولــى – سبحانه وتعالى -: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 52]، وكما قال – تعالى – أيضاً: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 63]. ثم رفع رايته سيد وَلَد آدم #؛ فقد تواترت النصوص النبوية الشريفة التي تأمر بذلك وتدل عليه، ومنها قـول عبد الله بن مسعود – رضـي الله عنه -: قــال رجــل: يا رسول الله! أي الذنب أكبــر عند اللـه؟ قال: «أن تدعو لله نداً وهو خَلَقك»، قال: ثم أي؟ قال: «ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قال: ثم أي؟ قال: «ثم أن تزاني حليلة جارك». فأنزل الله تصديقها: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْـحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 86] .   بل من شدة إشفاق النبي # على أمته أنه حتى مع شدة مرضه الذي مات فيه كــان يحذِّر أصحـابه – رضي الله عنهم – من الزيغ والانحراف عنه؛ ففي الصحيحين عن عائشة وعبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – قـالا: لَـمَّا نزل برسـول الله # (يعني: الموت) طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم كشـفها عن وجهـه، فقـال، وهو كـذلك: «لعنة اللــه على اليهود والنصارى اتخذوا قبـور أنبيائهـــم مساجد» يحذِّر ما صنعوا .   ومِن حرص النبي # على البلاغ المبين أنه لم يكتفِ بسماع بعض أصحابه له، بل حرص أن يكون العلم بذلك عامّاً راسخاً؛ فقد روى أسامة بن زيد – رضي الله عنهما – أن رسول الله # قـال في مرضـه الذي مات فيـه: «أَدخلوا عليَّ أصحابي»، فدخلوا عليه وهو متقنِّع ببردة معافري، فكشف القناع، فقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .   وإني مذكِّركم – أيها الإخوة علماء مصر ودعاتها – بحديث شريف أنتم أعلم به مني، وهو حديث أبي الهيــاج الأسدي؛ حيث قال: قـال لي علــي بن أبــي طالــب – رضـــي اللــه عنـه -: ألا أبعثـك علـى ما بعثني عليـه رسـول اللـــه #: «أن لا تدع تمثــالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته» .   إن التوحيد وإفراد الله – تعالى – بالعبادة بمنزلة الرأس من الجسد؛ فما قيمة الجسد إذا فقد رأسه؟ ولن يجد الإنسان الأُنس والأمن ولذة الحياة إلا في ظل العبودية الخالصة لله – عز وجل – كما قال – تعالى -: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 28]، وقد فسَّر النبي # الظلم في هذه الآية بالشرك .   وكلما ازداد افتقار العبد لمولاه – سبحانه وتعالى – وانكساره بين يديه، والتجاؤه إليه وحده لا شريك له، كانت ثَمَّ طمأنينته وسعادته. يقول – سبحانه -: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 82].   أيها العلماء الأجلاء والدعاة النبلاء!   إنَّ سكوت بعض العلماء وتكاسل بعض الدعاة، وتتابع الناس على ذلك جيلاً إثر جيل، أدَّى إلى رواج سوق الأضرحة وارتفاع أعلامها وتطاوُل مناراتها في كل الأقاليم والمحافظات والمدن والقرى الكبيرة والصغيرة، حتى إن بعض الباحثين في مصر ذكر أن عددها تجاوز ستة آلاف ضريح ، يقام في معظمها موالد حاشدة يجتمع حولها الناس، وتُشدُّ إليها الرحال، وتُذبح لها الذبائح، وتُدفع لها النذور . ويحدث فيها من ألوان الخرافة والدجل والعبـث ما لا يخطر على بال، وأقل ما يقال في كثير من تلك الممارسات إنها مَسْخ للدين وإزراء بأهل الإسلام وتغييب لعقولهم.   إنها ليست مجرد مظاهر عارضة عابرة، بل هي ممارسات متجذرة في قلوب كثير من الناس، وبقاء هذه الأضرحة والمشاهد حتى اليوم يدل على أن الأمر مستفحل استفحالاً شديداً، وأن كثيراً من البسطاء والعوام لا زالوا يجهلون الحق الذي دلت عليه محكمات الشريعة وقواطع الأدلة.   