القرآن لا يغيِّب البسمة!

10 تعليقات

-مدخل:

الحمدلله وبعد،،

على طاولتي الآن ورقتان كل واحدة منهما تركل الأخرى من شدة المفارقة، أولهما قصاصة من صحيفة الوطن يعلن فيها الأمير خالد الفيصل تذمره الشديد ممن يفترون عليه ويقولون أنه أصدر (قرار تشريد حفظة القرآن)، جاء في خبر الصحيفة:

(اكتفى أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل بالقول: حسبي الله ونعم الوكيل.. حسبي الله ونعم الوكيل، فأنا مشغول بخدمة هذه الأرض المقدسة وأهلها والوافدين إليها من ضيوف الرحمن، وليس لدي الوقت لمتابعة مثل هذه الكتابات في هذه المواقع، ولكن أسأل الله العلي القدير الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور أن يغفر لي وهؤلاء الذين أساؤوا لي) [صحيفة الوطن، 3/11/2010].

المزيد

Advertisements

الصحوة والمناطقية

أضف تعليق

   الحمدلله وبعد،

 هذا موضوع حساس، ولايمكن معالجته إلا بوضوح وشفافية، فأرجو أن ندخل إلى هذا الموضوع على هذا الأساس، ولذلك دعوني آخذ راحتي في عرض حيثيات هذا الموضوع.  قبل عدة سنوات كنت أتحدث مع أحد الإخوة من طلاب علم الحديث، وكان يحدثني عن كتاب لأحد لأشياخه لم يوافق حفاوة بين طلاب العلم، فكنت أسأله عن السبب؟ فقال لي إن شيخه يعتقد بأن ذلك بسبب أنه ليس من منطقة نجد، ولو كان من نجد لاحتفوا به، وهذا بسبب أن الصحوة الإسلامية مريضة بالمناطقية، اسنغربت كلياً هذا التفسير، وظلّت القصة عالقة في ذهني. وبعد فترة معينة تكلم أحد الصوفية بمنطقة الحجاز بكلام تجاوز فيه الحدود الشرعية المقبولة، فكنت أتمنى أن يوضح أحد المتخصصين في العقيدة هذا الخطأ، لكن لاحظت أحد الأشخاص في المجلس يقول: لا، يجب أن يوضح الخطأ أحد طلبة العلم من نفس منطقة الحجاز، قلت له: لم؟، فقال لي: طلاب العلم في الحجاز متعصبون للحجاز، ولايقبلون نقداً لهم من الخارج، فاستغربت تماماً هذه التفسير، واستمرت القصة عالقة بذهني أيضاً.

وقبل عدة أيام قال لي أحد الشباب: ألا تعتقد أن موقف الإسلاميين من الدكتور أحمد الغامدي (الذي أجاز الاختلاط والإرداف الخ) ليس بسبب خطئه الشرعي ولكن بسبب أنه من منطقة الجنوب؟ وأيضاً استغربت هذه النظرة، وتراكمت هذه القصة مع مثيلاتها في ذهني.

وذكر لي أحد الإخوان أنه يعرف أحد المشتغلين بالحديث هذا ديدنه في مجالسه، لايمل من إثارة القضية المناطقية والإقليمية وتفسير الأحداث بها، والتذمر والنياحة أن طلاب العلم لم يعطوه وزنه اللائق بعلمه وعبقريته الحديثية بسبب أنه ليس من المنطقة الفلانية.

ماقصة هذه القراءة التي تتهم الصحوة الإسلامية بأنها تتعامل مع الأشخاص والكتب والمشروعات والفتاوى باعتبار أنها تنطلق من معايير مناطقية؟ لماذا تفسر الأحداث بمثل هذه الخلفيات؟ مامدى صحة أن الإسلاميين متعصبين للسعودية؟ أو أن الإسلاميين في نجد متعصبين لنجد؟ أو أن الإسلاميين في الحجاز متعصبين للحجاز؟ أو أن الإسلاميين في بقية مناطق المملكة متعصبين لمناطقهم؟ .

أعتقد أنه يجب تفكيك هذه التهمة، ولنحاول أن نقرأها بموضوعية على ضوء واقع الصحوة الإسلامية ذاتها: كل من قرأ تاريخ الصحوة الاسلامية منذ أن تنامت وحتى اليوم فإنه سيكتشف بكل وضوح أن الصحوة الإسلامية هي التي ساهمت في محاربة المناطقية والإقليمية، ولم تكن مرتبطة بتاتاً بأي بعد إقليمي أو عرقي أو قبلي .. بل كان الرهان فيها دوماً على “العلم والديانة”.. ولم يكونوا متعصبين لا لجنسية سعودية، ولا لمنطقة نجد، ولا للحجاز، ولا للجنوب، ولا للأحساء، ولالغيرها.  

لنأخذ بعض الأمثلة التي نبرهن بها هذ الدحض لهذا التجني على معايير الصحوة:   الرمز رقم واحد في علم التفسير في الصحوة الإسلامية هو الشيخ “محمد الأمين الشنقيطي” صاحب أضواء البيان، وهو موريتاني الأصل، وقد كان مشايخنا يتنافسون في الأخذ عنه، فلازمه بكر ابوزيد عشر سنين، بل إن الشيخ حمود العقلا الشعيبي كان في وقت طلبه للعلم علماء كبار مثل الشيخ محمد بن ابراهيم وابن باز والشيخ عبدالعزيز ابن رشيد والخليفي ونحوهم، ومع ذلك وبرغم أنه أخذ عنهم إلا أنه أقبل كلياً على الشيخ الشنقيطي وكان يدرس عليه في الكلية، ثم يذهب إلى بيته يومياً ويدرس عليه الأصول (الروضة) والمنطق (سلم الأخضري) وغيرها، ولذلك سئل الشيخ حمود (لماذا هذه العناية بالدراسة على الشيخ الشنقيطي بالذات؟) فكان جوابه (الشيخ محمد هو شيخي وإمامي في كل شيئ ، وكان من خيرة العلماء علما وورعا وزهدا) رحمهما الله كلاهما، بل إنه في كثير من البحوث العقدية التي ثارت مؤخراً حول الحاكمية والإرجاء وغيرها، كان كل من الطرفين يفرح إذا ظفر بنص للشيخ الشنقيطي، فإذا كان هؤلاء أبناء البلد يحتجون على بعضهم بنصوص لعالم موريتاني فكيف يقال أن الصحوة الإسلامية إقليمية أو مناطقية؟!   خذ نماذج أخرى على سبيل الاختصار: هذا الشيخ عبدالرزاق عفيفي (مصري) وقد كان ركن اللجنة الدائمة، وهي أهم مؤسسة فتوية في السعودية، وكان الشيخ ابن باز يرتاح كثيراً لتحريراته، وافحص فتاوى اللجنة الدائمة لتجد هذا الحضور الكثيف للشيخ عبدالرزاق، واسأل طلاب العلم الذين أدركوه وكيف دهشتهم من ذكائه رحمه الله.   وتأمل الدراسات الجامعية في السعودية في الحقبة السابقة ستجد أن أكثر شخصية معاصرة احتج الباحثون بأحكامه الحديثية هو الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (وهو ألباني سوري)، بل إن بعض الباحثين الذين كتبوا في دراسة الظاهرة السلفية المعاصرة جعلوا الألباني أحد أهم ثلاثة مرجعيات شرعية للسلفية، فكيف توصم الصحوة بالقطرية وثالث ثلاثة فيها ليس سعودياً أصلاً؟.

