عمـالة التغـريبيين

10 تعليقات

الحمدلله وبعد،،

سيدة الأعمال السعودية المعروفة “حصة العون” ترأس مجلس إدارة شركتين تجاريتين، وأربع جمعيات أهلية، وهي الأمين العام لمجلس اتحاد المستثمرات العرب،  هذه المرأة هي أول من أزاح الستار -وعلى الهواء مباشرة- عن تفاصيل ما يدور في استراحات الليبراليين من علاقات دافئة بين مسؤولين أمريكيين وصحفيين سعوديين.

ففي شهر سبتمبر من العام 2006م وعلى الفضائية اللبنانية LBC روت الأستاذة حصة العون حادثة واقعية مرت بها وقالت:

(إي نعم السفارة الأمريكية أنا زارتني أكثر من مرة، وحاولوا معي أكثر من مرة، وطلبوا كمان يعطوني دعم مادي، ويعطوني قروض، ويعطوني تسهيلات كثيرة، ورفضتها، وزارتني القنصل أكثر من مرة في مكتبي). [حصة العون، قناة إل بي سي، سبتمبر2006]

المزيد

Advertisements

مغلـوطات المـال العـام

3 تعليقات

-مدخل:

الحمدلله وبعد،،

يعيش الإنسان المسلم في هذه البلاد هموماً معيشية كثيرة، هم الإسكان ومنزل العمر الذي يتراءى لخياله صبحاً ومساءً، وهم البحث عن سرير لوالدته في أي مستشفى، وهم الطرق المكتظة حتى أواخر المساء، وهم مراجعة الدوائر الحكومية، وهم رحلة طيران ألغيت، وهم قبول لابنه في الجامعة، وهم الابن الذي تخرج ولم يجد وظيفة، وهم قريبةٍ أرملةٍ لا تجد كفايتها، وهم الأسبوع الأخير من الشهر حيث انتهى الرصيد وفي انتظار الراتب، الخ.

المزيد

المبادرات الاحتسابية: يوسف الأحمد نموذجاً

6 تعليقات

مدخل:

الحمدلله وبعد،،

في أواسط العام 1410هـ تخرج الشيخ المحتسب يوسف الأحمد من كلية الشريعة بالرياض لمرحلة البكالوريوس، وفي عام 1417هـ نوقشت رسالته للماجستير بعنوان (أحكام قضاء الصلاة في الفقه المقارن).

ولم ينته العام 1424هـ إلا وكان الشيخ يوسف قد أنجز رسالته للدكتوراه وكانت في مجال الفقه الطبي وكان عنوانها (أحكام نقل أعضاء الإنسان: دراسة فقهية مقارنة) وكان للرسالة مشرفان، مشرف فقهي من داخل كلية الشريعة، ومشرف طبي من خارج الكلية، وكان المشرف الطبي هو البروفيسور الطبيب د.محمد باخطمة (استشاري جراحة الكبد والقنوات المرارية بمستشفى جامعة الملك عبدالعزيز بجدة)، والدكتور باخطمة شخصية متميزة في الوسط الطبي السعودي فله أكثر من سبعين بحثاً منشور في مجلات محكمة علمياً، وكانت الدراسة الفقهية لأحكام نقل الأعضاء تحتاج إلى تصور واقعي إضافة إلى توجيهات الطبيب د.باخطمة، ولذلك -أعني لأغراض إتمام الدراسة الفقهية- فقد حضر الشيخ يوسف إحدى عشرة عملية جراحية مطولة لنقل الأعضاء، بعضها استغرق الليل كله، بحيث يستطيع أن يكتب عن أحكامها الفقهية بدقة، وقد أتم الرسالة ونوقشت في التاريخ المذكور.

وفي مجال البحوث الشرعية القصيرة فقد نشر الشيخ يوسف بحوثاً محكّمة مثل: بحث محكم بعنوان (وضع اللولب في الرحم لمنع الحمل)، وبحث محكم بعنوان (ضابط مسافة السفر)، وبحث محكم بعنوان (صوت المرأة) وقد درس الخلاف الفقهي فيه وتوصل إلى ترجيح اختيار ابن تيمية، وأنه أوسط الأقوال، فيجوز للحاجة وبلا رفعٍ للصوت، ومثال الجائز: اتصالها للسؤال الذي تحتاجه ونحوه.

