عمـالة التغـريبيين

10 تعليقات

الحمدلله وبعد،،

سيدة الأعمال السعودية المعروفة “حصة العون” ترأس مجلس إدارة شركتين تجاريتين، وأربع جمعيات أهلية، وهي الأمين العام لمجلس اتحاد المستثمرات العرب،  هذه المرأة هي أول من أزاح الستار -وعلى الهواء مباشرة- عن تفاصيل ما يدور في استراحات الليبراليين من علاقات دافئة بين مسؤولين أمريكيين وصحفيين سعوديين.

ففي شهر سبتمبر من العام 2006م وعلى الفضائية اللبنانية LBC روت الأستاذة حصة العون حادثة واقعية مرت بها وقالت:

(إي نعم السفارة الأمريكية أنا زارتني أكثر من مرة، وحاولوا معي أكثر من مرة، وطلبوا كمان يعطوني دعم مادي، ويعطوني قروض، ويعطوني تسهيلات كثيرة، ورفضتها، وزارتني القنصل أكثر من مرة في مكتبي). [حصة العون، قناة إل بي سي، سبتمبر2006]

المزيد

مصحف البحر الميت

تعليق واحد

-مدخل:

الحمدلله وبعد،،

ماذا يجري في الصحافة السعودية هذه الأيام؟ حسناً .. تأمل معي هذا التصفيق الحار في الصحافة السعودية:

-(أعتقد دون مبالغة أن أركون المجدد الأكبر للإسلام في عصرنا الراهن) [الشرق الأوسط، 16 سبتمبر 2010] 

-(أركون من الكبار الذين كانوا يجاهدون في بث النور، وإحلاله محل الظلمة الكالحة في عالمنا العربي) [الوطن، 18سبتمبر 2010]

– (يظل أركون مشعلاً حقيقياً ) [الوطن، 17 سبتمبر 2010]

-(يهدف أركون إلى استخلاص التجربة الروحية الكبرى للإسلام وتنقيتها من كل ما علق بها على مدار تاريخ المسلمين) [الرياض، 19سبتمبر2010]

-(أركون أول من قدم نقدا للتفكير الخرافي المعارض للمعرفة، وبدد هيمنة الأسطورة في العقل العربي-الإسلامي) [الرياض، 16سبتمبر2010]

-(أركون أحد حكماء المسلمين الكبار) [الشرق الأوسط، 17 سبتمبر 2010]

-(خلال الأيام الثلاثة الأخيرة اشتغلت بكل ما كان متاحاً، ورقياً أو إلكترونياً، بتوديع ثقافتنا لرمز عالمي مثل الراحل الأخير محمد أركون) [الوطن 19سبتمبر2010]

-(أركون أحد هذه الهامات الفكرية من المشهد الثقافي والفكري العربي) [صحيفة اليوم، 19 سبتمبر2010]

-(عمل محمد أركون طوال أكثر من نصف قرن على تقديم قراءة جديدة للإسلام، قراءة تستند إلى مرجعيات ومناهج علمية) [الحياة 16 سبتمبر2010]

-(ساهمت -أفكار أركون- بقوة في الدفاع عن القيم الإسلامية النبيلة ) [الشرق الأوسط، 16سبتمبر 2010]

-(نجح أركون في العودة بالإسلام إلى طابعه الإنساني) [الشرق الأوسط 18سبتمبر 2010]

 

هذه نماذج فقط، ويمكن مراجعة الصحافة السعودية خلال الأسبوع الماضي لتسمع أضعاف هذه الطبول.

 

حسناً .. لماذا هذه الدعاية الصحفية السعودية لأركون؟ ماذا وراء هذا الإمعان في التلميع والمغالاة في ألفاظ المديح لشخصية محمد أركون؟ لماذا تعرض الصحافة السعودية أركون باعتباره: المجدد الأكبر، المجاهد لبث النور ومكافحة الظلام، المشعل الحقيقي، حكيم الاسلام الكبير، الهامة الفكرية، معيد الاسلام لطابعه الانساني، صاحب المنهج العلمي في دراسة الإسلام، الخ الخ ؟

 

ماذا وراء حفلة الإطراء هذه ياترى؟ لماذا تسكب هذه الأوصاف التبجيلية بهذه الحمولة المتجاوزة للوزن المسموح به؟ هذا قطعاً ليس ممارسة عفوية، وليس حدثاً عشوائياً غير مفهوم، بل هذا التمجيد إنما هو لاعتبارات تتعلق بفكر هذا الشخص الممجّد ذاته، هذا يعني أننا لا يمكن أن نصل لتفسير هذه الدعاية إلا بمعرفة ماذا يريد أركون نفسه؟

 

إذن لننتقل إلى إلقاء الضوء على شئ من أفكار أركون، وقبل أن ننتقل لذلك أحب التنويه إلى أنني تعمدت إغفال أسماء الكتّاب لهذه الشواهد الصحفية السابقة لأنني لست معنياً بآحاد وأفراد هؤلاء الكتّاب، وإنما المراد تفسير كامل البنية الإعلامية السعودية وكيف تصنع مثل هذه التوجهات، نريد تناول الإعلام السعودي كنظام ينتج المعرفة بطريقةٍ ما ويروجها للقارئ المحلي، ولذلك جعلت الشواهد السابقة معمّاة الكاتب عمداً لتجريدها من ارتباطاتها الآحادية والفردية، وتحويلها إلى مجرد نماذج لنظام إعلامي.

 

 

 

-مشروع مصحف البحر الميت:

جوهر مشروع أركون هو (إعادة دراسة القرآن على ضوء العلوم الإنسانية)، ويتصور البروفيسور محمد أركون أنه لا يوجد اليوم على وجه الأرض نص صحيح للقرآن، وأن النص القرآني الموجود اليوم نص محرّف، وأن النص الأصلي شبه مفقود، لكن ما الحل في نظر أركون؟ من أطرف مشروعات أركون لحل هذه المشكلة التي يراها أنه لا يمكن أن نصل للنص الصحيح للقرآن إلا إذا وصلنا إلى مخطوطات موجودة في البحر الميت، هذه المخطوطات اللاهوتية في البحر الميت ستوصلنا إلى النص الصحيح للقرآن، كما يقول أركون:

(لنذكر الآن المهام العاجلة التي تتطلبها أية مراجعة نقدية للنص القرآني..، أي نقد القصة الرسمية لتشكيل القرآن، هذا يتطلب منا الرجوع إلى كل الوثائق التاريخية سواءً كانت ذات أصل شيعي أم خارجي أم سني، هكذا نتجنب كل حذف تيولوجي لطرف ضد آخر، بعدها نواجه ليس فقط مسألة إعادة قراءة هذه الوثائق، وإنما أيضاً محاولة البحث عن وثائق أخرى ممكنة الوجود كوثائق البحر الميت التي اكتشفت مؤخراً) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 290]

 

إذن المصحف الموجود بين أيدينا مصحف ناقص، ونحتاج إلى مصحف مبني على مخطوطات البحر الميت.

 

ليس ذلك فقط، بل يرى أركون أن جزءاً من القرآن موجود في خزائن غامضة في الهند واليمن، وإذا استطعنا الوصول لهذه الخزائن فربما أمكننا إعادة كتابة القرآن، كما يقول أركون:

(يفيدنا في ذلك أيضاً سبر المكتبات الخاصة عند دروز سوريا، أو إسماعيلية الهند، أو زيدية اليمن، أو علوية المغرب، يوجد هناك في تلك المكتبات القصية وثائق نائمة متمنعة، مقفل عليها بالرتاج، الشئ الوحيد الذي يعزينا في عدم إمكانية الوصول إليها الآن هو معرفتنا بأنها محروسة جيداً) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 291].

 

أركون حزين لأن الآيات القرآنية التي يمتلكها الرافضة في خزائن سرية في الهند واليمن لا نستطيع الوصول إليها لمعرفة النص الصحيح للقرآن، لكن أركون –أيضاً- للأمانة، ليس حزيناً جداً، لأن هذه الخزائن الخطيرة مربوطة بحراسات مشددة، فربما يفتحها الرافضة لنا يوماً فنصل للنص الصحيح للقرآن.

 

حسناً .. لدينا الآن مصدران هامان لمعرفة نص القرآن الصحيح بحسب أركون، أولهما: مخطوطات البحر الميت، والثانية: الخزائن السرية في الهند واليمن.

وأنا أقرأ هذا الكلام لأركون لا أدري لماذا تذكرت كتباً كانت منذ زمن تباع على الأرصفة عناوينها: مثلث برمودا، لغز يحير العالم، الأطباق الطائرة ومخلوقات الفضاء، تنبؤات نوستراداموس، الخ الخ.

 

ويرى أركون أن هناك مخطوطات ثمينة تدلنا على النصوص المفقودة للقرآن قد تم تدميرها، كما يقول:

)يبدو لي أنه من الأفضل أن نستخلص الدروس والعبر من الحالة اللامرجوع عنها، والتي نتجت عن التدمير المنتظم لكل الوثائق الثيمنة الخاصة بالقرآن، اللهم إلا إذا عثرنا على مخطوطات جديدة توضح لنا تاريخ النص وكيفية تشكله بشكل أفضل) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 45]

 

ولكون أركون يتحدث كثيراً عن مخطوطات مفقودة وأخطاء في نص القرآن؛ فإنه يعتقد أننا يجب أن ننجز “طبعة محققة” من القرآن تتجاوز أخطاء النسخ الموجودة بين أيدينا اليوم، ولكنه يتحسر أن المستشرقين المعاصرين لم يعودوا يفعلون ذلك كما كان يفعله قدماء المستشرقين، كما يقول أركون:

(المعركة التي جرت من أجل تقديم طبعة نقدية محققة عن النص القرآني؛ لم يعد الباحثون يواصلونها اليوم بنفس الجرأة كما كان عليه الحال في زمن نولدكة الألماني وبلاشير الفرنسي) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 44]

 

وهذه المشكلة التي يعتقدها أركون حول ضياع القرآن ليست وليدة العصر بل هي مبكرة، فهو يرى أن علماء الإسلام قاموا بالتلاعب القراءات القرآنية لصناعة نص منسجم، كما يقول أركون:

(نحن نعلم كيف أنهم راحوا يشذبون “قراءات القرآن” تدريجياً، لكي تصبح متشابهة أو منسجمة مع بعضها بعضاً، لكي يتم التوصل إلى إجماع أرثوذكسي) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 111].

 

وفي أحد كتبه عقد مبحثاً بعنوان (فرضيات الخطاب الإسلامي المعاصر) وذكر منها الفرضية التالية: (الفرضية الأولى: أن الصحة التاريخية للمصحف قد تأكدت منذ الجمع الذي تم في خلافة عثمان، وكل تشكيك بظروف هذا التشكيل يعتبر زندقة)، ثم انتقد هذه التي يسميها فرضية وقال (إن طراز وجود الإسلام في التاريخ مرتبط بالحفاظ على هذه الفرضيات، على الرغم من التكذيب القاطع الذي تلقاه من جهة الواقع والنقد العلمي الحديث معاً) [الفكر الاسلامي قراءة علمية، أركون، 66]

 

فهو يرى أن حفظ القرآن وصحة جمعه ليس عقيدة إسلامية، بل “فرضية” يكذبها الواقع والنقد العلمي.

 

ومن أسباب ضياع نص القرآن -كما يتصور أركون- أن الصحابة لم يكونوا أمناء في نقل القرآن من قراءة الرسول إلى التدوين، كما يقول أركون:

 (الخطاب القرآني-وهو- البلاغ الشفهي من الرسول في مواقف استدعت الخطاب، ولن تنقل جميعها بأمانة إلى المدونة الرسمية المغلقة) [نافذة على الإسلام، أركون، 65].

 

ويشير أركون دوماً إلى هذه القضية، وهي أن جمع القرآن فيه خلل يجب تصحيحه، كما يقول:

 (نحن نجد أنفسنا اليوم عاجزين أكثر من أي وقت مضى عن فتح الإضبارات التي أغلقت منذ القرنين الثالث والرابع الهجريين والتي تخص المصحف وتشكله) [الفكر الاسلامي قراءة علمية، أركون، 30].

 

ماسبق يدور حول تصور أركون لنقل القرآن، وأنه نقل محرف، وهو يكثر من طرق هذا الموضوع بصيغ متنوعة، لكن السؤال الآخر: دعنا مما يرى أركون أنه مفقود، ما رأي أركون في الموجود من القرآن حالياً؟

 

أما بالنسبة لمحتوى القرآن الموجود حالياً، فيرى أركون أن النبي –صلى الله عليه وسلم- اقتبس من الأساطير الموجودة في عصره وأدخلها باعتبارها قرآن، كما يقول أركون:

(إن أساطير غلغامش، والاسكندر الكبير، والسبعة النائمين في الكهف؛ تجد لها أصداء واضحة في القرآن) [الفكر الاسلامي قراءة علمية، 84].

 

ويرى أركون أن هذا هو عامة أسلوب النبي في القرآن وهو أسلوب استعمال الأساطير للتأثير على الأتباع، كما يقول:

(ينبغي القيام بتحليل بنيوي لتبيين كيف أن القرآن ينجز أو يبلور بنفس طريقة الفكر الأسطوري الذي يشتغل على أساطير قديمة متبعثرة) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 203].

 

ويتصور أركون أن القصص التي في القرآن أخذها النبي من التوراة مع شئ من التصرف والتعديل، كما يقول:

(مهمة التحليل التاريخي لا تتركز في الكشف عن المؤثرات التي أتت من مصدر موثوق وصحيح وهو التوراة، وبالتالي إدانة الأخطاء والتشويهات والإلغاءات والإضافات التي يمكن أن توجد في النسخة القرآنية بالقياس إلى النسخة التوراتية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 130].

 

وأما المعلومات الأخرى التي تضمنها القرآن فيرى أركون أننا لو درسنا التاريخ لوجدنا أن القرآن فيه مغالطات تاريخية وأخطاء في تصوير الواقع، كما يقول أركون:

(ينبغي القيام بنقد تاريخي لتحديد أنواع الخلط، والحذف، والإضافة، والمغالطات التاريخية؛ التي أحدثتها الروايات القرآنية بالقياس إلى معطيات التاريخ الواقعي المحسوس) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 203]

 

ويرى أركون أن القرآن ظلم المشركين وقسا عليهم دون مبرر، حيث أقصاهم ولم يقدم أي مسوغات لهذا الإقصاء، كما يقول أركون:

(نلاحظ أن وصف المعارضين يختزل إلى كلمة واحدة هي “المشركون” لقد رُمُوا كلياً ونهائياً وبشكل عنيف، في ساحة الشر والسلب والموت، دون أن يقدم النص القرآني أي تفسير أو تعليل لهذا الرفض والطرد) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 96].

 

ويرفض أركون المقولة التي تقول إن المشكلة في الاسلاميين المتطرفين وليست في القرآن، بل يرى أن القرآن هو المسؤول عن إنتاج التطرف، كما يقول أركون:

(إن الأرثوذكسيات الحالية، أقصد الحركات الاسلاموية الناشطة حالياً، إذ تغلب دكتاتورية الغاية السياسية ؛ هي في الواقع مخلصة لسورة التوبة، شكلاً ومضموناً، روحاً ولفظاً) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 96]

 

ويؤكد أركون بشكل متكرر عن مسؤولية القرآن فيما يرى هو أنه تطرف إسلاموي، كما يقول أركون:

(إن الحركات الإسلاموية المعاصرة، بدأً من الإخوان المسلمين، وانتهاءً بالمحاربين الإيرانيين، مروراً بالتنظيمات الأكثر هيجاناً وعنفاً كالتكفير والهجرة؛ تشهد كلها بشكل ساطع على ديمومة النموذج القرآني وفعاليته، على الأقل من الناحية التعبوية والتجييشية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 106].

 

وفي مواضع أخرى يؤكد أركون أن القول بأن المشكلة في الاسلاميين وليست في القرآن، أن هذا تعامي عن أصل المشكلة، بل المشكلة عنده في القرآن ذاته، يصرح أركون بشكل أعم حول مسؤولية القرآن عن إنتاج التطرف فيقول:

(إنه لشئ أساسي أن نفهم أنه منذ المرحلة القرآنية راحت تتجمع وتتشكل كل عناصر الأرثوذكسية الإسلامية الصارمة) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 96].

 

وأما مسألة العنف فأركون يرى أنها ليست مجرد قراءة إسلاموية للقرآن كما يقوله كثير من العلمانيين، بل أركون يرى أن القرآن هو الذي يولد العنف، ولذلك لما استعرض قوله تعالى في سورة التوبة “فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد” قال أركون:

(لقد اخترت الانطلاق من هذه الآية لأنها تشكل بالنسبة لسورة التوبة؛ الذروة القصوى للعنف الموجه لخدمة المطلق، الله المطلق) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 93]

 

وأما مايقوله العلمانيون من أن العلوم الدينية تضاد العقل، فأركون يرى أن المشكلة ليست في علماء هذه العلوم الدينية، وإنما المشكلة في القرآن نفسه، فالقرآن هو المسؤول عن إنتاج علوم تضاد العقل، كما يقول أركون:

(لقد لعب القرآن الدور الحاسم الذي نعرفه في توسع وانتشار ما لا نزال نمارسه الآن تحت اسم العلوم الدينية بصفتها مضادة للعلوم العقلية) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 58].

 

ويزيد أركون حدة التصعيد في التنديد بالقرآن ويرى أن أسلوب القرآن أسلوب متشنج ومكرر كما يقول عن أسلوب القرآن في سورة التوبة أنه:

(يأتي تارةً على هيئة تكرار زائد، أو تبسيطات، أو تشنجات قاسية، تطلبتها طبيعة الظرف التاريخي، كما هو الحال في سورتنا هذه) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 103].

 

ويرى أركون أن النقد الفيلولوجي استطاع أن يكشف القصور في أسلوب القرآن كما يقول:

(لقد ذهب النقد الفيلولوجي إلى حد التقاط وكشف النواقص الأسلوبية في القرآن) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 201].

ولأركون موقف معروف من النقد الفيلولوجي، فهو يرى أنه مفيد، لكن يجب عدم الاقتصار عليه.

 

ولذلك لا يجد أركون أي حرج نفسي في أن يصف القرآن بأنه “فوضوي” بلغة إزرائية كما يقول:

(بالنسبة لعقولنا الحديثة المعتادة على منهجية معينة في التأليف والإنشاء والعرض القائم على المحاجّة المنطقية؛ فإن نص المصحف وطريقة ترتيبه تدهشنا بفوضاها) [الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، أركون، 86].

 

 

حسناً .. سنتوقف عن عرض المزيد من الشواهد حول موقف أركون من كون القرآن قد ضاع منه الكثير، وما تبقى منه أسطوري ويبث العنف ويضاد العقل، سنتوقف لنطرح سؤالاً آخر يبدوا لي أنه الآن يدور في ذهن القارئ بشكل ملح، السؤال هو: كيف يتجرأ أركون على القرآن بهذا الشكل؟ ما الذي يجعله يندفع في إدانة القرآن بهذه البساطة؟

 

في تقديري الشخصي أن السبب الجوهري الذي يجعل أركون يتعامل مع القرآن بهذه الحدة والتشنج هو أنه غير مقتنع أن هذا القرآن من الله -جل وعلا- أصلاً، فأركون يستغرب كثيراً ممن يعتقد أن هذا القرآن كلام نزل من الله، ولذلك يقول أركون مثلاً:

(أصبحوا يقدمون الخطاب القرآني، لكي يُتلى ويُقرأ ويُعاش، وكأنه الكلام الأبدي الموحى به من قبل إله متعالٍ) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 146]

 

فصحة نسبة القرآن إلى الله يعتبرها أركون معضلة، تشابه معضلات النصارى التي لم يجدوا لها حلاً، حيث يقول أركون:

(معضلة عويصة مشتركة لدى المسيحية والإسلام، أقصد تاريخية بعث يسوع المسيح، والصحة الإلهية للقرآن) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 45].

 

ولذلك يعتبر أركون أن مسألة نسبة القرآن إلى الله هي “مزاعم تقليدية” يجب تجاوزها، كما يقول:

(لكي أفتتح حقلاً جديداً من التفكير تصبح فيه المزاعم التقليدية للمسيحية والإسلام معاً مُتَجاوزة، عن طريق دراسة مشاكل ماقبل البعث، والصحة الإلهية للقرآن) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 46]

 

 

ويشير أركون إلى الأدلة التي استدل بها القرآن والنبي –صلى الله عليه وسلم- على صحة نسبة القرآن إلى الله، وهي كون هذا القرآن “معجز” لا يأتي به بشر، ولكن أركون يرى أن هذا دليل غير كافٍ للاعتقاد بكون القرآن من الله، وإنما هذه –بحسب رأيه- مجرد تبجيل للقرآن من أتباعه، كما يقول أركون:

(نلاحظ أن كل نظرية الإعجاز، أو الأصل الإلهي للقرآن؛ تشهد على الانتقال السري الخفي من مشكلة فكرية مثارة في الحالتين، أي حالة البعث وحالة القرآن؛ إلى حلول تبريرية وتبجيلية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 47]

 

ولكن الذي يدهش أركون أن المسلمين لا يعيرون هذه القضية شأناً، بل يعيشون مع القرآن ويستهدون به ولا يشكّون في نسبته إلى الله، ولايشكل لهم أزمة، فهو يلاحظ أن المسلمين متجاوزين لهذا السؤال أصلاً، وهذا أمر يزعج أركون، لأنه غير مقتنع بذلك، ويريد أن تكون للمسألة صدى، يريد أن يعتبر المسلمون أن هذا سؤال ملح فعلاً ولا يوجد فيه يراهين حقيقية، كما يقول أركون:

(وبسبب أن القرآن قد أصبح حقيقة معاشة من قبل المسلمين، على كل مستويات الوجود الفردي والجماعي، فإن أي تساؤل يتعلق بمدى صحته كوثيقة تاريخية يصبح مسألة ثانوية أوهامشية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 129].

تهميش هذا السؤال، والاعتقاد الجازم بأن القرآن من الله؛ أمر كرر أركون تأذيه منه.

 

وتبعاً لكونه يستغرب من اعتقاد المسلمين بنسبة القرآن إلى الله، فهو -أيضاً- يستغرب وبنفس الدرجة كون المسلمين يعتقدون أن الشريعة من الله، كما يقول أركون:

(السؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف حصل أن اقتنع ملايين البشر أن الشريعة ذات أصل إلهي؟) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 296].

 

وهاتان القضيتان السابقتان كانتا واضحتان بشكل مبكر لدى أركون؛ أعني صحة نقل القرآن إلينا عبر المصحف، وصحة نسبة هذا القرآن إلى الله، فكلا المسألتين كان أركون يعاني فيهما من توترات وشكوك وارتيابات، كما يقول في توضيح العناية بكلا المسألتين:

(ينبغي التمييز بين الصحة التاريخية للمصحف، والصحة الإلهية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 83]

 

أعتقد أن سلسلة الأسئلة سوف تتابع، دعنا ننتقل إلى سؤال أعلى من السؤال السابق: طالما أن أركون يرى أنه لايوجد براهين كافية على صحة نسبة القرآن إلى الله، (وأظن أن مسألة الصحة الإلهية للقرآن هي أول بحث نشره ولست متأكداً من ذلك)، فإن السؤال الذي يلي ذلك: هل أركون إذن مؤمن بالله، أم لديه إشكالية في هذا الأمر أيضاً؟

 

الحقيقة أن أي قارئ لكتابات أركون يدرك أن الرجل كان لديه قلقاً كبيراً حيال مسألة الإيمان بالله، تارة يقترب من هذا السؤال بشكل مباشر، وتارة يرى أنه سؤال غير مهم، سواءً إيجاباً أو سلباً، وإنما المهم الوظيفة التي يؤديها الاعتقاد (المنهج الوظيفي في دراسة الأديان)، ومع ذلك كله فلا يرتاب قارئ لكتابات أركون أن الرجل كان يعاني من حيرة شديدة في هذا الموضوع تلمس حرارتها بين السطور.

 

سأضرب بعض الأمثلة التي توحي بهذه الحيرة، ففي أحد المواضع من كتبه كان أركون يعتبر أن مفهوم (الله) إنما اخترعه النبي والصحابة ليصارعوا به خصومهم السياسيين في الجزيرة، كما يقول أركون:

(نلاحظ أن الجماعة الجديدة الطالعة قد بلورت مفهوم “الله” من جديد، ليس من أجل مضامينه الخاصة الصرفة، وإنما بالدرجة الأولى من أجل تسفيه طريقة استخدامه من قبل أهل الكتاب) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 101].

 

ولذلك يرى أركون أنه لا وجود “فعلي” لإله ثابت في الخارج، وإنما هو وجود ذهني في عقول الناس يتغير طبقاً لتغير تصوراتهم الذهنية، كما يقول أركون:

(على عكس ما تظن المسلمة التقليدية التي تفترض وجود إله حي ومتعالٍ وثابت لا يتغير؛ فإن مفهوم “الله” لا ينجوا من ضغط التاريخية وتأثيرها، أقصد أنه خاضع للتحول والتغير بتغير العصور والأزمان) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 102].

 

وتحويل مفهوم (الله) إلى معنى ذهني مجرد لا وجود له في الخارج اتجاه مطروق بكثرة في الفلسفات الإلهية القديمة (يمكن مطالعة مناقشة الإمام ابن تيمية لهذه القضية في الصفدية حين تعرض لقول ابن سينا أن واجب الوجود هو المطلق بشرط الإطلاق: 1/297 تحقيق رشاد سالم.)

 

ونتيجة لهذه الحيرة الأركونية في مسألة وجود الله فإن أركون لا يجد غضاضة في التعبير عن الله بألفاظ غير مؤدبة، وهذا كثير في كتبه، ومن أمثلة ذلك قوله:

(الله نفسه ينخرط مباشرة، حتى في المعارك السياسية، ضد أعدائه) [الفكر الاسلامي قراءة علمية، أركون، 147]

 

مثل هذه الأساليب في التعامل مع القرآن، ومع الله جل وعلا؛ لا تدع مجالاً للشك أن الكاتب يعاني من قلق كبير في الإيمان بهذه القضايا، يستحيل أن يكون القلب معموراً بالإيمان ويتلفظ بعبارات غير مؤدبة تجاه ربه، وكتاب ربه.

 

حسناً .. أخي القارئ ضع في ذهنك الآن ما يقوله أركون من أن: القرآن بعضه مفقود في خزائن الرافضة في الهند واليمن، وأن علماء الإسلام تلاعبوا بالقراءات القرآنية، وأن الصحابة لم يكونوا أمناء في تدوين القرآن، وأن النبي أدخل في القرآن الأساطير، وقصص التوراة بعد أن شوهها، وأن القرآن فيه مغالطات تاريخية، وأن القرآن قسا على المشركين دون مبرر، وأن القرآن هو الذي ينتج التطرف، والعنف، ومضادة العقل، وأن أسلوب القرآن فيه قصور وتكرار زائد وتشنج، وأنه لا يوجد أدلة على صحة نسبة القرآن إلى الله.

 

ضع ما سبق كله في ذهنك، ثم استحضر كيف عرضت الصحافة السعودية أركون بأنه المجدد الأكبر للإسلام، وأحد المجاهدين لمكافحة الظلام وإحلال النور في عالمنا العربي، وأنه مشعل حقيقي، وأنه أحد حكماء الاسلام الكبار، وأحد الهامات الفكرية، والمدافع عن القيم النبيلة.

 

أعرف أخي الكريم أن جوفك يتقاطر مرارةً الآن، وحُق لك ذلك والله، فليس سهلاً أن ترى صحافة بلاد الحرمين وجزيرة الإسلام ومنطلق دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب تبجل وتلمع وتكرم من يهين كتاب الله جل وعلا.

 

أعرف أنك –يا أخي الكريم- تتساءل الآن كما تساءلتُ مثلك: إلى أين يريد أن يذهب بنا هذا الإعلام التغريبي ياترى؟ حتى كتاب الله لم يعد له كرامة؟

 

على أية حال.. الشواهد والمعطيات حول موقف أركون من القرآن كثيرة، وكثيرة جداً، بسب أن أساس ما يسمى مشروع أركون إنما يدور حول القرآن، بمعنى آخر فإن ما يسمى مشروع أركون يرتكز كله حول هدف ووسيلة، فأما (الهدف) فهو: تحرير المسلمين من القرآن ليستطيعوا أن يصلوا إلى الحداثة، وأما (الوسيلة) لتحقيق هذا الهدف فهي: تطبيق العلوم الإنسانية على القرآن، لنحقق ماحققه الغرب في تجاوز الكتاب المقدس. هذا باختصار مكثف كل ماتدور حوله كتابات أركون.