دعنا الآن من ذكر شخصيات ذات وزن مركزي وثقل عميق داخل وجدان الصحوة الإسلامية وهي خارج المناطق المزعوم تمييزها، ولننتقل إلى احتجاج أكثرة قوة من ذلك، وهو موقف الإسلاميين في حال المقارنة والموازنة والمواجهة بين طرفين من الشخصيات محل الدعوى:   لقد كتب بعض أهل العلم في السعودية فتاوى ورسائل ضد كتب سيد قطب بسبب بعض الهنات فيها، ومع ذلك وقف جمهور الصحوة الإسلامية مع سيدقطب، لا مع شيوخهم، وسيد قطب مصري، واستمروا يتواصون بكتبه، فبالله عليكم أين القطرية المزعومة؟   تهجم محمد بن عبداللطيف آل الشيخ (وأسرة آل الشيخ معروف وزنها الديني والسياسي ومن منطقة نجد) على الشيخ محمد المنجد (وهو سوري الجنسية) ومع ذلك وقفت الصحوة الإسلامية عن بكرة أبيها مع الشيخ المنجد ضد محمد آل الشيخ، ليس ذلك فقط بل ليتك ترى الشباب السعودي من الحجاز ونجد والأحساء يثني ركبه في دروس الشيخ محمد المنجد، ويلتف حوله بعد صلاة الجمعة يستفتيه في دقائق أموره، لماذا؟ لأن معيار الصحوة الإسلامية هو (العلم والديانة) وليس النسب والإقليم كما يزعم الشانئون.   خذ مقارنة تاريخية أخرى: كان جناحا الصحوة الإسلامية في حقبة التسعينات هما (العودة والحوالي)، والعودة من نجد (وبشكل أخص من القصيم)، والحوالي غامدي من منطقة الجنوب، وحين خرجا من مرحلة الاعتقال بدأ العودة في تدشين خطاب ديني جديد، ومع ذلك كله فقد رأينا كيف انسحب السلفيون عن العودة، حتى أن الدكتور العودة وضعهم في خانة الأعداء وكتب كتابه الأخير (شكراً أيها الأعداء)، وانجفلوا يتفانون في توقير الشيخ الحوالي، وهذا ليس خارج نجد، بل السلفيون في منطقة القصيم يجعلون الشيخ سفر رمز الصمود العقدي  والدكتور سلمان رمز التراجع، فكيف بالله عليكم توصم الصحوة المسكينة بأنها إقليمية؟ أي جور أكثر من هذا الجور؟! (والحق أن الشيخ سفر الحوالي باقعة في الاطلاع على المذاهب العقدية والفكرية، مع دقته المنهجية).

وحتى لو تأملت –أيضاً- في الكتب فمن أوسع كتب العقيدة وأجمعها ومن أكثرها حفاوة بين المتخصصين العقديين كتاب “معارج القبول” للشيخ العلامة حافظ الحكمي (وهو من منطقة جيزان) وهو مفخرة جازان بكل صراحة، فانظر كيف يتلقى شباب نجد والحجاز “العقيدة” من علم من أعلام جازان، ويستشهدون بنقوله. وكذلك أهم مصدر اتكأ عليه الإسلاميون منهجياً في معركة الحداثة  محاضرات الشيخ سعيد بن ناصر الغامدي ثم كتاب الشيخ عوض القرني (وكلاهما من منطقة الجنوب)، بل لم يتشكل تصور الإسلاميين عن الحداثة إلا من طريقهما.     على أية حال .. لو ذهبت أستقصي الرموز الشرعية والدعوية والفكرية والتربوية من مناطق المملكة، ومن خارج المملكة، وكيف يتنافس شباب الصحوة الإسلامية في توقيرهم على أساس مراتبهم في العلم والديانة لما انتهيت، وآخر مايعني شباب الصحوة الإسلامية هو النسب والمنطقة والإقليم، ولكني فقط أردت التمثيل، وأجزم لو أن القارئ الآن أخذ يتذكر أسماء المتصدرين للفتيا وتدريس العلوم الشرعية والدعوة والتربية لرأى التنوع الذي يكشف أن الإسلاميين ولله الحمد هم أنضج شرائح المجتمع في التعالي على هذه المعايير الجاهلية. بل إننا نتعبد الله جل وعلا بأن البنجلاديشي الذي يوحد الله أنه أحق بموالاتنا وتوقيرنا من سعودي يستغيث بالحسين.

أعتذر على هذه الصراحة في ذكر الخلفيات المناطقية لكن ضرورة معالجة هذه التهمة التي يتهامس بها البعض أحياناً، ويصرح بها البعض في أحيان أخرى، ويعول عليها بعض الفاشلين علمياً أو منهجياً؛ اقتضى مني أن أكون صريحاً في هذا العرض.   حسناً .. أعرف أن البعض يقول: أنا أتذكر قصة وقعت هنا أو هناك قال فيها شيخ ما عبارة يفهم منها المناطقية والإقليمية ونحو ذلك؟ فالجواب أن إطلاق الحكم على الصحوة الإسلامية بأنها قطرية أو إقليمية أو غير ذلك يحتاج النظر إلى الظاهرة العامة وليس إلى حالات فردية، فإننا نحن نعلم أن بعض المنتسبين إلى العلم يقع في شهوة رياء أو شهوة مال أو شهوة تتبع للرخص فهل يصح أن نطلق على الظاهرة الشرعية والدعوية بأنها مرائية أو متساهلة في الفتيا بسبب هذه الحالات الفردية؟   بل خذ مثالاً أكثر دلالة من ذلك: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أكمل تجربة بشرية عرفها التاريخ، وقع من بعضهم هنات في التنادي بدعوى الجاهلية، فهل يصح القول بأن الصحابة إقليميون أو عرقيون أو إثنيون بمثل ذلك؟ أم أن العبرة بالظاهرة العامة؟!.

 وأعرف -أيضاً- أن البعض يحتج بمناصب معينة أعطيت بناءً على توزانات مناطقية، ولكن هذه ليست مسؤولية الصحوة الإسلامية، بل هذه يسأل عنها السياسي الذي يراعي هذه التوازنات المناطقية ويحسب لها حسابات خاصة.   والمراد أن المعايير التي يتعامل بها الإسلاميون (كظاهرة) في تقييم الأشخاص والكتب أنها مبنية على التفاوت في العلم والديانة، وليس بناء على القطر والإقليم والنسب كما يزعم المتجنون على هذه الصحوة الإسلامية.  

 

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

11 أبريل 2010

ماهي منجزات الصحوة؟

2 تعليقان

الحمدلله وبعد.

كثيرون تعرضوا لمظالم.. كثيرون تعرضوا لنكران الجميل.. ومع ذلك كله فلم يتعرض أحد في هذا العصر للجور مثل ماتعرضت له “الصحوة الإسلامية” التي قامت على أكتاف علماء ودعاة ومفكري أهل السنة.. يتحمل المرء طعنات العلمانيين والليبراليين وأرباب الشهوات والشيعة.. لكن ما أصعب الأمر حين يكون الغدر من أبناء هذه الصحوة نفسها.. الواحد منهم إذا صادف معرض كتاب، أو زار ستاندرات مكتبة الكتاب، أو قرأ مجموعة روايات؛ جاء منتفخاً مزهواً يتوهم نفسه مفكراً اكتشف مالم يكتشفه الآخرون! مع أن كثيراً من هؤلاء المتنكرين كان جاهزاً للانقلاب قبل أن يقرأ أصلاً، لكن كان يبحث عن بطاقة دخول إلى نادي المنسلخين لا أكثر، ويريد أن يوهم نفسه ومن حوله بأنه تحول بسبب “قراءااات” واسعة، وأكثرها خلاصات انترنتية صادفها هنا أوهناك..

