الإصلاح على طريقة لمز المطوعين

تعليق واحد

 

الحمدلله وبعد،،

في كل بلد في العالم فإن الإصلاح المدني يعني تقديم خطط وبرامج ومشروعات وحلول مدنية عملية للأزمات المدنية التي يعاني منها الناس.. يعتبر الشخص مصلحاً مدنياً إذا قدم إصلاحات مدنية على الأرض.. هذا هو تعريف الإصلاح المدني في العالم ببساطة .. إلا في بلدي السعودية التي تفردت بتعريفات كثيرة ولله الحمد .. فإن الإصلاح المدني له تعريف آخر .. تعريف آخر مختلف كلياً.. وهذا لعله جزء من فرادتنا!

 

الإصلاح في السعودية ليس أن تقدم برامج ومشروعات مدنية في الجوانب الناقصة.. لا.. لا تحتاج ذلك أبداً، فقط استمتع بالتهكم بالفقهاء والدعاة الإسلاميين والمحتسبين لماذا لم يقدموا هم؟! وستجد نفسك في دقائق إصلاحياً كبيراً !

 

إصلاح أزمات الإسكان والصحة والخدمات التي يئن منها الناس في السعودية ليس بأن تقدم خطط ودراسات مدنية بشأنها.. لا.. لا.. هداك الله.. لا تحتاج إلى ذلك كله.. فقط انتقد المشايخ لماذا لا يقدمون هم خطط ومشروعات، ولا تنس أن تدخل في حديثك عبارات من نوع: فهم العصر وإدراك المتغيرات الخ! وستكون حينها أردوغان السعودية!

 

الشجاعة في المسائل السياسية الحساسة في السعودية ليس أن تقدم برامج وخطط إصلاحية لحل مظالم الإقطاع العقاري والحبس بلا مقاضاة ونحوها .. لا.. لا.. لا يحتاج الأمر أن ترهق نفسك.. اجلس في المساء على صفحتك الشخصية الإلكترونية مع كوب من اللاتيه واستمتع بتعيير الفقهاء بعجزهم السياسي والأمني! وستكتشف نفسك حينها سيفاً إصلاحياً لا يغمد!

 

الإصلاح في السعودية ليس إصلاح الخلل، وإنما شتم الآخرين لم لا يصلحون الخلل؟! هكذا بكل بساطة!

 

قرأت لأحدهم مرةً يتهكم بخطيب الجمعة في مسجدهم لماذا لا يصلح قضايا التنمية (أخذت أتساءل: ربما الأخ يظن أن خطباء الجمعة هم الوزراء في الدولة؟! )

 

دعونا نتذكر صغار الصحابة ونقيم شيئاً من المقارنات .. صغار الصحابة كابن عباس وابن عمر .. أو بشكل عام من تأخر موته من الصحابة رضوان الله عليهم، ففي البصرة توفي أنس بن مالك أحد المكثرين وخادم رسول الله عام (93هـ) ، وفي مكة توفي ابوالطفيل عامر بن واثلة (110هـ) ، وفي حمص توفي عبدالله بن بسر المازني (96هـ) ، وفي الكوفة توفي عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي (87هـ) ، ونحو هؤلاء الصحابة الذين تأخر موتهم وأدركوا من حكم المتغلبين ومن الخلل السياسي عقوداً متتابعة.

 

أي أن الصحابة أدركوا من ولاية المتغلبين –في أشد الأقوال- مايقارب (70 سنة) وهي الحقبة التاريخية الواقعة بين (41 – 110) .. وفي هذه الفترة قامت عدة نظم سياسية متغلبة وفيها خلل سياسي كبير مثل: يزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، وعبدالملك بن مروان، والوليد بن عبدالملك، وسليمان بن عبدالملك.

كل هؤلاء حكموا والصحابة لا زالوا متوافرين..

 

السؤال الآن: ترى لو عاشت هذه الطوائف الفكرية في عصور أولئك الصحابة فماذا سيقولون عنهم؟ هل سيلومون ابن عباس وابن عمر وأنس ونحوهم من أجلة الصحابة ويقولون لهم: أنتم مشغولون برواية الحديث وتعليم الناس السنن وهذا إشغال للناس عن مقاومة الخلل السياسي؟

 

هل سيقولون لابن عباس: أشغلت الناس بتفسير القرآن وكلام العرب عن الأزمات التي تمس حقوق الناس؟! حاشاه رضي الله عنه.

 

هل سيقولون للصحابة: أنتم تشددون النكير على القدرية وهم قوم لهم تأويل وإنما أرادوا البحث عن الحق ولهم حرية الرأي، بينما تحرمون الخروج على هذه النظم السياسية المتغلبة!

 

وفتاوى الصحابة في مسائل الفقه ملأت أسفار كتب الآثار وفقه الحديث من باب المياه إلى باب الإقرار.. فهل هذه الفتاوى الصحابية كلها كانت تغييباً لعقول الناس عن النظم السياسية المتغلبة؟!

 

عمل فقهاء ومفتي الصحابة مع أمثال يزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، وعبدالملك بن مروان، والوليد بن عبدالملك، وسليمان بن عبدالملك .. أصل في معرفة الحق لمن أراده.

 

فقد استمر الصحابة في عصور التغلب في تفسير القرآن ورواية الحديث وبيان السنن وتعليم الناس والفتيا في دقيق الأمور وجليلها، ولم يعتبروا أن بيان مسائل الدين هو اشتغال بمسائل هامشية كما يدعي هؤلاء..

 

ولذلك تجد علماء أهل السنة ساروا طوال القرون الماضية على طريقة الصحابة، استمروا في بيان مسائل الدين دقيقها وجليلها، ولم يعتبروا أنها إشغال للناس بالتوافه ..

 

هل تريدني أن أصدق أن فقهاء الصحابة ومفسريهم ومفتيهم ومن بعدهم من العلماء لم يفهموا حقيقة الإسلام وفهمه بعض المنتسبين للفكر المعاصر! يارحم الله العقول إذن!