وللشيخ يوسف دراسات شرعية لم تحكّم بعد مثل: حكم التعزير بالمال، احكام الاكتتابات في الأسهم، وغيرها. وأما في مجال الدروس الشرعية في حلقات العلم فللشيخ دروس كثيرة، ومنها درس فقهي في شرح عمدة الفقه لابن قدامة تم تسجيله في (47) شريطاً.

وبعد هذه الجولة القصيرة في النتاج الفقهي للشيخ المحتسب يوسف الأحمد، سنعرض الآن نماذج من أعماله الاحتسابية، وربما يتسرب سؤال لدى القارئ عن الغاية من هذه الورقة؟ والحقيقة أنني سأرجئ الإفصاح عن غاية هذه الورقة إلى خاتمتها.

-مأسسة العمل الاحتسابي:

كان للشيخ يوسف جهود فردية مبكرة في الاحتساب الشرعي، ولما ازدادت المهام أراد أن يرتب أوراقه فأنشأ مكتباً شخصياً للاحتساب في حي الصحافة بالرياض، وكان ذلك في عام 1425هـ، ولايزال المكتب يزاول نشاطه إلى الآن، وفي المكتب موظفون رسميون، وفيه متطوعون يستفيدون من خدمات المكتب فقط، وهو مكتب موافق للأنظمة السعودية.

-الاحتساب في قضايا المعتقلين:

في جمادى الأولى من عام 1425هـ حين اعتقل الشيخ سليمان العلوان والشيخ عبدالله السعد (الاعتقال الأول) وغيرهم قام كثير من المحتسبين بجهود واسعة لتفريج كربة إخوانهم، كمكاتبة المسؤولين وزيارتهم والإلحاح عليهم، ومن ذلك مخاطبة الملك عبدالله (كان حينها ولياً للعهد) خطابات عديدة، ومما جاء في أحد الخطابات الجماعية ما يلي:

(المقتضي لتحريره اعتقال عددٍ من المشايخ وهم: فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان، وفضيلة الشيخ المحدث عبدالله بن عبدالرحمن السعد، وفضيلة الشيخ حسين بن محمد المستنير، وقد آلمنا خبر اعتقالهم، وحز ذلك في نفوس أهل العلم والدعاة وطلاب العلم، ونرى أن الاعتقال يزيد الأزمة ولا يعالجها، ونتقدم إلى سموكم في معالجة هذه الأزمة بالتالي: خروج هؤلاء المشايخ من السجن، إن كان ثمة ضرورة أمنية فإنه يكون بطريق يتحقق من خلالها حفظ حق الشيخ كاللقيا بالجهة الرسمية في وقت الدوام الرسمي، خروج بقية المشايخ المسجونين، ومنهم: الشيخ الدكتور عبدالله الريس، والشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس، وأمثالهم من أهل العلم والدعاة إلى الله) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد]

ووقع على هذا الخطاب الجماعي جملة من الدعاة منهم المشايخ: يوسف الأحمد، وعبدالعزيز العبداللطيف، وابراهيم الحماد، وفهد القاضي، و محمد الخضيري، ومحمد الفراج، وعبدالعزيز العمر، ومحمد الهبدان.

وفي ذات الفترة فإن المشايخ المحتسبين خاطبوا جهاتٍ عديدة أخرى للتدخل بطلب الإفراج عن الشيخ العلوان، ومن تلك المكاتبات مخاطبة مكتب المفتي، حيث جاء في خطاب شخصي من الشيخ يوسف لسماحة المفتي:

(لقد آلمنا خبر اعتقال فضيلة الشيخ سليمان العلوان في يوم الأربعاء 9/3/1425هـ، وقد أدى ذلك إلى انزعاج عام بين طلاب العلم في المملكة وخارجها، لما للشيخ من مكانة علمية، ونظراً لخطورة الأمر، وحفظاً لحق الشيخ على وجه الخصوص، وحق المشايخ على وجه العموم؛ فإني أقترح إليكم التدخل في هذا الموضوع مع المسؤولين بالحكمة والموعظة الحسنة، في إخراج الشيخ من السجن، وإن كان هناك حاجة أو ضرورة أمنية فلا مانع أن تكون اللقيا بأسلوب يحفظ كرامة أهل العلم، ولا يثير حفيظة الدعاة إلى الله، كمجئ الشيخ إلى الجهة المعنية في أوقات الدوام الرسمي الصباحي..) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد، برقم 201/خ، وتاريخ 21/3/1425هـ].