 

في الشهر الماضي فقط تلقيت على بريدي الإلكتروني الشخصي عدة رسائل تسأل: ماهي منجزات الصحوة؟ بعضهم يسأل مستفسراً، وبعضهم يسأل مساجلاً، وبعضهم يقول لي: دار نقاش في عدة مجالس حول هذا الأطروحة “الصحوة لم تقدم أية منجزات”..

 

ولقد علمتني التجارب الكثيرة مع أصناف المنحرفين أن (شحن الناس ضد الصحوة) هو أول خطوات الانزلاق.. وكلما رأيت شخصاً وقع في مصيدة “التجني على الصحوة” قلت لأصحابي هذا إن لم يلطف الله به فسترونه يوماً يردد مايردده الليبراليون والعلمانيون.. فالصحوة حلقة الباب من حركها اتهمناه على مافوقها..

 

أولئك المتسائلين والجاحدين الذين يقولون “ماهي منجزات الصحوة؟” أحب أن أوضح لهم أن الإشكال ليس في قراءة “المخرجات” .. وإنما الإشكال يسبق ذلك، إنه إشكال في “المعايير” .. قبل أن تسأل الآخرين: ماهي منجزات الصحوة؟ فاسأل نفسك: ماهو معيار المنجزات؟

كل من اضطرب وارتبك في قراءة منجزات الصحوة فليس بسبب خفاء المرئي وإنما بسبب تبدل جوهري في عيون الرائي نفسه ..

لوأعطيت الشيعي صحيح البخاري فسيقول لك الكتاب قصر في فضل آل البيت .. ولو أعطيت الناصبي نفس الكتاب لقال لك الكتاب غلا في آل البيت .. كيف اختلف التقييمان والكتاب واحد؟ ليس لاختلاف الأحاديث وإنما لاختلاف معايير القارئ..

قبل أن نسلط الضوء على منجزات الصحوة .. لنحاول تسليط الضوء أولاً على معايير هؤلاء الجاحدين لفضائل الصحوة..

 

يأتينا بعض هؤلاء وقد تشرب المعايير العلمانية أو الليبرالية أو التنويرية أو الديمقراطية أوبشكل عام (المعايير المستغربة) ثم يقول لنا: ماهي منجزات الصحوة؟ عقول تشبعت بالقيم الغربية في التعامل مع هذه الحياة وتأتي تسأل ماهي منجزات الصحوة الإسلامية؟

 

يا عزيزي قبل أن تسأل عن منجزات الصحوة، صحح معاييرك أولاً، ولذلك تجد هؤلاء يتحاشون أن يطبقوا معاييرهم على القرون المفضلة، لأنهم يعلمون أنها ستؤول إلى إدانتهمأن

!

 

بعضهم يجعل أولوية الإسلام ومركزه وقضيته الأساسية هي (العمران المادي) .. وبعضهم يجعل أولوية الإسلام هي (إطلاق الحريات الشخصية)، وبعضهم يجعل أولوية الإسلام (مقاومة الاستبداد السياسي) .. ثم يأتي ويقرأ الصحوة بهذه العين العوراء التي لاتبصر إلا قضية واحدة..

 

لا يا عزيزي .. الصحوة تختلف كثيراً عنك في معاييرها، الصحوة الإسلامية لم تنطلق بمعايير تغريبية، الصحوة الإسلامية لم ترسم مسارها بمعايير علمانية، ولا بمعايير ليبرالية، ولا بمعايير تنويرية، ولا بمعايير الديمقراطيين، ولا بمعايير أدعياء الوسطية، ولا بمعايير أدعياء الإصلاح السياسي، ولا بمعايير الوطنية الجاهلية،  .. ولكنها بمعايير (أهل السنة) .. أتعرف ما هو معيار أهل السنة؟ إنه (الإسلام الشامل) إنه أخذ الكتاب كله.. إنه الاستسلام والانقياد لكل مسائل الدين .. إنه الاعتزاز والفخر بكل حرف من حروف الشريعة.. إنه حمل رسالة الإسلام بكل تفاصيلها .. وليس بالأجزاء التي تهواها النفوس فقط.. كما قال تعالى في وصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) [آل عمران:119]..

 

أما هذه المدارس الفكرية المخالفة لأهل السنة في منهج الإصلاح فمصدر الخلل في معاييرهم تبعيض الكتاب الذي قال الله عنه (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) [البقرة:85].. وعبر عنه القرآن أيضاً بتعضين القرآن الذي قال الله عنه (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) [الحجر: 91] أي أجزاءً مفرقة.. وعبر عنه القرآن أيضاً بقرطسة النص الذي قال الله عنه (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) [الأنعام:91].

 

إن كنت ياعزيزي لازلت متشرباً أهواءك في حصر الإسلام في (العمران المادي) .. أوحصر الإسلام في (الحرية السياسية) .. أوحصر الإسلام في (ماوافق الغرب من المفاهيم) .. فلا داعي أن تتعب نفسك وتتعبنا معك في البحث عن منجزات الصحوة ..لأن مشكلتك ليست مع “الصحوة” .. بل مشكلتك مع “القرآن” .. صحح علاقتك بكتاب الله أولاً، ثم تعال نتناقش في منجزات الصحوة..

 

الصحوة الإسلامية ياعزيزي حين استوعبت أن معيارها هو معيار أهل السنة وهو الأخذ بالكتاب كله .. أثمرت منجزات شرعية في زمن قياسي قصير .. نجاحات متوالية مذهلة في مدة استثنائية ..

 

أعظم وأهم وأشرف منجزات الصحوة الإسلامية (ترسيخ التوحيد) الذي جعله الأنبياء والرسل رأس مشروعاتهم .. تأمل في البلدان العربية والإسلامية التي لم تنتعش فيها الصحوة السنية وابكِ -إن كانت دموعك يستثيرها التوحيد- على عدد الأضرحة والمزارات والقباب والمشاهد والمراقد المقدسة .. اسأل أي حركة قبورية في العالم عن أخطر توجه يهددهم وسيقولون لك “الصحوة السلفية” .. أي شرف أن يكون من يواصل مشروعات الأنبياء والرسل هم هذه الصحوة الإسلامية؟!

 

هل تعلم أنه في مولد أبي الحسن الشاذلي في محافظة البحر الأحمر في مصر ينحر ذبائح تصل إلى (120) ألف رأس من الخراف والماعز والإبل (صحيفة المصري اليوم، 28/12/2006) ..

هل تعلم أن حصيلة النذور في مصر في الفترة (2005-2006) بلغت 52 مليوناً و67 ألف جنيه؟ (حوار لوزير الأوقاف المصري مع جريدة الأخبار)..