 

على أية حال .. الجوانب المعاشية في المجتمع مسؤولية الجميع .. وليست مسؤولية الفقهاء والمحتسبين وحدهم .. وعلماء الإسلام بلا استثناء يعدون كل بابٍ منها شعبةٌ من الاحتساب.. وشعب الإيمان بضع وسبعون شعبة .. بل إن الخبراء –كلٌ في مجاله- عليهم مسؤولية خاصة في أنتاج الحلول المدنية للمشكلات المعيشية للمجتمع..

 

فالاقتصادي والمهندس والإدراي هم الذين يملكون الخبرات المدنية للمشكلات المدنية.. هل ننتظر من الفقهاء والخطباء والدعاة أن ينتجوا خططاً لمشروعات الطرق وبرامج العلاج والتمويل العقاري؟! هذا خلط في الوظائف .. هذا كمن يقول على المهندس أن يحقق أسانيد مسند أحمد! والجميع يدرك أنه ليس عليه ذلك..

 

وهذا هو الفرق بين مفهوم (العلمانية) المرفوض شرعاً .. ومفهوم (التخصص) المطلوب شرعاً .. فالعلمانية توزع المهام المدنية مع جعلها غير محكومة بالشريعة .. أما التخصص فتوزيع المهام مع جعلها جميعاً محكومة بالشريعة..

 

ومن أهم كوارث هذه الطوائف الفكرية أنها دوماً تقع في (تنقيض الفروض الكفائية) أي وضع المطالب الشرعية أضداداً ونقائض لبعضها، فهم لا يقولون مثلاً: شكر الله لمن اعتنى بنشر السنن وإماتة البدع، ونحن فريق آخر سنعتني بقضايا الحقوق المالية، بل يجعلون هذه نقيضاً لهذه!

 

بل ويصرحون أحياناً بأن أي اشتغال بقضايا العقيدة أو الفضيلة أو مقاومة الربا ونحوها أنه تضييع للجهود وتشتيت للتركيز وصرف للانتباه عن القضية الحقيقية التي هي القضايا السياسية والمالية! فانظر كيف أفسدوا جهودهم بمثل هذه المتضادات التي يفتعلونها، مع أن علماء أهل السنة كانوا ينتظرون منهم أن يكونوا عوناً لهم على استكمال جهود الإصلاح الشامل فتحولوا إلى معاول هدم بجعلهم بعض الشريعة نقيضاً لبعضها.

 

ولذلك كان بعضهم يستاءل: لماذا وقف الإسلاميون والخطاب الشرعي ضد شخصيات إصلاحية معروفة مادام أن الإصلاح السياسي والمالي جزء من الشريعة؟!

وهذا تزييف للواقع، فكل الشخصيات الإصلاحية التي انتقدها الخطاب الشرعي لم ينتقدها لأنها طالبت بالإصلاح المالي، وإنما انتقدها لأنها توسلت بالقضية الإصلاحية لتمرير تحريفاتها للشريعة كالإزراء بعلوم السلف، أو التهوين من مرجعية الصحيحين، أو جحد حد الردة، أو السخرية بكتب العقيدة كالطحاوية ونحوها..

 

بل إنني أعمم -وأنا مسؤول عن هذا التعميم- وأقول أنه طوال تاريخنا المحلي فإن كل الشخصيات التي اعتنت بشكل عام بـ(النقد السياسي) وأظهرت في نفس الوقت احتراماً للشريعة وعلومها ومنهج أهل السنة؛ فإنها لاقت تقديراً واحتراماً وإعجاباً في الوسط الإسلامي، وتداولاً لمقالاتها.

 

وهذا الموقف من أشد نقاط التميز في الاتجاه الإسلامي –ولله الحمد- وهو أنه يحترم الشجاعة السياسية بشرط أن لاتتحول إلى جسر لنفي شئ من أحكام الشريعة ومنهج أهل السنة.

 

ونظير ذلك: أننا نحترم الطبيب المبدع بشرط أن لايستغل إبداعه العلمي لترويج الاختلاط بين الجنسين، ونحترم الروائي المبدع بشرط أن لايستغل أدبه لتمرير المجون، ونحترم الإعلامي المتميز بشرط أن لايستغل مهنيته للتأليب ضد الأنشطة الإسلامية، وهكذا.

 

بل تأمل معي في نموذجٍ أكثر دلالةً من ذلك، وهو أن الشخصيات التي تكلمت عن (الجهاد الشرعي) لقيت احتراماً بين الإسلاميين، لكن لما صار بعضهم يستغل عنايته بالجهاد للتهكم بدروس العقيدة، أو تكفير علماء أهل السنة، أو تهديد أمن البلدان الإسلامية واغتيال العاملين في المؤسسات الأمنية وإتلاف الثروات العامة للمسلمين، فإن الإسلاميين بعامة أطبقوا على منافرته وذم طريقته، لا لأنه اعتنى بالجهاد، ولكن لأنه استغل عنايته بالجهاد لتمرير أفكار منحرفة.

 

وهكذا كل الشخصيات التي تاجرت بالإصلاح السياسي لبث أفكارها المنحرفة فإنه يجب مقاومة تحريفاتها، لا لأنها اشتغلت بالاصلاح السياسي، وإنما لأنها استغلت الإصلاح السياسي لشرعنة تأويلاتها للنصوص.

 

ياحسرةً على مجموعات رفعت شعار (معارضة الدولة) بينما برنامجها العملي (معارضة العقيدة)..

 

أريد هاهنا أن أشير لتحفظ ضروري: وهو أنه ليس كل من رفع شعار الإصلاح السياسي وقع في هذه المشكلات، معاذ الله، بل هناك شخصيات سعودية قدمت جهوداً في الإصلاح السياسي مع احترامها لمنهج أهل السنة في العقيدة والفقه، ولا بأس أن نضرب أمثلة من شخصيات بعينها لتأكيد ذلك، فممن لاحظت محافظتهم على الأصول الشرعية ممن لهم جهود إصلاحية:  الشيخ سفر الحوالي وسليمان الرشودي وعبدالعزيز الوهيبي ود.محمد الحضيف، ونحوهم ممن لعله غاب عني إسمه الآن، فهؤلاء كلهم كان لهم جهود في الإصلاح السياسي، وحصلت لهم مضايقات إن شاء الله أنها في ميزان حسناتهم، ومع ذلك لم نقرأ لهم حرفاً واحداً في تحريف ونبز عقيدة وفقه أهل السنة والجماعة، بل كلهم يفخرون بالأصول الشرعية ولله الحمد، ولم نقرأ لهم حرفاً واحداً في تأليب الناس ضد العمل الدعوي والإسلامي، فأمثال هؤلاء قامات ينتصب المرء لها إجلالاً.