والمؤلم حقاً أن بعض الطرقية في الآونة الأخيرة راح يحيي بعض معالم القبورية من جديد، ويشيِّد أركانها، ويجدد الدعوة إليها، بل يروِّج لها في كثير من وسائل الإعلام.   أعلم أنه قد تتابع تحذير علمــاء مصــر من هذا الشرك، وسرني جداً قول مفتي مصر الشيخ عبد اللطيف عبد الغني حمزة – رحمه الله – بعد أن ذكر بعض الأحاديث النبوية: (من هذه الأحاديث وغيرها يتبين النهي عن البناء على القبور، سواء كان هذا البناء متعلقاً بالميـت: كالقبــة، أو بالحي: كحُجرة، أو مدرسة، أو خباء، أو مسجد، أو بيوت للاستراحة فيها عند الزيارة وغيرها، أو ما كان على القبر نفسه ليرتفع من أن يوطأ، كما يفعله كثير من الناس، وقد حمله الأئمة على الكراهة إذا لم يُقصَد به الزينة والتفاخر، وإلا كان حراماً) .   وسرني أيضاً قول فضيلة الشيخ حسن مأمون شيخ الأزهر، ومفتي الديار المصرية: (أصل الدعوة الإسلامية يقوم على التوحيد، والإسلام يحارب جاهداً كل ما يقرِّب الإنسان من مزالق الشرك بالله، ولا شك أن التوسل بالأضرحة والموتى أحد هذه المزالق، وهي رواسب جاهلية؛ فلو نظرنا إلى ما قاله المشركون عندما نعى عليهم الرسول # قالوا له: {مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، فهي الحجة نفسها التي يسوقها اليوم الداعون للتوسل بالأولياء لقضاء حاجة عند الله أو التقرب منه، ومن مظاهر هذه الزيارة أفعال تتنافى كليــة مع عبادات إسلامية ثابتـة؛ فالطــواف فـي الإسـلام لم يُشْـرع إلا حول الكعبة الشريفة، وكل طواف حول أي مكان آخر حرام شرعاً، والتقبيل في الإسلام لم يُسَن إلا للحجر الأسود، وحتى الحجر الأســود قال فيــه عمر – رضي الله عنه – وهو يقبِّله: والله! لولا أنـي رأيت رسول اللــه # يقبِّلـك ما فعلت؛ فتقبيل الأعتــاب، أو نحاس الضـــريح، أو أي مكان به حرام قطعاً) .   ونظائر هذه الفتاوى كثيرة جداً، وجهود الدعاة والمصلحين في القديم والحديث مذكورة مشكورة، لكنَّ الخطب عظيم ويحتاج الأمر إلى مزيد تأكيد ومضاعفة تذكير؛ فالدعوة إلى التوحيد هي أجلُّ شأن اشتغل به العلماء والمصلحون. {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِـحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنَ الْـمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].   نعم! ربما كان لبعض الجهلة والمتنفذين من أهل الأهواء مصالح شخصية ومطامع دنيوية تدفعهم إلى خداع العوام، ومن مثل هؤلاء سخر شاعر النيل حافظ إبراهيم بقوله:   أحـياؤنـا لا يُـرزقُون بـدرهَمٍ   وبـألفِ ألـفٍ يُرزقُ الأمواتُ   مـَن لِي بحـظِّ النـائمين بحفـرةٍ   قامَت على أحجارِها الصلواتُ   يسـعى الأنـامُ لها ويجـري حولَها   بحـرُ النـذورِ وتُقـرأ الآياتُ   ويقالُ: هذا القطبُ بابُ المصـطفَى   ووسيـلةٌ تُقضى بِهــا الحاجاتُ   لكن الأمر جِدُّ خطير، والأمانة في أعناق العلماء والدعاة كبيرة جداً، قال الله – تعالى -: {وَإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 781]. وسيأتي اليوم الذي يقف فيه العلماء والدعاة بين يدي ربهم ويسألهم – سبحانه – عن هذه الأمانة: هل بلَّغوها للناس حق البلاغ، أم أنهم فرَّطوا وتكاسلوا؟   