 

ولكن برغم كثرة كلامه حول القرآن إلا أننا يجب فعلاً أن نتوقف عن عرض المزيد من الشواهد، فأظن القارئ المسلم المعظم لله وكتابه لم يعد يطيق أكثر من ذلك، وإنني أشعر أن لهيب الغيرة لله وكتابه قد بلغت غايتها في قلب القارئ الآن، لذلك من الأفضل أن ننتقل لسؤال آخر:

 

ما هو تفسير تشكُّل تصورات وعقيدة أركون بهذه الصورة شديدة الحدة تجاه القرآن ذاته؟ لماذا أعلن أركون الحرب على القرآن منذ أكثر من نصف قرن؟ هذا سؤال يحتاج فعلاً إلى إجابة، وفي تقديري الشخصي أن هناك ثلاثة عوامل صاغت، أو وجّهت على الأقل، بوصلة اعتقادات أركون إلى هذا الاتجاه، وهي: (الطفولة الكنسية، والتشرب الاستشراقي، والعقدة العرقية) وسنحاول إلقاء الضوء على هذه العوامل الثلاث في المحاور القادمة.

 

-مفعول الطفولة الكنسية:

في عام 1868 م أنشأ الكاردينال الكاثوليكي “لافيجري” جمعية علنية في الجزائر عُرِفت باسم الآباء البيض (White Fathers) ، وسبب تسميتهم بهذا الإسم أنهم قرروا أن يلبسوا أردية بيضاء بهدف التناغم مع البيئة الاجتماعية، فأُطلِق عليهم هذا الاسم، ولهم صور فوتوغرافية مبكرة نشروها في كتبهم التي كتبوها عن هذه الحركة يظهرون فيها بهذه الأردية البيضاء.

 

وقد كتب عن هذه الجمعية بغزارة كلا الطرفين، أعني مؤرخي الجزائر ومؤرخي الكنيسة على حد سواء، وممن كتب عنها مؤرخ الجزائر الأشهر ابوالقاسم سعد الله صاحب الموسوعات في تاريخ الجزائر (تاريخ الجزائر الثقافي عشر مجلدات، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر خمس مجلدات، وغيرها) ، وكُتِب عن تاريخ لافيجري منشئ الجمعية كتب خاصة مثل دراسة الأستاذ سعيدي مزيان، وهي رسالة ماجستير بعنوان (النشاط التنصيري للكاردينال لافيجري في الجزائر).

 

وكان الآباء البيض –كما جاء في تاريخهم- يستهدفون مناطق البربر (منطقة القبائل) بعناية أكثر، وفي مدينة وهران (شمال غرب الجزائر) أنشأ الآباء البيض مدارس لتحقيق أغراضهم ضمن أنشطة أخرى.

 

والحقيقة أن الكتابات عن نشأة أركون وطفولته محدودة، ولكن الباحثة د.أورسولا قامت بإعداد رسالتها للدكتوراة عن أركون في جامعة هامبورج في ألمانيا، ثم طرحت خلاصة لهذه الدراسة باللغة الانجليزية ضمن كتاب يرصد النشاط العلماني في الأوساط السنية، بعنوان:

(Modern Muslim intellectuals and the Quran ).

 

عرضت الدكتورة أورسولا فصلاً استعرضت فيه السيرة الذاتية لأركون، وتبرز أهمية هذه السيرة من جهتين: أن أركون هو أحد مدراء المعهد الذي رعى الدراسة، وأن الباحثة أخذت من أركون مباشرة عبر حوارات ومراسلات كما ذكرت ذلك.

 

في هذه السيرة الهامة (p.127) يذكر أركون بأنه من (البربر)، وأنه ولد في عام 1928م في قرية (تاوريرت ميمون) ونشأ في عائلة فقيرة، وكان والده يملك متجراً صغيراً في قرية اسمها (عين الأربعاء) شرق وهران، فاضطر ابنه محمد أن ينتقل مع أبيه، ويحكي أركون عن نفسه بأن هذه القرية التي انتقل إليها كانت قرية غنية بالمستوطنين الفرنسيين وأنه عاش فيها “صدمة ثقافية”، ولما انتقل إلى هناك درس في مدرسة “الآباء البيض” التبشيرية، والأهم من ذلك كله أن أركون شرح مشاعره تجاه تللك المدرسة حيث يرى أنه (عند المقارنة بين تلك الدروس المحفزة في مدرسة الآباء البيض مع الجامعة، فإن الجامعة تبدو كصحراء فكرية) [p.128].

 

وقد لفت أركون انتباه المبشرين، وظهرت محطة أخرى من الرعاية الكنسية، وهي دور المستشرق/المبشّر لويس ماسينيون، فبعد محطة (الآباء البيض) جاءت محطة (المبشر ماسينيون)، وماسينيون ليس مستشرقاً علمانياً ككثير من المستشرقين، بل الحقيقة أن أكثر مشاهير المستشرقين علمانيين، لكن ماسينيون لم يكن كذلك أبداً، بل كان مجاهراً بكاثوليكيته والدعوة إليها وقيادة مؤسسات تبشيرية بكل وضوح، وكان من أهم الأفكار التي يروجها ماسينيون، واشتهر بذلك، هو إمكانية تأصيل المسيحية من داخل الإسلام ذاته، أي الاستدلال على عقائد المسيحية بالقرآن، ولذلك كان الراحل ادوارد سعيد، برغم أنه معجب بموسوعية ماسينيون، إلا أنه تحدث عن “تدينه العميق” ثم قال عنه:

(ماسينيون يؤمن بإمكان اختراق عالم الإسلام، لا من طريق الدراسة العلمية فحسب، بل بتكريس النفس لجميع أنشطة ذلك العالم، ولم يكن أقلها أهمية عالم المسيحية الشرقية داخل عالم الإسلام، وكان ماسينيون يشجع بحرارة إحدى جماعاتها الفرعية، وهي جمعية البدلية الخيرية الكاثوليكية) [الاستشراق، إدوارد سعيد، ص 411، ترجمة عناني].

 

ولما رأى ماسينيون الحلاج صوفياً تأملياً انتهت حياته بالصلب، استولى عليه نموذج الحلاج باعتباره شبيها بما يعتقده في المسيح، وهو أنه ضحى بنفسه للصلب، فكرس سنوات كثيرة لجمع المادة عنه، وأخرجها في كتاب موسوعي ترجم إلى اللغة العربية (شرح مراحل تأليف الكتاب ع.بدوي في موسوعته)، وكان ماسينيون يرى أن الحلاج هو أعظم إنسان في الإسلام، وأنه استطاع أن يتفوق على النبي محمد الذي لم يقبل الصلب، يشرح إدوارد سعيد دلالات هذه الفكرة لدى ماسينيون قائلاً:

(كان ماسينيون يرى أن الشخص المثالي هو الحلاج، الذي حاول تحرير ذاته بسعيه ووصوله آخر الأمر إلى الصلب، وإن محمداً رفض عمداً الفرصة التي أتيحت له بسد الفجوة التي تفصله عن الله، ومن ثم فإن إنجاز الحلاج يتمثل في تمكنه من تحقيق الوحدة الصوفية مع الإله) [الاستشراق، إدوارد سعيد، 413، ت عناني].

 

وأما المنصب السياسي الذي كان يعمل فيه ماسينيون فهو مستشار الادارة الفرنسية الاستعمارية للشؤون الاسلامية، ويبدأ الدور الذي لعبه ماسينيون في كون ماسينيون هو الذي تدخل شخصياً لكي ينتقل أركون إلى السوربون، ودرس هناك على ماسينيون وغيره، ولما أعلنت وفاة أركون كان من أطرف ما في الأمر أن الذي أعلن الوفاة لوسائل الإعلام هو الأب المسيحي كريستيان ديلورم، وهو الذي شرح حيثيات وصية أركون بأن يدفن في المغرب، وليس في الجزائر، ووصفته وسائل الإعلام بأن الأب ديلورم مقرّب من أركون، وكان مما قاله ديلورم (أن أركون درس في السوربون بتدخل من الدكتور ماسينيون)، وهذا كان ظاهراً في إعلانات وفاته في وسائل الإعلام في الأسبوع الماضي.

 

ثم لما درس لدى ماسينيون في باريس ظهرت آثار أفكار ماسينيون على أركون، مثل مركزية مفهوم الديانات الابراهيمية، وانتقاص اللغة العربية، والكتابة عن الحركات السرية، فكل هذه المشاغل التي عمل عليها ماسينيون رددها أركون لاحقاً.

 

حسناً .. حين نضع هذا الاهتمام الذي كثفه ماسينيون تجاه أركون في كفة، حيث تدخل ليدرس أركون في السوربون، ونقارن في الكفة الأخرى الاضطهاد الذي كثفه ماسينيون ضد مالك بن نبي بسبب توجهاته الإسلامية، فإن الصورة ستكون أكثر وضوحاً.

 

وقد روى مالك بن نبي قصة الضغوط والعراقيل والملاحقات التي نفذها ماسينيون ضده بشكل مختصر في كتابه القديم (مذكرات شاهد للقرن) وشرحها باستفاضة في كتابه الصادر أخيراً بعد موته (العفن) وهو جزء من سيرته الذاتية.

 

بدأ اضطهاد ماسينيون لمالك بن نبي بعد أن ألقى مالك بن نبي محاضرة في باريس على الطلبة الجزائريين والعرب بعنوان (لماذا نحن مسلمون؟) عام 1931هـ، وبعد ثلاثة أيام وصل إلى مالك رجل أمن، عرفه بهويته، وقال له: من الذي ينفق عليك؟ فقال له مالك: والدي. ثم انصرف رجل الأمن مباشرة.

 

ثم تلقى مالك استدعاء من ماسينيون، فاستغرب مالك بن نبي من صيغة الدعوة من كونها غير مباشرة وفيها فوقية، فلم يأبه لها. وبعد زمن قصير وصل إلى مالك خبر من أبيه في الجزائر يخبره فيه أنه يعاني من مضايقات في عمله ويحتاج تدخل ماسينيون لإصلاح وضعه، وانتهت هذه المضايقات بخروج أبيه من وظيفته وضياع حقوقه وهو في الثمانين من العمر.

 

يقول مالك بن نبي بمرارة عن حادثة رجل الأمن:

(لم أضع في ذهني أي صلة بين هذا الحادث التافه ومحاضرتي أمام الطلبة، وخصوصاً بينه وبين مركز أبي الموظف الصغير بالجزائر…، فتحطمت السمكة الصغيرة رخوة لينة بفتور على شفتي ماسينيون) [مذكرات شاهد للقرن، مالك بن نبي، 237-242 ].

 

دعنا نتوقف هاهنا لنتأمل الاستنتاجات المتوقعة، هذه الرعاية الكنسية لأركون منذ محطة الآباء البيض، ومروراً بمحطة ماسينيون، وخصوصاً دعم ماسينيون لأركون وحربه على مالك بن نبي، وانتهاءً بعلاقات أركون العميقة مع رجال الدين النصارى في باريس.

 

ماذا يمكن أن نستنتج من هذه المعطيات؟ أعتقد أن القول بأن أركون لديه ميول تنصيرية هو أطروحة في غاية السطحية، خصوصاً لمن طالع كتابات أركون وما فيها من العلمانية الجذرية التي تستخف بالأديان كلها.

 

إذن ليس هذا هو أثر هذه النشأة والدعم النصراني، وإنما مفعولها يقع في مستوى آخر، وهو أن هذه النشأة والدعم الكنسي منذ طفولته المبكرة وحتى إجراءات دراسته في فرنسا كان لها أثر جوهري في (تقويض الحواجز الإيمانية بين أركون والقرآن)، وهذا من أهم العوامل التي تفسر اندفاعه في التنديد بالقرآن والسخرية بمحتواه وأسلوبه، فالإخاء المبكر مع هؤلاء المنصرين وشكوكهم المستمرة في نسبة القرآن إلى الله، وأن النبي –صلى الله عليه وسلم- أخذه من التوراة والانجيل، وأن القرآن هو مصدر العنف؛ هذه الأفكار النصرانية كلها امتصها أركون وكررها في كتاباته، وإن كان في صيغة علماني لا نصراني.

 

-إعادة إنتاج الاستشراق:

تشرّب أركون كتابات المستشرقين، ثم أعاد إنتاجها في صيغ مختلفة، والجميل في الأمر أن أركون لا يخفي أبداً مديونيته الباهضة للمستشرقين، بل يجاهر بأنه لم يفهم القرآن إلا من دراسات نولدكة وطبقته، كما يقول أركون مثلاً:

((تقدم الدراسات القرآنية قد تم بفضل التبحر الأكاديمي الاستشراقي منذ القرن التاسع عشر) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 70].

 

ويؤكد دوماً الدعوة إلى تبني نتائج المستشرقين في نقد القرآن وشكرهم عليها، كما يقول أركون في لغة هتافية:

(لنكن متواضعين في ذات الوقت ولنعترف بمكتسبات العلم الاستشراقي وانجازاته، ولذا فإني أحيي بكل اعتراف بالجميل جهود ومكتسبات رواد الاستشراق) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 32].

 

وحاول أركون أن يعرض قائمة بأسماء الدراسات التي طورت الدراسات القرآنية (يعني بالتطوير محاولة إثبات أن نص القرآن محرف، أو أن الموجود منه أخذه النبي محمد من التوراة والانجيل، الخ) ولكن حين عرض هذه الأسماء التي تزيد على اسم عشرين باحثاً، تفطن إلى أن كل الأسماء المذكورة هم باحثون مستشرقون! ويبدوا أنه شعر بالحرج، ولذلك وبعد عدة صفحات رجع وقال:

(كنت قد ذكرت آنفاً لائحة بأسماء الباحثين الرواد، الذين ساهموا في الدراسات القرآنية بشكل علمي، وأدوا إلى تقدمها، وإلى تقدم معرفتنا العلمية بالقرآن، وربما كان القارئ قد لاحظ أني لم أذكر إلا أسماء مستشرقين، وعدم ذكري لأي مفكر مسلم يكفي لإلغاء دراستي هذه، أو الحط من قيمتها في نظر المؤمنين الأرثوذكسيين) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 39].

 

ولا يتوقف الأمر عند القرآن بل حتى العقيدة الإسلامية (التي يسميها التيولوجيا) يرى أنها تحتاج لإعادة نظر بعد أن درسها المستشرقون، كما يقول أركون:

(فيما يخص الإسلام، فإننا نجد أن أعمال هنري لاوست وهنري كوربان؛ تكفي للإقناع بالحاجة الملحة إلى افتتاح تفكير تيولوجي آخر ومختلف قائم على أسس جديدة كلياً) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 121].

والتيولوجيا في نظر أركون هي كما يقول (علم أصول الدين يطابق ما نسميه اليوم بالتيولوجيا)[الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 171].

وهكذا فإن أصول الدين تحتاج عند أركون لإعادة قراءة بعد أبحاث المستشرقَين لاوست وكوربان.

 

حسناً .. لماذا يرفض المسلمون دراسات المستشرقين التشكيكية حول القرآن؟ هذا سؤال أرّق اركون، وطرحه في أكثر من موضع من كتاباته، وهو يرى أن المسلمين يرفضون هذه الدراسات الاستشراقية لأنها لا تدعم الأساطير التي يؤمنون بها! كما يقول أركون:

(من هنا نفهم السر في رفض المسلمين، بالأمس واليوم، للعلم الاستشراقي المطبّق على دراسة الحديث والسيرة والقرآن، فهذا العلم يحط من قدر المعرفة الأسطورية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 175].

 

ويتحدث أركون بلغة حزينة مأتمية شفقةً على المسلمين لماذا يرفضون دراسات المستشرقين التي تشكك في القرآن، كتب أركون في هذه الشأن مقطوعات رثاء مبكية فعلاً، يرثي فيها لحالة المسلمين في يقينهم بالقرآن، ورفضهم تشكيكات المستشرقين، يقول أركون:

(حتّامَ يستطيع المسلمون أن يستمروا في تجاهل الأبحاث الأكثر خصوبةً وتجديداً؟ قصدت بالطبع أبحاث العلماء الغربيين الذين يدعونهم بالمستشرقين، أقول ذلك وأنا أفكر بأبحاث نولدكة، وجوزيف شاخت، وجوينبول عن الحديث النبوي، وغيرهم كثير، كلهم متجاهلون تماماً من قبل المسلمين، أو يُهاجمون من قبل الفكر الإسلامي دون تمييز. حتّامَ يُهملون، أو يُمررون تحت ستار من الصمت، أو يحذفون كلياً من الساحة الثقافية العربية أو الإسلامية؟ هل يمكن أن يستمر هذا الوضع إلى أبد الآبدين؟ ولمصلحة من؟) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 54]

 

بعد هذه المقطوعة البكائية لأركون، وهذا اللطم والتفجع على عدم قبول المسلمين لتشكيكات المستشرقين في القرآن والسنة؛ من المهم التنويه إلى أن أركون برغم أنه يتظاهر أحياناً بنقد (الاستشراق الفيلولوجي) في مقابل الانتصار لما يسميه (الاسلاميات التطبيقية) أي تطبيق كامل العلوم الإنسانية، لا الاقتصار فقط على المنهج الألسني الفيلولوجي كما اعتاد على ذلك الاستشراق التقليدي؛ إلا أنه ومع ذلك كله فهو لا يعتبر الاستشراق التقليدي تجاوز في نقد الاسلام، بل يعتبره قصر في النقد فقط!

 

لنأخذ أمثلة على ذلك: تجد خطاً جديداً من “بعض” المستشرقين الجدد يسعون لأن يكونوا منصفين مع الإسلام، ويتجاوزوا خطأ الاستشراق التقليدي، فتراهم يثنون على بعض جوانب الإسلام، كثنائهم على عظمة القرآن وأخلاقياته، وهذا الأمر يؤلم أركون، فهو لا يريد أي إنصاف للإسلام والقرآن، يريد المستشرقين أن يمارسوا نقداً جذرياً، تأمل معي كيف يلوم أركون هذه الظاهرة الجديدة، ويعاتبهم لارتكابهم جريمة إنصاف، كما يقول:

(نسجل هنا ظهور كتب عديدة في المكتبات الفرنسية والانكليزية وغيرها، مكرسة للاسلام التقليدي والثوري، إنها مؤلفات مجامِلة وتبجيلية، وهي تؤخر من مجئ لحظة التجديد للفكر الإسلامي) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 110].

 

وتجد “بعض” المستشرقين، وخصوصاً المتأخرين منهم، يحاول أن يكون محايداً في قضايا شرعية معينة، فينقل فيها أقوال علماء الإسلام دون أن يتدخل ليبدي رأياً شرعياً، باعتباره مجرد قائ من الخارج، هذا الأمر يزعج أركون جداً، فهو يحرض المستشرقين على أن لا ينقلوا آراء علماء الإسلام، ويطلب منهم التدخل وإنتاج عقيدة وفقه شرعيين، يقول أركون عن هذا الاتجاه:

(فيما يخص المستشرقين فقد لاحظنا ميلهم إلى مجرد نقل ما يقوله المسلمون عن الإسلام، من اللغة العربية إلى اللغات الأوروبية، بشكل موضوعي، ولكنهم لا ينخرطون في المراجعات والتجديدات المنهجية والابستمولوجية التي أصبحت ضرورية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 110].

 

من المزعج لأركون جداً أن يقترف المستشرق جناية الموضوعية مع الإسلام!

 

وهذا ليس خاصاً بالمستشرقين، بل أي مفكر غربي يكتب كلاماً فيه بعض الإنصاف للإسلام والقرآن يهاجمه أركون مباشرة، كما يقول مثلاً:

(نلاحظ اليوم ظهور تيار آيديولوجي في الغرب، يدّعي الانتماء إلى المراسيم الجامعية، والتمسك بالقيم الأكاديمية في البحث، ولكنه ينشر ويعمم في اللغات الأجنبية شعارات الخطاب الإسلامي المعاصر، وكلامه الردئ المبتذل. أفكر هنا بالمؤلفات التبجيلية التي كتبها معتنقون جدد للإسلام كروجيه غارودي مثلاً) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، ص14، وحاشية ص 43].

 

على أية حال .. فالمراد أن ما يصنعه أركون من نقد في بعض الأحيان للاستشراق، وخصوصاً الاستشراق التقليدي، ليس في جوهره تراجعاً عن التطاول الاستشراقي على القرآن، بل هو رغبة في زيادة التطاول، فهو مزايدة من أركون على المستشرقين، باتجاه المزيد من التهجم على القرآن، والتشكيك فيه.

 

ومن هذه الكتب الاستشراقية الحاقدة يبني أركون تصوراته، ولا يرى أي غضاضة في الإشادة والتنويه بها، بل يزايد عليها ويطلب منها المزيد والمزيد من التهجم.

 

أعتقد أن السؤال الموضوعي هاهنا: وما الإشكال في هذه الدراسات الاستشراقية التي ينوه بها أركون؟

الحقيقة أن هذا سؤال موضوعي يستحق الجواب عنه، لكن يستحيل قطعاً في هذه الورقة المختصرة عرض كل الشواهد على لا علمية هذا الطابور الطويل من المستشرقين الذي يجرجره أركون معه في كتبه، وأن دراساتهم مبنية على الشكوك المحضة والتلفيق والخلط، ومتأثرة بالمحضن الاستعماري والتبشيري الذي يمولها.

 

ولكن من الممكن أن نعرض نماذج مختصرة على ذلك، فلنأخذ أشهر رمز يؤكد أركون أنه لم يفهم القرآن فهماً علمياً إلا بعد قراءة كتابه، وهو تيودور نولدكة (Theodor Noldeke) المتوفي عام 1930م، والذي دشن موسوعة (تاريخ القرآن) والذي أصله رسالته للدكتوراة التي أنجزها عام (1858م ) وقد اهتم بهذا العمل وواصل تطويره شفالي وفيشر وبرجشتر، ومن بعدهم بلاشير، وغيرهم كثير.

 

سنأخذ عينات من هذا الكتاب المؤثر على عقول أجيال المستشرقين الغربيين، ومعيدي إنتاج الاستشراق من العرب، حيث يعتبرون هذا الكتاب أرقى دراسة استشراقية حول القرآن، خذ مثلاً نماذج من الكتاب حتى تعرف مدى الجدية العلمية:

(في حين أن سورة الفاتحة تظهِر قرباً كبيراً من الصلوات اليهودية والمسيحية، فإن لسورتي القسم –الفلق والناس- خلفية وثنية واضحة، إن الذي وضع هذه الصلوات في مكانها الحالي في القرآن أراد لها أن تكون نوعاً من جدار حماية له) [تاريخ القرآن، نولدكة، 274]

يشكك نولدكة في صحة كون الفاتحة والفلق والناس من القرآن، ويرى أن الفاتحة  مأخوذة من اليهود والنصارى، والفلق والناس مأخوذتان من الوثنية العربية.

 

ويقول نولدكة عن آية الرجم التي نسخ لفظها وبقي حكمها:

(لا يمكن أن تكون هذه الآية المسماة آية الرجم من القرآن لأن هذه القوانين الجزائية الرهيبة لم تظهر إلا بعد موت محمد) [تاريخ القرآن، نولدكة، 276].

يفترض أن رجم الزاني المحصن عقوبة تم اختراعها بعد وفاة النبي –صلى الله عليه وسلم- ولذلك لا يمكن تكون آية الرجم آية منسوخة لفظاً من القرآن.

 

ومن المسائل التي أظهر نولدكة عناية بتفسيرها هي: ما سر اختيار ابوبكر لزيد بن ثابت ليجمع القرآن؟ ويفترض نولدكه من جملة خيالاته أن ذلك بسبب أن زيد بن ثابت شاب صغير وسيكون ابوبكر قادراً على تطويعه بخلاف الموظفين كبار السن، يقول نولدكة:

(أما عن شباب زيد بن ثابت فثمة تفهم عند الدارسين لهذا الموضوع، إذا ينتظر المرء من شاب مطاوعة أكبر لأوامر الخليفة، من موظف كبير في السن وعنيد) [تاريخ القرآن، نولدكة، 251].

 

وضمن محاولة نولدكة للتشكيك في جمع القرآن في عهد أبي بكر افترض نولدكة قصة خيالية للوصول لذلك، وهي أن قصة جمع أبي بكر للقرآن قصة تمت صناعتها وفبركتها في سياق الصراع مع عثمان بن عفان، لتجريده من منقبة السبق! يقول نولدكة:

(بعد أن اضطر المؤمنون إلى التكيف مع الحقيقة المرة، وهي أن عثمان بن عفان، الحاكم العاجز وغير المحبوب، قد أصبح الأب الروحي للنسخة الرسمية للقرآن، أرادوا، على الأقل، منطلق المساواة، أن ينسبوا لسلفه، الذي يفوقه أهمية بمقدار كبير، جزءاً مما سبق من عمل على هذه النسخة) [تاريخ القرآن، نولدكة، 255].

 

هكذا يلاحظ القارئ أن البحث العلمي صار رخيصاً جداً، مجرد فرضيات وخيالات وشكوك وتوجسات، دون أية براهين أو معطيات حقيقية، ويعاملون الرواية المنخولة في البخاري التي تجالد في تمحيصها فحول المحدثين، بنفس الموثوقية التي يعاملون بها رواية نسجها الأصفهاني في كتاب الأغاني ذات مساء عليل، ويضيفون لذلك ما يتيسر من توهمات؛ ويسمون هذه العشوائية  تطوراً في البحث العلمي!

 

هذا الكتاب ذي النزعة الروائية التخيلية، أعني كتاب نولدكة عن تاريخ القرآن، هو الذي يقول عنه أركون بأنه زوده بـ”الفهم العلمي” للقرآن، ويتحسر بأن الجهود توقفت عن مواصلة مسار نولدكة!

 

على أية حال .. ماسبق كان عرضاً موجزاً لكيفية تشرب أركون للخطاب الاستشراقي في أسوأ صوره، وكيف أصبح يعيد إنتاج هذا الخطاب الاستشراقي في شكوكه التقليدية بصحة القرآن في نسبته إلى الله، وصحة نقل الصحابة له.

 

-العقدة العرقية:

يشكل (البربر) في الجزائر أحد أعمدة الإسلام الذين نصروه واعتزوا به، وكان منهم فقهاء تضلعوا في العربية والعلوم الشرعية، وواسطة العقد في هؤلاء فقيه الإصلاح الشيخ عبدالحميد بن باديس، وكان البربر –أيضاً- من أول من رفع راية الجهاد في سبيل الله ضد الاستعمار الفرنسي ومن أشهرها ثورة المقراني، ولهم فضائل ومناقب كثيرة لا يجحدها إلا مكابر.

 

ولكن كان هناك في الجزائر “بعض” الصراعات العرقية النابعة من شُعب الجاهلية والتي شجعها الاستعمار الفرنسي بكثافة لاستغلالها في بسط هيمنته، ونشأ في ثنايا هذه الظروف اتجاه علماني بربري حاقد لديه عقدة عرقية ضد الإسلام واللغة العربية باعتبارها دين ولغة العرب.

 

والحقيقة أن قراءة سلوكيات أركون تجاه القرآن واللغة العربية، ومشاعره التي نقلها عن نشأته؛ توحي بأنه كان يعاني من هذه العقدة العرقية ضد الإسلام واللغة العربية، يحكي أركون عن نفسه أنه (عندما انتقل إلى قرية عين الأربعاء واجه لأول مرة التهميش والازدراء لكونه ليس من الناطقين بالعربية ولا من الناطقين بالفرنسية، وكان عليه أن يعالج هذا الصراع الداخلي لهذا التمييز، سواءً كان هذا الرفض بسبب النظام الاستعماري، أو بسبب صراع المكانة الاجتماعية المختلفة بين الجزائريين العرب والجزائريين البربر).