وفي رمضان من عام 1426هـ رفع المشايخ مخاطبات ومكاتبات وزيارات أخرى للإفراج عن المعتقلين من الدعاة، ومما جاء في أحد المخاطبات الجماعية للملك عبدالله:

(سبب تحريرنا لهذا الكتاب طلب الإفراج عن اثنين من المشايخ المسجونين وهما: فضيلة الشيخ المحدث سليمان بن ناصر العلوان، وفضيلة الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس..) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد]

ووقع على هذا الخطاب الجماعي عدد من الدعاة ومنهم المشايخ: عبدالرحمن المحمود، وعبدالعزيز الطريفي، ويوسف الأحمد، وعبدالله آل سيف، وفهد القاضي، وعبدالله الريس، وعبدالعزيزالعبداللطيف، وعبدالعزيز العمر، وابراهيم الحماد، وعبدالعزيز الجيل.

وفي جمادى الثانية 1427هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة وزارة الداخلية بشأن اعتقال الشيخ خالد الراشد، ومما جاء في خطابه الشخصي:

(والمقتضي لتحريره الشفاعة لأخي فضيلة الشيخ خالد بن محمد الراشد، بالسعي في خروجه من السجن، وفضيلته من أشهر الدعاة إلى الله على مستوى العالم الإسلامي..، ونظراً لأهمية الأمر، وحاجة الناس إليه، ورفع الضرر عنه وعن أسرته، فإني آمل منكم الموافقة على إخراجه من السجن عاجلاً) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد، برقم 348/خ]

وفي رمضان 1429هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة وزارة الداخلية للإفراج عن الشيخ عبدالله الطويرش، ومما جاء في خطابه الشخصي:

(أشفع لأخي الفاضل الشيخ عبدالله الطويرش، والذي تم إيقافه قبل ثلاثة أشهر، وأفيدكم بأنه من خيرة الدعاة، وأكثرهم حكمةً وتعقلاً..، فآمل منكم التكرم بالسعي في الإفراج عنه) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد برقم 433/خ]

وفي شهر رجب من عام 1430هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة الداخلية مجدداً بشأن مجموعة من المعتقلين من الدعاة، ومما جاء في خطاب الشيخ الشخصي للداخلية:

(إن المشايخ الذين أوقفوا مؤخراً، وهم: الشيخ ابراهيم الناصر، والشيخ عبدالله الريس، والشيخ عبدالعزيز الجليل، كلهم معروفون بالاستقامة، وبعيدون كل البعد عن الفكر الضال..، آمل منكم التكرم بالموافقة في الإفراج عنهم) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد، برقم 497/خ]

وفي رمضان 1430هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة وزارة الداخلية للإفراج عن الشيخ الداعية إبراهيم الناصر، حيث جاء في خطابه الشخصي:

(المقتضي لتحريره الشفاعة لفضيلة الشيخ الدكتور ابراهيم بن علي الناصر حفظه الله، والذي تم إيقافه قبل أكثر من ثلاثة أشهر، وأفيدكم بأنه من خيرة علماء الشريعة الذين قابلتهم حرصاً على وحدة الكلمة واجتماع الصف، وقد كان له سعي كبير مع الشيخ سفر الحوالي وغيره في إخماد فتنة الفئة الضالة، وحث المشايخ على دعوة المطلوبين لتسليم أنفسهم.. فآمل التكرم بالإفراج عنه عاجلاً) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف، برقم 690/خ]

وفي شهر شوال 1430هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة الداخلية للإفراج عن الشيخ فهد العساكر، ومما جاء في خطابه الشخصي:

(والمقتضي لتحريره الشفاعة للشيخ الفاضل فهد العساكر حفظه الله، وأفيدكم بأنه بعيد كل البعد عن الفكر الضال أو التكفير..، آمل منكم التكرم بالموافقة في الإفراج عنه) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد برقم 552/خ]