صحيح أن اقتلاع البدعة من جذورها أمر شاق وعسير، بسبب غربة الدين، وإلف الناس لها، وتتابع الأجيال عليها، وكثرة المنافحين عنهـــا، لكنَّ استحضار قصـص الأنبيــاء – عليهم الصـلاة والسلام – مع أقوامهم من أعظم ما يثير الحمية والغيرة على دين الإٍسلام. والشرف كل الشرف أن يسير العالِم والداعية في ركاب الأنبياء، ويقتدي بآثارهم، ويعض على منهجهم بالنواجذ. قال الله – تعالى -: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 09]، وقال – سبحانه وتعالى -: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّـمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْـحَمِيد} [الممتحنة: 6].   ولهذا؛ فإن الواجب أن يكون العلماء الربانيون والدعاة الصادقون في طليعة المنافحين عن الدين، المجددين لشـــريعة ســيد المرســلين عليه أفضل السلام وأتم التسليم.   ولا يضـرنَّهم تطــاوُل المفسدين، وتعصُّب العوام. قال الله – تعالى -: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْـمُشْرِكِينَ} [الحجر: 49] وما أجمل قول أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز – رحمه الله -: (إن الناس لو كان إذا كبُر عليهم أمر تركــوه، ما قــام لهــم دين ولا دنيا!) . وقديماً وصف إمام العربية مصطفى صادق الرافعي علماء الكنانة بأنهم: «أَسْهُمٌ نافذة من أسهم الله، يرمي بها من أراد دينه بالسوء»، ثم بيَّن – رحمه الله – رسالة الأزهر في: (أن يجدد عمل النبوة في الشعب، وأن ينقي عمل التاريخ في الكتب، وأن يبطل عمل الوثنية في العادات، وأن يعطي الأمة دينها الواضح السمح الميسر، وقانونها العملي الذي فيه سعادتها وقوتها) .   إنَّ الشعـــب المصــري مـــن أرقِّ النـــاس أفئدة، وأكثرهم عاطفة؛ فهــــو محبٌّ بطبعـــه للإسلام وعلمــــائه؛ فلنستثمر هـــذه العـــاطفــة الجياشة في نشر العلم وحمـــــاية جنــــاب التوحيــــد، ولْنـــرعـــــها بتعظـيم السّــــُنة ومحـــــبة الهَدْي النبـــــــوي.   أيها العلماء والدعاة!   استمعوا إلى المنفلوطي وهو يخاطب أهل عصره قائلاً: (هل تعلمــون أن السلف الصالــح كانوا يجصِّصــون قبـــراً، أو يتوسلون بضريح؟   وهل تعلمون أن واحداً منهم وقف عند قبر النبي # أو قبر أحد من أصحابه وآل بيتـه يسأله قضــاء حاجــة أو تفريج همٍّ؟   وهل تعلمون أن الرفاعي والدسوقي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين؟   وهل تعلمون أن النبي # حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل، نهى عنها عبثاً ولعباً، أم مخافة أن تُعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟   وأي فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبــور ما دام كل منها يجرُّ إلى الشرك ويفسد عقيدة التوحيد؟).   أيها العلماء.. أيها الدعاة!   إنني – واللهِ – أحفظ لكم أقداركم، وأُكبر فيكم قوَّتكم وجَرأتكم في الحق، وما هذه الرسالة إلا عرفان بفضلكم، وتذكير بواجبكم: {وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْـمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55]، وأداء لبعض حقكم علينا من النصيحة، وقد جمع النبي # الدين كله في النصيحة، فقال – بأبي هو وأمي -: «الدين النصيحة» .   وليس الهدف من هذه الرسالة هو التحرير العلمي لأطراف الموضوع ومسائله؛ فلذلك مقامه، وإنما هي إشارات مختصرات، ودعوة من القلب لاستنقاذ هؤلاء العوام من أوحال الخرافة التي يتقحمون فيها بلا علم ولا هدىً.   إنها دعوة لأشياخنا وأساتذتنا لاستنهاض الهمم ونصرة الدين.   إنها زفرة ألم أبثها إلى أهل الغيرة وعلماء الملَّة وورثة الأنبياء والدعاة النابهين اللهم هل بلغت!… اللهم فاشهد!