[U. Gunther, Mohammed Arkoun, p.127]

 

ولذلك تجد كثيراً لدى أركون لمز اللغة العربية بسبب ارتباطها بالمفاهيم العقدية القرآنية، ويرى أنها مفاهيم ثقيلة تقيدها، في مقابل تفخيم شأن الفرنسية وحيويتها، يقول مثلاً:

(سوف يشيعون في الوقت ذاته العقبات المعرفية المتعلقة بالإرث اللاهوتي الثقيل للغة التي اختارها الله في القرآن، كانت هذه المحاجة قد ضغطت دائماً بشكل إيجابي لصالح التصور الذي يمتلكه العرب-المسلمون عن الدين واللغة) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 41]

 

وقد شرح مالك بن نبي –رحمه الله- شيئاً من ظروف ومعطيات تلك المرحلة، وكيف كانت المؤسسة الاستعمارية الفرنسية تغذي المشاعر العرقية لدى البربر ضد الإسلام، لصناعة ذراع بربري يخدم أغراضها الاستعمارية، يقول مالك بن نبي:

(بدأت باريس تعد عدتها لاستقبال زوار معرض المستعمرات، افتتح المعرض بعد أسابيع، وكان الزائر الذي يدخل من الباب الرئيسي يشاهد على يساره جناحاً لـ”الآباء البيض”، تعرض فيه نسخ العهد القديم والجديد، ويوزع فيه كتاب بعنوان “الرسائل الجزائرية” يتناول صاحبه المحامي الجزائري التقاليد الاسلامية بنقد فيه التشويه والتشنيع، كأنما أراد به الزلفى لدى الآباء البيض، وكان الأمر الأهم في المعرض بالنسبة للزوار الجزائريين كان بلا ريب كتاب “الرسائل الجزائرية” لأنه يندرج في تلك الملابسات التي كانت فيها الإدارة الاستعمارية تهئ “الظهير البربري” كخطوة أولى لتنصير مراكش) [مذكرات شاهد للقرن، مالك بن نبي، 228-232، مختصراً].

 

وهذه العقدة العرقية التي كان يعانيها أركون ضد العرب ولغة العرب ودين العرب؛ ربما تكون هي التي دفعته بشدة إلى تبني الهوية الفرنسية (هوية الغالب) للانتقام من الهوية العربية (هوية المغلوب)، وتشرب أركون للهوية الفرنسية بكل مكوناتها وأحاسيسها عملية غريبة فعلاً، وهي تستحق دراسة نفسانية، حتى أن أركون يتمثل نفس مشاعر الغرور الفرنسية في مواجهة بقية الهويات الغربية، ففي أحد كتبه التي ترجمت من الفرنسية إلى الانجليزية يمارس فيها ذات الاستعلاء الفرنسي التقليدي على القارئ الانجلوساكسوني، حيث يقول فيها مخاطباً الناطقين بالانجليزية:

(القراء باللغة بالانجليزية قد يكون يكونون أقل ألفة لهذه المفاهيم من القراء باللغة الفرنسية، وهذا عائد لكون الطلاب في المدارس الفرنسية يدرسون شيئاً من الفلسفة في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية).

[M. Arkoun, The Unthought in Contemporary Islamic Thought, 2002, pp. 15-16]

 

حتى أمريكا وبريطانيا واستراليا وكندا الخ لم تسلم من مزايدة أركون على الفلسفة الفرنسية، والنمط الفرنسي في المعرفة والفكر والتعليم!

 

ولكن العبودية تظل عبودية، والرق يظل رقاً، فحين نستعيد التاريخ ونتذكر أنه في الوقت الذي طُرِدت فرنسا وانتهى استعمارها للجزائر عام 1962م لم يكن أركون حينذاك صغيراً، بل كان عمره آنذاك  34 سنة، أي أنه عاش ثلث قرن تحت إهانة الاستعمار الفرنسي لهويته الجزائرية، ومع ذلك يتشرب هوية المستعمر بطريقة في غاية الغرابة.

 

كيف يبلغ الوضع بالمرء أن يحتضن في قلبه سيف من استعمره؟ لا أشك أن أركون كان مصاباً بمتلازمة استوكهولم ( Stockholm Syndrome)، ولذلك حين انتقده بعض الفرنسيين لمقالته عن قضية سلمان رشدي عام 1989م؛ طاش لبه وأصابته نوبة غضب غريبة، لماذا؟ لأنه يستنكر كيف يطعنون في ولائه للفرنسيين؟ وقد شرح ذلك مطولاً في كتابه (الإسلام، أوروبا، الغرب) وقد قال فيه كلاماً ذا دلالات عميقة على عمق مشاعر العبودية والرق التي يعيشها أركون في علاقته مع الفرنسيين، حيث يقول:

(في الوقت الذي دعوا إلى نبذي وعدم التسامح معي، راحوا يدعون للتسامح مع سلمان رشدي، وهذا موقف نفساني شبه مرضي، أو ردّ فعل عنيف تقفه الثقافة الفرنسية في كل مرة تجد نفسها في مواجهة أحد الأصوات المنحرفة لبعض أبناء مستعمراتها السابقة، لقد عشت لمدة شهور طويلة بعد تلك الحادثة حالة المنبوذ، يمكن للفرنسي الأصلي أن ينتقد أشياء كثيرة دون أن يحاسبه أحد، لكن الفرنسي ذا الأصل الأجنبي مُطالَب دائماً بتقديم أمارات الولاء والطاعة والعرفان الجميل) [الاسلام أوروبا الغرب، أركون، 105]

 

على أية حال .. هذه العوامل الثلاث –في تقديري الشخصي- هي من أهم العوامل التي صاغت تفكير أركون وحركته بهذا الاتجاه، وهي الطفولة الكنسية، والتشرب الاستشراقي، والعقدة العرقية.

 

لننتقل الآن إلى محاولة فهم الدور الذي لعبه أركون في فرنسا بعد ذلك.

 

-مفكر أم سياسي؟ :

في أواسط عام 1426هـ تقريباً التقيت بمفكر فرنسي مشهور متعاطف مع الحركات الإسلامية ويتحدث العربية، وطوال اللقاء لم أسأله إلا سؤالاً واحداً: ما هو موقع أركون في الساحة الثقافية الفرنسية؟ فتحفظ في الجواب أولاً، ثم قال كلاماً معناه أن أركون يعرض خدماته على الحكومة لخدمة أهدافها الثقافية، هذا معنى كلامه ولا أتذكر عبارته بالضبط.

 

منذ قال لي هذا المفكر هذه العبارة، بدأت أتنبه لمعطيات كثيرة لم أكن أتنبه لها مسبقاً حول شخصية أركون والدور الذي يقوم به.فمثلاً:

 

 ما سبب الكثرة المفرطة للجان الحكومية الفرنسية التي يعمل فيها أركون؟ لماذا توظفه الحكومة بهذا الشكل؟ ومنها لجنة الحكماء العشرين التي وضعه شيراك فيها، والتي أقرت منع النقاب، ودافع هو عن هذا القرار الإجرامي في وسائل الإعلام.

ما سبب كون أركون يكثر في كتبه من القول بأن هذا مشروع ضخم، ولكنه يحتاج إلى باحثين ومؤسسات، وسيكون له دور كبير في علمنة المسلمين، الخ هذه الرسالة التي توحي بطلب التمويل يوجهها لمن؟

 

ماسبب كون أركون يدخل بنفسه على المسؤولين الفرنسيين الكبار يطالب بإقامة مؤسسات بحثية لمشروعاته كما يقول عن نفسه (طلبت لقاء “ميتران” في قصر الاليزيه لكي أشرح له ضرورة تأسيس معهد كبير للدراسات الإسلامية في فرنسا على غرار المعهد الكاثوليكي أو المعهد البروتستانتي) [صحيفة الراية القطرية، 21فبراير2010 ]

 

ما سر هذا النفوذ لأركون في المؤسسات الأكاديمية الفرنسية حتى أنه يملك الترشيحات للمفكرين العرب الذين ينسجمون مع توجهاته؟

 

يذكر بعض المراقبين أنه لما انتشر في المغرب علاقة أركون بالتمويلات الفرنسية نشط كثير من المرتزقة في الثناء على أركون ومحاولة الارتباط به، وقد نقل هذه الظاهرة المخزية المفكر الإسلامي المغاربي محمد بريش، فحين بدأ يلمع نجم أركون مطلع الثمانينات لفت ذلك نظر الدكتور بريش، فبدأ برصد كتاباته باللغة الفرنسية وحضر دروسه بل وذهب لبعض أقاربه وسألهم عنه، ثم أنجز دراسة بدأ بنشرها على شكل حلقات في مجلة الهدى، وعمر هذه الدراسة الآن أكثر من ربع قرن! يقول الدكتور بريش شارحاً ظروف بحثه:

 (هذه الورقات حررت سنة 1985 ميلادية، كانت الغاية منها الوقوف في وجه تيار يريد أن يحد من بلورة شعب الدراسات الإسلامية حديثة النشأة في الجامعات بالمغرب، والملاحظ من فجاءة نمو نشاط أركون على أصعدة متعددة، ولمعان إعلامي مصاحب له، أن الأستاذ قد امتطى الفرس المسرج له من منبر السربون لإنجاز بعض المهام هي في الأساس فكرية، لكنها بفضل ما حشد لها من وسائل وترويج أضحت إيديولوجية، وازداد الأمر لدي إلحاحا لما علمت أن عددا من الأساتذة يرغبون في تسجيل أطروحة الدكتوراه بإشراف الأستاذ الفاضل لمجرد الحظوة بمباركة الجهات التي تدعمه) [د.بريش، حاشية على بحث: دراسة فكر الدكتور أركون]

 

مفكر وباحث مشهور بحجم جورج طرابيشي يتحدث عن أركون بصيغة توحي بالنفوذ السياسي لأركون، كما يقول طرابيشي: (قُيّض لي إثر هجرتي إلى فرنسا عام 1984 أن ألتقيت أركون شخصياً وأن أحظى بموافقته لتقديم أطروحة دكتوراه إلى السوربون تحت إشرافه)[الحياة 16سبتمبر 2010]

 

وتزداد هذه الملاحظات السابقة تعزيزاً إذا استحضرنا الفارق الجوهري بين تعامل (السياسي الفرنسي) مع أركون، وتعامل (المثقف الفرنسي) مع أركون، فالسياسي الفرنسي شديد الاهتمام بأركون ويضعه في مناصب ولجان حكومية كثيرة، بينما المثقفون الفرنسيون لا يعيرونه اهتماماً، كما نراهم -مثلاً- شديدي الحفاوة بإدوارد سعيد، وقد روى أركون مرارته الشديد من إهمال المثقفين الفرنسيين لدراساته، واعتبارهم أن دراسات أركون ليس فيها إضافة، بل هي تكرار لما يقوله الفرنسيون أنفسهم، يقول أركون عن المثقفين الفرنسيين:

(يقولون لي –بشكل انتقادي ومعاكس- : ما الذي تفعله أنت؟ أنت تردد بشكل ناقص الأفكار والمواقع والانتقادات نفسها التي كنا نحن الغربيين قد بلورناها تجاه تراثنا الديني منذ زمن طويل، أنت لم تأت بشئ جديد، كل ما تفعله شئ تافه، مللنا منه، عفا عليه الزمن) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 23]

 

ويعبر أركون عن موقف المثقفين الفرنسيين وعدم احترامهم لبحوث أركون بصيغة أخرى فيقول:

(نلاحظ أن المثقفين الغربيين، أو قسماً كبيراً منهم، يحاولون جاهدين التقليل من أهمية مشروعي، بل واعتباره تحصيل حاصل) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 31].

 

بل وعبّر أركون عن ازدراء المثقفين الفرنسيين له بطريقة تستدر الرحمة بصراحة، حيث يقول:

(عندما قدمت هذا المشروع لأول مرة عام 1984 م لم أكن قد وصلت إلى هذا المستوى من المرارة والخيبة فيما يخص العلاقة مع الباحثين الغربيين) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 32].

 

حين نوازن بين عناية المؤسسة السياسية الفرنسية بأركون، في مقابل ازدراء المثقفين الفرنسيين لأركون واعتباره ليس لديه جديد ولا إضافة؛ فإن ذلك يطرح السؤال من جديد: هل أركون مفكر أم سياسي؟ هل هذا الحضور لأركون بسبب مؤهلات فكرية أم بسبب دور سياسي معين يقوم به؟

 

ومن تأمل هذه المعطيات السابقة ورأى التمجيد والتبجيل والتقديس الذي يريقه هاشم صالح على هوامش أركون، وكيف يصف بالعبقرية كلاماً عادياً جداً لأركون، وكيف يتظاهر هاشم صالح بالدهشة من كلام أركون العادي الذي يعرفه هاشم صالح قبل أن يقوله أركون أصلاً، وكيف وقف نفسه على ترجمة كتب أركون، برغم أن هاشم صالح قارئ جاد وليس بحاجة “فكرية” إلى هذا الدور التبعي الذي يقوم به وراء أركون؛ من تأمل ذلك كله فإنه سيتذكر حتماً عبارة الدكتور بريش، وأن هاشم صالح ليس جاداً أبداً في هذا الثناء، وإنما يبحث عن حظوة الجهات التي تدعم أركون لا أقل ولا أكثر.

 

ويتردد السؤال بصيغة أخرى: هل أركون “مثقف” أم مجرد “مدير ثقافي” تستعمله المؤسسة السياسية الفرنسية لترويج الآيديولوجية الفرنكفونية؟ ليس لدي جواب حاسم عن هذه الإشكالية، لكنها مجرد تساؤلات ومؤشرات تعزز ملاحظة ذلك المفكر الفرنسي.

 

أعتقد أننا أطلنا في استعراض الظروف التي شكلت أفكار أركون، والدور الذي يلعبه في الساحة الفرنسية، دعنا نعود إلى مناقشة بعض المكونات الفكرية لكتابات أركون.

 

-دعوى ابتكار (الإسلاميات التطبيقية) :

يكثر أركون من القول بأنه أول من نقد الاستشراق التقليدي بكونه لم يستفد من التطور في مناهج العلوم الإنسانية، وأن أركون لهذا الغرض سبك مفهوم (الإسلاميات التطبيقية) أي التي تطبِّق جميع مفاهيم العلوم الإنسانية، في مقابل (الاستشراق الكلاسيكي) الذي يستخدم مناهج تقليدية وخصوصاً الفيلولوجيا، أو المنهج الوصفي المحض فقط، ويُغرِق أركون في الثناء على نفسه بهذا الذي يراه منجزاً وسبقاً.

 

ويشير أركون كثيراً إلى الفرق بين الإسلاميات التطبيقية كما يقترحها، والاسلاميات الكلاسيكية كما يعمل عليها المستشرقون، كقول أركون مثلاً:

(من أجل أن نحدد مفهوم “الاسلاميات التطبيقية” فإنه من اللازم أن نذكر بالمساهمات التي قدمتها ماسنسميه “الاسلاميات الكلاسيكية” ) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 51].

 

ومن هذا التمدح الذي يكثر منه أركون قوله:

(دعوت إلى تجديد جذري لمنهجية الاستشراق الكلاسيكي، وإلى تطبيق أحدث مناهج العلوم الإنسانية على التراث العربي الإسلامي، ولكن لا سميع لمن تنادي، فزملائي المستشرقين لا يزالون مصرين على عدم الاكتراث) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 82].

 

حسناً .. عبارة (الإسلاميات التطبيقية) ،مصطلحاً ومضموناً، كلها مطروقة قبل أركون، ولم يأت بجديد، بل هوكلام مستهلك.

 

فأما عبارة (الإسلاميات التطبيقية) من حيث المصطلح، فهي كانت مجرد تطبيق مباشر لفكرة الفرنسي باستيد، وليس فيها أي ابتكار، فبعد أن أصدر الانثروبولجي الفرنسي باستيد كتابه الشهير (الانثروبولوجيا التطبيقية) عام 1971 كتب أركون بعده مقالة بعنوان (في الاسلاميات التطبيقية) عام1976.

 

يشير الدكتور واردينبيرج  -المتخصص في الإسلاميات- إلى ذلك، ويلمح إلى أن هذا المفهوم تحصيل حاصل، فيقول:

(أركون ربما سبك تعبير “الإسلاميات التطبيقية” بالقياس إلى تعبير “الانثروبولوجيا التطبيقية”، والتي كان الانثروبولوجي الفرنسي روجر باستيد أنتجها. بطريقةٍ ما، كل الاسلاميات، التي ليست أكاديمية نظرية، تشكل نوعاً من المعرفة “التطبيقية”، علاوةً على ذلك حتى المعرفة النظرية تلعب دوراً في المجتمع، وفي العلاقة بين الناس من مجتمعات مختلفة)

 [J. Waardenburg, Islam: historical, social, and political perspectives, p. 156   ]

 

 

ويقول الدكتور كريستين –محاضر الدراسات الإسلامية في كلية الملك في لندن- في بحثه عن الإسلام والتهجين الثقافي حين تعرض لأركون:

(برنامج “الإسلاميات التطبيقية” تم طرحه أولاً في عام 1973، ثم استفاض فيه أركون في مقالة بعنوان “لأجل إسلاميات تطبيقية” عام 1984. بينما كان هذا اللقب مأخوذاً من روجر باستيد “الانثروبولوجيا التطبيقية” عام 1973، فإن البرنامج التصوري يعتمد على الاستعارة من نطاق واسع من منجزات العلوم الإنسانية الغربية في القرن العشرين).

[C. Kersten, Islam, cultural hybridity and cosmopolitanism, JIGS]

 

وفي أول دراسة طرحها أركون في باريس عن مفهوم الإسلاميات التطبيقية؛ عقد فقرة بعنوان (مفهوم الإسلاميات التطبيقية) ابتدأها باقتباس مكون من أربعة أسطر من كتاب روجر باستيد (الانثروبولوجيا التطبيقية) مستنداً إليه في توضيح الفرق بين العلم والتطبيق، ثم قال أركون:

(لن نستعرض هنا كل التحليلات التي قدمها روجيه باستيد، لكننا ندعو القارئ بإلحاح إلى العودة إليها) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 54].

 

حسناً .. دعنا الآن من استعارة أركون للمصطلح من باستيد بشكل حرفي ومباشر، ولننظر في المحتوى والمضمون للفكرة، وهي نقد الاستشراق التقليدي بكونه متخلف عن ثورة العلوم الإنسانية، فهذه الفكرة –أيضاً- مطروقة قبل أركون، ففي الخمسينات والستينات كانت العلوم الإنسانية مزاج العصر، وكُتِب عن ذلك في شتى الاتجاهات.

 

وفي تقديري أن النقد الأهم هو ورقة عالم الاجتماع المصري (أنور عبدالملك) التي نشرها مطلع الستينات ونقد فيها الاستشراق التقليدي في جملة قضايا ومنها تخلف الاستشراق التقليدي عن تطور مناهج البحث العلمي في العلوم الإنسانية، وكان لهذه الورقة أصداءً حادة في الطرفين المؤيد والمعارض، وسماها بعض المراقبين الطلقة الأولى في نقد الاستشراق، والمؤرخون لنقد الاستشراق، وما يسمى (مدرسة النقد مابعد الكولونيالي) يشيرون دوماً إلى ورقة أنور عبدالملك باعتبارها افتتاحية هذا الاتجاه.

 

ففي شتاء عام 1963 نشر أنور عبدالملك أطروحته (الاستشراق في أزمة) في مجلة (ديوجين)، وهذه الورقة التاريخية تضمنت أربع قضايا أساسية: أثر المحضن الاستعماري لأبحاث الاستشراق، وخلل المستشرقين العلمي في طريقة جمع المعلومات والبيانات عن الشرق، وأن التحولات الدولية الجذرية (حركات التحرر، وظهور القوميات والدول الاشتراكية، الخ) تستوجب إعادة فهم الشرق من جديد، وقصور أدوات ومناهج الاستشراق عن تطور العلوم الإنسانية والاجتماعية.

 

ومما جاء في ورقة أنور عبد الملك قوله:

(أصبح المختصون –بل حتى عموم الناس- واعين فجأةً بالفجوة الزمنية، ليس بين علم الاستشراق والمادة المدروسة فقط، ولكن –أيضا-ً بين مفاهيم ومناهج وأدوات العمل في العلوم الانسانية والاجتماعية وتلك المستعملة في الاستشراق، الاستشراق التقليدي وجد نفسه غير متواكب مع تطور البحث العلمي، من أجل ذلك يجب التفكير في مجمل الإشكالية بصورة جديدة)

[A. Abdel-Malek, Orientalism in crisis, Diogenes, 1963, p.112]

 

وكان هذا هو روح تلك المرحلة أصلاً، حتى أنه في نفس الفترة التاريخية فإن مؤتمر المستشرقين غير اسمه من الاستشراق إلى العلوم الإنسانية، كما ينقل الباحث هوبينتي في بحثه عن ماضي وحاضر الاستشراق فيقول:

(في باريس في 1973 غير المؤتمر عنوانه من “المؤتمر الدولي للمستشرقين” إلى “المؤتمر الدولي للعلوم الإنسانية في آسيا وشمال أفريقيا” )

[T. Hubinette, Orientalism past and present]

 

لكن هناك طبعاً فارق جذري بين دعوة أنور عبد الملك المبكرة، ودعوة أركون اللاحقة، فأنور عبد الملك يرى أن ثورة العلوم الإنسانية والاجتماعية تفضح تجني الاستشراق على المسلمين، بينما أركون يرى أن ثورة العلوم الإنسانية تفتح المزيد للمستشرقين لإدانة المسلمين وتاريخهم وقرآنهم.

 

الوعي بتخلف مناهج المستشرقين عن ثورة الانثروبولوجيا أول من طرحه -فيما أعلم- هو الرائد أنور عبدالملك، ولكن شتان بين من يرى أن التطور العلمي يكشف تجني المستشرقين، وبين من يرى أن التطور العلمي يتيح المزيد من التجني للمستشرقين.

 

 

فلا أدري سر هذا التمدح الذي أصم أركون آذاننا به، طالما أن المصطلح والمضمون، كلاهما؛ مسبوقان، وبكثافة؟!

 

 

-إشكالية تطبيق العلوم الإنسانية على الوحي:

بغض النظر عن كون أركون مسبوق بنقد تخلف مناهج المستشرقين عن تطور العلوم الإنسانية، وبغض النظر عن كون أركون لم يقدم أي تطبيق حقيقي منظم لهذه الدعوة، بغض النظر عن ذلك كله؛ إلا أن هناك في هذه الدعوة الأركونية ثلاث إشكاليات قاتلة لم يستطع أركون ولا مشايعوه تقديم أي جواب مقنع حولها، وهي (الاستعمال الاستسلاحي، إهدار هامش التحيز، وتغييب خلافية المفاهيم) وسنستعرضها فيما يلي :

 

-الإشكالية الأولى: استعمال أركون لمفاهيم العلوم الإنسانية هو استعمال (استسلاحي) وليس استعمال (علمي) بتاتاً، أعني أنه لا يستخدم هذه المفاهيم العلمية للوصول لتفسير “علمي” لقضايا التراث، وإنما يستعملها كأسلحة وذخيرة للنكاية بما يسميه الإسلام السياسي، فالنتيجة موجودة مسبقاً، وإنما شعار العلوم الإنسانية هاهنا مجرد (استغلال) لوهج تطورها المعاصر.

 

أعني أن تحويل العلوم الإنسانية إلى أدوات قتالية ضد القرآن، هذا صنيع عقلية تبحث عن إحراز أهداف حركية/علمانية وليست تبحث عن العلم، ولذلك كان شحرور يدعي أنه يستخدم الرياضيات (نظرية المجموعات) ضد الخطاب الشرعي، وكان الماركسيون يدعون أنهم يستعملون الاقتصاد ضد الفكر الاسلامي، ونصر ابوزيد يدعي أنه يستخدم الهرمنيوطيقيا، وكل هذا دجل خالص وإنما هو استغلال علمانوي لأجزاء من بعض العلوم للتظاهر بالعلمية، وهكذا.

 

ونتيجةً لهذا التوظيف العلمانوي للعلوم الإنسانية تجد أركون يستبعد من العلوم الانسانية ما يتعارض مع آيديولوجيته العلمانية، كمثال على ذلك: أية أبحاث في علم النفس تثبت أثر الإيمان بالغيب على الاستقرار النفسي والتطور فإنه يتحاشاها، لأنه يبحث عن ما يدين هذه الغيبيات لا ما يعززها، وهكذا أي أبحاث إنسانية تثبت عظمة النص القرآني يستبعدها، لأنه يريد إدانة القرآن فقط.

 

الطريف في الأمر فعلاً أن أركون يعيب على الإسلاميين أصحاب مشروع (أسلمة المعرفة) الذي تبناه المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ويرى أن جهدهم هو (أدلجة للعلوم الإنسانية) لأنهم يستخدمونها في سبيل خدمة الفكر الإسلامي، بينما ما يقوم به أركون من أدلجة للعلوم الإنسانية واستعمالها في محاربة الفكر الإسلامي، فإنه يرى ذلك كله لا صلة له بالأدلجة!

 

وبسبب هذه العقلية القتالية المستعجلة فإن تصور أركون لمفاهيم العلوم الإنسانية، وتصويره لها؛ هو تصور تبسيطي ومختزل وتغلب عليه النزعة العدائية بسبب أنه قرأ هذه المفاهيم ليس بعقلية موضوعية تنشد العلم، وإنما قرأها تحت ضغط التفتيش عن أي سند لتهديم القرآن، وأي قارئ لكتاب موجز في اللسانيات أو الانثروبولوجيا أو القانون أو الاقتصاد ونحوها يدرك مباشرة حجم الاختزال والتسطيح الذي يمارسه أركون حول مفاهيم العلوم الإنسانية، وهوعرض فوضوي وفيه كثير من الخلط.

 

خذ مثالاً على تبسيطية وتسطيح مفاهيم العلوم الإنسانية لدى أركون، يقول:

(إن معارفنا التقليدية غير الدقيقة ينبغي تجاوزها كما ينصحنا بذلك غاستون باشلار)[تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 44].

سألتك بالله هل رأيت تسطيحاً أكثر من ذلك؟! تجاوز “المعرفة غير الدقيقة” هذه بدهية لدى كل المفكرين في كل الحضارات، وليست هذه فكرة لباشلار!

هذا لا يختلف عن شخص يقول لك: (الشيخ ابن باز يقول يجب أن نؤمن بالاسلام) ! الإيمان بالإسلام بدهية عند كل علماء المسلمين.

ثم ما هذه الصيغة التربوية في عرض فكرة باشلار “كما ينصحنا بذلك باشلار” ؟!

 

العلوم الانسانية المعاصرة علوم غزيرة وفيها تفاصيل هائلة متفاوتة، وهذا الاستعراض العشوائي السطحي لبعض مفاهيمها في كتابات أركون هو عرض ضار للمعرفة والعلمية، ويقوض الثقافة بشكل عام.

 

ولذلك حين قرأت مرةً قول الناقد علي حرب (صاحب الحواشي والهوامش على مشروعات الفكر العربي!) ورأيت كيف انخدع بتلخيصات أركون المختزلة تألمت كثيراً لتدهور ما يسمى الفكر العربي إلى هذا الدرك، يقول علي حرب:

(لا بد أن أعترف بأني ممن يتوفرون على قراءة أركون ومطالعة كتبه وتتبع نتاجه، وأنا أفيد منه فائدة مزدوجة، يتمثل وجهها الأول في اطلاعي من خلال قراءته على مالم يتح لي الاطلاع عليه من نتاجات الفكر الغربي المعاصر، ذلك بأن أركون يستعرض في مقالاته معظم الكشوفات الراهنة في علوم الإنسان) [نقد النص، علي حرب، 71].

 

يا حسرةً على من يسمون أنفسهم “المفكرين العرب”! صار يتلقى العلوم الإنسانية من تلخيصات أركون العشوائية والمليئة بالخلط والتشويه الآيديولوجي، ثم لا يجد في نفسه غضاضة أن يذم التقليد ويدعوا للاجتهاد ويشنع على طلاب العلوم الشرعية أنهم “عقول نقلية” !

 

-الإشكالية الثانية: أركون يتجاهل ويتهرب بشكل مستمر من المشكلة الجوهرية المطروحة حول (تحيز العلوم الإنسانية الغربية)، لا يستطيع القارئ الموضوعي أن يخفي رثاءه وهو يرى تعامل أركون مع مفاهيم العلوم الإنسانية باعتبارها أطعمة مسبقة الصنع جاهزة للتناول مباشرة.