 

هناك فقهاء ودعاة كثيرون يقولون لك: يا أخي ثمة أموراً سياسية كثيرة نعجز عنها والله ولا نطيقها، وسنقوم بما نطيقه من القضايا الشرعية، وهذا هو غاية جهدنا، فيأتي من يسمون أنفسهم تنويريين وإصلاحيين ويوسعونهم همزاً ولمزاً ، فإذا رأيت هذا المشهد لم أستطع أن أمنع لساني من أن يتمتم بقوله تعالى:

(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ) [التوبة، 79]

  والله أعلم،،

 

أبو عمر

شعبان 1431هـ

21 يوليو 2010

عودة المدرسة التجريحية

أضف تعليق

الحمدلله وبعد،،
الإخوة الفضلاء،، آلمني جداً عودة ظاهرة (تجريح العلماء والدعاة والمحتسبين) ورميهم بأنهم عبيد الحكومة، وخدم الاستبداد، وفي صفقة سياسية .. وما ينتج عن ذلك من انفصال الشباب عن العلماء والدعاة، واشتغاله بتوافه الأمور وقسوة القلب، وملء الشباب بالتعالي المجوف والغرور الفارغ والاعتداد المفرط بالذات والولوغ في أعراض أهل العلم والدعوة والمحتسبين بلا عمل، وكل ذلك يفضي إلى (البطالة الدعوية) وتدريجياً ينتهي الواحد منهم بـ(رقة الدين) فيتساهل في النظر المحرم والسماع المحرم والكلام المحرم، ويهجر القرآن، بل يؤول إلى حالة اغتراب اجتماعي، فإذا تأمل العاقل هذه المصائر علم خطورة تغذية الشباب بالحنق العام على أهل العلم والدعاة بعامة.
 
والله يا إخوان إننا مسؤولين أمام الله ونحن نرى بعض النزقين يتسببون في انتكاسات لا يعلمها إلا الله بسبب تهييج نفوس الشباب ضد العلماء والدعاة بدلاً من مساندتهم، فيجب أن نصنع شيئاً.
 
تذكروا يا إخوان قول الله تعالى في تناصر المؤمنين (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [التوبة، 71] وقارنوا ذلك بهؤلاء الذين يتفننون في خذلان أهل العلم والدعوة بحجة أنهم عبيد الحكومة وخدم الاستبداد.
 
وتأملوا قول الله تعالى في سلامة الصدر لأهل الإيمان ونبذ الغل تجاههم (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر، 10] وقارنوا ذلك بهؤلاء الذين امتلأت قلوبهم بالغل على أهل العلم والدعوة بحجة أنهم يشرعنون الاستبداد السياسي وغيرها من شماعات الظلم والجور.
 
أحببت أن أساهم في الذب عن أهل العلم والدعوة عبر إعادة نشر هذه المقالة التي بالمرفق، فآمل من إخواني إعادة نشرها، أو إعادة نشر نظيرها مما كتبه الإخوان من مقالات مباركة إن شاء الله، المهم التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة، هدى الله وغفر لهؤلاء المسترسلين فيها لايلوون على شئ.
   
أبو عمر
شعبان 1431هـ
14 يوليو 2010

 