 أحمد بن عبد الرحمن الصويان رئيس تحرير مجلة ” البيان “.

 

أبو عمر

صفر 1431هـ

25 يناير 2010

الساعة الخامسة والسابعة صباحاً

تعليق واحد

 

ثمة مشهد لا أمل من التأمل فيه، ولا أمل من حكايته لأصحابي وإخواني، هو ليس مشهداً طريفاً، بل والله إنه يصيبني بالذعر حين أتذكره، جوهر هذا المشهد هو بكل اختصار “المقارنة بين الساعتين الخامسة والسابعة صباحاً” في مدينتي الرياض التي أعيش فيها، أقارن تفاوت الحالة الشعبية بين هاتين اللحظتين اللتين لايفصل بينهما إلا زهاء مائة دقيقة فقط..

في الساعة الخامسة صباحاً، والتي تسبق تقريباً خروج صلاة الفجر عن وقتها تجد طائفة موفقة من الناس توضأت واستقبلت بيوت الله تتهادى بسكينه لأداء صلاة الفجر، إما تسبح وإما تستاك في طريقها ريثما تكبر (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه).. بينما أمم من المسلمين أضعاف هؤلاء لايزالون في فرشهم، بل وبعض البيوت تجد الأم والأب يصلون ويدعون فتيان المنزل وفتياته في سباتهم..   حسناً .. انتهينا الآن من مشهد الساعة الخامسة.. ضعها في ذهنك ولننتقل لمشهد الساعة السابعة ..

ما إن تأتي الساعة السابعة -والتي يكون وقت صلاة الفجر قد خرج- وبدأ وقت الدراسة والدوام.. إلا وتتحول الرياض وكأنما أطلقت في البيوت صافرات الإنذار.. حركة موارة.. وطرقات تتدافع.. ومتاجر يرتطم الناس فيها داخلين خارجين يستدركون حاجيات فاتتهم من البارحة.. ومقاهي تغص بطابور المنتظرين يريدون قهوة الصباح قبل العمل..   أعرف كثيراً من الآباء والأمهات يودون أن أولادهم لو صلو الفجر في وقتها، يودون فقط، بمعنى لو لم يؤدها أبناؤهم فلن يتغير شئ، لكن لو تأخر الابن “دقائق” فقط، نعم أنا صادق دقائق فقط عن موعد الذهاب لمدرسته فإن شوطاً من التوتر والانفعال يصيب رأس والديه.. وربما وجدت أنفاسهم الثائرة وهم واقفون على فراشه يصرخون فيه بكل ما أوتو من الألفاظ المؤثرة لينهض لمدرسته..