 

ومشكلة التحيز في الانثروبولوجيا الغربية مشكلة عميقة استدعت الكثير من التأكيدكيدأ من كثير من المفكرين النابهين، تأمل فيما يقوله الراحل ادوارد سعيد منذ نهاية السبعينات عن حجم التسييس في العلوم الاجتماعية:

(بل إن العلوم السياسية وعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع في الدراسات الأكاديمية الحديثة هي علوم آيديولوجية، ومن هنا كان التسليم بأن دراساتهم دراسات “سياسية” ) [الاستشراق، ادوارد سعيد، ت عناني، 54].

 

ولذلك فإن الدكتور المسيري مطلع التسعينات قاد انتفاضة ثقافية (طبقاً لتعبير هويدي) للكشف التفصيلي عن جوانب التحيز في العلوم الإنسانية الغربية المعاصرة، وتمخض عن هذه الاجتماعات والمؤتمرات التي نفذوها في الرياض ثم القاهرة أن جمعوا خلاصة أبحاثهم في (سبعة مجلدات) كان عنوانها العام (إشكالية التحيز) وهي مطبوعة، وقد روى المسيري قصة تلك الاجتماعات ومن حضرها من المفكرين السعوديين بشكل خاص في بداية المشروع في كتابه (رحلتي الفكرية، ص456). ومما قاله المسيري في الخطاب الذي وجّه للمشاركين في المؤتمر:

 

(ثمة إحساس غامر لدى الكثير من العلماء العرب بأن المناهج التي يتم استخدامها في الوقت الحاضر في العلوم العربية والإنسانية ليست محايدة تماماً، لعله قد حان الوقت لكي يتم الإفصاح عن هذه الاجتهادات الفردية بشكل أكثر وضوحاً وتحديداً) [رحلتي الفكرية، المسيري، 457].

 

ومن أكثر المفكرين السعوديين وعياً بقضية التحيز في العلوم الإنسانية الغربية الناقد الأدبي الدكتور سعد البازعي، وهوعلامة بارزة في هذا المجال، ومن كتبه المهمه في هذا السياق: كتاب استقبال الآخر 2004، وكتاب المكون اليهودي في الحضارة الغربية 2003. وقد اعتنى د.البازعي بتحليل التسليم المطلق بفكرة عالمية المناهج والمفاهيم الغربية، وربما العيب الوحيد في كتابات البازعي هو الوقار الأكاديمي المفرط الذي يحرم شريحة كبيرة من القراء من الاستفادة من كتاباته.

 

بل حتى المستشرقين التقليديين أنفسهم أكثر وعياً من أركون بمشكلة التحيز في العلوم الإنسانية، فهذا مكسيم ردونسون أحد أشهر المدافعين عن الاستشراق ضد نقاده، ومن خصوم ادوارد سعيد، ومع ذلك يقول عن تحيز العلوم الإنسانية:

(العلوم الاجتماعية والإنسانية -مثلاً- مشروطة بالمجتمع الذي يعيش به المؤلف، وبأفكار عصره بالذات، وبأفكاره هو) [مكسيم رودنسون، حوار أجراه حسين الشيخ ونشر في مجلة أرابيسك]

 

-الإشكالية الثالثة: هذه العلوم الإنسانية، أوبشكل أدق كثير من مفاهيم العلوم الإنسانية، هي مفاهيم خلافية بشكل حاد، وليست حقائق مثبتة معملياً.

خذ مثلاً على ذلك أحد أكثر مصطلحين يدوران في كتابات أركون وهو مصطلح “التفكيك”، فهو مفهوم خلافي كلياً، فبينما يرى أركون أن التفكيك مفهوم علمي جبّار، ومن أعظم منجزات العلوم الانسانية، ويجب استخدامه عاجلاً في حفر التراث، تجد مفكرين غربيين كثيرين يغالون في الاستهتار بمفهوم التفكيك وأنه عبثي، ربما أكثر من قرأت له من هذا الاتجاه الناقد الايطالي المشهور إمبرتو إيكو، فقد وصل به الإزراء لمفهوم التفكيك أن اعتبره حالة “هرمسية”، وأن اعتبار التأويل لا متناهي يقتضي أن كل الأفكار صحيحة حتى لو تناقضت، وهذا يقوض مبادئ العقلانية المؤسسة للحضارة الغربية  (التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، إمبرتو إيكو، ترجمة بنكراد).

 

الفيلسوف الأمريكي المشهور والمعاصر “جون سيرل” سبق أن تحدث بتهكم عن تفكيكية دريدا وأسلوبه في الكتابة، يقول سيرل:

(ميشيل فوكو ذات مرة صوّر أسلوب درّيدا بأنه يمارس “إرهاب الغموض”، نص دريدا مكتوب بلغة غامضة جداً لدرجة أنك لا تستطيع أن تستنتج بالضبط ماهي الأطروحة؟، لذلك هو “غامض”، وبعد ذلك إذا أراد الشخص أن ينتقد الكتاب سيقول له دريدا: “أنت أسأت فهمي، أنت مغفل”، لذلك هو “إرهابي” )

 [J. Searl, The word turned upside down, NYRB, 1983]

 

والحقيقة أن هذه العبارة المتضمنة لتندر الفيلسوفين فوكو وسيرل بأطروحة دريدا عبارة شائعة في هذا المجال، والمراد من ذلك فقط طرح نموذج كاشف لحجم الخلاف داخل هذه السياقات الفكرية، مما يجعل شعار الاستعجال في تطبيق الإنسانيات على الوحي شعار فيه فهم متواضع لواقع الانثروبولوجيا الغربية، ومافيها من النزاع حول هذه المفاهيم ذاتها.

 

بل يصل أمر الجدل الخلافي داخل الانسانيات إلى تولُّد صراع سياسي حول اتجاهات العلوم الإنسانية، فكل مدرسة سياسية تدعم التيارات والمدارس الانثروبولوجية التي تحقق أغراضها، وهذه الظاهرة واقعةٌ باعتراف أحد المبهورين بالغرب ذاته، كما يقول هاشم صالح في اعتراف أليم:

(من المعروف أن آيديولوجيا اليمين الفرنسي، انظر جريدة الفيغارو وكل المؤسسات الضخمة الملحقة بها، تحارب بعنف العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة، وخصوصاً إذا كانت ذات توجه يساري وتحرري عميق، فهي تروج –مثلاً- لأفكار ريمون بودون، عالم الاجتماع الرسمي المرتبط بالأجهزة الشرعية، وتحارب بيير بورديو الخارج على شرعية اليمين والمفكك لآيديولوجيته) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، هامش لهاشم صالح، 178].

 

لاحظ أن المفكرين الفرنسيين الكبار، مثل بورديو وريمون، خاضعون لتجاذبات سياسية، بكل ما تملكه تلك القوى من مؤسسات ضخمة، لو تأمل أركون ومشايعوه بشكل كافٍ في مثل هذه الظواهر لاستوعبوا إشكالية أن العلوم الانسانية الغربية هي استجابة أولاً لإشكاليات العقل الغربي وظروفه ومطامحه وتوازناته، وبالتالي فهي مفاهيم خلافية، وفيها احتمالات واسعة للتحيز، و وهذا يفرض جهداً مضاعفاً في فحص مفاهيم العلوم الغربية، وليس الاندفاع في الهتاف بضرورة تطبيقها مباشرة كما يصنع أركون.

 

وربما يتضح الفرق أكثر لو قارنّا تسطيح أركون للعلوم الإنسانية، مع مفكرين عرب آخرين تعاملوا مع العلوم الإنسانية بجدية وعلمية، خذ مثلاً الدكتورة المعروفة يمنى الخولي في كتابها (مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها) عام 1990، فقد تعاملت مع العلوم الإنسانية في أساساتها المعرفية ذاتها وناقشتها بجدية، فإذا قارنا ذلك بالتسطيح الأركوني استبانت الصورة بشكل أوضح.

 

على أية حال .. هذه الإشكاليات الثلاث (الاستعمال الاستسلاحي، وإهدار هامش التحيز، وتغييب خلافية المفاهيم) لم يجب عنها أركون، ولا مشايعوه، إلى الآن، وإنما هم في غاية الاندفاع وبطريقة هتافية لتطبيق العلوم الإنسانية على القرآن حتى نتخلص منه ونصل للحداثة!

 

كم هو مثير للشفقة أن ترى أركون ومشايعيه لا يتحدثون إلا عن (تطبيق، تنفيذ، تفعيل) مفاهيم العلوم الإنسانية، وكأننا عبيد مسترقّون لا حق لنا في مناقشة هذه المفاهيم الغربية، أصبحت مهمتنا فقط أن نبادر، وعلى وجه الاستعجال، إلى تطبيق هذه المفاهيم الانثروبولوجية على التراث.

حسناً .. توقفوا قليلاً، أليس من حقنا قبل أن نندفع في تطبيق هذه المفاهيم أن نناقش مدى علميتها وموضوعيتها؟ أليس من حقنا أن نقترح مفاهيم بديلة؟ أليس من حقنا أن نعدل بالإضافة والحذف والشطب في عناصر هذه المفاهيم لتتوافق مع قناعاتنا؟

 

 أركون ومشايعوه يريدون منا أن نكون (مندوب مبيعات) دورنا فقط هو توصيل (منتجات الانثروبولوجيا الغربية) إلى المستهلكين بأوسع نطاق ممكن، ولا حق لنا كمندوبي مبيعات الاعتراض على مواصفات المنتج، فهذا حق حصري للمصنع الغربي فقط!

 

والمراد أن مواجهة خطاب أركون وزمرته يجب أن تكون مواجهة مزدوجة: تخليص التراث الإسلامي من تحريفهم إياه لإسقاطه، وتخليص العلوم الإنسانية من تحريفهم لها لخدمة أغراضهم العلمانية التقليدية.

 

-بحوث “يجب أن نبحث” :

منذ السبعينيات وأركون يقول لدي برنامج عمل لتطبيق العلوم الإنسانية، يجب أن نطبق العلوم الإنسانية، يجب أن ندشن، يجب ويجب ويجب..الخ. منذ أربعين سنة وهو يردد وجوبيات البحث، ولكنه لم يبحث فعلاً.

حسناً .. تفضل يا أركون وقدم لنا تطبيقاً للعلوم الإنسانية على التراث، لا يقدم لك شيئاً، وإنما يطرح عمومات، مع عشرات المرادفات للفظة يجب، ويفترض، وندشن، ونبدأ وهكذا.

 

كل مايقوله أركون هو “إعلانات بحوث” وليس “بحوث فعلية”، يبدوا أن أركون لم يفرق جيداً بين معنى قولنا (فلان بحث المسألة) وقولنا (فلان يقول يجب أن نبحث المسألة)، كل ما يفعله أركون ينتمي للجملة الثانية، وهو توزيع واجبات البحوث بأقصى كثافة ممكنة، هذا كل شئ.. خذ مثلاً بعض الأمثلة:

(بالطبع فإني لن أستطيع إنجاز هذا المشروع الكبير والعويص كله في هذه الدراسة وحدها، وإنما سوف أقدم بعض المعالم والصوى الضرورية التي لا بد منها لإنجاز مسار طويل عريض)[الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 86].

 

ويتحدث عن نصوصه البحثية فيقول:

(ليست النصوص المجموعة بين دفتي هذا الكتاب إلا معالم على الطريق الطويل والصعب، لتأسيس تاريخ منفتح وتطبيقي للفكر الإسلامي) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 11].

 

ويتحدث مرةً أخرى عن وجوبيات البحث:

(ينبغي أن نقوم بنقد جذري لكل التراث ضمن الخط الذي افتتحه –مثلاً- الفيلسوف بول ريكور في كتابيه: فن السرد، والزمن والحكاية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 174].

 

وهكذا يستمر على هذا الأسلوب، وبسبب أن كل كتاب جديد لأركون، ينتظر فيه القراء وعوده الواسعة بتطبيق العلوم الإنسانية على التراث؛ يكتشفون مجدداً أن الكتاب هو إعادة لنفس النغمة “يجب أن نطبق العلوم الإنسانية على التراث” ، وبسبب ذلك فقد تعرض أركون لنقد لاذع، وقد كشف ذلك في أحد كتبه يقول:

(كان قرائي يعيبون علي دائماً أني أتوقف كثيراً وطويلاً عند الاعتبارات النظرية والمنهجية، دون أن أقدم أمثلة تطبيقية مقنعة على هذه التنظيرات) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 52].

 

وبدلاً من أن يقدم ما وعد به خلال أربعين سنة، راح أركون في كل كتاب جديد يلخص بعض كلام المستشرقين التقليدي في التطاول على القرآن، ويضيف إليه تعديد مجرد لطابور مصطلحات أنثروبولوجية لإيهام القارئ أن هناك شيئاً خطيراً مدهشاً يملكه أركون!

 

آمل عزيزي القارئ أن تستمتع بحجم التمثيل في الشاهد التالي، وتأمل محاولة خداع القارئ بأن هناك شيئاً مدهشاً خطيراً لا يستوعبه، يقول أركون:

(الذي يرسخ مجموعة أطروحات ومفاهيم مجمعة وملخصة داخل الميتافيزيك الكلاسيكي، نذكر من هذه المفاهيم: الانطولوجيا المتعالية، والزمن البروميثيوسي للتقدم المطرد، والتطور المطرد أو المثالي، ثم مفهوم التنمية بعدئذ، ومفهوم الفضاء المحسوس للإنتاجية، والعقل العلماني أو الدنيوي الذي يمنح الشرعية ثم الإدارة القمعية للأجساد الراغبة مع المونتاجات أو التركيبات الاستيهامية والهلوسية والتي تتيح ظهور الرجال العظام، أقصد الدولة والأمة القومية الحديثة) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 50].

 

أعرف عزيزي القارئ أنك غارق في الضحك الآن، لكن صدقني أنه لا يلجأ لمثل هذه المسرحيات الاصطلاحية إلا شخص خالي الوفاض من مضامين حقيقية يقدمها.

إذا كان هذا هو النقد الفكري فهوعملية رخيصة جداً، أستطيع أنا بالمقابل أن ألتقط من معاجم العلوم الإنسانية قافلة مصطلحات مع عبارات من مثل يجب أن نبحث وأن نستفيد من العلوم الإنسانية إلخ. ولأضرب على ذلك مثالاً يوضح سهولة التلاعب بمثل ذلك، أستطيع شخصياً أن أقول:

(إن الخطاب العلماني والليبرالي العربي، حتى في أكثر مستوياته جذرية؛ لا يزال غير قادر على التعامل بشكل صحيح مع الغرب والدولة العربية والخطاب الديني، وهذا ناتج عن تدهور ميكانيزمات الفهم نتيجة عدم استثمار فتوحات العلوم الإنسانية المعاصرة، نحن بحاجة ماسة وسريعة لتوظيف نظرية “الالتباسات المترسبة”، ومفهوم “فيتيشية السلعة”، ومحاولة فهم ما يسمى “آلية الإقفال” وعلاقتها بالتطورات الفكرية للمجتمع، الواقع اليوم يؤكد –بما لا مجال للشك فيه- دور “الاستعارات العضوانية” وآلية “الدراما المقدسة”، في صياغة أكثر المظاهر تعقيداً، لذا لا بد من التمييز الملح بين الجانسبينية المتطرفة والمعتدلة، إن فشلنا في ضبط توازنات الخطاب عائد لبعدنا عن الخصوبة التي يقدمها اليوم علم اللغة العصبي (نيورولينجويستيك) وما يمكن أن يقدمه لنا من فهم علمي لما يسمى ألسنياً “مخزن العلامات” …الخ الخ).

 

ألا تلاحظ؟ العملية رخيصة جداً، وربما تسألني من أين أتيت بهذه المصطلحات؟ أبداً، التقطت من الرف بجانبي قاموساً للعلوم الإنسانية وانتزعت منه بعض المصطلحات ذات الصلة بالقضايا الفكرية، وبنفس الوقت “ذات الرنين الاصطلاحي”.

طبعاً لا أنا، ولا غيري من الإسلاميين يرضى أن ينزل إلى هذا المستوى من الخداع، وإنما يتقبل القيام بهذا الدور من تنازل عن أخلاقيات العلم.

 

وما يكتبه أركون برغم أنه مجرد إعلانات بحوث، ففيه تكرار وإعادة بطريقة مثيرة للسآمة بشكل عجيب، فكل كلام أركون الكثير، والكثير جدا؛ لا يخرج عن إعادة تقليب وعرض متكرر لعدة مصطلحات لا تتجاوز العشرة مثل: الأسطورة، اللامفكر فيه، المخيال، الابستيما، التقديس، الأرثوذكسية الإسلامية، مجتمعات الكتاب، التاريخانية، وجوب الاستفادة من العلوم الإنسانية!

 

وكل كتبه التي بلغت العشرات هي تنويع وتقليب، واعادة عرض، وتكرار، وتوسيع ثم اختصار، واختصار ثم توسيع، لهذه المصطلحات المحدودة، وهكذا، ولذلك قراءة أي كتاب لأركون تعني ضمناً قراءة الكتاب الآخر.

بل لو أعطيت شخصاً صفحتان فيهما تعريف لهذه المصطلحات فسيعتبر كلام أركون عجن للمعجون!

 

-الخداع اللغوي:

لي صديق حميم بيني وبينه أخوة علمية قديمة، قلت له مرةً: يا أخي استغرب من حفاوة بعض الشباب بكتابات أركون، كلها خداع لغوي وتلاعب لفظي. فقال لي: هل من المعقول ذلك، هل من المعقول أن يكون كلامه فارغ ومع ذلك يتحدث عنه الإعلام وله قراء الخ؟

حسناً دعني أضرب لك بعض الأمثلة التي تبرهن أن مايفعله أركون وأمثاله مجرد خداع لغوي لا يحتوي أي قيمة علمية حقيقية.

دعنا نضرب مثالاً من المظلة العامة لمشروعه (الإسلاميات التطبيقية)، ومثالاً من أكثر أداة إجرائية يستعملها وهي (اللامفكر فيه).

 

فأما شعار (الإسلاميات التطبيقية) التي يتمدح أركون بأنه اخترعها، والتي يعني بها تطبيق العلوم الإنسانية على التراث، فأستطيع أنا شخصياً أن أكذب على الناس وأتظاهر بأن لدي مشروع فكري تجديدي وأسميه (الإسلاميات التجريبية) وتعني تطبيق العلوم الطبيعية على التراث، فأركون دعا لتطبيق العلوم الإنسانية، وأنا سأدعوا لتطبيق العلوم الطبيعية، سنضع في البرنامج مختبرات ومعامل لتمحيص وفحص كل الدعاوى التراثية حسب أحدث نظريات الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وآليات القياس والرصد، سنقوم بتجارب معملية مثلاً لفحص صحة دخول الجني في الإنسي؟ ونقوم بوضع تجارب لرجل وامرأة في حالة خلوة ونختبر بأحدث الآليات المخبرية هل هناك فعلاً شيطان يقوم بدور الثالث بينهما؟ ونقوم بتصميم رحلات فضائية لاستكشاف صحة مايقوله القرآن عن انشقاق القمر ورجم الشياطين بالشهب وأنه لا فطور في السماء الخ الخ وهكذا سنضع كل القضايا الشرعية الغيبية والعملية تحت مجهر مختبرات العلوم الطبيعية وستكون ثورة في فهم الإسلام على أسس علمية.

 

وسأقول حينها في مقدمة هذا البرنامج المزيف، أو في خطبة المؤتمر: لقد حان الوقت، أكثر من أي زمن مضى، وبشكل ملح وعاجل، لنستثمر العلوم الطبيعية في تمحيص الخطابات الدينية المطمورة، لا وقت لدينا لمجاملة الأورثوذكسية الإسلامية، بمثل ذلك، وبمثل ذلك فقط؛ سنضع خطواتنا الأولى في درب الحداثة!

 

هذه القصة المتخيلة السابقة أردت بها أن أوضح أن الغدر بالقراء البسطاء أمر ميسور، والتظاهر بالانتساب للعلوم الحديثة من أجل تمرير الزندقة شأن ممكن، لكن الإنسان النبيل يرفض أن يستغل العلوم المعاصرة لتمرير قناعات علمانية متطرفة.

 

تعال لننظر في المثال الثاني وهو أكثر مصطلح يردده أركون، أعني مصطلح (اللامفكر فيه)، وأول كتاب صدر لأركون بالانجليزية كان عنوانه (اللامفكر فيه)، لو تأملت في هذا المصطلح الذي يدعي أركون أن فيه مضامين جديدة، لاكتشفت أنه ليس فيه أي جديد، أي جديد بتاتاً.

 

فهذا المصطلح هو نفسه حين نقول (هذه مسألة غير مطروقة) (هذا سؤال لم يُبحث) (لم يسبق أن طرح أحد هذه الإشكالية) الخ ، فمالجديد في هذا المفهوم، كل ما في الأمر بدلاً من أن تقول: لم يطرح ولم يطرق، تقول: اللامفكر فيه، فلا داعي للتهويل واستدعاء الانبهار بافتعال واضح.

 

سواء سميتها: اللامطروق، أو اللامبحوث، اللامُتنبه إليه، أو المهمّش، أو المقموع، أو التفكير خارج الصندوق الخ، فالقضية لا تعدوا مجرد اشتقاق لفظي لممارسة علمية معروفة منذ الأزل، فالخداع اللغوي يوهم القارئ البسيط أن اللفظ الجديد يقتضي أن فيه محتوى جديد!

 

ثم إن تطبيق أركون لهذا المفهوم تطبيق مضحك، فهو دوماً يخلط بين أمرين (اللامفكر فيه) و (المفكر فيه لكنه مرفوض)، فيجعل الثاني لامفكراً فيه، وهذا خطأ محض، وسأضرب مثالاً لتوضيح ذلك:

أشهر وأكثر تطبيق لهذا المفهوم يكرره في كتبه قوله أن: مسألة الخطأ في تدوين القرآن وجمعه هو من اللامفكر فيه، وهذا بصراحة سذاجة علمية خالصة، فمسألة احتمال تحريف القرآن أثناء جمعه مسألة مبحوثة بكثافة، وفيها سجالات كثيرة بين أهل السنة وخصومهم، ورد أهل العلم على هذه الأطروحة بكثرة، وفيها عشرات الرسائل الجامعية في مناقشة المستشرقين في هذه القضية، فكيف تكون أطروحة لا مفكراً فيها؟! لو قال أنها أطروحة مفكر فيها لكنها مرفوضة لكان كلامه صحيحاً.

 

ثم إننا نستطيع أن نشتق ألفاظ جديدة لممارسات معروفة مسبقاً وندعي أن هذا تجديداً كما يفعل أركون، فبخصوص هذا المصطلح (اللامفكر فيه) الذي لا يعني شيئاً أكثر من معنى (غير مطروق) نستطيع أن نأتي لممارسة معروفة في البحث العلمي وهي ضرورة مراعاة الزمن في الإفتاء بالأحكام الشرعية، وأي فتوى شرعية لم يراع فيه الزمن فهي مختلة، حسناً سنشتق لفظاً جديداً لهذه الممارسة وسنسميه (اللامزمن) ونعني به أي حكم  شرعي لم يراع فيه الزمن، وسنطالب يإعادة قراءة التراث على ضوء مفهوم (اللامزمن) من أجل تخليص التراث من أي حكم شرعي يناقض مفهوم (اللامزمن)، وننتج المقالات تلو المقالات في عبقرية هذا المفهوم وكونه (مفهوم شغال)! فهل يقبل طالب علم يحترم نفسه أن يلعب هذا الدور التمثيلي؟!

 

والمراد من هذه الأمثلة إثبات أن الخداع اللغوي لإيهام القراء أن اللفظ الجديد يعني أن فيه محتوى جديد عملية ميسورة، لكن تأباها النفوس السامية.

 

سلوكيات غريبة:

يتمتع أركون بسلوكيات في غاية الغرابة، تقلص من احترامه لدى القارئ، خذ بعض الأمثلة:

نحن نعرف أن العلوم الانسانية والاجتماعية علوم متفرعة تتشظى باستمرار، فعلم الاجتماع –مثلاً- يتفرع إلى فروع ثانوية في كل منها نتاج هائل من البحوث، وكذلك اللسانيات والاقتصاد والقانون والنقد الأدبي والعلوم السياسية الخ، ولذلك تجد مثلاً متخصص مشهور في القانون تسأله بعض الأسئلة فيقول بكل ثقة “ليس لدي تصور أنا متخصص فقط في الحقل الفلاني من القانون، يمكنك أن تسأل فلان”، وهذه الظاهرة واجهتها كثيراً لدى المتخصصين الغربيين، وهي ظاهرة طبيعية، فغزارة النتاج البحثي المعاصر في العلوم الحديثة فرض ظاهرة جديدة وهي أن المتخصص في علم واحد لا يستطيع ملاحقة بحوث ذلك العلم بذاته، فيحتاج إلى التخصص داخل التخصص.

 

ولكن أركون –ماشاء الله تبارك الله- يدعي بأنه يطلع على “جميع البحوث” التي تكتب عن “جميع فروع” العلوم الإنسانية والاجتماعية، بـ “جميع اللغات” الغربية، لكن ليس لديه وقت لنقلها للغة العربية، ولذلك يترك مهمة النقل للعربية للمترجمين، كما يقول عن نفسه:

(لم يتسع لي الوقت مع الأسف لأقوم بعملين مهمين مجهدين في وقت واحد وهما: متابعة التيارات العلمية المختلفة في العلوم الإنسانية والاجتماعية بالاطلاع على جميع مايصدر من كتب باللغات الغربية، ثم إيجاد المصطلحات اللازمة لنقل أجهزة المفهومات المتجددة والمتحولة من كل لغة من اللغات الأصلية، الانجليزية والفرنسية والألمانية خاصةً، إلى العربية، إني أعترف بأهمية هذا العمل، ولا أزال أقوم به في محاضراتي الجامعية) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، 7].

 

لا أعرف مفكراً غربياً معاصراً لديه من الصفاقة ما يكفي لإطلاق هذه الدعوى، إن من يقول هذا الكلام هو المسؤول الأول عن تسرب الشك في صدقية الكاتب لدى القارئ، هذا لا يورثنا الشك فقط فيما لم يعرضه أركون من العلوم الإنسانية، بل يورثنا الشك –أيضاً- فيما يعرضه من هذه العلوم هل اطلع عليها بشكل كافي أم مجملات وعمومات لإيهام القارئ بالاطلاع؟، فالصدقية إذا انهارت أكلت الأخضر واليابس.

 

العلم الواحد من العلوم الإنسانية لا يمكن متابعة بحوثه الغزيرة في الدوريات العلمية بلغة واحدة كالانجليزية، فكيف يدّعي أركون أنه يطلع على “جميع” البحوث، عن “جميع”  العلوم الإنسانية، بـ”جميع اللغات” الغربية !

 

والقارئ لكتابات أركون السطحية يكتشف بسهولة حجم الاندفاع في هذا التمدح، حتى أن الكاتب العلماني المحارب محمد المزوغي (المشغول بإسقاط ابويعرب) يقول عن أركون:

(المُتتبع لفكر أركون يستطيع بسهولة أن يحدس الحقيقة التالية: وهي أن مصادره الأساسية لا تتعدى مجال الفكر الفرنسي، وما يُدعّم ذلك هو التطابق الواضح بين أطروحاته الفكرية، وخلاصة أعمال أولئك المفكرين) [العقل في التاريخ، محمد المزوغي].

 

هذه دعوى ممكنة جداً، وهي أن أركون متابع لمجمل الأطروحات “الفكرية” في الساحة الفرنسية، أما الاطلاع على “العلوم الإنسانية” بجميع فروعها ولغاتها الغربية؛ فهذا دجلٌ محض تمنيت أن أركون لم يورط نفسه فيه.

 

ومن سلوكيات أركون الغريبة -أيضاً- محاولة فرض نفسه على الباحثين الآخرين بالقوة، تجده كثيراً يعاتب الباحثين بطريقة غير لائقة لماذا لم يشيروا إليه؟! خذ بعض الأمثلة:

يقول أركون عن المفكر المغربي المعروف عبدالله العروي:

(بعد أن اطلعت على كتاب العروي “مفهوم العقل” وجدت أن نقاط الاتفاق بيننا في ما يخص التوجهات الأساسية عديدة جداً، إلى درجة أني دهشت لأنه لم يشِر إلى أي كتاب من كتبي، أو إلى أي فكرة من أفكاري) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 56].