 

هل تعلم أنه في المنطقة الشرقية والجنوبية من السعودية لاتزال تقام شعائر الشرك والوثنية في الاستغاثة والذبائح للحسين ولعلي ولبقية آل البيت؟

 

هل تعلم أن واحداً من أضخم الرموز الدينية في الحجازكتب كتباً ورسائل وعقد الدروس والمجالس يدعوا فيها لألوان من قوادح التوحيد.. حتى أن الشيخ عبدالله بن منيع لم يستطع احتمال الأمر وكتب كتاباً حزيناً في مناقشته والتحذير منه ومما قاله الشيخ ابن منيع في الكتاب:

(تدعو حال مؤلفات محمد علوي مالكي إلى اعتباره في طليعة الدعاة إلى البدع والخرافات والشرك بالله في ألوهيته وربوبيته ; ذلك الرجل الذي آثر ممن غرر بهم وأضلهم وأعماهم: لحسهم يده، وركوعهم له، وتبركهم بآثاره وأعضائه وملابسه) [حوار مع المالكي، للشيخ ابن منيع، المقدمة]

 

ورد عليه أيضاً صقر السنة سفر الحوالي –شفاه الله- بعدة رسائل وسماه (مجدد ملة عمروبن لحي) في رسالة خاصة بهذا العنوان.

وأنا شخصياً رأيت محمد علوي مالكي مرةً واحدة، ورأيت فيها مثقفين يقبلون يده، بعضهم كان يسارياً ثم الآن ليبرالي، ومع ذلك ينحني ويقبل يده أمامنا.

 

وهل انتهى دعاة الشركيات اليوم؟ لا، ياعزيزي لم ينتهوا، فانظر الآن في النشاط الغريب للحبيب الجفري والفقيه صالح الأسمري والمحدث محمود سعيد ممدوح، وغيرهم ممن يروجون الشركيات، والحبيب الجفري رد عليه أشاعرة الشام بكتاب اسمه (إلى أين أيها الحبيب الجفري؟) للباحث خلدون مكي، وقدم للكتاب عالمان من أفاضل الأشاعرة، وهما مصطفى الخن ومحمد راجح, وتحاشى المؤلف كتب ابن تيمية وابن القيم, فضلاً عن كتب علماء الدعوة النجدية, والمشائخ السلفيين المعاصرين، ففي رده عليه بيان لأفكار الجفري الخطيرة في باب الألوهية، وإن كان المؤلف جرى على مذهب الأشاعرة في مسائل كالتسلسل وغيرها.

 

بل الأمر الآن أشد، فقد كان دعاة الشرك في الجزيرة يتعيشون على حصيلة النذور التي يتبرع بها لهم الجهال، أما الآن فاختلف الحال، فقد صارت وزارة الشؤون الإسلامية في الإمارات تدعمهم وتمكن لهم، ظناً من بعض النافذين أنهم يقاومون نمط الإسلام التكفيري بدعم نمط الإسلام الصوفي المتسامح، فصار هؤلاء يدخلون الشركيات على الناس استغلالاً لظروف سبتمبر!وأهل الإمارات أخيار وفيهم طيبة لكن غلاة الصوفية استطاعوا النفاذ إلى مواقع مؤثرة سياسياً.. وأظن البلاء بدأ مع الخزرجي. والله أعلم.

 

ولذلك فإن بعض الناس يتساءل كثيراً عن سبب فشل مشروع الصفار وأمثاله في التقارب بين السنة والشيعة، ويظن هو وغيره من التقاربيين أن المشكلة في “سب الصحابة”!، وإذا تحدثوا في الموضوع لم يذكروا إلا سب الصحابة، أبعد هذا غربة لحقائق القرآن؟!

 

قضية سب الصحابة هي القضية رقم 2 بيننا وبين الشيعة، وإنما القضية الأولى هي الشركيات التي يقوم عليها المذهب الشيعي، كالاستغاثة بالحسين وغيرها، والشركيات امتزج بها لحم المذهب الشيعي ودمه، حتى أن المفكر الشيعي (أحمد الكاتب) وهو مفكر مثقف ومتأثر بالفكر العقلاني المعاصر، ويفوق الصفار وأمثاله عشرات المرات في الاطلاع والعمق والجرأة على نقد المذهب الشيعي (الصفار رجل دبلوماسية محض وليس له في العلم بالمذهب ولا في الثقافة المعاصرة نقير ولاقطمير)، ومع ذلك كله يقول أحمدالكاتب في كتابه (الفكر السياسي الوهابي) مايلي:

(ولكن الشيخ محمد بن عبدالوهاب، تبعاً للشيخ ابن تيمية، كان يعتبر بعض الممارسات المختلف حولها بين المسلمين، مثل دعاء الأنبياء والصالحين والاستغاثة بهم، شركاً، وشركاً أكبر مخرجاً عن الملة والدين) [ص 16، ط2 ، 2004م ]

 

وتبعاً لذلك فقد اعتبر أن “لا إله إلا الله” لاتعني إفراد الله بالألوهية والعبادة، بل تعني فقط إفراد الله بالربوبية! ولذلك يقول “أحمد الكاتب” في سياق انتقاده للشيخ محمد بن عبدالوهاب:

(ولذلك فقد أطلق الشيخ محمد بن عبدالوهاب كلمة “التوحيد” على “توحيد الألوهية” وهو توحيد الله بأفعال العباد كالدعاء والنحر والرجاء والتوكل، وليس “توحيد الربوبية” الذي يعني الإيمان بالخالق الواحد) [الفكر السياسي الوهابي، ص 17، ط2 ، 2004 م ]

 

هذا أحمد الكاتب (عاقل المرة) بالتعبير العامي؟! فكيف بمن هو دونه؟! ومع ذلك فله كلام فيه تراجع مجمل عن هذا التقرير، ولايزال فيه إشكالات.

 

والمراد أن جماهير رموز الشيعة اليوم مرتبتان: إما غارق في تحسين الاستغاثة بأئمة آل البيت، وإما يقول لك: لا نحن لانرى الاستغاثة بغير الله، وهي شئ غير جيد.

 

هكذا فقط، أما أن تجد رمزاً دينياً للشيعة يقول لك: من استغاث بالحسين فهو مشرك، والاستغاثة بغير الله من نواقض الإسلام، فهذا من النادر، وماحال من يستنكر الاستغاثة بغير الله دون أن يقر بكونها شرك وناقض من نواقض الاسلام، إلا كمن يقول لك: (أنا لا أزني، ولا أحبذ الزنا، والزنا عموماً شئ غير جيد)! فمالفائدة إن لم يعتبرها كبيرة من كبائر الذنوب؟! بل من فعل الزنا مع إقراره بكونه كبيرة هو خير ممن ترك الزنا مع جحد تحريمه.