المقال الذي أرفقه الشيخ هو مقال التغريض السياسي المنشور في 3 ديسمبر 2009

شجـاعة الجبنـاء

أضف تعليق

   عجزوا عن أن يقولوا للظالم ياظالم.. فجاؤوا للمظلوم وقالوا له أنت الظالم أصلاً..! مرعوبون أن يقولوا لمن أكل العقارات لم أكلتها .. فجاؤوا للمغلوب على أمره وقالوا: أين فتاواك في تحريم أكل أموال الناس بالباطل (وهل رأيتم عالماً يفتي بضد ذلك أصلاً؟!). ارتعدت فرائصهم عن أن يقولوا لمن أضاع أموال المسلمين عن بناء التقنية وصناعة التكنولوجيا لماذا أضعتها؟ فجاؤوا لمن ركنت فتاواه جانباً وقالوا له بافتراء بارد: أصلاً طويل العمر يتمزق حسرة على بناء التقنية والمدنية والحضارة لكن الذي أفتيت ضد البرقية والراديو حتى تحطمت مشاعره وترك التقنية والمدنية!
حين أرادوا أن يهمسوا بأن الولايات لاتعطى بناءً على الكفاءة وإنما بناء على النسب نشفت حلوقهم، فاستداروا وقالوا للمولى عليهم: أنتم الذين لاترغبون بالأكفاء لأنكم لم تتجاوبوا مع الفكر السياسي الحديث! أرداو أن يقولوا لمن بيده القرار لماذا وزاراتنا متخلفة وأداؤها يتردى يوماً بعد يوم، وخصوصاً الصحة والاسكان والتعليم، أين خططكم؟ أين برامجكم؟ لماذا الناس من حولنا يحلون مشكلات وزاراتهم إدارياً بكل سهولة ونحن لانزال نراوح في مكاننا؟ اكتشفوا أن هذه المواجهة كلفتها باهضة، فجاؤوا لضحايا هذه الوزارات وقالوا : أنتم الذين لم تتكلموا في الفقه الإسلامي عن طريقة إصلاح الوزارات!
قاموا يريدون أن يجددوا الدين ضد “الفساد السياسي” فاكتشفوا أنفسهم فجأة بين جدران الحاير! فخرجوا يتبسمون للفضائيات ويقولون والله عذراً على سوء الفهم أصلاً يجب أن نجدد الدين من “الفساد السلفي” .. ترى لو كانت السلفية تملك حايراً -ولو حوشاً صغيراً- هل سنرى هذا الفكرة الجديدة؟!
حين أرادوا أن يقولوا لمن بيده القرار لماذا دلقت باب الاختلاط المحرم بين الفتيان والفتيات في كليات الطب وجامعة كاوست ونحوها فأدركهم الهلع حين رأو الرؤوس تتطاير فوق المناصب، فجاؤوا لمن لم تسمع كلمتهم أصلاً وقالوا: أصلاً فتاواكم في تحريم الاختلاط هي التي دفعت من بيده القرار ليتوسع في الاختلاط، ولكل فعل ردة فعل! بلغت قلوبهم الحناجر حين فكروا أن يقولو “سنصدع بالحق في وجه السلطة” .. فغيروا الفكرة وقالوا “سنصدع بالحق في وجه العلماء” !
يرون المنكرات السلوكية تعج بها البلد وتتزايد يوماً بعد يوم، وقفوا مع أنفسهم مرةً وقفة صدق، وفكروا أن يقولوا لمن بيده القرار: أوقف هذه المنكرات المتزايدة، لكنهم عدلوا عن الفكرة التي همسوا لأنفسهم بها مجرد همس، لأن الجدار له أذن، وقالوا: الحقيقة أن المسؤول عن انتشار المنكرات هو فتاوانا السابقة في سد الذرائع! إيييييه .. إنها شجاعة الجبناء ..
إذا رأيت النظام السياسي، والفريق الليبرالي المحيط به، يبدد الأموال من حواليك، ويشجع الكتبة المنحرفين على التطاول على الشريعة، فمن التهور أن تواجه هؤلاء الذين بيدهم المناصب والإعلام، ومن المزعج أن لاترى نفسك شجاعاً، ولذلك فالفكرة الذكية تقتضي أن تتشيجع على “أهل السنة”، فاصفع الجدار القصير من باب الشجاعة، وارفع يد التحية للجدار الطويل من باب التعقل والرزانة! حين تكون في شركة يتسلط فيها الرئيس على المرؤوسين فيلتهم أموال الشركة ويحابي في المناصب فإن انتقدت الرئيس فستجد نفسك خارج الشركة، وإن سكت فسترى نفسك لادور لك، فالمنطق الرائع الذي يسمى “منطق شجاعة الجبناء” يقتضي أن تبدأ في تلاوة اللوم على الموظفين لأنهم هم العائق أمام تطوير الشركة، والرئيس المسكين يتمنى لو طورها لكن أنتم العائق بسبب ضيق أفقكم ومحدودية تفكيركم وعدم وعيكم بالمتغيرات!   يالشجاعة الجبناء!

أبو عمر
صفر 1431هـ
24 يناير 2010

التغريض السياسي

أضف تعليق

 

الحمدلله وبعد،،
هذه رسالة إليك أنت يا أخي المتدين، يامن لاتزال الحمية للشريعة والغيرة على الاسلام وأهله تلتهب في قلبك، أنت تعرف –يا أخي الكريم- أن هناك اليوم قراصنة جدد مهجوسون مشغوفون لايرتاح لهم جانب في أن يجتاحوا تدين الشباب ويسلبوهم غيرتهم ليجعلوهم مشاركين لهم حول طاولات الأهواء ولذائذ التنصل عن أحكام رب العالمين، ويستخدمون في ذلك كل وسائل الاتصال والتأثير في الناس، سواء عبر الأعمدة الصحفية أو المقابلات الفضائية أو بالأقنعة المنتدياتية أو بالسهرات الفكرية، بل حتى برسائل الجوال، منهومون لاينقطعون في بعث وترويج كل تعليق أو نقل أو اقتباس أو إشاعة يكون من شأنها إرباك قناعات الناس تجاه أحكام الشريعة، وتصديع اليقين بالمعطيات الشرعية، وتذويب التدين في نفوس الناس، أنت تعرف ذلك جيداً، ولم يعد الأمر بخافٍ على أحد، ولكني -يا أخي الكريم- أريد أن أحدثك عن بعض تقنياتهم ووسائلهم المدهشة في تجميد التدين في النفوس، وتبديد دوافع الغيرة والحمية للشريعة.

ووالله الذي لا إله غيره أن رأس مال المرء في هذه الدنيا دينه وإيمانه وعلاقته بالله ورسوله، وماهي إلا سويعات قلائل ويقال “أحسن الله عزاءكم في فلان”، وينتقل المرء إلى عالم آخر هو مستقبله الحقيقي لن ينفعه فيه إلا صبره في هذه الأيام المحدودة على مراد الله ورسوله، ولذلك تتوافد الملائكة من شتى الأبواب على أهل الجنة لحظة دخولها منوهين بصبرهم على مراد الله ورسوله كما قال تعالى (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ) نسأل الله الكريم أن نكون جزءاً من هذا المشهد البهيج، وفي الصباح يحمد القوم السرى.

والمراد يا أخي الكريم أنه لاخير فينا –والله العظيم- إن بقي شبابنا الأخيار ضحايا لمكر هؤلاء في سلب الشباب تدينهم وتكبيل انقيادهم لله ورسوله، وقد شاهدنا من مكرهم ألواناً وألواناً تجعل المرء يصفق كفاً بكف متعجباً كيف يمضي هؤلاء ليلهم ونهارهم في تشويش تدين الناس والشباب المسلم ولاحول ولاقوة إلا بالله، ويشهد التاريخ أن تلبيس مفاهيم التدين على الناس من أعظم مهام المفسدين كما قال الحق تبارك وتعالى (لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) .
لنأت الآن إلى غرض هذه المقالة وهو ذكر أساليب وتقنيات أهل الأهواء الفكرية في إضعاف التدين في النفوس:
أول وأهم وأكثر التقنيات فاعلية هي “شحن الشاب ضد المتدينين والأخيار” تمهيداً لعزله عن مغذيات التدين، وهذه الطريقة في غاية الفعالية والتأثير، لأن إسقاط الآمرين بالمعروف بالكامل إسقاط للمعروف الذي يحملون، وإسقاط الناهين عن المنكر بالكامل إسقاط لنكارة المنكر الذي ينكرونه، فإسقاط العلماء والدعاة بالكامل إسقاط للعلوم الشرعية والدعوة الاسلامية التي يحملون، فبدلاً من النقاش الموضوعي حول أدلة أحكام الشريعة يكتفون باسقاط الحامل ليسقط المحمول، ولذلك تجد حرصهم وولعهم الشديد بتشويه المتدينين والمصلحين والعلماء وسائر الناجحين من دعاة أهل السنة والجماعة وإلصاق كافة المعايب والمهامز بهم.