 

وفي حادثة أخرى فإن الباحثة العلمانية دلال البزري روت قصة تحضيرها ومناقشتها لرسالتها الدكتوراة في فرنسا، وكان في لجنة المناقشة أركون، ومما قالته الكاتبة:

(أركون يأخذ على اطروحتي أموراً لا تأتي على بالي، مثل عدم تطرّقها إلى كتبه..، يتابع ويستفيض بعرض نتاج معرفته هو، واستنكاره الشديد غالباً لعدم ورود ذكره في أطروحتي) [المستقبل اللبنانية، 26سبتمبر 2010].

 

وثمة سلوكيات غريبة أخرى لا مجال لعرضها.

 

 

-الاعتراف المر:

برغم العلمانية الإلحادية المتطرفة التي يتبناها أركون، وبرغم حقده على القرآن، وبرغم كراهيته الشديدة للتيار الإسلامي؛ إلا أن الإسلاميين فرضوا أنفسهم بتميزهم، ولذلك اضطر أركون –برغم حقده- إلى أن يعترف بأن الاسلاميين سبّاقين إلى العلوم النافعة حتى لو كانت في المجتمع الغربي، يقول أركون عن إقبال الإسلاميين على العلوم الطبيعية:

(نلاحظ مثلاً أن دارسي العلوم الفيزيائية والرياضية والطبية وغيرها ينخرطون في صفوف هذه التيارات –أي الإسلامية- أكثر  بكثير من المختصين بعلوم الإنسان والمجتمع، وقد عرفنا أثناء المعارك والاشتباكات التي جرت في جامعات تونس والجزائر والقاهرة الخ أن المتعصبين والمتزمتين ينتمون بشكل خاص إلى كليات العلوم، إنها ظاهرة تستحق التأمل والتفكير) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 26].

 

وفي موضع آخر يؤكد أركون هذا الاعتراف فيقول:

(نحن نعرف أن الكثير من طلاب الكليات العلمية والتقنية ينتسبون للحركات الأصولية السلفية) [الفكر الإسلامي: قراءة علمية، 181]

 

حسناً يا مسيو أركون، طالما أن الإسلاميين المعظمين للقرآن يتسابقون إلى العلوم الطبيعية والتقنية النافعة، فهذا ينسف جذرياً كل ما تقوله من أن القرآن يقف حائلاً بيننا وبين التقدم، هذا ينسف كل ما تقوله من أن الفكر الإسلامي ضد التقدم، طالما أن الإسلاميين المعظمين للقرآن أكثر استيعاباً منك للفيزياء والهندسة والطب والتقنية الخ فهذا يعني أنك أنت المتخلف وهم المتقدمون!

 

-تكفير الغزالي والقرضاوي لأركون:

في منتصف الثمانينات كان الأستاذ (مولود قاسم) نظم ملتقى اسمه (ملتقى الفكر الإسلامي)، في مدينة بجاية الجزائرية، وكان عن الغزو الثقافي، وكان من ضمن الضيوف الشيخ محمد الغزالي وأركون، ووجه الغزالي –تغمده الله برحمته- نقداً حاداً لأركون، وقال له إن كنت تعتقد هذه العبارة (عبارة وردت في ترجمة عادل العوا لكتابه الأول) فأنت مرتد، وغضب أركون حينها، واحتد النزاع.

 

وقد تكلم الكتّاب الجزائريون شهود ذلك الملتقى كثيراً عن تلك الحادثة، يقول الكاتب الجزائري أمين الزاوي الكاتب في جريدة الفجر الجزائرية المعروفة، يقول:

(كان محمد أركون حدثا فكريا في كل مشاركاته في دورات ملتقى الفكر الإسلامي الذي كان ينظمه المرحوم مولود قاسم بالجزائر، كانت نقاشاته مع الشيخ الغزالي إشارة فارقة للاختلاف بين فكرين يعيشان داخل مجتمع واحد ويدرسان متنا واحدا، لقد كفر الشيخ الغزالي محمد أركون وهو ما يؤكد قصور الفكر الديني) [صحيفة الفجر الجزائرية، 15سبتمبر2010]

 

وكان الشيخ يوسف القرضاوي ينشر في صحيفة الخبر الجزائرية سلسلة مذكرات له، وفي أحد تلك الحلقات قال عن أركون أنه لايؤمن بالشريعة الإسلامية، فثارت ثائرة الكتاب العلمانيين في الجزائر، فتحت عنوان (القرضاوي يكفِّر أركون) كتبت صحيفة الفجر الجزائرية :

(جزم الدكتور يوسف القرضاوي، في مذكراته التي تنشرها يومية “الخبر” بأن البروفيسور محمد أركون المتخصص في دراسات الفكر الإسلامي، لا يؤمن بالشريعة الإسلامية..، القرضاوي يستخف بقامة فكرية بحجم أركون، فيطلق عليه رصاصة الرحمة، متهما إيّاه بالخروج من ملة الإسلام) [الفجر الجزائرية، 15سبتمبر2010].

 

وفي حادثة أخرى تكلم الشيخ القرضاوي عن معاداة أركون للنصوص الشرعية فقال:

(هناك صنف آخر يقفون ضد النصّوص بدعوى أخرى، يعني هم ضد المقاصد، يقولون إن دعاة الشريعة يستخدمون المقاصد حيلة لتطبيق الشريعة؛ وهذه المدرسة الأركونية، محمد أركون والجماعة الذين يعيشون في فرنسا ويعتمدون على اللسانيات وعلى غيرها) [الموقع الرسمي للقرضاوي]

 

-خلاصات أخيرة:

بعد هذه الجولة حول كتابات أركون فإنني أتألم كثيراً من ضحايا الدعاية الإعلامية، فحين أرى شباناً وفتياناً صغاراً يتحدثون أو يكتبون، ويتناقشون طويلاً، ويرددون عبارات من نوع: (قراءة في مشروع أركون) ، و (دراسة تحليلية في خطاب أركون) ، (مفهوم كذا عند أركون) ، و أركون يرى وأركون لا يرى، .. الخ الخ  فوالله إنه لتهبط علي غيوم الغبن والرثاء كيف استطاع الاعلام التغريبي أن يخدع هؤلاء المساكين ويضيعون أعمارهم العلمية الثمينة في دردشات “يجب أن نبحث” و “مصحف البحر الميت” ؟!

 

أو يأتيك بعض المخدوعين يقول “نحتاج دراسات فكرية معمقة عن أركون وعن فلان وفلان” .. ووالله لا نحتاج دراسات فكرية عنهم ولا غيره، بل نحتاج فقط أن نوضح للقارئ المسلم الدجل الفكري الذي يمارسه هؤلاء، وحجم الجهل الفظيع عندهم سواءً بالعلوم الإنسانية المعاصرة أو بالتراث الإسلامي، لكي لا تتصرم الفترة الذهبية للتحصيل العلمي عند الشباب المسلم في ملاحقة هلوسات فكرية يكتبها بعض المرتزقة.

 

إذا كنا سنعتبر دردشات صاحب (مصحف البحر الميت) و كتابات (يجب أن نبحث)؛ أبحاثاً فكرية تستحق الدراسة والمناقشة والتحليل؛ فهذه بحد ذاتها مشاركة في صناعة الوهم، ياجماعة افتحوا عقولكم والله لا مشروع ولا خطاب ولا غيره .. ليس إلا متملق يتزلف أسياده الفرنسيين ليضعوه في مناصب أكاديمية ويمولونه مالياً باعتباره مهندس العلاقة مع الباحثين الذين سيقنعون المسلمين بالتبعية لفرنسا!

 

لو كان لي من أمر الدعوة الإسلامية شيئاً لأوصيت جميع الدعاة بتكثيف الكلام عن أهمية استعمال (العقل) ، لم ينخدع شبابنا بجهلة الفرنكفونيين إلا بسبب ضعف استعمال العقل.. ولا يبتعد الشاب عن القرآن وينهمك في هذه الترهات الفكرية إلا بسبب ضعف استعمال العقل.. ولا يستسلم الإنسان للشهوات برغم عاقبتها إلا بسبب ضعف استعمال العقل لحظة الخطيئة .. ولذلك لا عجب أن كرر القرآن وأعاد وأبدى لمبدأ (أفلا يعقلون)..

 

أخي الغالي على نفسي، يا من لازلتَ تستعمل الدهشة في التعامل مع أمثال هذه الكتابات الفكرية، أرجوك “حرك عقلك” قليلاً، وستكتشف أن هذه الترهات لا تستحق منك الدهشة بتاتاً، فلا تضيع عمرك العلمي الثمين.

 

لا شك أن المشهد مؤلم جداً، رجلٌ يهين القرآن، ويدعي أنه محرف وأن الصحابة لم يكونوا أمناء في نقله، وأننا نحتاج مخطوطات في البحر الميت وخزائن الرافضة في الهند واليمن لنصل للنص الصحيح للقرآن، ثم بعد ذلك، بعد ذلك كله، يكرّم في صحافتنا، ويقدم باعتباره المجدد الأكبر، من يجاهد لبث النور ومكافحة الظلام، أحد حكماء الإسلام الكبار، المشعل الحقيقي، الهامة الفكرية، الخ.

 

ثم يقولون لك بعد ذلك، وبكل براءة ومسكنة: ليس هناك أي تغريب، سبحان الله أين التغريب؟! إنما هو تنمية وتطوير!

 

بل أتدري ما هو أكثر إيلاماً من ذلك؟ تفضل اقرأ هذا الخبر من صحيفة الجزيرة السعودية:

(تحتفي “الاثنينة” بدار الأستاذ عبدالمقصود خوجة في جدة مساء يوم الاثنين 25/12/1427هـ بالأستاذ الدكتور محمد أركون، المفكر الإسلامي المعروف والبروفيسور الفخري بجامعة السوربون بباريس، وذلك تكريماً له ولمشواره العلمي والعملي، وإسهاماً في توثيق تلك المسيرة الطويلة ضمن فعاليات “الاثنينة” ) [الجزيرة، 11يناير2007].

رجل يعلن الحرب على القرآن يكرم بأموال سعودية، وفي محفل عام، على جزيرة الإسلام..

معركتنا مع الإعلام التغريبي ليست معركة حول مسائل اجتهادية، بل هي معركة حول القرآن والسنة ذاتهما، فتارة يصرحون بتعظيم من يهينهما، وتارة يغمغمون ويتدثرون بالخلاف الفقهي، أو يستأجرون أي منتسب للدين من اصقاع العالم، حتى لو كان موظف إداري في جامع الزيتونة؛ لكي يقدم فتوى تناسب أي قرار تغريبي يطبخ في مكانٍ ما.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

(أفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الرعد، 19].

أبو عمر

شوال 1431هـ

2 أكتوبر 2010

تطورات المشروع التغريبي في السعودية

أضف تعليق

الحمدلله وبعد،،

في كل صبيحة يوم تتكشف تكتيكات المشروع التغريبي في السعودية أكثر وأكثر، وهو مشروع موزع بشكل جيد، ويملك أصحابه نفساً هادئاً وقدرات جيدة ومبهرة على إدارة الصراع، ليست القضية وليدة اليوم، القضية لها جذور ومحطات تاريخية، وجبهات يتم العمل عليها، سأحاول إلقاء الضوء وربط الخيوط ما أمكن.

 

-الشخصيات المركزية:

يكاد يتفق المراقبون على أن أهم شخصيتين عبقريتين أسستا للمشروع التغريبي في السعودية هما الراحلان: الشيخ عبدالعزيز التويجري (1918-2007) ، والدكتور غازي القصيبي (1940-2010)،أ

 رحمهما الله وعفا عنهما، وبينهما تركيبة مشتركة لافتة للانتباه فعلاً، فكلاهما عروبيان، وكلاهما أديبان بارعان، وكلاهما يحمل عداوة شديدة للاتجاه الإسلامي، وكلاهما يحظى بنفوذ سياسي اسثنائي أشبه بنائب الملك، فالقصيبي كان يد الملك فهد، والتويجري كان عين ويد وسائر جوارح الملك عبدالله.

 

والأخيرة هي الأثر الذي يبحث عنه القائف.. فقد عمل الراحلان على تشييد المشروع التغريبي لا باعتماد (القلم) كما يفعل التغريبيون المثقفون، وإنما باعتماد (القرار) عبر التأثير على صانع القرار ذاته بشكل مباشر عبر المجالسة والمشاورة وتزكية شخصيات معينة الخ. وسنحاول الإشارة إلى شئ من جهودهما فيما يأتي.

 

أشرنا للمشتركات بين الشخصيتين، وأما الفروق بينهما فمن أبرزها أن القصيبي رجل ساحر للجمهور، ولذلك تصفق له المنتديات والمؤتمرات، بخلاف الأستاذ عبدالعزيز التويجري فإنه داهية من دهاة العرب في التأثير على جلسائه، فلديه قدرات دبلوماسية مذهلة، وأعرف شاباً داعية ممن اعتقل أيام أزمة الخليج، فلما خرج استضافه بشكل شخصي الأستاذ عبدالعزيز التويجري عدة مرات، وما هي إلا أيام حتى تحول هذا الداعية الشاب إلى هارديسك آخر، وهذا الداعية الآن يحمل مشاعر نقمة شديدة تجاه الإسلاميين، ما السبب؟ السبب هو القدرات الخارقة للأستاذ عبدالعزيز التويجري في التأثير، خصوصاً في إشباع شهوة الجاه والتقدير في نفوس الناس.

 

وبعد وفاة الأديب عبدالعزيز التويجري –رحمه الله- حلّ محله ابنه الأستاذ خالد التويجري وصار زمناً هو وغازي القصيبي (قبل مرضه) هما مركز التوجيه في البلد، ثم بعد مرض غازي ووفاته رحمه الله وعفا عنه؛ صار الأستاذ خالد هو الرقم الأهم في الديوان الملكي اليوم.

 

والأستاذ خالد التويجري ورث مشروع والده، مع فارق كبير في القدرات بين الشخصيتين طبعاً، فالأستاذ خالد لا يملك الموروث الأدبي والدبلوماسي الذي يملكه والده، وقد كان الأستاذ عبدالعزيز التويجري يقول لولده خالد (إني أرى فيك شبابي) وقال له أيضاً: (إذا أردت أن تغير فلا تظهر في الإعلام) . ولذلك فقد عمل الأستاذ خالد بوصية والده، فلاتكاد تجد له صورة واحدة في الإعلام برغم مركزه السيادي النافذ، بل لما نشرت صحيفة حرف الالكترونية صورة له دمر الموقع مباشرة.

 

-لحظة صناعة الضباب:

استمر الصراع بين الإسلاميين وقيادات المشروع التغريبي، وكان على أشده أيام أزمة الخليج، وفي كل تلك المراحل كان الأمر سجال يدال عليهم ويدال على الإسلاميين، ولكن في مرحلة الملك عبدالله استطاع المشروع التغريبي تسديد أقوى ضرباته عبر صناعة الضباب الكثيف حول الملك عبدالله، وضرب الجمارك الفكرية حول عيون الملك فلا تصل له إلا صورة مصممة بشكل يدعم المشروع التغريبي، ويصور المخالفين على أنهم ضد التنمية وليسوا ضد التغريب، وساعد على صناعة الضباب حول الملك أن الملك عبدالله فيه طيبة وبساطة فطرية معروفة، فاستطاع المحيطون به منعه من التواصل المباشر مع كافة الأطياف الاجتماعية وكشف الحقيقة.

 

ومن أوائل من أشار للضباب الكثيف الذي يحيط بالملك عبدالله الناقد التنموي د.محمد القنيبط في مقابلة شهيرة له في برنامج حديث الخليج بقناة الحرة حين قال (للأسف هناك ضباب كثيف حول الملك عبدالله).

 

-التركيز على المرأة:

يلاحظ المتابع للمشروع التغريبي أن هناك تركيزاً هائلاً جداً على ملف المرأة، فهناك إلحاح شديد على إنهاء بعض أحكام الشريعة حول المرأة المتعارضة مع الثقافة الغربية، مثل الاختلاط والحجاب وعلاقات الصداقة بين الجنسين ونحوها، يرى التغريبيون أنه حان الوقت لتجاوز أحكام القرآن المختصة بالمرأة مثل (وقرن في بيوتكن) ،  (فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) ، (ولاتخضعن بالقول) ، (ولاتبرجن) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ماتركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) ، (لايحل لامرأة تؤمن بالله..) (إياكم والدخول على النساء) ، (طوفي من وراء الرجال) ، الخ ونحو هذه النصوص التي كن قرأها بشكل موضوعي متجرد باحث عن الحق لايشك أن مراد الله فيها هو التحفظ في العلاقة بين الجنسين، فهذا هو القدر المشترك بينها، وهذا هو “المقصد” لمن يبحث عن مقاصد الشريعة.

 

المراد أن أصحاب المشروع التغريبي يرون أن فعلهم هذا ليس كراهة في القرآن والسنة، ولا جحداً لهذه النصوص، وإنما شعورٌ بأن أحكام القرآن والسنة المختصة بالمرأة إنما تناسب البيئة العربية التي وجد فيها محمد -صلى الله عليه وسلم- أما نحن اليوم في عصر الحداثة والتكنولوجيا فلا تناسب المرأة السعودية هذه الأحكام القرآنية النبوية المتحفظة في العلاقة بين الجنسين.

 

ومن هذه الجبهات التي فتحوها في ملف المرأة: خلط الشباب بالشابات في جامعة كاوست (نموذج من التعليم العالي) ، وخلط المعلمات بالصبيان في المراحل الأولية (نموذج من التعليم العام)، وتلاحظ أنهما عمليتان متعاكستان، واحدة من الأعلى والأخرى من الأسفل بهدف الالتقاء في المنتصف، التحضير لإخراج السعوديات في الأولمبيات الرياضية، برامج الكشافة للفتيات والرحلات والتدريب الخارجي المختلط،  تكثيف حضور النساء السافرات في القنوات السعودية حتى كان بعض العامة يسمي قناة الإخبارية (المشغل) من كثرة النساء فيه، إقحام المرأة في مناصب نيابة الوزارة وما فيها من لقاءات غير لائقة بمسؤولين أجانب والتحضير لإدخالها في جلسات مجلس الوزراء، قرار امتهان الفتيات بوضعهن كاشيرات، لقاء الأمير خالد الفيصل بالطالبات الخريجات بشكل غير لائق، دفع الملك عبدالله للظهور في صور جماعية مع النساء ثم نشر الصورة لصناعة انطباع إيجابي بأن الملك داعم لهذه المشروعات التغريبية، الخ.

 

-تغريب أحكام الكفار:

يأتي  في المرتبة الثانية بعد أحكام المرأة تغريب أحكام الكفار في كفر الكافر والبراءة منه والقتال ونحوها، فأما كفر الكافر فأغلب ما يدورون حوله هو إنكار (كفر من يجحد نبوة محمد) وقد أجمع أهل الإسلام في كل العصور والمذاهب على من أنكر نبوة محمد –صلى الله عليه وسلم- على أنه كافر تثبت له أحكام الكفار، فتراهم يقولون لك: اليهودي النصراني ونحوهم الذي يؤمن بالله ويعمل صالحاً مؤمن وليس بكافر (أي حتى لوكان كافراً بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم) وقد كتب هذا الرأي الذي يمثل ناقضاً من نواقض الإسلام في جريدة الرياض مرتين، وافتى فيها الشيخ البراك، ثم عرض هذه السنة وتم الترويج له في المسلسل الاجتماعي الشهير طاش ماطاش، وتشربه كثير من العامة والشباب غير المحصنين عقدياً.

ومن وسائل ترويج تغريب أحكام الكفار مؤتمرات الحوار والتقارب بين الأديان التي صارت ترعى وتكثف لها الدعوات والتلميع الاعلامي.

 

-ترقيق الدين بالخلافيات:

هذه هي الملمح الثالث في المشروع التغريبي، فمن وسائل تحييد حاكمية النص الشرعي الاحتجاج بالخلاف على النص، فإذا أتى التغريبي من ينكر عليه شأناً ما، قال لك: “المسألة فيها خلاف”، وإذا أتى التغريبي يريد أن يتبنى نظرية غربية ما، وقلت له فيها العيوب الشرعية التالية، قال لك: “المسألة فيها خلاف”، وهكذا ضاعت فائدة النصوص لأنها صار يحكم عليها بالخلاف.

 

الطريف في الأمر أن الله أنزل النصوص لتحكم على الخلاف، وهؤلاء يصنعون العكس، فيحكمون بالخلاف على النصوص، حيث يقول تعالى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [النساء 59]. ويقول تعالى (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) [البقرة 213].

فتلاحظ في هذه النصوص أن الله يجعل النص حاكماً على النزاع، وحاكماً على الخلاف، وهؤلاء قاموا بالعكس تماماً.

 

ومن أوائل من نشر هذه الطريقة الشاذة ابوسعيد بن لب –رحمه الله وعفا عنه- الذي رد عليه الشاطبي في الموافقات، ثم ماتت هذه الطريقة ولله الحمد، يقول الشاطبي في الرد عليها:

(فصل: وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية؛ حتى صار “الخلاف في المسائل” معدوداً فى حجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد فى جواز الفعل على كونه مختلفاً فيه بين أهل العلم..، فربما وقع الإفتاء فى المسألة بالمنع؛ فيقال “لِمَ تمنع والمسألة مختلف فيها؟” فيجعل الخلاف حجة فى الجواز لمجرد كونها مختلفاً فيها، لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ على الشريعة) [الموافقات، 5/92]

 

ومن أهم ما في معالجة الشاطبي لهذه القضية إشارته إلى رقة الدين التي يسببها الاحتجاج بالخلافيات، كما يقول رحمه الله:

(مما في اتباع “رخص المذاهب” من المفاسد: الانسلاخ من الدين بترك “اتباع الدليل” إلى “اتباع الخلاف”، وكالاستهانة بالدين إذ يصير بهذا الاعتبار سيالاً لا ينضبط) [الموافقات، 5/102]

 

وهذه الطريقة، أعني الاحتجاج بالخلافيات على النصوص تشربها كثير من الشباب والعامة للأسف، وقد نجح التغريبيون في ترويجها نجاحاً مذهلاً.

 

-الاستعانة بالفكر العلماني العربي:

من أهم الأدوات التي استعان بها المشروع التغريبي السعودي محاولة استثمار الكتب والدراسات العلمانية العربية لتفكيك البنية السلفية وتقويض يقينياتها وإدخال الشكوك والارتيابات فيها، تمهيداً لتقبل الفكر التغريبي، وقد كان الأستاذ عبدالعزيز التويجري يستضيف عامة المفكرين العلمانيين العرب في مهرجان الجنادرية المشهور، وفي أوائل سنواته كان يحضره بعض الدعاة، وتثور بينهم وبين المفكرين العلمانيين مجادلات ساخنة، منها مداخلات للشيخ سعيد بن زعير وغيره.

 

ثم أصبحت كتابات العلمانيين تدخل عبر معارض الكتب وخصوصاً مركز دراسات الوحدة العربية ودار الساقي والجمل ونحوها، وقد أقبل بعض الشباب على هذه الكتب وبنوا تصوراتهم عن السنة النبوية وأصول الفقه والتاريخ الإسلامي من خلال هذه الكتب التي هي إعادة إنتاج للاستشراق التقليدي (الفيلولوجي)، وخصوصاً أمثال دراسات جولدزيهر وشاخت وهنري كوربان ورينان ونحوهم، ويحتاج هذا ورقة خاصة لتوضيحه.

 

المهم أن استضافة المفكرين العلمانيين العرب، والتقاؤهم بالشباب السعودي الغر على هامش تلك المؤتمرات، وقراءتهم لكتبهم، وبناؤهم تصوراتهم الشرعية من خلال كتب العلمانيين، كان له دور كبير جداً في صناعة عقليات شبابية صالحة لزراعة التغريب.

 

-التشويه الإعلامي للعلماء والدعاة المعارضين للتغريب:

من أهم أدوات المشروع التغريبي توجيه رؤساء التحرير لفتح المجال للكتّاب التغريبيين والمستخدمين لتشويه العلماء والدعاة المعارضين للمشروع التغريبي، وتلميع العلماء المتصالحين مع المشروع التغريبي، ولذلك تجد الصحفيين مطبقين على إسراف المديح على شخصيات دينية بعينها، في مقابل تشويه رموز فقهية ودعوية بعينها، كتشويههم للشيخ البراك واللحيدان والمنجد والأحمد ونحوهم، هذا التواطؤ على مديح شخصيات دينية بعينها، وذم شخصيات دينية أخرى لا يمكن تفسيره بتاتاً بكونه عرضاً واتفاقاً بل هو جزء من البرنامج قطعاً.

 

ومن أهم مدراء الكيانات الإعلامية المحنكين في إدارة المعركة: الأساتذة: تركي السديري، وعبدالرحمن الراشد، والوليد الابراهيم، وهم في الغالب لا يواجهون مباشرة بل يتحكمون بشكل غير مباشر في طريقة وصول الرسالة للمتلقي النهائي.

 

-استعمال العلماء المتصالحين مع المشروع التغريبي:

ثمة بعض الفضلاء من الدعاة كانوا في مرحلة أزمة الخليج خصوماً للدولة والإعلام الليبرالي، وبعد الاعتقال وصلوا إلى قناعة أنه لا يمكن مصارعة الدولة والإعلام الليبرالي، فتحولوا إلى مصالحة النظام السياسي والإعلام الليبرالي كلاهما، لكن تحولت سهامهم إلى السلفيين تدريجياً وبلا شعور منهم فيما أظن.

 

هؤلاء الدعاة الفضلاء تم استعمالهم في تعزيز المشروع التغريبي وهم لا يشعرون، ولا أشك أنهم لو شعروا لنفروا إن شاء الله من ذلك، فهم أخيار في أنفسهم، المهم أنهم صاروا يقدمون تزكيات هائلة لرموز تغريبية كمديح غازي القصيبي وأنه نموذج يحتذى، والدفاع عن الجابري، والحكومات العلمانية كالنظام التونسي والليبي، وعمارة النفوس بتعظيم الغرب وأن أمريكا لن تسقط، في مقابل لمز الحركات الإسلامية، وسيد قطب، وحزب النهضة التونسي، وأنهم يسعون للسلطة، ولمز المحتسبين، بل وضع السلفيين في خانة الأعداء (شكراً أيها الأعداء)، وتمييع النصوص بالتخيير والتشهي في الخلافيات.

 

ولذلك فإن المفتي بالأمس أرسل رسالة لا تخلو من تنبيه لاذع حول خطورة أن يقوم الإعلام الليبرالي باستغلال هذه الشخصيات الدينية لتزكيتها وتخفيف مشاعر النقمة تجاهها، كما يقول المفتي الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ:

(وإن كان الخروج –في القنوات- لأمور عادية، وقد يراها أصحاب القنوات بأنها تزكية لهم إذا خرج من هم أهل التقى والصلاح في قنواتهم، والواقع أن منهجهم وبرامجهم غير سليمة؛ فلا ينبغي أن نعطيهم تزكية بخروجنا معهم) [الشرق الأوسط، 6سبتمبر2010]

 

وأنا واثق إن شاء الله أن هؤلاء الأخيار سيتنبهون للدور الخطير الذي يضعهم فيه الإعلام الليبرالي ويدفعهم له ويطريهم ويثني عليهم، ولذلك تجد الأستاذ الوليد الابراهيم يختار وقت الذروة لبرامج رموز دينية معينة لأنه يعلم جيداً أنها توفر أجواء غير عدائية لمشروعه التغريبي، ولوكانت هذه البرامج تهدد التغريب لما دعمها وحرص عليها ووضعها في أغلى الأوقات.

 

-التغريب السياسي:

وثمة بعض الفضلاء من الاسلاميين المهتمين بالبعد السياسي في النهضة، أكثرهم فاضل في نفسه وصادق في البحث عن مخرج؛ ولكنهم انجرفوا بلا وعي في التغريب السياسي، فصاروا ينادون بالديمقراطية والحرية (الحرية هي ترجمة الليبرالية أصلاً!)، وحجتهم في ذلك أن التغريب إنما هو بسبب الفساد السياسي، ولا يمكن مواجهة الفساد السياسي إلا بالديمقراطية، وهذه الحجة تحتاج لقراءة هادئة احتراماً لصدق أصحابها، فالمقدمة الأولى منها مقدمة صحيحة جزئياً، وهو أن من أهم أسباب التغريب جوانب القصور في نظام الحكم، ولكن الحل ليس هو بالديمقراطية والحرية التغريبية، فإن التغريب لا يواجه بالتغريب، وإنما يواجه بالشريعة، والفساد السياسي يواجه بالسياسة الشرعية، والسياسة الشرعية تتضمن أموراً كثيرة منها (العدل في الحكم، وتولية الأكفاء، والشورى، ومحاسبة الولاة، واستقلال القضاء، الخ).