وفي صفر 1431هـ تحرك الشيخ يوسف للافراج عن الشيخ عبدالرحمن الجريد، بل وتعهد بكفالته، حيث جاء في خطابه الشخصي المرسل إلى وزارة الداخلية:

(إن الشيخ عبدالرحمن الجريد الذي أوقف في 16/9/1429هـ من المباحث العامة، وتم انتقاله من ثلاثة أشهر تقريباً إلى الاستراحة: أفيدكم بأنه من خيرة طلاب العلم الذين عرفتهم..، فآمل منكم التكرم بالإفراج عنه، وأنا له كافل وضمين) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد برقم 605/خ]

وفي ربيع الأول 1431هـ خاطب الشيخ يوسف وزارة الداخلية للإفراج عن الشيخ ابراهيم الريس، ومما جاء في خطابه الشخصي:

(المقتضي لتحريره الشفاعة لفضيلة الشيخ الدكتور ابراهيم الريس، أستاذ التفسير بجامعة الملك سعود، وقد كان له جهد كبير في إخماد فتنة التكفير والتفجير..فآمل التكرم بالإفراج عنه عاجلاً) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد برقم 628/خ]

وفي ربيع الأول من عام 1431هـ احتسب الشيخ لإخراج أحد الشباب المعتقلين، وتعهد بكفالته، ومما جاء في خطاب الشيخ يوسف إلى الداخلية:

(إن الأستاذ الفاضل خالد بن عبدالله الهملان قد تم إيقافه في شهر ذي القعدة 1430هـ ، وقد عرفته بعيداً كل البعد عن فكر الفئة الضالة..، وهو من أفاضل الأساتذة الذين درّسوا أبنائي في ثانوية الإمام السوسي لتحفيظ القرآن الكريم..، فآمل منكم التكرم بالإفراج، وأنا له كافل وضمين) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد، برقم 611/خ]

وفي جمادى الأولى 1431هـ في اعتقال الشيخ عبدالله السعد (الاعتقال الثاني) احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة وزارة الداخلية ومما جاء في خطابه الشخصي:

(المقتضي لتحريره الشفاعة لفضيلة الشيخ عبدالله السعد، وأفيدكم أنه من أفضل علماء الحديث في العالم الإسلامي، ووجوده وأمثاله مفخرة لبلادنا..، ونظراً لمكانته العلمية فإني أقترح إليكم حضوره عند الحاجة إلى الجهة المختصة وقت الدوام الرسمي للإجابة عن أسئلتهم وعودته بعد ذلك، كما كان الصنيع مع عدد كبير من الشباب الذين سلموا أنفسهم بواسطة الشيخ سفر الحوالي..، فآمل منكم التكرم بالإفراج عنه عاجلاً) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد برقم 630/خ]

وحدثني الشيخ المحتسب يوسف الأحمد بأنه في أحد الأيام من عام 1424هـ طُلِب منه ضمن فريق من الدعاة إلقاء كلمات توجيهية في السجون بشكل عام، وكان أحد هذه البرامج في سجن جدة، وتحديداً في عنبر الحقوق المدنية، وهم المسجونين في قضايا الديون ونحوها، يقول الشيخ بأنه حين جالسهم لينصحهم شكوا له ماحصل لهم من المظالم، حيث أن محاكمتهم مؤجلة، وهم موقوفون على ذمة المحاكمة، وقد تجاوز سجنهم المدة النظامية التي حددها نظام الإجراءات الجزائية، فإما أن يُفرَج عنهم، وإما أن يُحاكموا، أما أن يبقوا في السجن هكذا معلقين فهذا غاية الظلم، يقول الشيخ: فأخذت منهم رقم المادة النظامية التي ذكروا أنها تبين حقهم، وخرجت إلى المنزل وبحثت في نظام الاجراءات الجزائية ونقلت نص المادة وكتبت خطاباً وبعثته للملك، ولجهات أخرى، فصارت مداولات، وتم تشكيل لجنة لحل مشكلتهم ولله الحمد.