ومن أكثر وسائلهم رواجاً لتحقيق هذا الغرض “اتهام المصلحين بالأغراض السياسية” فتجد هؤلاء يقولون لك دوماً هؤلاء الفقهاء والدعاة يبحثون عن السلطة، أو يقولون لك هؤلاء لهم “صفقة سياسية مع الحكومة” وقد التقيت مرةً بأحد هؤلاء فأخذ يدور ويطوف حول فكرة أن هؤلاء الاسلاميين عندهم صفقة قذرة مع الحكومة، قلت له أعطني مسألة شرعية واحدة، مسألة واحدة فقط، غيّر جمهور العلماء والدعاة فيها موقفهم لأجل أن السلطة السياسية تريد ذلك، أو بدّل أهل السنة والجماعة الحكم الشرعي فيها لأجل صفقة سياسية كما تقول؟
تردد هذا المسكين قليلاً، ثم ذكر أمثلةً زادت دعواه هشاشةً، فقال: انظر الآن في التهييج الطائفي عند الاسلاميين وحماسهم ضد الشيعة وخرافة “المد الصفوي”، ونحوها من المصطلحات، كل ذلك لأن الدولة الآن لها صراع مع إيران، فهذا التأليب الاسلامي ضد الشيعة الآن إنما هو صفقة مع الحكومة، فقال له أحد الجالسين: أهل السنة والجماعة منذ خلق الله الشيعة وعندهم موقف جذري ضدهم يصل إلى تكفير بعض طوائفهم، وقال له آخر: وهل “منهاج السنة” لابن تيمية صفقة مع حكومتنا أيضاً؟!

والمراد أن أهل السنة لهم موقف عقائدي صريح ضد الشيعة سواء كان النظام السياسي المحلي يتبنى الحوار والدبلوماسية معهم، أم يتبنى المواجهة الاعلامية ضدهم، فلم يغير أهل السنة موقفهم العقدي، بل ولم يكلفوا أنفسهم –أصلاً- بمعرفة بوصلة مصالح النظم السياسية المعاصة وتبدلاتها المستمرة في العلاقة مع الشيعة، فالعقيدة عقيدة.

فقال صاحبنا دعنا من هذا المثال: هل تتذكر إنكار فلان وفلان (وعدد أسماء شخصيات بعينها) ضد الاختلاط في المنتدى الاقتصادي بجدة، وكل ذلك لأن أحد أجنحة السلطة له موقف ضد الجناح الآخر، فقلت له: منكر الاختلاط أحد أهم المنكرات المعروفة عند المذاهب الأربعة لأهل السنة والجماعة، ومنذ مائتي سنة ودعاة أهل السنة صاروا يكتبون فيه بشكل متزايد بتزايد البلاء، ولم يغير الفقهاء والدعاة موقفهم لأجل أن السلطة السياسية تريده، أو لأجل أن السلطة السياسية لاتريده.

ثم أنت الآن لو دققت في كلامك لاكتشفت أن مؤداه أنك تقول أن السلطة فيها جناحان، أي أنك ترى أن السلطة فيها جناح مستفيد من دعم الاختلاط وجناح يستفيد من معارضته، وهذا يعني أن غالب العقائد والأحكام الشرعية لاتخلوا من وجود طرف سياسي قد يستفيد منها، وبالتالي فلو اعتبرنا ذلك قادحاً فيها لتركنا عقائد الاسلام وشرائعه بالكلية! حتى لاتكون صفقات سياسية كما تردد.

قال لي: انظر في الهجمة التي يقودها فلان وفلان (وعدّد –أيضاً- أسماء شخصيات دعوية بعينها) ضد غازي القصيبي ومن يسمى الفريق الليبرالي للملك عبدالله، كل ذلك أيضاً جزء من صفقة سياسية قذرة، قلت له: موقف الاسلاميين من غازي القصيبي تعرف أنت أنه منذ أيام أزمة الخليج، ولم يغيروا موقفهم منه لأن شخصية سياسية ما طلبت منهم ذلك.

قال لي: حسناً .. هل تنكر أن الملك فيصل وقع صفقة سياسية مع الاسلاميين لضرب الناصرية والقومية والماركسية والبعثية الخ، قلت له: يارحمك الله، أجزم أنك تعرف في قرارة نفسك كذب هذا المثال، فأنت تعرف -بالشكل الكافي جداً- أن عبدالناصر نكّل بالعلماء والدعاة، وأقام لهم المعتقلات الجماعية، وأعدم “ضمير الدعوة” في تلك المرحلة سيد قطب رحمه الله، ولذلك ناصبه الدعاة العداء، وليس لأن الملك فيصل طلب منهم ذلك، أو لأنه أبرم معهم صفقة سياسية. وأنت تعرف أيضاً  -بصورة واضحة تماماً- أن موقف الاسلاميين من سائر التيارات التغريبية هو هو لم يتغير، فلم يكن الاسلاميون ماركسيون ثم انقلبوا على ماركس لما طلب منهم الملك فيصل ذلك.