 

وأتذكر أنه في أعوام 1415هـ ومابعدها نشط كثير من دعاة الصحوة في إلقاء المحاضرات التبي تبين للشباب أن هناك كثيراً من السعوديين في مناطق المملكة واقعون في ألوان من الشركيات بسبب البعد عن مراكز المدن الكبرى، فكان “شباب الصحوة” المباركين يهبون فرقاً وآحاداً يذرعون أرجاء المملكة يلقون الكلمات عن قوادح التوحيد، يستنقذون الناس من حبوط أعمالهم ومن المصير الأخروي البائس الذي ينتظر المشركين (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الزمر:65]

 

والحديث عن كارثة الشركيات في هذا العصر، وكيف استغل دعاتها بعض المؤسسات الحكومية في الخليج والمغرب العربي، وكيف صارت بعض النظم السياسية الفاسدة تدعمهم في مواجهة مايسمونه الإسلام السياسي (وليس هناك إسلام سياسي بل الإسلام شامل)، وكيف صارت لهم فضائيات يروجون بها أفكارهم الخطيرة في باب الألوهية؛ ليس هذا موضعه، وإنما أردت فقط أن أضع المتسائلين عن منجزات الصحوة أمام سؤال واضح وبسيط:

بالله عليكم هل سبق لك أن رأيتم علمانياً أو ليبرالياً أوتنويرياً أو ديمقراطياً أو إصلاحياً سياسياً يؤلف الرسائل في مناقشة شبهات الوثنية؟ ويتحرق في دعوة الناس إلى إفراد الله بالعبادة؟

اسألوا أنفسكم وأجيبوا: من الذي قاد حملة إشعال الوعي المعاصر بأهمية التوحيد وخطر صور الشركيات؟ أليست الصحوة الإسلامية؟

 

أما إن كنتم ترون أن هذه القضية (التوحيد والشرك) قضية هامشية، وشغلات وعاظ، واهتمامات دراويش، وإشكاليات البسطاء من الناس، فإن هذا يعني بكل وضوح أن مشكلتكم ليست مع الصحوة، بل مشكلتكم مع الأنبياء والرسل، ومشروعات الرسل ليست قضية غامضة ولا موضوع يحتاج لتحليل، فقد كشف القرآن بشكل متكرر عن رأس أولويات الرسل، كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء:25]

وقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: 36]

 

بالله عليكم يامعاشر الطوائف الفكرية ألا تخجلون من الله حين تزهِّدون في الدعوة للتوحيد ومقاومة الشركيات، وأنتم ترون الله جل وعلا يظهر لنا في القرآن حبه للتوحيد وتعظيمه له، وتخصيصه أنبياءه بالدعوة إليه؟

حين أتأمل المدارس الفكرية اليوم ولا أجد فيها من يحمل راية التوحيد وتدريس الكتب الشرعية التي تقرره والرد على المبطلين فيه إلا “الصحوة الإسلامية”، فإني أتعجب من شدة توفيق الله لهذه الصحوة المباركة، ومن خذلان هذه المدارس الفكرية عن أعظم حقائق القرآن على الإطلاق.

 

وأنا أعرف جيداً لماذا خرجت قضية التوحيد والشرك من معاييركم، ولم تعد جزءاً من آلية القياس والتقييم لديكم؟ السبب بكل وضوح أنكم تشربتم “المفاهيم المادية الغربية”، ولذلك عجزتم عن قراءة منجزات التوحيد ومشكلة الشرك.

 

ويشبه هذا الأمر مافعلته قريش حين احتجت على النبي وأصحابه بكونها خير منه لأنها تقدم نفعاً مادياً للناس وهو (تموين الحجاج وبناء الحرم) فرد الله عليهم مبيناً أن نفع التوحيد أعظم من النفع المادي حتى لوكان للحجاج وفي الحرمين، كما قال تعالى (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ) [التوبة:19].

 

ويشبه هذا أيضاً أنه لما استنكر بعض الناس زمن النبوة أموراً فعلها النبي وأصحابه وعدوهاً إرهاباً وقتلاً، فبين الله أن “الفتنة الدينية” أشد وأخطر من “القتل”، كما قال تعالى في موضعين (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) [البقرة:191] وقال تعالى (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) [البقرة:217]. فجعل الفتنة في الدين أعظم من أمر الدماء، مما يدل على جعل العقيدة فوق المصالح المادية.

 

فانظر الى منزلة جنس التوحيد والعقيدة ونفعها، حتى جعلها الله فوق منزلة النفع المادي للناس، وفوق منزلة الأمن، ومع ذلك كله حين تتحدث الطوائف الفكرية عن المنجزات فإن آخر شئ تفكر فيه هو (منجز  ترسيخ التوحيد ومقاومة الشركيات).

 

وقد شاهدت خارج المملكة أموراً عجيبة تدل على عظمة منجز الصحوة في نشر التوحيد، ذلك أنني أشاهد أحياناً شخصيات عربية فيها فضل وخير، لكنها نشأت في أجواء بعيدة عن الصحوة الإسلامية، ومع شدة تدين بعضهم وحرصهم على الخير إلا أنه يقع في قوادح خطيرة للتوحيد وهو لايعلم، ويجد من يناقشه صعوبة في توضيح الأمر له، وأقارن ذلك ببعض الشباب المبتعثين الذين ليس فيهم حرص على التدين، ولكن بسبب نشأتهم في أجواء الصحوة وانتفاعهم بجهودها في نشر التوحيد تجد لديهم حساسية شديدة منذ أن تقترب من حمى التوحيد وباب الألوهية.

 

بل إن بعض الناس يرى أن “الأخلاق المهنية” كالأمانة في العمل أهم من “التوحيد”! وهذا بسبب جهلهم بأعظم المطالب القرآنية، ولذلك يقول ابن مسعود فيما رواه الطبراني وابن أبي شيبة وابن حزم: (لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقا).

قال أبوالعباس ابن تيمية في تعليق شهير على هذا الأثر (لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق)..فكم فات على هذه التيارات الفكرية معرفة منزلة “حسنة التوحيد” وأنها تفوق كل الحسنات التي يعرفونها..بث معاني التوحيد في الناس، وإصلاح قوادح التوحيد، منجز أعظم من مجلس العموم ووكالة ناسا وأبراج دبي .. لوكنا فعلاً ندرك مراتب الفضل في القرآن، ومحاب الله ومباغضه سبحانه وتعالى..

 

وأذكرمرة أنني ذكرت لأحد هؤلاء الشباب المتأثرين بهذه المدراس الفكرية ظاهرة عقدية خطيرة انتشرت، وهي انتعاش ظاهرة “تعطيل الصفات الإلهية” ونشاط بعض الرموز في الدعوة إليها، وأن هناك بعض الفضلاء احتسبوا في إعداد بعض البحوث لإصلاحها، فقال لي (وافترض أنهم قضو على كل المعطلة على وجه الأرض فمالفائدة من ذلك ونحن نرى الاستبداد السياسي؟!) أو كلاماً هذا معناه! فانظر كيف صارت قضايا تنزيه الله سبحانه وتعالى وتوقير صفاته جل وعلا قضية هامشية لاتعنيه، بسبب تشرب قلبه القيم والمفاهيم المادية الغربية..

 

ماسبق كله في محور واحد من محاور التوحيد وهو (توحيد الشعائر)، وأما المحور الثاني من محاور التوحيد والذي أنجزت فيه الصحوة مالم تنجز كل المدارس الفكرية الأخرى فهو (توحيد التشريع).

فمع هيمنة القوانين الوضعية الغربية المناقضة لشريعة رب الأرض والسموات لم يقف في وجهها ويقاومها ويكتب المؤلفات حولها ويخطب عنها ويرد على الشبهات التي تهونها إلا “الصحوة الإسلامية” ..

لقد ملئت ديار المسلمين من “شرك التشريع” ومع ذلك تجد المدارس الفكرية الأخرى في غاية البرود من إفراد الله في التشريع، ولاتجد إلا شباب الصحوة الإسلامية هم الذين حققوا منجزات في هذه القضية لم يحققها غيرهم، وابتدأت هذه الحملة المباركة برسالة الشيخ محمد ابن ابراهيم رحمه الله (تحكيم القوانين) ثم شرحها الشيخ سفر الحوالي في عدة أشرطة، وكتب فيها الشيخ عبدالرحمن المحمود رسالة موسعة فند فيها شبهات مرجئة العصر في التهوين من هذه القضية، وغيرها، والمراد التمثيل.