 

وهؤلاء الفضلاء صاروا ينادون بالحرية، ويجعلون من معناها (حق أهل الضلال في نشر ضلالهم) وهذه حرية تغريبية وليست حرية شرعية، ومن حججهم التي يقولونها: أن الإسلاميين إن دعوا للتضييق على أهل الضلال فسيكونون هم أول ضحية، وأن الإسلاميين لم يضيق عليهم إلا لأنهم لم يطالبوا بالحرية.

 

ونحن نحتاج هاهنا أن نناقش هذه بهدوء، لأن بعض من يقولها صادق في طلب الحق إن شاء الله، فالحقيقة أن من يقول هذه الحجة غفل عن أن المعيار في القضايا الشرعية ليست هي المصالح الشخصية، بل الشريعة، والشريعة جاءت بحكمين متوازيين: التمكين للعلماء والمفكرين والأدباء الخ من نشر علومهم وآرائهم، ومنع أو معاقبة من يخرج على الشريعة منهم. فلا يصح أن نطالب بالجزء الأول ونترك الثاني بحجة أننا حتى لا نكون ضحية، هذا تفكير يصلح في برنامج سياسي وليس تفكيراً منطلقاً من الالتزام بالشريعة.

 

ولذلك فسائر أئمة الإسلام الكبار طالبوا بمنع المضلين ومعاقبة من لايرتدع إلا بالعقوبة، مع كون هؤلاء الأئمة –أيضاً- كانوا ضحايا للسلطة كسعيد بن المسيب ومالك وسفيان الثوري وأبي حنيفة وأحمد وابن تيمية وغيرهم، وقد ساق المؤرخ ابوالعرب (ت333هـ) في كتابه المحن عجائب من ابتلاء أئمة السلف، فكل هؤلاء تعرضوا لاضطهاد السلاطين ولم يمنعهم ذلك أن يطالبوا بمنع المضلين، بسبب كون أئمة السلف موضوعيين علميين في نظرهم في الشريعة وليسوا سياسيين يفكرون بحرياتهم الشخصية، فهل يسوغ أن نقول طبقاً لمنطقكم هذا: إن ما أصاب ابن المسيب ومالك وأحمد وابن تيمية ونحوهم إنما هو بسبب دعوتهم لمعاقبة المبتدع ومنعه فكان هؤلاء الأئمة هم أول الضحايا؟ هل يسوغ هذا في نفس رجل يحب الله ورسوله وأئمة السلف؟!

 

المهم أن هؤلاء الاسلاميين المعنيين بالقضية السياسية صاروا ينزعون إلى التغريب السياسي بلا شعور منهم عبر الترويج للديمقراطية والحرية التغريبية، بل وإدمان المديح للغرب، وإدمان المديح للغرب ليس مجرد خلل (فكري)، بل هو إخلال (عقدي) بأصل من أصول أهل السنة وهو وجوب اعتقاد (خيرية واجتباء هذه الأمة على سائر الأمم) كما قال تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران، 110].

وبين الله اجتباء هذه الأمة في قوله (هُوَ اجْتَبَاكُمْ) [الحج 78].

بل وجعل تعالى هذه الأمة شاهدة على الناس بسبب حبه وتعظيمه لها جل وعلا كما قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة: 143]

والمراد أن من يغالي في مديح الغرب وشتم هذه الأمة المسلمة فقد انتهك أصلاً عقدياً من أصول أهل السنة وهو وجوب اعتقاد فضل وخيرية واجتباء هذه الأمة على سائر الأمم، وهذا لا يخالف الثناء الجزئي على أمر جزئي معين، كقوله تعالى (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الروم:7] ومع أنها سيقت في معرض الذم! لكنها تضمنت ثناء جزئياً.

 

بل وبلغ الحال ببعض الفضلاء -سامحهم الله- إلى اعتبار أن حرية الداعرات في بريطانيا من ممادح الغرب ومن الجوانب المضيئة فيه والتي تستحق الإشادة كمؤشر على الحرية، فهل هذا إلا انجراف للتغريب السياسي، وللحرية بمعناها التغريبي، وتغييب للسياسة الشرعية، وأنا واثق أن هؤلاء الفضلاء سيكون لهم وقفة محاسبة جادة يقدم فيها الوحي على اعتبارات مشاحنة ومغاضبة الخصوم.

 

-تصاعد المواجهة مع شيوخ المعارضة للتغريب:

المراقب للساحة يلاحظ أن المواجهة مع المشايخ المعارضين للتغريب بدأت تتصاعد حدتها، فلما أفتى اللحيدان ضد فضائيات التغريب أجج الإعلام القضية وانتهت بإقالته، ولما أفتى الشثري ضد الاختلاط أجج الإعلام القضية وانتهت بإقالته، ثم دمرت أوحجبت المنتديات الاحتسابية واحداً بعد الآخر، ثم أغلق موقع الشيخ البراك والمنجد، ثم بالأمس أغلقت فضائية الأسرة التي يشرف التي يشرف عليها الشيخ محمد الهبدان ، وهيئتها الشرعية : عبدالعزيز الطريفي ، ويوسف الأحمد ، وسعد الحميد ، وعبدالمحسن الزامل، وهذه الإغلاقات والحجوبات المتتابعة لكل عالم داعية يلمس منه مقاومة مشروع التغريب يوضح بالضبط البوصلة الفكرية في السعودية.

 

-قرار قصر الفتيا والاحتساب على من يأذن لهم الديوان:

وقبل أيام معدودة صدر قرار الديوان بمنع أي عالم أو داعية من الفتيا أو الاحتساب إلا بترخيص من الديوان، قرأ البعض هذا القرار معزولاً عن سياقه السياسي، وكأنه قنديلٌ معلقٌ في الهواء، وهذا غلط تام، فالقرار ليس شيئاً غريباً أوحدثاً غير مفهوم، بل هو مجرد حلقة في سلسلة شلّ العلماء والدعاة المعارضين للمشروع التغريبي، بل إني على يقين جازم أن الملك نفسه لاصلة له بالقرار من قريب ولا من بعيد، وأما من صاغ القرار فلا يمكن أن يكون شخصية سياسية ولا تكنوقراطية بتاتاً، فالقرار فيه تفاصيل وإشارات لشخص مهجوس بصراعات شبكة الانترنت، تأمل ما جاء في القرار مثلاً :

(ومنهم من يكتب عرائض الاحتساب للمسؤولين فيما بينه وبينهم، كما هو أدب الإسلام ، ثم يعلن عنها ـ على رؤوس الأشهاد ـ ليهتك ما ستر الله عليه من نية، أو سوء تدبير على إحسان الظن به)

 

فأولاً: هل يليق بالديوان الملكي أن يدخل في هذه التفاصيل؟! قرار ملكي يتحدث عن حادثة شخص واحد كتب عرائض ثم نشرها! ماهذا؟! لا أشك أن من تولى صياغة القرار أنه قد أساء كثيراً لهيبة الديوان.

وثانياً: هل هذه عبارة مناسبة (ليهتك ما ستر الله عليه) وهل كتابة خطاب احتسابي فاحشة حتى يكون كشفه هتكاً لستر الله؟!

 

على أية حال .. الديوان الملكي ليس من اللائق إقحامه في تفاصيل لشخص واحد، بل الأولى أن يبقى الديوان مظلة للجميع.

بغض النظر عن الأخطاء في صياغة القرار، ماهو حكمه الشرعي؟ أعني ماحكم إسكات العلماء والمحتسبين عن الصدع بالحق في المشروعات التغريبية؟ وهل يجب على العلماء والدعاة الذين لا يملكون رخصاً بالفتيا أن يسكتوا عن إنكار المنكر؟ هذا هو حرف المسألة، وهذا ما سنتناوله في الفقرة التالية.

 

-لا يسعني كتم العلم!:

لما كان الامام ابن تيمية صادعاً بالحق، عقد له مجلس وأمر فيه بالانتهاء عن الافتاء، وصار غير مرخص له بالفتيا، فماذا فعل؟ يقول ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة في ترجمة ابن تيمية:

(ثم بعد مدة عقد له مجلس ثالث بسبب ذلك، وعوتب وحبس بالقلعة..، ومنع بسببه من الفتيا مطلقة، فأقام مدة يفتي بلسانه، ويقول: “لا يسعني كتم العلم” ).

 

وفي حادثة أخرى حكاها ابن تيمية عن نفسه حيث يقول:

(يجيئني الرجل المسترشد المستفتي بما أنزل الله على رسوله ، فيسألني مع بعده ، وهو محترق على طلب الهدى، أفيسعني في ديني أن أكتمه العلم؟! ) [الفتاوى 3/258]

 

هذا وهوشخص واحد من أهل العلم يرى أنه لا يحق للسلطان منع المؤهلين من الفتيا، فكيف بمن يريد منع عامة العلماء إلا من يوافقه الرأي!

 

وهذا الصدع بالحق من العلماء حتى لو لم يرض السلطان ليس شأن ابن تيمية فقط، بل هذا شأن السلف، كما وقع من مالك في مسألة طلاق المكره حتى جلد، وكما وقع من الإمام ابوسماعيل الأنصاري حيث يقول عنه الذهبي:

 (كان سيفاً مسلولاً على المخالفين، وطوداً في السّنة لا تزعزعه الرّياح، وقد امتحن مرّات، قال الحافظ محمد بن طاهر: سمعت أبا إسماعيل الأنّصاري يقول بهراة: “عرضت على السّيف خمس مرّات، لا يقال لي: ارجع عن مذهبهم، لكن يقال لي: أسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت) [تاريخ الإسلام، الذهبي، 33/54]

 

وقصص السلف في الصدع بالحق كثيرة جداً ليس هذا موضع إيرادها، وكنت قبل سنتين قد جمعتها من سير أعلام النبلاء مبتدأً من عصر صغار الصحابة حتى أواخر القرن الثالث، فكانت مادة هائلة تعكس ضعفنا المعاصر في الصدع بالحق، وأتمنى أن تتاح فرصة لاحقة لتحريرها ونشرها.

 

والمراد أن أساس الخلل في هذا القرار هو الخلط بين (المنع العام) و (المنع الخاص)، فالمنع العام بأن يمنع جميع العلماء من بيان الحق إلا من يختارهم سلطان معين، وأما المنع الخاص فبأن يمنع الجاهل وصاحب الهوى ومن ظهرت مخالفته لصرائح النصوص ونحوهم.

 

فالأول، أعني المنع العام، هذا معلوم البطلان بالقطع من الشريعة، ولا يعرف له سابقة في تاريخ الإسلام، ويلاحظ أن القرار أشار للمنع الخاص، وبنى عليه المنع العام، وهذا خلط واضح.

 

ومما يدل على مخالفة هذا القرار للشريعة قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ** إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة، 159-160].

فهذه الآية من تدبرها علم قطعاً بطلان هذا القرار الذي يريد أن يربط بيان ما أنزل من الكتاب بقرار سياسي، فهذا واجب من الله على كل عالم، ولا يجوز للقرار السياسي أن يقيد الواجب الذي أوجبه الله على العلماء.

 

وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الشهير في الصحيحين (الدين النصيحة ثلاثاً، قيل: لمن يا رسول الله ؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم). فإذا كانت النصيحة واجبة على المسلمين لولاتهم فكيف يستأذن الولاة في النصيحة؟!

 

وفي السنن بسند صحيح (من سئل من علم فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة)، فكيف يكتم العلم إلا بترخيص؟!

فإذا كان لا يجوز الصدع بالحق إلا بترخيص، فلماذا سمي صدعاً بالحق إذن؟!

 

ومما يدل على مخالفة هذا القرار للشريعة أن الفتيا بإجماع الفقهاء عن بكرة أبيهم (فرض كفاية) وعلى ذلك فإذا لم يقم المفتون المرخص لهم بالفتيا والبيان في منكرٍ من المنكرات وجب على غيرهم أن يقوموا بالبيان والإنكار والاحتساب.

 

اتفق الأصوليون عن بكرة ابيهم على أن المقلد هو الذي يجتهد في البحث عن الفقيه الذي يستفتيه بحيث يختار الأعلم والأتقى، ولم يقل أصولي واحد بجواز أن يمنع الناس من اختيار الفقيه الذي يرضونه!

 

وأما قولهم أن الفتاوى الخاطئة تجعل من السائغ منع الناس جميعاً من الفتيا إلا بإذن، فهذا مردود بكون الخلل في الفتيا وقع في عصر النبوة ولم يمنع الناس منعاً عاماً، بل منع المخطئ فقط، كما في حديث صاحب الشجة الذي أفتوه أصحابه في مسألة في التيمم خطأ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- عنهم: (قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟! فإنما شفاء العى السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده).

 

وهذا الحديث رواه ابوداود وصححه ابن الملقن في البدرالمنير واعتمد عليه عامة الفقهاء في كتاب التيمم، والمراد أن هذا الخبر النبوي يوضح كيف تعامل النبي –صلى الله عليه وسلم- مع ظاهرة الخطأ في الفتيا بالمنع الخاص لا بالمنع العام.

 

ولقد كان أهل العلم المحققين في شتى بقاع الإسلام يضجون من (التعصب المذهبي) الذي يحمل فيه الناس على (مذهب فقيه) بعينه، ويرون ذلك مخالفاً للشريعة، فكيف بالتعصب السلطاني الذي يحمل فيه الناس على المفتين الذين يختار فقههم سلطان بعينه؟! فكل ما قاله أهل العلم في إلزام الناس بمذهب بعينه فهو موجود وأضعافه في إلزام الناس بالمفتين الذين يختارهم سلطان بعينه.

 

بل إن الإمام ابن تيمية يرى أن ما تضمنه القرار من حمل الناس على مفتين معينين يختارهم السلطان يدخل في الحكم بغير ما أنزل الله كما يقول:

(وولي الأمر  إن عرف ما جاء به الكتاب والسنة حكم بين الناس به، وإن لم يعرفه وأمكنه أن يعلم ما يقول هذا وما يقول هذا حتى يعرف الحق حكم به؛ وإن لم يمكنه لا هذا ولا هذا؛ ترك المسلمين على ما هم عليه، كل يعبد الله على حسب اجتهاده؛ وليس له أن يلزم أحداً بقبول قول غيره وإن كان حاكمًا، وإذا خرج ولاة الأمور عن هذا فقد حكموا بغير ما أنزل الله ووقع بأسهم بينهم، وهذا من أعظم أسباب تغيير الدول) [الفتاوى، 35/387]

 

وأما ما جاء في القرار الملكي من قصر النهي عن المنكر على أصحاب الولايات حيث يقول القرار (ولا شك أن للاحتساب الصادق جادة يعلمها الجميع ، خاصة وأن الذمة تبرأ برفع محل الاحتساب إلى جهته المختصة)، (وفي مشمول هؤلاء كل من أولع بتدوين البيانات).

 

فهذا أيضاً خطأ مخالف للشريعة، فالجهة المختصة وهم أصحاب الولايات لهم قدر زائد وهو التغيير بالقوة والإلزام، بخلاف عامة المسلمين فعليهم واجب النهي عن المنكر باللسان والقلب والمخاطبة والمناصحة ونحوها بلا ولاية، وأهل العلم في كتب الحسبة يبينون دوماً الفرق بين المحتسب الذي يملك ولاية وعامة الناهين عن المنكر، بل نقل الجويني الإجماع على أن الإنكار ليس محصوراً في أهل الولايات، كما يقول النووي في شرح صحيح مسلم:

 (قال العلماء: ولا يختص الامر بالمعروف والنهى عن المنكر باصحاب الولايات، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين، قال إمام الحرمين: والدليل عليه اجماع المسلمين، فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذى يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين اياهم، وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من غير ولاية)

 

بل ذكر الغزالي ملحظاً لطيفاً وهو أن فرض استئذان الولاة للنهي عن المنكر هو منكر في حد ذاته يجب إنكاره! حيث يقول الغزالي في إحياء علوم الدين:

(واستمرار عادات السلف على الحسبة على الولاة قاطع بإجماعهم على الاستغناء عن التفويض، بل كل من أمر بمعروف؛ فإن كان الوالي راضيا به فذاك، وإن كان ساخطا له؛ فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه، فكيف يحتاج إلى إذنه في الإنكار عليه)

وهذا المعنى الذي ذكره الغزالي معنى طريف وتعليل بديع للغاية.

 

وهذا المعنى الذي ذكره العلماء هو الذي دلت عليه النصوص، كحديث (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) ولو كان إنكاراً بإذن لم يكن جهاداً أصلاً، بل ولا كان أفضل الجهاد!.

وحديث (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأنكر عليه فقتله) فلو كان مأذوناً له لم يقتله.

 

وهكذا كان الصحابة ينكرون بقوة وبلا إذن، ففي صحيح مسلم (عن عمارة بن رؤيبة قال: رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه، فقال: “قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يزيد على أن يقول بيده هكذا” ) [مسلم، 2053].

 

وجاء في فتاوى ابن عثيمين أنه سئل:

(هل يجوز لمن أراد أن ينكر المنكرات أن ينكرها على المنابر، وهل هذا هو منهج أهل السنة والجماعة؟ الجواب: أما المنكرات إذا شاعت فلابد أن تنكر على المنابر) [لقاء الباب المفتوح، ل94]

 

ومن مفاسد هذا القرار تهييج الغضب في نفوس الشباب المتدين، عبر كبت العلماء المستقلين من قول كلمة الحق، وكلمة الحق من أعظم مصادر التنفيس السياسي، ولا تنفجر إلا الأنابيب المغلقة، وإغلاق الطرقات المشرعة يلجؤ الناس لحفر الأنفاق المظلمة.

 

وأما من يقول من العلماء أو الدعاة إنني أخشى كذا، وأخشى كذا، فالجواب أن الله تعالى بين أن تبليغ الدين لا ينفك عن الأذى والخوف من تسلط النافذين، ودواء ذلك، بل أنجع دواء على الإطلاق، هو “تجريد التوحيد” بأن لا يخاف الداعية إلا من الله كما قال تعالى (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً) [الأحزاب، 39].

فلا يستجلب حفظ الله بمثل طاعة الله جل وعلا، ولا يستجلب الحفظ بمعصية الله أو بالتقصير في تبليغ دينه أبداً.

 

هذا بالنسبة للموقف الشرعي من القرار، أما موقف الإسلاميين من القرار فقد رأيتهم انقسموا ثلاثة أقسام: فريق فهموا القرار على ظاهره، وهو أنه يستهدف إيقاف الصوت الشرعي المعارض للمشروع التغريبي، وهؤلاء وقفوا منه موقفاً سلبياً ونشروا مواقفهم إما بتعليقات على الشبكة أو في استضافات فضائية.

 

والفريق الثاني: سعى إلى تأويل ألفاظ القرار لحملها على معنى شرعي صحيح، وصاروا يمدحون القرار ومقصودهم المعنى الشرعي الذي أبانوه، لا ظاهر القرار، وحجة هؤلاء أننا في معركة مع الليبراليين وليس من مصلحتنا أن نسلمهم القرار ببساطة ونقر أنه ضد الدعوة وأهلها، وهؤلاء اجتهادهم اجتهاد دعوي مقبول، وهم مشكورون على كل حال، ورأيت بعض الأفاضل ممن ينتقد القرار يشنع على هؤلاء الإخوة، وهذا خطأ، فالفرق بين الفريق الأول والثاني أشبه باختلاف الوسائل لا اختلاف المقاصد، واختلاف الوسائل يدخل في اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد.

 

وأما الفريق الثالث: فقد مدح القرار مدحاً مطلقاً دون أن يحمله على معنى شرعي صحيح، وهؤلاء قليلون جداً، لكن موقفهم موقف خطير لتضمنه إقرار معنى باطل وإضفاء الشرعية عليه، وهو أن يتدين الناس بالدين الذي يختاره السلطان، لا باجتهادهم هم في اختيار من يرضون دينه.

 

ومن الأمور المستغربة عدم قابلية القرار للتطبيق، فلا الإعلام سيسكت عن إثارة الفتاوى التغريبية تحت ستار أنها رأي لا فتوى، أو مجرد عرض للخلاف الفقهي لا فتوى، ولا المشايخ المستقلين سيسكتون عن الصدع بالحق فليس لديهم رخص سيخسرونها، وهؤلاء هم طرفي المعادلة (الإعلام – العلماء المستقلين) وكلاهما لن يسكت عن الكلام في المسائل الشرعية، فإذا كان طرفا القضية لن يسكتا فما فائدة القرار إذن؟!.

 

وأي جهة سياسية تصدر أمراً من الصعب تطبيقه فإنها تصرف من رصيد هيبتها، فالحقيقة أن من أشار على الديوان بإصدار القرار لم يستهدف لهم الخير أبداً، فهذا فيه هز لهيبة القرارات الملكية، بتجرئ الناس على انتهاكها، وهذا ليس في مصلحة الجميع بتاتاً، بل من مصلحة الجميع أن تبقى الجهات التنظيمية لها احترامها، فبإجماع الباحثين في العلوم السياسية أن دولة النظام من أهم مؤشرات النضج السياسي، وليس من مصلحتنا جميعاً أن تصبح الأمور فوضى.

 

ثم إن القرار لاثمرة له عملياً، ولنأخذ مثالاً على ذلك، لنفترض أنه أنشئت جامعة أخرى مختلطة على غرار كاوست، وتهيب المرخص لهم بالفتيا من الفتيا خوفاً من أن تسحب رخصهم، فهاهنا يجب على غير المرخص لهم من أهل العلم أن يصدعوا بالحق، وعليه فإن فكرة هذا القرار لا فائدة لها عملياً في تقييد العلماء المستقلين.

 

على أية حال .. هذا القرار ليس قراراً عفوياً وتلقائياً، بل هو قرار خرج من رحم معركة، وآثار جراحات كاوست، وقرار تأنيث الصبيان، وقرار تكشير الفتيات؛ بادية عليه، فيجب أن نفهمه في هذا السياق.

 

وهل المقصود من هذا النقد تجرئ الناس والشباب على الفتيا؟ لا، قطعاً، ليس هذا المقصود، بل ما من طالب علم يزداد إيمانه وعلمه إلا ونقصت جرأته على الفتيا، سيما إذا استحضر قوله تعالى (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) [الزمر 60]، وقوله تعالى (وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [هود، 18] ، وكل من تكلم في المسائل الشرعية بلا بحث ولا علم فقد وقع في الكذب على الله، فليستعد ليوم يكون فيه وجهه مسوداً، بل  ومن أكثر مشاهد سيرة السلف بهاء تلك الهيبة التي تعتريهم عند الفتيا، لاستحضارهم عظمة الله وكونهم يتكلمون عنه وينسبون إليه، ولكن المقصود إنكار الرغبة في منع كلمة الحق في الفتيا والاحتساب، لا تجرئ الشباب وصغار طلاب العلم على الفتيا.

 

-قتل ملاك الفضائيات أم قتل المفتين:

لو عاد القارئ إلى الوراء ليتذكر المعركة التي دارت حول فتيا الشيخ صالح اللحيدان –حفظه الله- حول ملاك الفضائيات حين قال:

 (إن من يدعوا إلى الفتن إذا قدر على منعه ولم يمتنع؛ قد يحل قتله، لأن دعاة الفساد في الاعتقاد أو في العمل إذا لم يندفع شرهم بعقوبات دون القتل؛ جاز قتلهم قضاءً).

 هذا نص كلامه، وهو موافق لترجيح ابن تيمية حين قال (فإذا كان المقصود دفع الفساد ولم يندفع إلا بالقتل قتل) [الاختيارات الفقهية].

 

ومع ذلك طار الإعلام الليبرالي بهذه العبارة، ووضع لها العناوين الإرجافية أن الشيخ اللحيدان يدعوا لقتل ملاك الفضائيات، طبعاً ما سبب الانزعاج الليبرالي من ذلك؟ يقولون أن السبب هو الحرص على حفظ الدماء وأن لاتكون الفتيا فيها بهذه البساطة، حتى لو كان ملاك الفضائيات ينشرون الفنون الهابطة.

 

حسناً .. لنفترض أن هذا هو السبب، وهو الغيرة والحمية لدماء المسلمين من قبل الليبراليين، فلماذا لم نسمع ذلك الدوي حين نشرت الوطن مستبشرة مهللة هذا الخبر (كشف القاضي في محكمة الاستئناف الدكتور فؤاد الماجد بأن عقوبة مخالف الأمر الملكي ستكون تعزيرية، وعقوبتها تتراوح ما بين أخذ التعهد إلى أن تصل إلى حد القتل) [صحيفة الوطن، 13/8/2010].

 

لماذا لم نسمع عناوين من مثل (الماجد يفتي بقتل المفتين) على غرار (اللحيدان يفتي بقتل ملاك الفضائيات)؟ أم أن دم من ينشر الفنون الهابطة دم غال أزرق، ودم من ينشر كلام الله ورسوله دم بارد رخيص؟ مجرد سؤال فقط..

 

-تساؤلات:

بعض الشباب الأخيار في أنفسهم كانت لديهم بعض التساؤلات يقولون فيها: ألا يمكن أن يكون الصراع الاسلامي التغريبي مجرد لعبة خلقتها الحكومة لإلهاء الناس عن قضاياهم الحقيقية؟ ألا يمكن أن يكون الاسلاميون عبيد الحكومة وخدم الاستبداد؟ ألا يمكن أن يكون هذا الصراع كله مسرحية وأول المستفيدين منها هي الحكومة؟ إلى آخر هذه التساؤلات.

 

حسناً يا أخي الكريم .. حين تتأمل حملة الإقالات التي طالت مناصب رفيعة، كمنصب رئيس مجلس القضاء الأعلى، ومنصب عضو هيئة كبار العلماء .. وحين تتأمل حملة حجب مواقع المواقع الدعوية مثل البراك والمنجد ومفكرة الدعاة ونور الاسلام الخ .. وحين تتأمل إغلاق قناة فضائية كاملة بعد جهود وأموال ويشرف عليها أمثال الطريفي والاحمد والحميد والزامل والهبدان.. وحين تتأمل قراراً ملكياً يصدر بهدف إسكات هذا الصوت الدعوي المعارض للمشروع التغريبي .. فهل بعد ذلك لديك أدنى ذرة شك أن هؤلاء مرغوبون ومطلوبون؟ إذا كانوا مطلوبين مرغوبين فلماذا تتم محاربتهم من قبل جهات رسمية؟!

 

حسناً .. انتقل إلى مواقع أخرى تمارس نقداً سياسياً صريحاً جداً، مثل (مجلة العصر ومجلة رؤية) .. ومع ذلك تجدهما لم يعانيان من حجب ولا غيره.. فهل يمكن أن يكون الموقع المحجوب والقناة المغلقة هي التي يمثل أصحابها خدم الاستبداد؟ أعتقد لو فكرنا بموضوعية لوصلنا لنتيجة جيدة.

 

-ضحايا المشروع:

خلال السنوات السابقة كنت أقابل بعض الشباب الذي يتحدث كثيراً عن (الوعي) و (الوعي السياسي) و (فهم الواقع) .. الخ، ثم إذا أخذت أتأمل قناعاته الشرعية وجدته ضحية لهذا المشروع التغريبي الضخم الذي يديره بعض نافذي الديوان والاعلام، بل أحد هؤلاء رأيته مرة يردد نفس الفتاوى التي يرددها الإعلام عن العلماء والدعاة فيقول لك البراك يفتي بقتل من يقول بجواز الاختلاط، ويفتي بوجوب حجاب المرأة أمام المرأة، والاحمد يفتي بهدم الحرم، وكذا وكذا الخ.

 

بل دعني أفشي لك سراً، كنت أقول لمجموعة من المراقبين لا داعي للقلق على النخب المثقفة من إرجاف الإعلام، لأنهم يقرؤون، بخلاف العامة، فإذا بالمشكلة أن هذه الإشاعات الإعلامية عن العلماء ترددها شخصيات مشغولة بالشأن السياسي وتعطيك المحاضرات في الوعي السياسي، ومع ذلك تنطلي عليهم إشاعات الإعلام ويرددونها بنفس الصيغة الإعلامية! يا ألله .. كم أشعر بالشفقة والرثاء لمن يتوهم نفسه واعياً سياسياً وإذا به أول الضحايا!