هل هناك عيب أن يهتم الناس بأرزاقهم؟ هل هناك عيب بأن يهتم الناس بحصول أبنائهم على شهادات يتوظفون على أساسها؟ أساس لا .. طبعاً، بل هذا شئ محمود، ومن العيب أن يبقى الإنسان عالة على غيره.. لكن هل يمكن أن يكون الدوام والشهادات أعظم في قلب الإنسان من الصلاة؟ لاحظ معي أرجوك: أنا لا أتكلم الآن عن “صلاة الجماعة” والتي هناك خلاف في وجوبها (مع أن الراجح هو الوجوب قطعاً)، لا.. أنا أتكلم عن مسألة لاخلاف فيها عند أمة محمد طوال خمسة عشر قرناً، لايوجد عالم واحد من علماء المسلمين يجيز إخراج الصلاة عن وقتها، بل كل علماء المسلمين يعدون إخراج الصلاة عن وقتها من أعظم الكبائر..   بالله عليك .. أعد التأمل في حال ذينك الوالدين اللذين يلقون كلمة عابرة على ولدهم وقت صلاة الفجر “فلان قم صل الله يهديك” ويمضون لحال شأنهم، لكن حين يأتي وقت “المدرسة والدوام” تتحول العبارات إلى غضب مزمجر وقلق منفعل لو حصل وتأخر عن مدرسته ودوامه..

بل هل تعلم يا أخي الكريم أن أحد الموظفين -وهو طبيب ومثقف- قال لي مرة: إنه منذ أكثر من عشر سنوات لم يصل الفجر إلا مع وقت الدوام.. يقولها بكل استرخاء.. مطبِق على إخراج صلاة الفجر عن وقتها منذ مايزيد عن عشر سنوات.

وقال لي مرة أحد الأقارب إنهم في استراحتهم التي يجتمعون فيها، وفيها ثلة من الأصدقاء من الموظفين من طبقة متعلمة، قال لي: إننا قمنا مرة بمكاشفة من فينا الذي يصلي الفجر في وقتها؟ فلم نجد بيننا إلا واحداً من الأصدقاء قال لهم إن زوجته كانت تقف وارءه بالمرصاد (هل تصدق أنني لازلت أدعوا لزوجته تلك)..

يا ألله .. هل صارت المدرسة -التي هي طريق الشهادة- أعظم في قلوبنا من عمود الإسلام؟! هل صار وقت الدوام –الذي سيؤثر على نظرة رئيسنا لنا- أعظم في نفوسنا من ركن يترتب عليه الخروج من الإسلام؟ هذه المقارنة الأليمة بين الساعة الخامسة والسابعة صباحاً هي أكثر صورة محرجة تكشف لنا كيف صارت الدنيا في نفوسنا أعظم من ديننا .. بل وانظر إلى ماهو أعجب من ذلك .. فكثير من الناس الذي يخرج صلاة الفجر عن وقتها إذا تأخر في دوامه بما يؤثر على وضعه المادي يحصل له من الحسرة في قلبه بما يفوق مايجده من تأنيب الضمير إذا أخرج الصلاة عن وقتها.. كلما تذكرت كارثة الساعة الخامسة والسابعة صباحاً، وأحسست بشغفنا بالدنيا وانهماكنا بها بما يفوق حرصنا على الله ورسوله والدار الآخرة؛ شعرت وكأن تالياً يتلوا علي من بعيد قوله تعالى في سورة التوبة:  (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) ماذا بقي من شأن الدنيا لم تشمله هذه الآية العظيمة؟! هل بلغنا هذه الحال التي تصفها هذه الآية؟! ألم تصبح الأموال التي نقترفها والتجارة التي نخشى كسادها أعظم في نفوسنا من الله ورسوله والدار الآخرة؟! كيف لم يعد يشوقنا وعد ربنا لنا في سورة النحل إذ يقول (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) أخي الغالي..

حين تتذكر شخير الساعة الخامسة صباحاً، في مقابل هدير السابعة صباحاً، فأخبرني هل تستطيع أن تمنع ذهنك من أن يتذكر قوله تعالى في سورة الأعلى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)..