 

وكل تشريع يخالف تشريع الله ورسوله فهو شرك كما قال تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) [الشورى:21]

وتوحيد التشريع وإفراد الله بالطاعة ليس شيئاً هامشياً في مشروعات الرسل، بل قال الله تعالى عنهم (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) [النساء:64] 

 

فهذه الصحوة الإسلامية قامت بمنجز عظيم في نوعي التوحيد (توحيد الشعائر) ضد المتصوفة والشيعة وأضرابهم. و (توحيد التشريع) ضد النظم السياسية الفاسدة والمثقفين المروجين لها. فهاتوا لي حركة في العالم كله قامت بنوعي التوحيد خيراً مما قامت به الصحوة الإسلامية؟ هاتوا لي منجزاً واحداً في العالم يضارع أو حتى يقارب منجز ترسيخ توحيد الشعائر والتشريع؟

يأتوننا ويقولون: وماهي منجزات الصحوة الإسلامية؟ بل أنتم ماهي منجزاتكم؟!

 

ومن منجزات الصحوة الإسلامية نشر السنن وإماتة البدع، وكم للاسلاميين من جهود مشكورة في ملاحقة أعيان البدع وآحادها والصبر على تبيينها للناس، تخيلوا الناس بدون هذه الجهود؟! كيف سيكون حال عامة الناس؟ وكيف سيدخل في دين الله من المفاهيم الخاطئة المحدثة مالله به عليم؟ ومن قرأ تاريخ السلف فيستطيع بكل اختصار أن يقول عنه (تاريخ مقاومة البدع).

 

على أية حال .. لايمكننا التوسع أكثر من ذلك، لكن سنعرض على سبيل الإشارة لبعض منجزات الصحوة الأخرى:

فمن منجزات الصحوة إحياء الجهاد الشرعي المنضبط بأصول أهل السنة، والدفاع عن بلدان المسلمين في كل مكان، ولذلك فإن أكبر خسارة تعرض لها (غلاة التكفير والقتال) ليس حين واجهتهم أمريكا، ولاحين واجهتهم النظم العربية، وإنما حين نافرتهم “الصحوة الإسلامية” ورفعت يديها عنهم وحذرت منهم، بعد أن ظهرت انحرافاتهم عن أصول أهل السنة في باب الجهاد حين استهدفوا أمن البلدان الإسلامية، وقد كان هذا بالنسبة لأدعياء الجهاد بمثابة فصل أنبوب الأكسجين..

 

ومن منجزات الصحوة الإسلامية مقاومة مشروع (تغريب الإسلام) وهو مشروع تأويل مفاهيم الإسلام لتتوافق مع الثقافة الغربية المنتصرة، إما بجحد ألفاظ النصوص، أو بجحد معاني النصوص، ومحاولة التفتيش في التراث عن أي سند تراثي للمفاهيم الغربية الجاهزة مسبقاً، وهو مشروع واسع وضخم وكتبت فيه مئات الكتب المعاصرة منذ لحظة الأفغاني وحتى لحظة الجابري، وأكثر مادة متأخريهم التفصيلية استمدوها من عمالقة الاستشراق التقليدي مثل جولدزيهر وشاخت وهنري كوربان ورينان (هؤلاء الأربعة بشكل خاص)، فهي إعادة إنتاج للاستشراق التقليدي بلغة جديدة، وابتلع نتائجهم كثير من هذه المدارس الفكرية ظناً منهم أنها أبحاث لهم، وأنها أبحاث علمية جادة! والحق يقال أن المستشرقين أكثر جدية في البحث من هؤلاء المروجين كالجابري ونصر ابوزيد وعبدالجواد ياسين (وهوينقل عن الاستشراق بالواسطة) ونحوهم.

 

ومن أوائل الأطروحات التغريبية للاسلام التي واجهت الصحوة في السعودية أطروحات الترابي وهو يستمد سنده المعنوي بناء على تجربة سياسية نجحت مؤقتاً، وكانت أطروحاته تلك الأيام عن أصول الفقه مربكة، حتى أن أحد الفضلاء (وهو الآن خارج المنظومة الدعوية) ألقى محاضرة في الرياض عن تجديد أصول الفقه كانت إعادة عرض لأفكار الترابي (فكرة الاجماع الواسع، نفي السنة، اجتهاد العوام، العقل، رأي ولي الأمر، الخ).

فشعر الشيخ سفر الحوالي بأن أصول أهل السنة مهددة، فألقى بعدها بزمن يسير في الرياض محاضرة بعنوان (العلمانية في طورها الجديد) وقد شعر كثير من المراقبين بالربط بين الحدثين، حتى أن الشيخ احتاج لاحقاً أن ينفي ذلك وقال في درس له بعد ذلك (ولقد تعرضت في محاضرة سابقة كان عنوانها العلمانية في طورها الجديد لهذا الاتجاه ولخطره، ففهمت على أننا نتعرض لبعض الدعاة، سبحان الله! يا قوم أنتم في وادٍ ونحن في واد) وبين أن المسألة ليست في أشخاص ولكنها في اتجاه بدأ يتنامى، وقد صدق حدس الشيخ شفاه الله، فإن إعادة تعليب المفاهيم العلمانية المادية في ثياب إسلامية صار سلعة رائجة الآن!

 

وكتاب الإرجاء للشيخ سفر الحوالي فيه موضعان شكلا علامات تاريخية فارقة، الأول تحدث فيه عن الزندقة العصرية الجديدة (أي مشروع تغريب الاسلام)، والثاني عن ظاهرة الارجاء بين بعض المنتسبين للسلفية الحديثية، وكلا الموضعين وضعا حداً لكثير من الانحرافات عن أصول أهل السنة.

 

والمراد أنه في الوقت الذي ترى فيه كل المدارس الفكرية المعاصرة بلا استثناء استسلمت للضغط الثقافي الغربي وانكسرت أمام سطوته ووقعت في شئ من تغريب الاسلام (قل أو كثر على تفاوت بينها) تجد الصحوة الإسلامية هي الوحيدة التي احتفظت برباطة جأشها ونفخت في روع أبنائها الثقة بالشريعة وبمنهج أهل السنة، وأننا قادرون على إصلاح دنيانا دون الحاجة إلى العبث بالشريعة.

 

ومن منجزات الصحوة الحفاظ على الفضيلة، ومقاومة مشروعات المنافقين لإخراج المرأة عن حشمتها وعفتها، وتقويض الحواجز بين الجنسين التي شرعها القرآن، وأنتجت الصحوة الإسلامية في هذا المنجز آلاف المواد الصوتية والمقروءة، وبعض الناس يحاول الالتفاف على المشكلة بالقول (لماذا يجعل الصحويون أكبر همهم مراهق في المنتديات، أوشاب طائش يعاكس) وهذا كله تزوير للواقع يعرف من يقوله أن يكذب، فمشروع تغريب المرأة يتم عبر جيوش من كتاب الصحافة والبرامج التلفزيونية والروايات الماجنة، وخلف هؤلاء كلهم مسؤولون ليبراليون استطاعوا النفاذ إلى بعض مفاصل القرار ودعم هؤلاء العاملين في الميدان، وسوى الروم خلف ظهرك روم..

فمن لم ير من مشروع تغريب المرأة إلا مراهق ومعاكس؛ فهو إما كاذب وإما مغفل.