شارك شخص آخر من نفس طينة صاحبنا وقال: أتنكر أن رمزكم الدعوي رقم واحد أيام أزمة الخليج صار اليوم يمدح النظام العلماني التونسي ويتهم الاسلاميين بأنهم شوهوه، ومن تقبل إراقة الإطراء الديني للنظام العلماني التونسي فهو لمن فوقه أشد إطراءً، أم أن هذه أيضاً ليست مصافحة سياسية؟! قلت له: بيض الله وجهك، جعل الله والديك في الجنة، فقل لي بالله عليك كيف صار موقف فقهاء ودعاة أهل السنة من هذه المقالة التي ذكرتها؟! فهذا مثال ناصع عليك لا لك، وهو أن الاتجاه الإسلامي تيار رشيد عاقل شديد النفور من تبديل الأحكام الشرعية في دهاليز السياسة.

يا أخي الكريم أنت تزعجنا في كل مجلس بأن الاسلاميين عندهم صفقة سياسية قذرة مع أحد أجنحة السلطة، وإلى الآن لم تأتِ بمثال واحد، بل بمسألة شرعية واحدة فقط، تثبت فيها أن جمهور الاسلاميين من فقهاء ودعاة أهل السنة والجماعة غيروا رأيهم فيها لأن السلطة السياسية طلبت منهم ذلك، ألا تستحي من تكرار هذه القضية؟!

ثم لو سرنا على منطقك هذا لقلنا أيضاً: يجب أن لاننتقد الرمز الشيعي حسن نصر الله حتى لاتكون صفقة سياسية مع اسرائيل، ويجب أن لانهاجم التشيع الإيراني حتى لاتكون صفقة سياسية مع النظم الملكية الخليجية، وكان يجب على المسلمين أن لايقاوموا الغزو الروسي لأفغانستان، بل كان يجب على الأفغان أن يرحبوا بالروس ويقدموا لهم ألذ وجبات التميس حتى لاتكون صفقة سياسية مع أمريكا، ويجب على المسلمين أن لايقاوموا اجتياح صدام للكويت وشمال المملكة حتى لاتكون صفقة سياسية مع القوات الأمريكية، وكان يجب على المسلمين أن لايقاوموا الغزو الأمريكي للعراق حتى لاتكون صفقة سياسية مع حزب البعث، الخ هذه التفريغات للمحتوى الموضوعي للعقائد والأحكام بذريعة أن طرفاً سياسياً ما يستفيد منها فهي صفقة سياسية!

بل إذا أصبحت تفكر بهذا المنطق الساذج فأخشى أن تتهم النبي وأصحابه حين تمنوا هزيمة الفرس بأنهم في صفقة سياسية مع الروم، أو أنهم يخدمون مصالح الامبراطورية الرومية، وأن تتهم النبي بأنه حين شرع تمويل السّلم أنه في صفقة سياسية مع كبار المقرضين، وأنه حين حرم هروب الرقيق أنه في صفقة سياسية مع طبقة السادة، وأن الصحابة –رضوان الرحمن عليهم- إنما قاتلوا المرتدين مع أبي بكر الصديق ليس لأجل قادح عقدي يتصل بإنكار أحد القطعيات الشرعية، بل لهدف اقتصادي لأجل الميزانية وخزينة الدولة.

وهكذا تحاول إسقاط كل مفهوم شرعي عبر البحث عن مستفيد منه، ثم إطلاق الشائعات أن فقهاء ودعاة أهل السنة والجماعة في صفقة سياسية مع هذا المستفيد من هذا الحكم الشرعي، وهذه الطريقة –صدقني- سرعان ماتنكشف بمجرد أن يواجهك الباحث الواثق بالمعطيات الموضوعية للحكم الشرعي، ويتيقظ لهذا الفخ التقليدي الذي تضعه له، والذي هو بكل اختصار “الطعن في الأحكام الشرعية بتهمة الصفقة السياسية مع المستفيدين منها”.

مضى على هذه المناقشة زمناً، ثم وقعت حادثة “الاختلاط الكاوستي” في الشهر الماضي فأرسل لي صاحبنا وقال: (هاه يابوعمر .. لاتزال على رأيك .. انظر حولك حفلة الفتاوى التي تساقطت تدعم مشروع الاختلاط) قلت له: والله لم أر أعظم مكابرة منك، هذه الحادثة تثبت فعلاً استقلال جمهور الاسلاميين من فقهاء ودعاة أهل السنة الذين شهدت لهم الأمة بالعلم والديانة، أفلا ترى الفريق الوزاري المعني بالأمر ضغط بقوة في هذا الاتجاه، إلى درجة تنظيم مؤامرة “صبيحة المقالات الشثرية” ، ثم إقالة أحد أعضاء هيئة كبار العلماء بهدف إرهاب المنكرين، ثم التدمير المنظم للمواقع الالكترونية الاحتسابية الشهيرة .. ومع كل هذا الثقل الحساس للموضوع وتبعاته الخطيرة، وصفاقة الفريق الليبرالي/السياسي الذي يقود المشروع، مع ذلك كله فقد صرح بالانكار والتغليظ الشيخ الإمام عبدالرحمن البراك وصالح الفوزان والعباد والسعد والطريفي وغيرهم، وكتبت مجموعة من علماء وقضاة مكة المكرمة بياناً مطولاً أدانت فيه الاختلاط، وكتب كثير من المفكرين والكتاب الاسلاميين مقالات تنتقد الوضع، ثم عادت قناة المجد واستضافت الداعية المعروف ناصر العمر وتحدث مجدداً عن الموضوع، فضلاً عن مئات المقالات التي كتبها الشباب المسلم في المنتديات والمجموعات البريدية ..الخ

بل أنت تعلم أن مراسلي الصحف الكبرى يطوفون يومياً على المشايخ في الرياض والحجاز والشرقية وغيرها علهم يظفرون بأي دعم فقهي، ومع ذلك لم يظفروا إلا بأسماء معينة إما هذه هي طبيعتها منذ الأصل، وإما أنها من الشخصيات المعزولة عن الواقع فاستغفلت ولم تعرف بالضبط أبعاد تلك الاستدراجات الصحفية.
والمراد أنه مع كل هذه المقاومة والإنكار العلني، وتمسك البقية بالتحريم ممن آثروا الصمت؛ تصر على أن فقهاء ودعاة أهل السنة إنما تقوم مبادؤهم على الصفقات السياسية!