قال لي أحد أهل الأهواء مرة “المشايخ يمارسون التهويل في تصوير الخلل الديني في مجتمعنا، ولو ركزو على الكبائر لعلموا أن أمورنا الدينية جيدة، والمشكلة عندنا في دنيا المسلمين فقط” يا ألله .. كلما وضعت عبارته هذه على كفة، ووضعت الساعتين الخامسة والسابعة صباحاً على كفة، طاشت السجلات، وصارت عبارته من أتفه الدعاوى .. المقارنة بين مشهدي الساعة الخامسة والسابعة صباحاً هي أهم مفتاح لمن يريد أن يعرف منزلة الدنيا في قلوبنا مقارنة بدين الله.. لا أتحدث عن إسبال ولا لحية ولاغناء (برغم أنها مسائل مهمة) أتحدث الآن عن رأس شعائر الإسلام .. إنها “الصلاة” .. التي قبضت روح رسول الله وهو يوصي بها أمته ويكرر “الصلاة..الصلاة..” وكان ذلك آخر كلام رسول الله كما يقول الصحابي راوي الحديث..

بل هل تدري أين ماهو أطم من ذلك كله، أن كثيراً من أهل الأهواء الفكرية يرون الحديث عن الصلاة هو شغلة الوعاظ والدراويش والبسطاء! أما المرتبة الرفيعة عندهم فهي مايسمونه “السجال الفكري، والحراك الفكري” وهي ترهات آراء يتداولونها مع أكواب اللاتيه.. يسمون الشبهات وتحريف النصوص الشرعية والتطاول على أئمة أهل السنة “حراك فكري”! الصلاة التي عظمها الله في كتابه وذكرها في بضعة وتسعين موضعاً تصبح شيئاً هامشياً ثانوياً في الخطاب النهضوي والاصلاحي .. ألا لا أنجح الله نهضة وإصلاحاً تجعل الصلاة في ذيل الأولويات ..

المهم.. لنعد لموضوعنا.. فمن أراد أن يعرف منزلة الدنيا في القلوب مقارنة بدين الله فلاعليه أن يقرأ النظريات والكتابات والأطروحات.. عليه فقط أن يقارن بين الساعتين “الخامسة والسابعة صباحاً” وسيفهم بالضبط كيف صارت الدنيا أعظم في نفوسنا من الله جل جلاله.. وتأمل يا أخي الكريم في قوله تعالى (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا).. بل تأمل في العقوبة التي ذكرها جماهير فقهاء المسلمين لمن أخرج الصلاة عن وقتها حيث يصور هذا المذهب الإمام ابن تيمية فيقول:

( وسئل شيخ الاسلام ابن تيمية عن أقوام يؤخرون صلاة الليل إلى النهار ، لأشغال لهم من زرع أو حرث أو جنابة أو خدمة أستاذ ، أو غير ذلك، فهل يجوز لهم ذلك ؟ فأجاب: لا يجوز لأحد أن يؤخر صلاة النهار إلى الليل، ولا يؤخر صلاة الليل إلى النهار لشغل من الأشغال، لا لحصد، ولا لحرث، ولا لصناعة، ولا لجنابة، ولا لخدمة أستاذ، ولا غير ذلك؛ ومن أخرها لصناعة أو صيد أو خدمة أستاذ أو غير ذلك حتى تغيب الشمس وجبت عقوبته، بل يجب قتله عند جمهور العلماء بعد أن يستتاب، فإن تاب والتزم أن يصلي في الوقت ألزم بذلك ، وإن قال : لا أصلي إلا بعد غروب الشمس لاشتغاله بالصناعة والصيد أو غير ذلك ، فإنه يقتل) [الفتاوى، 22/28]

 

عزيزي القارئ .. هل لازال هناك من يقول أن “مشكلتنا هي أننا عظمنا الدين وأهملنا دنيا المسلمين” .. بل هل قائل هذا الكلام جاد؟! وأي دين بعد عمود الإسلام؟! حين تجد شخصاً من المنتسبين للتيارات الفكرية الحديثة يقول لك (مشكلة المسلمين في دنياهم لا في دينهم) فقل له فقط: قارن بين الساعة الخامسة والسابعة صباحاً وستعرف الحقيقة.

 

أبو عمر

صفر 1431هـ

19 يناير 2010