 

حسناً .. مالذي يدفع بعض من لايزال فيهم خير من المدارس الفكرية المنحرفة إلى الكذب وتصوير الواقع على أنه مجرد مشكلة (مراهق منتديات، ومعاكس في سوق) ؟!

الحقيقة أن هؤلاء لو اعترفوا فعلاً بوجود مشروع خطير لتغريب المرأة؛ لأصبحت جهود الصحوة في حفظ الفضيلة مبررة، ولذلك سعياً منهم لتجريد جهود الصحوة في حفظ الفضيلة من حيثياتها الموضوعية، يصورون مشكلة تغريب المرأة على أنها مجرد (مراهق منتديات، ومعاكس طائش)، وهذا رهان سجالي فاشل بمجرد أن يستحضر القارئ الحملات المنظمة على الفضيلة ودعاتها.

 

فيا لله العجب.. كيف يرون الجهود الجبارة لفرض نموذج (الاختلاط في التعليم والعمل) ثم يقولون المشكلة مشكلة مراهق وطائش؟!

 

ومن منجزات الصحوة ربط الناس بالقرآن، ونشر دور حفظ القرآن، والتبرع لها، فبينما يدير المنتسبون للثقافة كؤوس الشاي بعد صلاة العصر يتسلون بالصحف تجد شباب الصحوة قد جلسوا بين سواري المساجد يسمّعون للشباب أنوار القرآن، ويلي جهود حفظ القرآن جهود حفظ السنة النبوية.

 

ومن مآثر ومفاخر الصحوة الإسلامية نشر العلوم الشرعية وأنوار الوحي في الناس، وتصميم الدروس الأسبوعية، والدورات الصيفية، وتسجيلها للشباب، وبثها عبر الشبكة، بل وتوفير شقق سكنية لمن يسافرون لحضور الدورات.

 

ومن منجزات الصحوة الإسلامية تعميق الإيمان وإنتاج الكتب والمحاضرات عن (التزكية) وكثرة الحديث عن الإخلاص والتقوى والمراقبة والانقياد واليقين الخ من أعمال القلوب التي هي محل نظر الرب من العبد، وهذا لاتعرفه المدارس الفكرية أصلاً، فضلاً عن أن تشارك فيه، والصحوة الإسلامية هي التي روجت كتب ابن القيم التزكوية (المدارج والجواب الكافي وحادي الأرواح وطريق الهجرتين الخ)

 

ومن منجزات الصحوة الإسلامية المشاركة في المعرفة، وفي التصحيح الإسلامي للمعرفة، وظهور مايسمى أسلمة العلوم  (انظر على سبيل المثال: في علم النفس: تمهيد في التأصيل الاسلامي لعلم النفس للدكتور عبدالله الصبيح، وفي الفلسفة: نظرية المعرفة للشيخ عبدالله القرني، وفي السياسة: أحكام الانتخابات في الفقه الاسلامي للشيخ فهد العجلان، وفي علم الاعلام: كيف تؤثر وسائل الاعلام في الناس؟ للدكتور محمد الحضيف، وفي العلاقات الدولية: فقه المتغيّرات في علائق الدولة الإسلامية بغير المسلمين للشيخ سعد مطر العتيبي)

 

وهذه فقط نماذج، ومن أراد المزيد من دراسات طلاب العلوم الشرعية في كافة الحقول في الاقتصاد والقانون والإدارة والاجتماع والعلاقات الدولية والقضايا الطبية والتكنولوجية والأفكار الحديثة فليراجع رسالة مختصرة سبق أن نشرت بعنوان (احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي).

 

ومن منجزات الصحوة الحرص على الفقراء والمساكين وإنشاء المؤسسات الخيرية التي ترعى أحوالهم وتنظم إيصال المعونات لهم، والصحوة هي من طبق عملياً ومؤسسياً فكرة كفالة اليتيم، واستقبال وتوزيع فائض الأطعمة، ومشروع بطانية الشتاء، ومشروع توفير المستلزمات المدرسية للأسر الفقيرة بداية كل عام.

 

وأما في المنكرات المالية فالصحوة الاسلامية هي التي خطبت وحاضرت وكتبت وأفتت في تحريم الربا والرشوة والاحتكار وأكل أموال الناس بالباطل.. والصحوة هي التي كتبت مذكرة النصيحة الشاملة، والصحوة هي التي كتبت بيان الغلاء الأخير..

 

ومن منجزات الصحوة المبادرة للاستفادة من الوسائل المعاصرة في حينها كالكاسيت وشبكة الانترنت والفضائيات الخ.

 

والكثير الكثير لو اراد المنصف أن يقرأ منجزات الصحوة، فقارن ذلك كله بمنجزات المدارس الفكرية الأخرى: العلمانيين، والليبراليين، والتنويريين، وأدعياء الوسطية، ومتفقهة التغريب، والديمقراطيين، وأدعياء الاصلاح السياسي، والوطنيين؟!

أنتم الذين ماذا قدمتم بالميزان الشرعي؟!

أنتم بتهكمكم بالقضايا العقدية والفقهية صرتم جزءاً من المشكلة بدل أن تكونوا جزءاً من الحل، تطالبوننا بأن نحتسب على السياسي، المفروض الآن هو الاحتساب عليكم من تحريفكم للشريعة قبل أن نحتسب على السياسي، فخطر أهل الأهواء أشنع وأفظع من خطر أئمة الجور، كما ذكره الإمام مالك وشيخ الاسلام ابن تيمية، ولذلك يصلى خلف أئمة الجور مع وقوع الخلاف في الصلاة خلف بعض أهل الأهواء، وأمر النبي بقتال الحرورية أهل الأهواء، ونهى عن قتال أئمة الجور.

 

فتبديل كلام الله ونشر الفاحشة في الذين آمنوا أخطر شرعاً من فساد بعض العقود الحكومية واغتصاب بعض العقارات، وهذا لايعني التهوين من الجرائم المالية، ولكن لأبين أن كثيراً ممن يظنون أنفسهم يصلحون أنهم يفسدون أكثر من فساد السياسي، لأنهم يفسدون الأديان والسياسي يفسد الأموال، وفساد الأديان أشنع من فساد الأموال، وقد اتفق أهل السنة بجميع مذاهبهم على أنه في مقاصد الشريعة مقصد (حفظ الأعراض) مقدم على مقصد (حفظ الأموال)، وقد شرح ذلك الشاطبي في الموافقات في عدة مواضع.

 

وأما قولهم: أين الصحوة عن الإصلاح السياسي؟ فالجواب بل أينكم أنتم؟ فالإصلاح السياسي رأسه وأسه جوهره (تحكيم الشريعة) فالمطلوب من ولي الأمر تحكيم الشريعة التي تشمل حفظ العقيدة وحفظ الأعراض وحفظ الأموال وتطبيق أحكام الله، وحديث الصحوة عن تحكيم الشريعة لايماثله كل الطوائف الفكرية المعاصرة.

 

وأما قضية (الفساد المالي) فالحديث عن قضية الفساد المالي لم يعد مشكلة الآن، فلايوجد صحيفة سيارة إلا ويكتب فيها يومياً عن الفساد المالي، ولكن المشكلة أعمق بكثير من قضية الحديث عنها.

 

وأما قولهم (العدل ونفي الظلم هو مركز الشريعة، والصحوة لم تقم به) فهذا من جهلهم بالمفاهيم الشرعية، فأعظم الظلم هو الشرك، والبدع ظلم، والفواحش ظلم، وليس الظلم فقط هو المظالم المالية للولاة.