وهذه -بالمناسبة- من أقبح أساليبهم في المغالطة، حيث يأتون بنماذج لشخصيات تنسب نفسها للعلم الشرعي، برغم أن الناس تعلم تبعيتها السياسية التامة، وليسوا من علماء أهل السنة المتبوعين الذين شهد لهم الخاص والعام بالعلم والديانة، فيأتي هؤلاء المفسدون ويأخذون مواقف هذه الشخصيات ويستدلون بها على أن علماء ودعاة أهل السنة والجماعة كذلك، ويقولون انظر إلى مواقف فلان وفلان، والجميع يعلم أن هذه الأسماء المذكورة إنما يتعاملون مع العلم الشرعي باعتباره “كادر وظيفي” وليس باعتباره “رسالة دينية” .

وهذا الأسلوب يتكرر كثيراً، وأحياناً يستخدمون فيه المكاثرة والتهويل فيحشرون أسماء لشخصيات رسمية من نمط “الشيخ الوظيفي” الذي سبقت الاشارة اليه، ويقولون انظروا إلى تغير فتاوى هؤلاء لما غيَّر النظام السياسي موقفه! وسلوكهم هذا في المكابرة المكشوفة يذكرني بنفس سلوك شيخ الشيعة الحلِّي الذي تساجل مع الامام ابن تيمية، حيث زعم الحلِّي أن في أهل السنة من هو مؤمن بالتشيع لكنه يخفيه لكي لايذهب عليه نفوذه السياسي! حيث يقول الحلي في منهاج الكرامة:
(وكثيرا ما رأينا من يتدين في الباطن بمذهب الإمامية، ويمنعه عن إظهاره حب الدنيا وطلب الرياسة، وقد رأيت بعض أئمة الحنابلة يقول إني على مذهب الإمامية، فقلت: لم تدرِّس على مذهب الحنابلة، فقال ليس في مذهبكم البغلات والمشاهرات. وكان أكبر مدرسي الشافعيه في زماننا حيث توفي أوصى أن يتولى أمره في غسله وتجهيزه بعض المؤمنين، وأن يدفن في مشهد مولانا الكاظم، وأشهد عليه أنه كان على مذهب الإمامية).
فرد عليه ابن تيمية بأنه هذه أخبار مرسلة غير مبرهنة، وبأنه على فرض ثبوتها فلايمتنع أن ينتسب إلى أهل السنة مبتدع، كما انتسب إلى الصحابة منافقون، والجملة الأهم في جواب الامام ابن تيمية هي قوله:
(ومن استدل بزندقة بعض الناس في الباطن على أن علماء المسلمين كلهم زناقدة؛ كان من أجهل الناس) [منهاج السنة النبوية]
وهكذا فإن من استدل بموقف بعض الموظفين المنتسبين للعلم الشرعي على أن جمهور علماء أهل السنة ودعاتهم كذلك فهو من أجهل الناس.

المهم .. لا أطيل عليكم بقصتي مع هذا المغالط، لكن كل الذي أريده منك يا أخي الكريم أنك حين تواجه شخصاً من هؤلاء المفسدين يحاول “شحن المتلقين ضد المتدينين” عبر مضغ هذه الفكرة التقليدية وهي أن فقهاء ودعاة أهل السنة لاينطلقون من عقائد وأحكام شرعية فعلية، بقدر ماهي صفقة سياسية مع الحكومة، فأرجوك أرجوك أن تتحاشى التوتر والانفعال، اطرح عليه بكل هدوء سؤالاً واحداً فقط: “أعطني مثالاً واحداً فقط لمسألة شرعية غيَّر الاسلاميون فيها الحكم الشرعي لأجل أن طرفاً سياسياً ما طلب منهم ذلك؟” .
وصدقني بمجرد أن تطرح هذا السؤال في مواجهته فستجد كيف يتحول هديره واستطالته إلى تقلصات في قسمات وجهه تبدأ بالارتباك وتنتهي بالحيرة، وسينكشف للمتلقين بكل بساطة مكر هذه الدعوى.

ولكن لم يستخدم قراصنة الأديان هذه الدعوى كثيراً؟
الحقيقة -بكل اختصار- أن اللجوء الى اتهام فقهاء ودعاة أهل السنة والجماعة بالأغراض السياسية (عبر البحث عن المستفيد السياسي من الحكم الشرعي) إنما هي مجرد آلية مريحة للتخلص من عبء الإجابة الموضوعية على اعتبارات الأحكام الشرعية، فهؤلاء المفسدون تشيع فيهم الأنيميا العلمية الفظيعة، سيما في علوم الوحي، فلايمكنهم جمع أسانيد الأحاديث محل البحث ومعرفة صحتها وسقمها، ولاتحرير نسبة المذاهب لأربابها، ولاتحقيق مواطن الاجماع والخلاف، ولامعرفة القواعد اللغوية المؤثرة على لفظ القرآن والسنة ودلالتهما، ولاالقدرة على تتبع تصرفات الشارع في الموضوع محل البحث، ونحو ذلك من القدرات والإمكانيات العلمية اللازمة للتفنيد الموضوعي، وبالمقابل: تملي عليهم أهواؤهم وشهواتهم الرغبة الملحة في التخلص من ضغوط الخطاب الدعوي الذي ينشر هذه المفاهيم الشرعية التي تقلق وتزعج نزواتهم، وتحرجهم بتكريس البشاعة الاجتماعية للمنكرات التي يهوونها، فلذلك يلجؤون إلى إسقاط الخطاب الشرعي ذاته عبر اتهام أهل السنة بأن قضاياهم الشرعية هذه إنما هي “صفقة سياسية” فيسقطون المحمول باسقاط الحامل له، لكي يتخلصوا من كلفة الانقياد لله رب العالمين.