 

التلاعب الإعلامي المنظم بصورة الفتاوى، وبالحاضر والغائب من فتاوى العلماء بهدف التأثير السلبي طويل المدى على صورة الفقيه الشرعي في الوعي الاجتماعي صار له ضحايا كثيرون للأسف الشديد، وهم يتوهمون أنهم خارج الطبخة السياسية، بينما هم يحرَّكون داخل القِدر منذ سنوات.

 

 

-كيف نتعامل مع الديوان؟

الديوان الملكي اليوم يطرح مسارين متفاوتين جداً، أولهما: مسار المشروعات التنموية، وهي كثيرة، وتغدق عليها ميزانيات ضخمة، سواء في الجامعات أو المؤسسات الاقتصادية أو مشروعات الطرق ونحوها، وهذا المسار يجب أن ندعمه ونشكره ونشجعهم عليه، فهذه أموال المسلمين وحاجاتهم ويجب أن نشجع كل بادرة فيها شئ من العدل السياسي.

 

والمسار الثاني: هو مسار المشروعات التغريبية، خصوصاً في قضايا المرأة، عقيدة المسلم تجاه الكافر، وترقيق الدين بالخلافيات، وأحياناً يتترسون في مشروعهم هذا ببعض أصحاب اللحى الذين باعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل، وهذا المسار يجب أن نقاومه مقاومة صريحة حازمة لا هوادة فيها، ولا يسعنا أن نكتم الحق لأننا لا نحمل رخصة إفتاء أو رخصة احتساب.

 

وأظن أنه من المهم أن تكون صورة العلماء والدعاة المستقلين متوازنة، فليس من اللائق أن لايرونا إلا رقباء على انحرافاتهم، بل يجب أن نكون داعمين للخير، مجابهين للشر، وهذا هو التوازن الشرعي المطلوب.

 

وهذا الموقف المتوازن يجب أن نقفه -أيضاً- مع الطوائف الفكرية، ولأكون صريحاً ويتضح المراد بعيداً عن العمومات، فالأستاذ ابوبلال عبدالله الحامد –حفظه الله- رجل نبيل ويقوم بدور ممتاز في المطالبة بالعدل، لكنه على الجانب الآخر يقوم بدور سئ جداً في تحريف بعض القضايا الشرعية، وكمثال على ذلك القاعدة التي نشرها على حائطه قبل أيام بما تتضمنه من تهوين من شأن الحديث “المتواتر” كما يقول ابوبلال هداه الله:

(فكل حديث يصرح بطاعة الجائر، والصبر عليه، والصلاة خلفه، والجهاد خلفه، وترك جهاده السلمي؛ فهو متروك، لأنه غير صحيح متنا، لايقطع بصدقه، ولا ينبغي العمل به، حتى لو كان حديثا صحيحاً متواتراً).

 

لاحول ولاقوة إلا بالله، إذا وصل الأمر إلى الاستهانة بالأحاديث المتواترة بهذا الشكل فماذا بقي لسنة رسول الله من التوقير إذن؟ ولم يقده إلى ذلك إلا استغراقه في التغريب السياسي، ولكن ومع ذلك فليس من اللائق بتاتاً أن لا يجدنا الأستاذ ابوبلال إلا حيث أخطأ، ولا يجدنا حيث أصاب، فهذا يجعل صورة طالب العلم والداعية غير متوازنة بتاتاً، فله مواقف أخرى رائعة ومشكورة، يجب أن نشكرها وندعمها.

 

-أنوار لن تطفأ:

بعد هذه المحطات الخاطفة حول تطورات المشروع التغريبي في السعودية من المهم أن نقف عند أهم نقطة في الموضوع، وهي أن المؤشرات تدل على أن الفتن قادمة، وأن النافذين السياسيين ورؤساء التحرير، ومدراء المحطات الفضائية التغريبية؛ يعدون الكثير ويتواطؤون على تمرير مشروعات تغريبية خطيرة، وخصوصاً بعد حملة حجب مواقع المشايخ، وإغلاق فضائية الأسرة، وقرار إسكات المشايخ المعارضين للتغريب؛ فهذا يدل على أن ثمة فتن قادمة، وثمة متساقطون قادمون لن يستطيعوا أن يقاوموا جبنة الديوان..

ولكن علينا دوماً أن نعمل ونحن نتمتم (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) [التوبة، 32]

 

 

والله أعلم

أبوعمر

لليلة بقيت قبل عيد الفطر المبارك-1431هـ

8 سبتمبر 2010

المبادرات الاحتسابية: يوسف الأحمد نموذجاً

6 تعليقات

مدخل:

الحمدلله وبعد،،

في أواسط العام 1410هـ تخرج الشيخ المحتسب يوسف الأحمد من كلية الشريعة بالرياض لمرحلة البكالوريوس، وفي عام 1417هـ نوقشت رسالته للماجستير بعنوان (أحكام قضاء الصلاة في الفقه المقارن).

ولم ينته العام 1424هـ إلا وكان الشيخ يوسف قد أنجز رسالته للدكتوراه وكانت في مجال الفقه الطبي وكان عنوانها (أحكام نقل أعضاء الإنسان: دراسة فقهية مقارنة) وكان للرسالة مشرفان، مشرف فقهي من داخل كلية الشريعة، ومشرف طبي من خارج الكلية، وكان المشرف الطبي هو البروفيسور الطبيب د.محمد باخطمة (استشاري جراحة الكبد والقنوات المرارية بمستشفى جامعة الملك عبدالعزيز بجدة)، والدكتور باخطمة شخصية متميزة في الوسط الطبي السعودي فله أكثر من سبعين بحثاً منشور في مجلات محكمة علمياً، وكانت الدراسة الفقهية لأحكام نقل الأعضاء تحتاج إلى تصور واقعي إضافة إلى توجيهات الطبيب د.باخطمة، ولذلك -أعني لأغراض إتمام الدراسة الفقهية- فقد حضر الشيخ يوسف إحدى عشرة عملية جراحية مطولة لنقل الأعضاء، بعضها استغرق الليل كله، بحيث يستطيع أن يكتب عن أحكامها الفقهية بدقة، وقد أتم الرسالة ونوقشت في التاريخ المذكور.

وفي مجال البحوث الشرعية القصيرة فقد نشر الشيخ يوسف بحوثاً محكّمة مثل: بحث محكم بعنوان (وضع اللولب في الرحم لمنع الحمل)، وبحث محكم بعنوان (ضابط مسافة السفر)، وبحث محكم بعنوان (صوت المرأة) وقد درس الخلاف الفقهي فيه وتوصل إلى ترجيح اختيار ابن تيمية، وأنه أوسط الأقوال، فيجوز للحاجة وبلا رفعٍ للصوت، ومثال الجائز: اتصالها للسؤال الذي تحتاجه ونحوه.

وللشيخ يوسف دراسات شرعية لم تحكّم بعد مثل: حكم التعزير بالمال، احكام الاكتتابات في الأسهم، وغيرها. وأما في مجال الدروس الشرعية في حلقات العلم فللشيخ دروس كثيرة، ومنها درس فقهي في شرح عمدة الفقه لابن قدامة تم تسجيله في (47) شريطاً.

وبعد هذه الجولة القصيرة في النتاج الفقهي للشيخ المحتسب يوسف الأحمد، سنعرض الآن نماذج من أعماله الاحتسابية، وربما يتسرب سؤال لدى القارئ عن الغاية من هذه الورقة؟ والحقيقة أنني سأرجئ الإفصاح عن غاية هذه الورقة إلى خاتمتها.

-مأسسة العمل الاحتسابي:

كان للشيخ يوسف جهود فردية مبكرة في الاحتساب الشرعي، ولما ازدادت المهام أراد أن يرتب أوراقه فأنشأ مكتباً شخصياً للاحتساب في حي الصحافة بالرياض، وكان ذلك في عام 1425هـ، ولايزال المكتب يزاول نشاطه إلى الآن، وفي المكتب موظفون رسميون، وفيه متطوعون يستفيدون من خدمات المكتب فقط، وهو مكتب موافق للأنظمة السعودية.

-الاحتساب في قضايا المعتقلين:

في جمادى الأولى من عام 1425هـ حين اعتقل الشيخ سليمان العلوان والشيخ عبدالله السعد (الاعتقال الأول) وغيرهم قام كثير من المحتسبين بجهود واسعة لتفريج كربة إخوانهم، كمكاتبة المسؤولين وزيارتهم والإلحاح عليهم، ومن ذلك مخاطبة الملك عبدالله (كان حينها ولياً للعهد) خطابات عديدة، ومما جاء في أحد الخطابات الجماعية ما يلي:

(المقتضي لتحريره اعتقال عددٍ من المشايخ وهم: فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان، وفضيلة الشيخ المحدث عبدالله بن عبدالرحمن السعد، وفضيلة الشيخ حسين بن محمد المستنير، وقد آلمنا خبر اعتقالهم، وحز ذلك في نفوس أهل العلم والدعاة وطلاب العلم، ونرى أن الاعتقال يزيد الأزمة ولا يعالجها، ونتقدم إلى سموكم في معالجة هذه الأزمة بالتالي: خروج هؤلاء المشايخ من السجن، إن كان ثمة ضرورة أمنية فإنه يكون بطريق يتحقق من خلالها حفظ حق الشيخ كاللقيا بالجهة الرسمية في وقت الدوام الرسمي، خروج بقية المشايخ المسجونين، ومنهم: الشيخ الدكتور عبدالله الريس، والشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس، وأمثالهم من أهل العلم والدعاة إلى الله) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد]

ووقع على هذا الخطاب الجماعي جملة من الدعاة منهم المشايخ: يوسف الأحمد، وعبدالعزيز العبداللطيف، وابراهيم الحماد، وفهد القاضي، و محمد الخضيري، ومحمد الفراج، وعبدالعزيز العمر، ومحمد الهبدان.

وفي ذات الفترة فإن المشايخ المحتسبين خاطبوا جهاتٍ عديدة أخرى للتدخل بطلب الإفراج عن الشيخ العلوان، ومن تلك المكاتبات مخاطبة مكتب المفتي، حيث جاء في خطاب شخصي من الشيخ يوسف لسماحة المفتي:

(لقد آلمنا خبر اعتقال فضيلة الشيخ سليمان العلوان في يوم الأربعاء 9/3/1425هـ، وقد أدى ذلك إلى انزعاج عام بين طلاب العلم في المملكة وخارجها، لما للشيخ من مكانة علمية، ونظراً لخطورة الأمر، وحفظاً لحق الشيخ على وجه الخصوص، وحق المشايخ على وجه العموم؛ فإني أقترح إليكم التدخل في هذا الموضوع مع المسؤولين بالحكمة والموعظة الحسنة، في إخراج الشيخ من السجن، وإن كان هناك حاجة أو ضرورة أمنية فلا مانع أن تكون اللقيا بأسلوب يحفظ كرامة أهل العلم، ولا يثير حفيظة الدعاة إلى الله، كمجئ الشيخ إلى الجهة المعنية في أوقات الدوام الرسمي الصباحي..) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد، برقم 201/خ، وتاريخ 21/3/1425هـ].

وفي رمضان من عام 1426هـ رفع المشايخ مخاطبات ومكاتبات وزيارات أخرى للإفراج عن المعتقلين من الدعاة، ومما جاء في أحد المخاطبات الجماعية للملك عبدالله:

(سبب تحريرنا لهذا الكتاب طلب الإفراج عن اثنين من المشايخ المسجونين وهما: فضيلة الشيخ المحدث سليمان بن ناصر العلوان، وفضيلة الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس..) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد]

ووقع على هذا الخطاب الجماعي عدد من الدعاة ومنهم المشايخ: عبدالرحمن المحمود، وعبدالعزيز الطريفي، ويوسف الأحمد، وعبدالله آل سيف، وفهد القاضي، وعبدالله الريس، وعبدالعزيزالعبداللطيف، وعبدالعزيز العمر، وابراهيم الحماد، وعبدالعزيز الجيل.

وفي جمادى الثانية 1427هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة وزارة الداخلية بشأن اعتقال الشيخ خالد الراشد، ومما جاء في خطابه الشخصي:

(والمقتضي لتحريره الشفاعة لأخي فضيلة الشيخ خالد بن محمد الراشد، بالسعي في خروجه من السجن، وفضيلته من أشهر الدعاة إلى الله على مستوى العالم الإسلامي..، ونظراً لأهمية الأمر، وحاجة الناس إليه، ورفع الضرر عنه وعن أسرته، فإني آمل منكم الموافقة على إخراجه من السجن عاجلاً) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد، برقم 348/خ]

وفي رمضان 1429هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة وزارة الداخلية للإفراج عن الشيخ عبدالله الطويرش، ومما جاء في خطابه الشخصي:

(أشفع لأخي الفاضل الشيخ عبدالله الطويرش، والذي تم إيقافه قبل ثلاثة أشهر، وأفيدكم بأنه من خيرة الدعاة، وأكثرهم حكمةً وتعقلاً..، فآمل منكم التكرم بالسعي في الإفراج عنه) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد برقم 433/خ]

وفي شهر رجب من عام 1430هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة الداخلية مجدداً بشأن مجموعة من المعتقلين من الدعاة، ومما جاء في خطاب الشيخ الشخصي للداخلية:

(إن المشايخ الذين أوقفوا مؤخراً، وهم: الشيخ ابراهيم الناصر، والشيخ عبدالله الريس، والشيخ عبدالعزيز الجليل، كلهم معروفون بالاستقامة، وبعيدون كل البعد عن الفكر الضال..، آمل منكم التكرم بالموافقة في الإفراج عنهم) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد، برقم 497/خ]

وفي رمضان 1430هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة وزارة الداخلية للإفراج عن الشيخ الداعية إبراهيم الناصر، حيث جاء في خطابه الشخصي:

(المقتضي لتحريره الشفاعة لفضيلة الشيخ الدكتور ابراهيم بن علي الناصر حفظه الله، والذي تم إيقافه قبل أكثر من ثلاثة أشهر، وأفيدكم بأنه من خيرة علماء الشريعة الذين قابلتهم حرصاً على وحدة الكلمة واجتماع الصف، وقد كان له سعي كبير مع الشيخ سفر الحوالي وغيره في إخماد فتنة الفئة الضالة، وحث المشايخ على دعوة المطلوبين لتسليم أنفسهم.. فآمل التكرم بالإفراج عنه عاجلاً) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف، برقم 690/خ]

وفي شهر شوال 1430هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة الداخلية للإفراج عن الشيخ فهد العساكر، ومما جاء في خطابه الشخصي:

(والمقتضي لتحريره الشفاعة للشيخ الفاضل فهد العساكر حفظه الله، وأفيدكم بأنه بعيد كل البعد عن الفكر الضال أو التكفير..، آمل منكم التكرم بالموافقة في الإفراج عنه) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد برقم 552/خ]

وفي صفر 1431هـ تحرك الشيخ يوسف للافراج عن الشيخ عبدالرحمن الجريد، بل وتعهد بكفالته، حيث جاء في خطابه الشخصي المرسل إلى وزارة الداخلية:

(إن الشيخ عبدالرحمن الجريد الذي أوقف في 16/9/1429هـ من المباحث العامة، وتم انتقاله من ثلاثة أشهر تقريباً إلى الاستراحة: أفيدكم بأنه من خيرة طلاب العلم الذين عرفتهم..، فآمل منكم التكرم بالإفراج عنه، وأنا له كافل وضمين) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد برقم 605/خ]

وفي ربيع الأول 1431هـ خاطب الشيخ يوسف وزارة الداخلية للإفراج عن الشيخ ابراهيم الريس، ومما جاء في خطابه الشخصي:

(المقتضي لتحريره الشفاعة لفضيلة الشيخ الدكتور ابراهيم الريس، أستاذ التفسير بجامعة الملك سعود، وقد كان له جهد كبير في إخماد فتنة التكفير والتفجير..فآمل التكرم بالإفراج عنه عاجلاً) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد برقم 628/خ]

وفي ربيع الأول من عام 1431هـ احتسب الشيخ لإخراج أحد الشباب المعتقلين، وتعهد بكفالته، ومما جاء في خطاب الشيخ يوسف إلى الداخلية:

(إن الأستاذ الفاضل خالد بن عبدالله الهملان قد تم إيقافه في شهر ذي القعدة 1430هـ ، وقد عرفته بعيداً كل البعد عن فكر الفئة الضالة..، وهو من أفاضل الأساتذة الذين درّسوا أبنائي في ثانوية الإمام السوسي لتحفيظ القرآن الكريم..، فآمل منكم التكرم بالإفراج، وأنا له كافل وضمين) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد، برقم 611/خ]

وفي جمادى الأولى 1431هـ في اعتقال الشيخ عبدالله السعد (الاعتقال الثاني) احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة وزارة الداخلية ومما جاء في خطابه الشخصي:

(المقتضي لتحريره الشفاعة لفضيلة الشيخ عبدالله السعد، وأفيدكم أنه من أفضل علماء الحديث في العالم الإسلامي، ووجوده وأمثاله مفخرة لبلادنا..، ونظراً لمكانته العلمية فإني أقترح إليكم حضوره عند الحاجة إلى الجهة المختصة وقت الدوام الرسمي للإجابة عن أسئلتهم وعودته بعد ذلك، كما كان الصنيع مع عدد كبير من الشباب الذين سلموا أنفسهم بواسطة الشيخ سفر الحوالي..، فآمل منكم التكرم بالإفراج عنه عاجلاً) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد برقم 630/خ]

وحدثني الشيخ المحتسب يوسف الأحمد بأنه في أحد الأيام من عام 1424هـ طُلِب منه ضمن فريق من الدعاة إلقاء كلمات توجيهية في السجون بشكل عام، وكان أحد هذه البرامج في سجن جدة، وتحديداً في عنبر الحقوق المدنية، وهم المسجونين في قضايا الديون ونحوها، يقول الشيخ بأنه حين جالسهم لينصحهم شكوا له ماحصل لهم من المظالم، حيث أن محاكمتهم مؤجلة، وهم موقوفون على ذمة المحاكمة، وقد تجاوز سجنهم المدة النظامية التي حددها نظام الإجراءات الجزائية، فإما أن يُفرَج عنهم، وإما أن يُحاكموا، أما أن يبقوا في السجن هكذا معلقين فهذا غاية الظلم، يقول الشيخ: فأخذت منهم رقم المادة النظامية التي ذكروا أنها تبين حقهم، وخرجت إلى المنزل وبحثت في نظام الاجراءات الجزائية ونقلت نص المادة وكتبت خطاباً وبعثته للملك، ولجهات أخرى، فصارت مداولات، وتم تشكيل لجنة لحل مشكلتهم ولله الحمد.

ماسبق هو مجرد نماذج مختارة بشكل عشوائي من مئات المكاتبات والمخاطبات في الاحتساب في قضايا المعتقلين، والحقيقة أنني تعرفت على كمية هائلة من الخطابات والإلحاح واللقاءات والزيارات لتفريج كربة المعتقلين من شخصيات احتسابية أخرى غير الشيخ يوسف، فطلبت من الشيخ يوسف الأحمد تمكيني من الاقتباس منها وتوثيقها، فأخبرني أنه لا يستطيع، لأن هؤلاء الدعاة المحتسبين يرفضون أن تنشر مخاطباتهم أو توثق أخبار جولاتهم الاحتسابية على المسؤولين بشأن المعتقلين، فقلت للشيخ يوسف: الشباب يسألون كثيراً عن جهود المحتسبين في هذه القضايا، ويجب عليكم إخراجها للناس، فقال لي: والله لم أستطع أن أقنع المشايخ المحتسبين، بل أخرجت مرةً أحد خطاباتهم فعتبوا عليّ كثيراً.

على أية حال .. دعونا ننتقل الآن إلى محاور أخرى.

-العناية بالحقوق المالية للناس:

في شهر شعبان من عام 1430هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة الملك عبدالله للمناصحة حول حالة الفقر التي تعصف بالشباب مادياً ومعنوياً، والمطالبة بزيادة إقراض الشباب السعودي لإعانتهم على الزواج، وأن القروض الحالية لا تفي بالمتطلبات، ومما جاء في مكاتبة الشيخ للملك:

(تعيش بلادنا –بفضل الله- ثراءً كبيراً، حتى بلغ فائض الميزانية مئات المليارات، إلا أن الفقر في إزدياد، والشاب الذي تحصّل على أفضل الشهادات وأحسن الوظائف لا يستطيع الزواج وفتح البيت وامتلاك سيارة براتبه فقط، إلا أن يكون من أبناء الأغنياء وهم قلة، أو بتمويل البنوك الذي يقطع الظهور، أتقدم إليكم بهذا المقترح والذي أعتقد بأنه من أهم ماينفع الناس، وهوزيادة قرض بنك التسليف لراغبي الزواج، من خمس وأربعين ألفاً (45,000) ، إلى مائتين وخمسين ألف (250,000) يستلمها الراغب في الزواج على ثلاث دفعات، على أن يكون استلامها فورياً بعد تقديم الأوراق اللازمة، حتى لا نقع في مشكلة صندوق التنمية العقاري من طول الانتظار، وأن يكون سدادها بالأقساط المريحة التي لا تتجاوز الخمسمائة ريال شهرياً، وأقترح –أيضاً- ضرورة حذف شرط سقف راتب المقترض وغيره من الشروط التي تمنع أكثر الشباب من الانتفاع بالقرض، أو تلجؤهم إلى الكذب) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد، برقم 536/خ وتاريخ 25/8/1430هـ]

وهذه الصرخة حول حالة الفقر، والمطالبة بإقراض الشباب، نشرها الشيخ يوسف علناً أيضاً، في صحيفة الجزيرة حيث يقول:

(أفراد المجتمع يعيشون فقراً متزايداً وارتفاع البترول لم يزدهم إلا غلاءً في السلع، وحديثي هنا ليس عن الطبقة غير المتعلمة، أو عمن يسكن الأحياء الشعبية، وإنما الحديث عن شاب حصل على أعلى الشهادات وتوظف في أحسن الوظائف؛ فإنه لا يستطيع أن يتزوج، ولا يستطيع أن يشتري سيارة، ولا يستطيع أن يشتري أرضاً لبنيانها، بل لا يستطيع أن يستأجر منزلاً ويؤثثه؛ إلا أن يكون والده ثرياً، أو بالقروض البنكية المنهكة، والتي بات كثير من شبابنا أسيراً لها بسبب اقتطاع قسط كبير من راتبه الشهري، وأهم وسيلة في التغلب على هاتين المعضلتين هي: (قرض حسن) من المال العام من الدولة، وليس من الصدقات ) [صحيفة الجزيرة، يوسف الأحمد، ع 13009]

وعلى فضائية الأسرة في هذه السنة استضاف المذيع عبدالله آل يعن الله الشيخ المحتسب يوسف الأحمد للحديث عن (ظاهرة الفقر)، وكان سؤال الحلقة المركزي هو: هل الفقر يعتبر ظاهرة اجتماعية؟ والحقيقة أن جواب الشيخ يوسف في مفتتح الحلقة كان جواباً صادماً، وقد تضمن تأصيلاً فقهياً طريفاً ومؤلماً في ذات الوقت، يقول الشيخ يوسف في جوابه على سؤال الحلقة:

(بحسب تعريف الفقهاء للفقر، فإن أكثر المجتمع فقير، فالذي لا يكفيه راتبه إلا عشرين يوماً، أو شخص مدين لا يستطيع السداد؛ فهو داخل في دائرة الفقر. نحن لدينا الصورة الذهنية للفقر أنه شخص يعيش في “عِشّة” ولا يجد ما يأكل أو يشرب، هذه صورة نمطية، لكن الفقر في حياتنا أوسع من ذلك، قد يكون أستاذ في الجامعة وهو فقير، قد يكون معلم وهو فقير..، ومن المخالفات التي يجب فيها الاحتساب حقوق الناس، والمشكلة موجودة ويجب أن نبذل الوسائل الشرعية والحسية في معالجتها) [حلقة الفقر الخط الأحمر، الحلقة مسجلة في موقع مشاهد نظرة نقية]

كما أن الشيخ يوسف ألقى محاضرة بعنوان (الإصلاح المالي)، وقد طرحها بنفس مادتها مراراً، وسجلها عدة قنوات فضائية، لكن الطريف أنها في كل المرات التي تسجل فيها يعتذر أصحاب القناة عن بثها بحجة أن (المحاضرة صريحة سياسياً بشكل محرج!)

ومما تبناه مكتب الشيخ المحتسب يوسف أيضاً: الشفاعات العامة للناس، فيتقدم إليه الكثير من الشباب الراغب في الزواج يريد، وبعضهم تعثر قبوله في الجامعة، وبعضهم عجز عن دخول المستشفى، وغيرها كثير، فتحرر الشفاعات للمسؤولين والأثرياء، يحدثني الشيخ ويقول: والله إنني في بعض الشفاعات أكتبها وأنا لدي شبه يقين أنها لن تثمر لكن من باب تطبيق قول النبي صلى الله عليه وسلم “اشفعوا فلتؤجروا” ، ومع ذلك فيتحقق في كثير منها آثار طيبة لم تقع لي على بال.

الاحتساب في الحقوق المالية للنساء:

من الأمور المؤلمة في مجتمعنا ونظمنا الوظيفية أن المرأة في فترة (الحمل والحضانة) لا يتم مراعاة ظروفها بمنحها الإجازة الكافية والمبلغ المالي الذي يسد احتياجاتها وطفلها، خصوصاً مع تزايد كلفة برامج متابعة الحمل والولادة والحضانة، وقد اعتنى الشيخ المحتسب بهذه القضية بخصوصها، وتحدث عنها في عدة مؤتمرات وملتقيات، وفي أحد تلك الملتقيات تأثرت النساء الموظفات تأثراً بالغاً، وشرحن معاناتهن مع نظم العمل والتوظيف في السعودية التي لا تمنح المرأة حقوقاً كافية، كما كتب الشيخ المحتسب يوسف الأحمد مقالات في هذا الصدد، ففي مقال له بعنوان (حق المرأة الحاضنة) جاء فيه مايلي:

(المرأة التي تركت العمل من أجل تربية أبنائها هي من أولى الناس بتقدير مهنتها وتعويضها مادياً ولو بالحد الأدنى، فيخصص لكل امرأة حاضنة لطفل مكافأة شهرية من المال العام لا تقل عن ثلاثة آلاف ريال شهرياً، وأراه حقاً من حقوق المرأة الحاضنة في المال العام، وأولى ما يبذل فيه فائض الميزانية، وهذه الفكرة ليست مقترحاً جديداً بل هو أمرٌ مطبق في عدد من الدول ونحن أولى بها) [صحيفة الجزيرة، حق المرأة الحاضنة، 22/12/1428هـ].

الاحتساب في هموم المسلمين في الخارج:

للشيخ المحتسب يوسف الأحمد فتاوى كثيرة في العناية والمناصرة لقضايا المسلمين في الخارج، ومنها:

فتوى في الحكم بأن من أغلق معبر رفح ومنعَ الأغذية والأسلحة عن الفلسطينيين فقد ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام! (الفتوى بتاريخ 12/1/1430هـ، الموقع الرسمي)

وفتوى في الجدار الفولاذي الذي يبنيه النظام السياسي المصري وأنه يدخل في تولي الكافرين على المسلمين (الفتوى بتاريخ 13/1/1431هـ)

وفتوى في أن الحكومات العربية لا يلزمها أي عهود أومواثيق مع اسرائيل، لأن اليهود في فلسطين محاربون لاعهد لهم ولا ذمة وقد نقضوا عهودهم بالحصار والقتال (الفتوى بتاريخ 15/1/1430هـ، الموقع الرسمي).

وشارك في التوقيع على البيان الجماعي الأخير للعلماء والدعاة في نصرة قافلة الحرية والترحم على شهدائها من المسلمين، وكان على رأس الموقعين فضيلة الوالد عبدالرحمن البراك.

وللشيخ يوسف -أيضاً- فتوى ضد تهجم الرئيس الفرنسي ساركوزي على الحجاب (الفتوى بتاريخ 1/7/1430هـ، الموقع الرسمي).