 

الخلاصة .. أن هذه الصحوة الإسلامية منة الله على هذا العصر.. ووالله العظيم لو كشفت مابنفسي من التتيم بهذه الصحوة لظنني البعض أحد “الغلاة في الصحوة” .. ومن أحب المواضيع إلي في الكتابة إبراز محاسن هذه الصحوة الإسلامية والرد على التجنيات الموجهة إليها، ولولا خجلي من أن يقول الإخوان لقد أكثرت في هذا الموضوع لما توقفت.. ولعل لا أذيع سراً إن قلت أنني كثيراً ما أقرأ في الصحافة الورقية والالكترونية موضوعات منحرفة.. صحيح أنني أنزعج منها، لكن الموضوع الذي لا أملك مشاعري حين أقرؤ عنه هو (التجني على الصحوة الإسلامية).. ناقشني مرةً ليبرالي مبتدئ فقال لي على سبيل التهمة “أنت صحوي” فأطرقت وقلت له: هذا شرف لا أدعيه..

 

كل ما أردت أن أصل إليه في هذه المقالة هو شئ واحد:

إذا سألك أي شخص من أهل الأهواء: ماهي منجزات الصحوة؟ فقال له: وماهو معيارك أنت للمنجزات؟ إن كان معيارك تحقيق مطالب القرآن والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فتعال نتباحث، وإن كان معيارك محصوراً في العمران المادي، أو مقاومة الاستبداد السياسي، أو إطلاق الحريات، فصحح معاييرك أولاً، ثم تعال نتباحث حول منجزات الصحوة.

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

9 أبريل 2010

ساعة وفاء..

أضف تعليق

   الحمدلله وبعد…

 فتحنا عيوننا نحن أبناء هذا الجيل على الدنيا ونحن نشاهد زخم الصحوة الإسلامية قبيل أزمة الخليج ومابعدها.. دروس هنا.. ومحاضرات هناك.. وإقبال شبابي عجيب على تزكية الإيمان وبناء الشخصية الإسلامية.. ومحافل أدبية اشتعل فيها مايسمى الأدب الإسلامي .. وتنامي تيار أسلمة العلوم.. ومؤسسات خيرية وغوثية.. والتفاف حول أهل العلم وتواصل معهم فيما يخص المنكرات والمخالفات الشرعية.. الفتى الصغير يفكر في معاناة أطفال المسلمين في أصقاع الأرض.. وشغف لاينضب بمفهوم الدولة الإسلامية والتطبيق المتكامل لـ”تحكيم الشريعة” بكل مايشمله من اصلاح عقدي وتشريعي وسياسي .. إنه بكل اختصار: مجتمع يلتهب بشئ اسمه “حمل هم الإسلام” ..

ثم جاءت عاصفة سبتمبر، وتسلط الامبراطورية الأمريكية في ملاحقة وتهديد الأنشطة الاسلامية وتوجيه الأنظمة العربية لتطويق منابع التدين، وثورة نظم الاتصالات الحديثة، وتمكن فريق ليبرالي/تكنوقراطي من صناعة الضباب حول رأس الهرم.. كل هذه المتغيرات الداخلية والخارجية في سنيات قلائل .. محنة من أمرّ المحن والصعوبات .. زلت فيها اقدام كثيرة.. وانسحبت أقدام أخرى.. مشاعل هدى صاروا سموم ضلالة .. استبدلوا الانتماءات الشرعية كأهل السنة والاسلاميين بالوطنية، وصاروا ينفخون في اتباعهم تعظيم الدنيا وتعليق القلوب بها، والتزهيد في علوم الوحي واستعظام حطام الكفار، وتهوين الأمر والنهي الإلهي بكثرة التذرع بالخلاف، وتذويب الحواجز العقدية وتهتيك وهجها ووضوحها: السني/المبتدع، الاسلامي/العلماني، المسلم/الكافر، المؤمن/المنافق، الخ وتوهين الذرائع بين الجنسين، وتقويض اليقين بمقصود الشريعة في التحوط بين الجنسين، وكثرة تقزيم المحتسبين ولمزهم وتصويرهم في صورة البسطاء والمتهورين.. الخ الخ

وبين كل هذا الركام من الانكسارات والانهيارات وجفاف الإيمان والجريان مع الاهواء.. بقي بين الظلام “دعاة” من الجيل السابق يتلامعون في ليالي الفتن، ثبتوا في هذه المحن، لم ترعبهم التضييقات، ولم تطمعهم المكتسبات الإعلامية والدبلوماسية الرخيصة، لم يرضوا أن يبيعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل، صحيح أن كثيراً منهم اضطر في الساعات الصعبة أن يكظموا صمتهم على تغيظ، لكن لهم الشرف أنهم لم يبدلوا تبديلا، دعاة من طلاب علم ومفكرين ومربين وأدباء إسلاميين .. لازالوا على العهد .. لم ينكسروا أمام الاستطالة اللغوية والارهاب المصطلحي للخطاب الفكري الجديد، لا زالوا على أصول أهل السنة في العقيدة، وفي منهج الفتيا، وفي منهج الدعوة، وأسأل الله أن يثبتهم على ذلك حتى يجتمعوا بأئمة أهل السنة في الفردوس الأعلى من الجنة بإذن الله..   صحيح أننا يجب أن نوقر أهل العلم الكبار، لكن كلي أمل من إخواني طلبة العلم والدعاة من هذا الجيل أن لاننسى واجب الوفاء لهؤلاء الدعاة الذين سبقونا بالإيمان، فلهم والله علينا حقوق كثيرة، وبمجرد أن يرى المرء نفسه يعرف لهؤلاء فضلهم فهو علامة خير، وبمجرد أن يمتلئ قلب الشاب زهواً وجحوداً لفضل هؤلاء الرواد فهذه أمارة خذلان.. 

الله الله يا إخواني بأن نقدر هؤلاء الدعاة وطلبة العلم الذين يكبروننا، والذين ثبتوا في الفتن السابقة، وأن نعرف لهم فضلهم ومنزلتهم، وأن نستشيرهم في دقائق الأمور الدعوية، فثباتهم في السنوات العجاف السابقة مؤشر عميق على توفيق الله لهم، وقرينة قوية على صدق نياتهم ونظافة مقاصدهم من أن ترديها أمراض حب الظهور، ونزوات الشهرة، وغريزة التصدر، ولذائذ الرياسة..  

كلما رأيت طالب علم، أو داعية، أو مفكراً إسلامياً، أو أديباً إسلامياً، يكبرني بسنيات، وكان ممن ثبت في محنة سبتمبر الهوجاء؛ فإنني والله أشعر برغبة دفينة تتدفق في داخلي لأن أظهر له الوفاء بفضله وريادته، وحاجتنا لحكمته ومشورته ونصيحته.. ولولا أن يشعروا أنني أبالغ لقبلت رأس كل واحد من هؤلاء حين ألقاه، وأعرف أن هذا لايمثل لهم شيئاً، لكنه إحساس داخلي بحبهم لا أعرف كيف أعبر عنه..   وحب أجيال المؤمنين اللاحقة لأجيال المؤمنين السابقة من أعظم خصال الإيمان التي نبه عليها كتاب الله كما قال تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر:10]   كما أن “تفاوت” الدعاة بحسب “ريادتهم” الدعوية من أعظم المعايير التي نبه عليها كتاب الله كما قال تعالى (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) [الحديد:10]   والله أعلم.

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

2 أبريل 2010