ولكن هل آلية “التغريض السياسي” (أعني اتهام المصلحين بالأغراض السياسية) وسيلة جديدة ومعاصرة؟ لا، أبداً، بل كان خصوم الأنبياء يستخدمونها منذ آماد سحيقة، ولذلك لما عجزت حاشية فرعون عن مواجهة موسى “موضوعياً” لجأت إلى اتهامه بالأغراض السياسية، كما حكى الله مقالتهم فقال:
(قالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ)

فانظر -بالله عليك- كيف أنهم لما أفلسوا في التفنيد الموضوعي لحجج موسى على قضاياه الشرعية، لجؤوا إلى اتهامه بأنه باحث هو وشقيقه عن النفوذ السياسي، ويهدفون من ذلك إلى تشويهه لشحن الناس ضده وعزلهم عنه، وقد كان للفقيه اللامع ابن سعدي –رحمه الله- تعليقاً أخاذاً على هذه الحجة السياسية لحاشية فرعون، حيث يقول رحمه الله :
(هذا لا يحتج به من عرف الحقائق، فإن الحجج لا تدفع إلا بالحجج، وأما من جاء بالحق فردُّ قوله بأمثال هذه الأمور إنما يدل على عجز موردها عن الإتيان بما يرد القول الذي جاء به خصمه، لأنه لو كان له حجة لأوردها، ولم يلجأ إلى قوله: قصدك كذا، أو مرادك كذا)[تيسير الكريم الرحمن].

والمراد أن مايردده هؤلاء المتبرمون من انتشار التدين في الناس بأن القضايا الشرعية هي صفقات سياسية إنما هو مجرد تحاشٍ واعٍ للالتزامات العلمية في مواجهة أصول وقواعد ومنطلقات أهل السنة والجماعة، والتسييس عموماً (أي الاتهام بالأغراض السياسية) لايؤثر على الحقائق الموضوعية ذاتها، فهب فعلاً أن فلاناً أو فلاناً من الناس ممن يقحمون أنفسهم في سلك العلوم الشرعية لهم علاقات مشبوهة مع بعض النافذين في النظم السياسية، فما دخل هذا كله في القضايا الشرعية ذاتها والتي تشكلت وقررت في كتب أهل العلم قبل أن يلبس أحبار السوء هؤلاء مشالحهم؟!

على أية حال.. الباحث الموضوعي المنصف يرى الأمر أيسر من ذلك بكثير، وهو أن الفقيه والداعية المسلم الذي شهدت الأمه بصلاحه وتقواه، قد يعرض له أحياناً قصور بشري فيسترسل في الالتفات إلى ثناء المخلوقين، أو يتزين لهم بكلمة أوكلمتين ونحوها، ولكنه يجاهد نفسه ويعود للاقبال على إرادة وجه الله والدار الآخرة، هذا حق وواقع لاينكره أحد، بل أهل السنة دائموا التذكير بتفتيش النيات والتفطن لعزوبها وانصرافها عن غير مولاها، أما القول بأن القضايا الشرعية العقدية والفقهية والأخلاقية المذكورة في القرآن والسنة، والتي تتابع أهل العلم على شرحها وبيانها، أنها صفقات سياسية فهذا كله مجرد نفق منحط يتسلل أصحابه من خلاله ليتجنبوا رذض الحوار تحت ضوء البراهين.

ولايشفي نفس المؤمن ويروي غليلها حين التأمل في هذه الصراعات الفكرية مثل أن يستحضر الانسان أن مبنى هذه المرحلة من حياة الناس كلها على “اختبار الانقياد” لله ورسوله، فلادين إلا بامتحان وتمحيص ولذلك قال تعالى في سياق التعجب من فهم الناس في مطلع سورة العنكبوت (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ).

ولذلك فمن أعظم غايات الخالق من التشريعات القرآنية والنبوية فحص مابداخل هذه النفوس من الانقياد لله ورسوله، ولذلك أخبر سبحانه وتعالى أن اختلاف شرائع الأنبياء كلها إنما كانت بغرض “اختبار الانقياد” كما قال تعالى في سورة المائدة (لكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ).

ومن تتبع تعقيبات القرآن على التشريعات أخذته الدهشة من كثرة إشارة الله سبحانه وتعالى بعد الأحكام التي يشرعها إلى أن مراده اختبار وتمحيص انقياد الناس له جل وعلا، ومن ذلك –مثلاً- أن الله لما ذكر تشريع الجهاد قال (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) ، ولما ذكر الله تشريع تحريم الصيد على الحاج قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) . وهذا الابتلاء للصحابة بوفرة الصيد في الزمن المحرم فيه الصيد، يشبه ابتلاء من قبلنا بوفره الصيد في الزمن الذي حرم الله عليهم الصيد فيه كما قال تعالى (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ).  ولما ذكر الله بعض أحكام الأيمان في سورة النحل قال (إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ).

والمراد أن الله سبحانه وتعالى قاصد إلى فحص مافي داخل هذه النفوس من الاستسلام لله ورسوله كما قال تعالى (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ). فبعض الناس يوفقه الله فيصبر وينجح، وبعض الناس يرسب في أدنى تجارب الاختبار فيضيع مستقبله الحقيقي كما قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ).

عذراً عزيزي القارئ لقد استطردت كثيراً كثيراً، والحقيقة أنني كنت أتمنى عرض تقنيات أخرى يستعملها هؤلاء المفسدون في تذويب التدين في النفوس لكنني أطلت كثيراً هاهنا، فأتمنى أن تتاح حلقة قادمة –بإذن الله- لعرض تقنياتهم الأخرى مثل “تنقيض الفروض الكفائية”  و “تحويل الاستثناء إلى أصل”  و “التنميط الغريزي للمتدين”  و “حاكمية الخلاف” و “اختزال الشريعة في قطعي الثبوت والدلالة” .. وغيرها من التقنيات والآليات الماكرة التي يستعملونها في تبديد دوافع التدين في نفوس الشباب المسلم.

فإلى حلقة قادمة بإذن الله، واسأل الله أن يحفظ علينا وعلى شباب المسلمين إيمانهم وتدينهم وتعظيمهم لكتاب الله وسنة رسوله، وحبهم لأهل العلم الربانيين، والله أعلم.
أبو عمر
ذو الحجة 1430هـ
3 ديسمبر 2009