وفتوى في نصرة المنقبات في بلجيكا بعد سعيها في سن قانون يمنع النقاب في الأماكن العامة ويعاقب بالسجن والغرامة المنقبات في الأماكن العامة (الفتوى بتاريخ 9/5/1431هـ).

وفتوى في نصرة المنقبات في سوريا بعد قرارها منع النقاب في التعليم العالي (الفتوى بتاريخ 10/8/1431هـ)

وفتوى بخصوص تهجم الرئيس الإيراني أحمدي نجاد علناً ضد ثلاثة من أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- وهم: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، ومعاوية بن أبي سفيان (الفتوى بتاريخ 24/6/1430هـ، الموقع الرسمي)

الاحتساب في قضايا الفضيلة:

لما صدر قرار مجلس الوزراء في 12/4/1425هـ بزيادة فرص عمل المرأة في القطاع الأهلي احتسب الشيخ في الدفاع عن حقوق النساء، فإن جماهير الفتيات السعوديات لا يرغبن في العمل في بيئات مختلطة، لأن ذلك يؤذيهن، ويسئ لسمعتهن، وهذا هو السبب في كون الفتيات السعوديات يتقاتلن على وظائف المعلمات ويدعن كثيراً من الوظائف الصحية التي أرغم النظامُ الفتياتِ فيها على الاختلاط، وقسرهن عليه قسراً، فكثير منهن يعملن تحت ضغط الحاجة لا لقناعة بأن هذه هي البيئة المناسبة للمرأة المسلمة، وقد كتب الشيخ يوسف توضيحاً مهما في هذه الصدد يقول فيه تعليقاً على قرار مجلس الوزراء المشار إليه:

(اطلعت على الكتاب الإحصائي السنوي لوزارة الصحة فوجدت فيه عشرات الآلاف من الوظائف المتاحة للمرأة السعودية؛ كالتمريض والوظائف الفنية والطبية وبمرتبات جيدة، والمتطلبات الدراسية لها في معظمها قصيرة الزمن سنتان أو ثلاث أو أربع بعد الشهادة الثانوية، والسبب الأساس في إحجام المرأة السعودية عن هذا الكم الهائل من الوظائف هو: وجود الاختلاط المحرّم فيها، ويؤكد هذا السبب تزاحم النساء على وظائف التدريس في مدارس الطالبات، حتى إن المعلمة تغترب السنة والسنتين والثلاث وأكثر من ذلك، فتكون من سكان الرياض وتقبل بالوظيفة في عفيف ونجران وتبوك، وفي قرى وهجر، ويبقى محرمها معها طيلة هذه السنوات، والحل هنا سهل؛ وهو فصل مستشفيات الرجال عن النساء، وحينئذٍ ستكون حال هذه الوظائف كحال وظائف التعليم) [الإسلام اليوم، رؤية في قرار مجلس الوزراء حول المرأة، يوسف الأحمد، 16/5/1425هـ]

ولو تم فعلاً  تنفيذ هذا المقترح، أعني أن فصل أماكن الرجال عن النساء في المرافق الصحية فكم سيوفر ذلك من فرص وظيفية مذهلة للنساء اللاتي طحنتهن حاجات الحياة اليومية المتزايدة، وتوفر لهن حياةً كريمة، ولكنه عناد مجموعة من المسؤولين التغريبيين الذين يحرصون على أن تختلط المرأة أكثر من حرصهم على حفظ كرامتها وسد حاجتها، وصار الأمر عندهم نوعٌ من التحدي والمكابرة على حساب حاجة الفتاة المسلمة.

ومن أهم المشروعات التفصيلية التي طرحها الشيخ المحتسب الأحمد مشروع بعنوان (مشروع السوق النسائي المغلق) وطرح فيه تفصيلاً للتصور المقترح لنموذج السوق النسائي المغلق، وكيف يمكن أن يتضمن: الشركات الراقية، والمرافق الترفيهية، وأجهزة الصرافة، ومضمار للمشي والرياضة، وعيادة نسائية، ومصليات، الخ، ويمكن مطالعة المشروع في الموقع الرسمي للشيخ.

ومن أهم الأمور في هذا الباب سهر المحتسبين وتيقظهم لما يحاك في الخفاء، طالع معي هذا الخطاب الذي كتبه الشيخ المحتسب يوسف الأحمد وبعثه لرئيس مجلس القضاء الأعلى في حينه حيث جاء فيه:

(أرفق لكم تقريراً مهماً وصلني من أحد طلاب العلم عن حذف وزير العمل لنص المادة الرابعة لضوابط عمل المرأة ونصها: “أن تؤدي المرأة عملها في مكان منفصل تماماً عن الرجال” ، والاستعاضة عنها بهذا النص: “يجب على صاحب العمل والعامل عند تطبيق أحكام هذا النظام الالتزام بمقتضيات الشريعة الاسلامية” ، ونظراً لخطورة هذا التغيير، وأن الهدف يصب في المشروع التغريبي، فآمل منكم التكرم بالنظر واتخاذ ماترونه مناسباً) [وثيقة من مكتب الشيخ الأحمد، برقم 371/خ، وتاريخ 10/4/1429هـ]

وللشيخ يوسف –مع إخوانه المحتسبين- جهود كبيرة وواسعة في مقاومة مشروعات تغريب الفتاة المسلمة وتهتيك الفضيلة، ومن ذلك فتواه في مصافحة الملك للخريجات في حفل التخرج لهيئة التخصصات الصحية للأطباء والصيادلة في 17/5/1430هـ وما فيه من اختلاط محرم (الفتوى بتاريخ 25/5/1431هـ، موقع الشيخ الأحمد الرسمي).

وفتواه في السابقة الخطيرة وهي الوفد النسائي السعودي من المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني الذي قام بزيارة لتونس لدراسة التعاون الثنائي في مجال التدريب التقني (الفتوى بتاريخ 3/5/1430هـ، موقع الشيخ الأحمد الرسمي).

وغيرها من القضايا الكثيرة في مجال مقاومة بذور الاختلاط المحرم في بعض الدوائر الحكومية.

-الاحتساب في قضايا الانحراف الثقافي والفني:

للشيخ المحتسب يوسف الأحمد –مع إخوانه من المحتسبين- جهودٌ كبيرة في مقاومة الانحرافات التي يبثها بعض المنتسبين للثقافة عبر معارض الكتاب أو الأندية الأدبية أو المقالات الصحفية ونحوها، ومن ذلك:

فتواه في وجوب محاسبة وزارة الثقافة والإعلام على الانحرافات الثقافية في معرض الكتاب بالرياض المتضمن التمكين لدور النشر المنحلة والإلحادية، وترويج الدواوين التجديفية والروايات الساقطة، واستضافة رموز الانحراف الفكري العربي وتهيئة الأجواء لهم ليبثوا سمومهم، والحقيقة أن كل ذلك يهبط بمستوى الثقافة الجادة النافعة للمجتمع (الفتوى بتاريخ 14/3/1430هـ، الموقع الرسمي).

ومن أكثر الأوراق التي كتبها الشيخ المحتسب الأحمد تميزاً ورقة بعنوان (من يحاكم الإعلاميين ياوزير العدل؟) وهي ورقة مطولة تضمنت مناقشة قانونية دقيقة لإشكالية جهة الاختصاص في محاكمة الإعلاميين، وقد راجعها عددٌ من المختصين، وقد صار لهذه الورقة دوي داخل الأجهزة المعنية.

-الاحتساب في قضايا العقيدة:

قام الشيخ المحتسب يوسف الأحمد ومجموعة من إخوانه بزيارة تصويرية تكررت ثلاث سنوات متوالية لبعض البقاع التي تقع فيها الشركيات في مكة المكرمة، وهي ثلاثة مواقع: شاخص جبل عرفة، وغار حراء، ومكتبة الحرم التي يعتقدون أن النبي –صلى الله عليه وسلم- ولد فيها، وصورت الممارسات الشركية في قرص مدمج (CD) وتم إرسالها إلى الجهات المعنية.

وكان من أكثر المشاهد المصورة قبحاً أن أحد الجهلة يسجد تجاه مكتبة الحرم ويستدبر الكعبة، ظناً منه أن هذا توقير لموضع ولادة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنه يجلب البركات، والمشكلة أن عدد الجهلة حول هذه الأماكن كثير جداً، بل واللافت أنه يتزايد سنةً بعد أخرى، حتى تحول إلى “مزار” .

حين طالعت هذه المواد، وخصوصاً الشخص الذي سجد لمكتبة الحرم مستدبراً الكعبة، حمدت الله أن علماءنا ودعاتنا لم يغتروا بالموضات الفكرية التي تزهِّد في ترسيخ التوحيد وتعاهده في النفوس، وما أجمل العبارة التي نقلها الذهبي في تاريخه عن الإمام أبي زرعة الرازي أنه قال (ما أسرع الناس إلى البدع) [تاريخ الإسلام، للذهبي، 18/209] وقد صدق رحمه الله، وهذا يكشف شيئاً من خبرة السلف بالنفوس البشرية وقوانين التاريخ في سرعة التحولات العقدية مالم يقف لها المحتسبون الصابرون.

ما سبق كله نماذج مختارة فقط، ولدي الآن طوابق من الوثائق الأخرى حصلت عليها من مكتب الشيخ يوسف الأحمد وتركتها تحاشياً للإطالة، وثمة وثائق أخرى –أيضاً- موجودة في (الموقع الرسمي للشيخ الأحمد) ومن أحب أن يطالع المزيد يجدها على العمود الأيمن في الموقع بعنوان (حقيبة الحسبة).

-تفعيل آلية دعاوى الحسبة:

نشط الشيخ المحتسب الأحمد –ومعه إخوانه من المحتسبين- في إقامة دعاوى الحسبة، والحقيقة أنه تطورت خبراتهم النظامية والقضائية بشكل ملحوظ مع كثرة لجوئهم للقضاء ومداولاتهم مع القضاة وممثلي التحقيق والادعاء العام والمحامين ونحوهم، وأخبرني الشيخ يوسف أن لديه حالياً سبع قضايا يتابعها، بعضها على جهات وبعضها على أشخاص.

ومن الدعاوى الطريفة التي رفعها الشباب المحتسبون الدعوى في قضية (سينما مناحي) في جمادى الثانية 1430هـ، حيث لما أراد الأمير الوليد بن طلال فرض السينما بالقوة بغطرسته المعروفة اشترى مجموعة من الشباب عدداً من التذاكر للحضور، ولما أرادوا الحضور منعهم رجال الأمن، وصار اشتباك بينهم، واعتقل هؤلاء الشباب، فلم يبقوا صامتين، بل رفعوا دعوى على الجهة التي اعتقلتهم، ولما حضر ممثل الجهة المدعى عليها تفاجأ بإصرار القاضي على مطالبته بالأسانيد والحيثيات التي ترتب عليها القبض والسجن، وما الجريمة التي ارتكبوها؟ وكان كل مرة يأتي ممثل الجهة المدعى عليها بلا جواب! وأصر الشباب الأربعة على المطالبة بحقوقهم وتعويضهم، وأنهم لم يثبت عليهم أي جرم في الدعوى.

-دورات تدريب المحتسبين:

تم استضافة الشيخ المحتسب الأحمد مرات كثيرة في عددٍ من دول الخليج لإلقاء دورات تدريبية، حيث استضيف في الكويت ثلاث مرات، وممن حضر بعض تلك الدورات شخصيات من جمعية الإصلاح، واستضيف الشيخ في قطر مرتين، وفي البحرين مرة.

والحقيقة أن الكويت فيها نشاط احتسابي متزايد الآن، وفيها مكاتب حسبة كثيرة، ومن ضمن من يقوم عليها من المشايخ: فايز العنزي، وعبدالمحسن بن زبن المطيري ونحوهم، بيض الله وجوه أولئك الأبطال.

-هل هو الأحمد لوحده؟

لا، قطعاً، بل هناك الآلاف من الدعاة والشباب المباركين العاملين في مجال الاحتساب الشرعي، بل أعرف الآن بعض الدعاة المحتسبين لهم جهود أضعاف أضعاف مايبذله الشيخ يوسف الأحمد، ولكنهم يمتنعون عن تزويد الباحثين بالوثائق لاعتبارات متفاوتة تخصهم، بل وحدثني الشيخ يوسف الأحمد نفسه أن أحد الشباب الذي لازال في مقتبل العمر يكتب شهرياً ما لايقل عن أربعمائة خطاب في سائر المنكرات.

ومن الدعاة المعروفين في مجال الحسبة على سبيل المثال المشايخ: فهد القاضي وعبدالمحسن العسكر والوطبان وابانمي والمبرد وغيرهم كثير، بل من اللطائف التي أخبرني بها الشيخ الأحمد أنه يقول: في كل فترة نتعرف على مجموعات من الشباب لم نكن نعرفهم ونجد لديهم نشاط احتسابي مذهل، وتجدهم يعملون لوحدهم ويتواصلون ويتواصون.

-الارتباط بالعلماء والأنظمة:

سألت الشيخ المحتسب يوسف الأحمد: ما هو أهم اعتبار يراعيه الشباب المحتسبون في الميدان؟ فقال لي: أهم اعتبار أمران: الأول: الارتباط بالعلماء لكي يرشِّدوا المسيرة ويضمنوا عدم الانفلات أو التصرفات المتهورة، والثاني: احترام الأنظمة والدراسة المستمرة للفرص الاحتسابية التي تتيحها الأنظمة وهي كثيرة.

-ما ثمرة المخاطبات والجولات الاحتسابية؟

قد يتساءل البعض: هل هناك فوائد عملية من تلك المكاتبات والجولات الاحتسابية؟ والواقع أنه قبل الجواب على هذا السؤال يجب تقرير الحقيقة الشرعية البدهية في هذا الموضع هي أن (الإنكار غايته الأولى هي الإعذار ثم التغيير)، فإذا لم يحصل التغيير، كان الإعذار قد وقع، كما قال تعالى في حكاية شأن الفريقين الذين اختلفوا في الإنكار طالما أنه لن يغير:

(وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأعراف 164].

فتأمل كيف قدموا الإعذار ثم ثنّو بالتغيير.

هذا من حيث التأصيل الشرعي، أما من حيث الواقع العملي فكل من كان في الميدان وسألته أجابني باندهاش من قوة تأثير هذا الإلحاح والضغط، وصار كثير من المسؤولين يحجزه عن الشر خوف إثارة المحتسبين عليه، ويقول: لا أريد أن أسبب لنفسي بلبلة قد تؤثر على منصبي. بل وفي أحد المرات بعث الشيخ المحتسب الأحمد خطاباً لبعض الدوائر ومنها الديوان الملكي والمجلس الأعلى للقضاء، ونسي الموظف وضع الدراسة المرفقة، فاتصل الديوان والمجلس الأعلى للقضاء كلاهما يطلبان الدراسة المرفقة. وأخبرني بعض المحتسبين عن تشكيل لجان كثيرة على أساس ضغوط مكاتبات ومخاطبات المحتسبين، وخصوصاً أنها ترد إلى الدائرة المعنية بالمئات من مختلف مناطق المملكة.

بل وفي كثير من المنكرات صار المفسدون يقيسون ردة فعل المحتسبين، فيسربون خبراً عائماً للصحافة، كبالون اختبار، فإذا وجدوا مناهضة ومقاومة تملصوا بالتأويلات، وإذا وجدوا صمتاً واصلوا.

وأهم فوائد تلك الضغوط الاحتسابية أنها حتى لو لم تمنع المنكر كلياً، فإنها تقلص الشر كثيراً، فكثير من المنكرات التي فرضت بالقوة لو لم تجد مقاومة لكانت أكثر انحرافاً، لكن المحتسبين فرضوا جزءاً من شروطهم عليها.

ولهذا السبب كان السلف الصالح مواظبون على التزام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى نقل الذهبي في تاريخه خبراً معبراً عن الإمام المحتسب سفيان الثوري:

(وقال شجاع بن الوليد: كنت أمشي مع سفيان، فلا يكاد لسانه يفتر من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر) [تاريخ الإسلام، الذهبي، 10/237]

وبعض الشباب يقول: أليس من الأولى أن تقوم به مؤسسات؟ والجواب: لا تعارض بين المؤسسات والضغط الشعبي، ففي كل دول العام توجد مجموعات الضغط والتكتلات كما توجد المؤسسات، بل إن أكثر التغيير في المجتمعات يأتي من قوى الضغط الشعبي وليس من المؤسسات الرسمية، ومن كان لديه خبرة بإنشاء المؤسسات فليتقدم إلى الميدان ويساهم بما يعرف، أما أن يجلس في بيته ويسخر بمن يعملون متظاهراً بالوعي السياسي فهذه تسلية البطالين.

-خاتمة: الغاية من هذه الورقة:

الحقيقة أن هذه الورقة هي حلقة من سلسلة في ثلاثة مسارات:

المسار الأول: استعراض لأعمال بعض رموز الاحتساب الشرعي ومنجزاتهم، وقد أمكنني المبادرة بتحرير هذه الحلقة عن الشيخ يوسف الأحمد لأنه –شكر الله سعيه- تعاون معي، وزودني بكل الوثائق التي تطلبها تحرير هذه الورقة، وسأواصل الإلحاح على بقية شيوخ الحسبة ليتيحوا للباحثين الاطلاع على منجزاتهم، ولذلك آمل من إخواني الشباب الذين لديهم مشروعات احتسابية أن يزودوني بالمادة على بريدي الإلكتروني أسفل هذه المقالة.

المسار الثاني: رصد واستعراض المنجزات المؤسسية الدعوية الإسلامية، سواءً كانت مؤسسات علمية إسلامية مثل: مركز تأصيل، ومركز الفكر المعاصر، ومركز تدبر، وبرنامج النخبة للعلوم الشرعية، ومركز رؤية في الرس، ومؤسسة زاد، ومركز باحثات، الخ

أو كان مؤسسة اجتماعية إسلامية: مثل قافلة الخير بالمنطقة الشرقية، وجمعية وئام لتيسير الزواج، وجمعية تكافل لرعاية الأيتام، الخ.

وقد اجتمع لدي الآن قائمة ضخمة من هذه المؤسسات الإسلامية (علمية واجتماعية)، ولا زلت أطمع في المزيد من المعلومات، ويحتاج تحريرها إلى وقت، وقد اقترب شهر رمضان وله خصوصيته المعروفة، فلعلي أحرر هذه الورقة بعد رمضان بإذن الله، وآمل من إخواني الشباب الذين يملكون معلومات عن المؤسسات الاسلامية (علمية أو اجتماعية)، وليس لأصحابها تحفظ على نشرها؛ أن يزودوني بها مشكورين على بريدي الالكتروني أسفل هذه المقالة.

المسار الثالث: استعراض الدراسات الشرعية في الحقول المدنية، وقد جمعت بيبليوجرافيا ضخمة عن دراسات الشرعيين في المجالات المدنية المعاصرة، أعني الدراسات الشرعية في قضايا: السياسة والاقتصاد والقانون والحقوق والفقه الطبي والتقنية والفلسفات الفكرية الحديثة. وسبق أن نشرتُ جزءاً من عناوين هذه الدراسات في ورقة بعنوان (الخطاب الشرعي والحقول المدنية) ، ولكنني في المرة القادمة سأوسع هذه القائمة وأتمنى من أحد الباحثين أن يقوم باستعراض عام لخلاصات تلك البحوث.

ولكن ما الهدف من هذه المسارات الثلاث؟

الحقيقة أنني أتمنى وآمل من خلال هذه المسارات الثلاث أن أوصل ثلاث رسائل لثلاث فرق، فريق المتطلعين، وفريق المخذلين، وفريق الليبراليين.

فأما فريق (المتطلعين) فأعني بهم دعاة الجيل الجديد من الشباب المتطلعين للعمل الاسلامي والذين يقولون دوماً لا نريد كلاماً نظرياً، نريد أن نرى نماذج عملية على الأرض نستفيد من تجاربها، ولذلك فمن حق هؤلاء الشباب علينا أن نوفر لهم التجارب الإسلامية الموجودة في الاحتساب، وفي المؤسسات الإسلامية، وفي الدراسات الشرعية في القضايا المدنية، بحيث يستطيعوا أن ييستفيدوا من تراكم هذه التجارب والخبرات ويطوروها تجاه المزيد من الدقة والتصحيح، ويواصلوا المسيرة لا أن يقوضوها.

وأما فريق (المخذلين) فأعني بهم مجموعات متناثرة تضع نفسها داخل الصف الإسلامي، لكن قضيتها وديدنها انتقاص الصحوة والسلفية والدعاة والمحتسبين وطلاب العلم بأنهم عبيد الحكومة وخدم الاستبداد وأنهم لم يقدموا شيئاً، وكل واحدٍ من هؤلاء قد فتح له صفحة شخصية على شبكة الانترنت يوهم نفسه ومن حوله أنه “غيفارا جزيرة العرب”، فأقول لهؤلاء: أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا، وخير من ذلك قوله تعالى (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ) [التوبة 79]

وأما فريق (الليبراليين) فإني أتمنى أن تصل إليهم الرسالة أكثر صراحة ووضوحاً، وهو أنه مهما استغليتم توازنات الظرف السياسي الحالي للتأليب الإعلامي ضد علمائنا ودعاتنا ومحتسبينا فإننا سنزداد توقيراً لهم، وذباً عنهم، ونصرةً لهم، فنحن أمة لا تعق مصلحيها بإذن الله، بل كل من وضع لبنة واحدة في العمل الإسلامي وضعناه فوق رؤوسنا.

إن الآلية المزدوجة التي صار يستعملها الإعلام الليبرالي وهي آلية (التشويه والتشييخ) أعني تشويه عامة علماء أهل السنة عبر الترصد لفتاواهم وعرضها في قوالب نمطية محرّفة، في مقابل تشييخ وترميز شخصيات منتسبة للشريعة بعينها وهي التي تتوافق مع متطلبات الفكر الليبرالي، بأن تكون شخصيات لا تهدد الأجندة الليبرالية، هذه الآلية المزدوجة لم تعد تنطلي على من له أدنى متابعة في الساحة، وصاحب المروءة تأبى عليه مروءته أن يكون شيخاً وفق متطلبات الإعلام الليبرالي لكن لله في خلقه شؤون.

والله أعلم،،

أبو عمر

شعبان 1431هـ

25 يوليو 2010

تنبيه على ماورد في لقاء يحي الأمير

أضف تعليق

الحمدلله وبعد….

 صباح هذا اليوم تلقيت رسالة الكترونية من الإعلامي المعروف عبدالعزيز قاسم مرفق بها حلقة تسجيلية للقائه مع الأستاذ يحي الأمير في برنامج البيان التالي، وفي الجزء الأول من حلقات اللقاء المسجلة وجدت الأستاذ يحي الأمير يقول: (في حديثي لم أكن أتناول عن هذا الحديث، وإنما السياق كان عن عدة أحاديث، منها ماضعفه العلماء، مثل حديث أن “المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان”، هذا الحديث الشيخ محمد بن الأمين والشيخ الألباني –رحمهم الله- وغيرهم وقفوا عنده وأنكروه، وقالوا: هذا حديث منكر).   والحقيقة أن هذا خطأ محض على سنة رسول الله، فحديث (إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان) ليس بحديث منكر، ولم يضعفه لا الشنقيطي، ولا الألباني. فالحديث أصلاً موجود في صحيح مسلم [برقم 3473]. وأما الشنقيطي فلم يضعفه في أي كتاب من كتبه. وأما الألباني فقد صححه بشواهده، وأشار لذلك في أكثر من كتاب من كتبه (انظر على سبيل المثال: السلسلة الصحيحة 235،  صحيح الجامع 1940، صحيح أبي داود 1867).   فإذا كان الأمر كذلك فهل يحي الأمير هو الذي افترى على الشنقيطي ونسب له القول بتضعيفه؟ أميل إلى القول أن الأستاذ يحي الأمير برئ من هذه الفرية، وإنما هو ضحية للمفبرك الأساسي لهذه الكذبة على الشنقيطي، وسأشرح القصة باختصار:   في أحد المنتديات يوجد كاتب انترنتي اسمه (محمد الأمين) هذا الكاتب قال عن هذا الحديث الصحيح (والحديث مضطرب مردود لانقطاع سنده، ووجود النكارة الشديدة فى متنه). فجاء الصحفي “إسلام بحيري” –وهو مشارك في هذا المنتدى أصلاً- وأعجبته هذه العبارة، فذهب وكتب مقالة نشرها في مجلات أخرى ونسب عبارة الكاتب الانترنتي بشكل يوهم القارئ أن قائلها هو الشيخ (محمد الأمين الشنقيطي)، وليس الكاتب الانترنتي (محمد الأمين)، حيث يقول الصحفي إسلام بحيري في مقالة كتبها عن هذا الحديث: (ولكن المؤسف أن الأوائل لم ينكروا هذا الحديث, أما العاقلون من المعاصرين فقد رفضوا هذا الحديث, وأنقل فى هذا السياق قولا للشيخ “محمد الأمين الشنقيطي” عن ذات الحديث من كتابه “ضعيف الصحيح” فيقول: “والحديث مضطرب مردودٌ لانقطاع سنده ووجود النكارة الشديدة فى متنه” ). فأضاف لاسم الكاتب عبارة “الشنقيطي” حتى يكتمل الإيهام، واخترع كتاباً لهذه العبارة وأسماه “ضعيف الصحيح” ولذلك لم يشر للصفحة لأنه كتاب اخترعه اسلام بحيري، وليس للشيخ الشنقيطي أصلاً كتاب بهذا الإسم. فجاء الصحفي “يحي الأمير” وابتلع الطعم، ونسب هذا التضعيف للشيخ الشنقيطي رحمه الله!   والصحفي “إسلام بحيري” له فبركات كثيرة من هذا الجنس، منها بحثه الذي طبل له جمال البنا عن “عمر عائشة” فهو مسروق بالكامل أصلاً من طبيب هندي اسمه “شافاناز”  نشره في مجلة المنارة عام 1999. وقد أخطأ هذا الطبيب الهندي أخطاء مضحكة في نقل الأسانيد، فقام إسلام بحيري بإعادة نشره باسمه، وأخذ يروج له جمال البنا، وكالعادة كان للمقالة ضحايا لدينا في الصحافة السعودية أخذوا يرددون المعلومات المكذوبة التي نقلها إسلام بحيري عن عمر عائشة! وما أقبح أن تكون معلومة مكذوبة ومسروقة في نفس الوقت، وتوضيح الأخطاء الإسنادية في مقالات إسلام بحيري ليس هذا موضعه، وأتمنى أن تتاح له فرصة لاحقة، خصوصاً أخطاؤه على سلسلة هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.   والمراد أن وصيتي للأستاذ يحي الأمير أن لايورط نفسه في تصحيح وتضعيف الأحاديث، فهو لايخرج من إحراج إلا إلى إحراج آخر، فها هو قد جاء ليعتذر عن إساءته لحديث في الصحيحين، فأساء لحديث آخر في صحيح مسلم!.   فعلوم السنة النبوية تحتاج إلى دراسة منظمة طويلة المدى، مع تصون وتقوى وعبودية، ولذلك لايتكلم فيها إلا الأئمة الكبار، ونحن عالة فيها عليهم، وليست علوم السنة تغطيات صحفية ولا مناقشات فكرية لاتقوم على معايير منضبطة.   وليت الأستاذ يحي يضع نصب عينيه أن اللغط على السنة النبوية أشنع عند الله من رفع الصوت بحضرة رسول الله، ورفع الصوت بحضرة رسول الله من الأسباب المخوفة لحبوط العمل، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) [الحجرات:2]   فإذا كان هذا في رفع الصوت بحضرة رسول الله، فكيف بالتجني على سنته؟!   وأما معنى الحديث فهو ظاهر وليس بمنكر، فالنبي ليس يشبه المرأة بالشيطان، وإنما يشبه فتنة المرأة بفتنة الشيطان من جهة قوتها وتأثيرها، فهو ليس تشبيهاً للكائن بالكائن، بل تشبيه لشدة فتنة الأول بشدة فتنة الثاني. وهذا نظير قول النبي في الحديث الصحيح (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) فهو ليس تشبيه لله بالقمر، بمعنى أنه ليس تشبيه للمرئي بالمرئي، بل تشبيه للرؤية بالرؤية. وقد ذكر ابن القيم فوائد هذا الحديث في كتابه الشهير الجواب الكافي.   أسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، ويرزقنا جميعاً الخشية من القول على الله بغير علم

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

27 مارس 2010