ماسبق هو مجرد نماذج مختارة بشكل عشوائي من مئات المكاتبات والمخاطبات في الاحتساب في قضايا المعتقلين، والحقيقة أنني تعرفت على كمية هائلة من الخطابات والإلحاح واللقاءات والزيارات لتفريج كربة المعتقلين من شخصيات احتسابية أخرى غير الشيخ يوسف، فطلبت من الشيخ يوسف الأحمد تمكيني من الاقتباس منها وتوثيقها، فأخبرني أنه لا يستطيع، لأن هؤلاء الدعاة المحتسبين يرفضون أن تنشر مخاطباتهم أو توثق أخبار جولاتهم الاحتسابية على المسؤولين بشأن المعتقلين، فقلت للشيخ يوسف: الشباب يسألون كثيراً عن جهود المحتسبين في هذه القضايا، ويجب عليكم إخراجها للناس، فقال لي: والله لم أستطع أن أقنع المشايخ المحتسبين، بل أخرجت مرةً أحد خطاباتهم فعتبوا عليّ كثيراً.

على أية حال .. دعونا ننتقل الآن إلى محاور أخرى.

-العناية بالحقوق المالية للناس:

في شهر شعبان من عام 1430هـ احتسب الشيخ يوسف في مخاطبة الملك عبدالله للمناصحة حول حالة الفقر التي تعصف بالشباب مادياً ومعنوياً، والمطالبة بزيادة إقراض الشباب السعودي لإعانتهم على الزواج، وأن القروض الحالية لا تفي بالمتطلبات، ومما جاء في مكاتبة الشيخ للملك:

(تعيش بلادنا –بفضل الله- ثراءً كبيراً، حتى بلغ فائض الميزانية مئات المليارات، إلا أن الفقر في إزدياد، والشاب الذي تحصّل على أفضل الشهادات وأحسن الوظائف لا يستطيع الزواج وفتح البيت وامتلاك سيارة براتبه فقط، إلا أن يكون من أبناء الأغنياء وهم قلة، أو بتمويل البنوك الذي يقطع الظهور، أتقدم إليكم بهذا المقترح والذي أعتقد بأنه من أهم ماينفع الناس، وهوزيادة قرض بنك التسليف لراغبي الزواج، من خمس وأربعين ألفاً (45,000) ، إلى مائتين وخمسين ألف (250,000) يستلمها الراغب في الزواج على ثلاث دفعات، على أن يكون استلامها فورياً بعد تقديم الأوراق اللازمة، حتى لا نقع في مشكلة صندوق التنمية العقاري من طول الانتظار، وأن يكون سدادها بالأقساط المريحة التي لا تتجاوز الخمسمائة ريال شهرياً، وأقترح –أيضاً- ضرورة حذف شرط سقف راتب المقترض وغيره من الشروط التي تمنع أكثر الشباب من الانتفاع بالقرض، أو تلجؤهم إلى الكذب) [وثيقة من مكتب الشيخ يوسف الأحمد، برقم 536/خ وتاريخ 25/8/1430هـ]

وهذه الصرخة حول حالة الفقر، والمطالبة بإقراض الشباب، نشرها الشيخ يوسف علناً أيضاً، في صحيفة الجزيرة حيث يقول:

(أفراد المجتمع يعيشون فقراً متزايداً وارتفاع البترول لم يزدهم إلا غلاءً في السلع، وحديثي هنا ليس عن الطبقة غير المتعلمة، أو عمن يسكن الأحياء الشعبية، وإنما الحديث عن شاب حصل على أعلى الشهادات وتوظف في أحسن الوظائف؛ فإنه لا يستطيع أن يتزوج، ولا يستطيع أن يشتري سيارة، ولا يستطيع أن يشتري أرضاً لبنيانها، بل لا يستطيع أن يستأجر منزلاً ويؤثثه؛ إلا أن يكون والده ثرياً، أو بالقروض البنكية المنهكة، والتي بات كثير من شبابنا أسيراً لها بسبب اقتطاع قسط كبير من راتبه الشهري، وأهم وسيلة في التغلب على هاتين المعضلتين هي: (قرض حسن) من المال العام من الدولة، وليس من الصدقات ) [صحيفة الجزيرة، يوسف الأحمد، ع 13009]

وعلى فضائية الأسرة في هذه السنة استضاف المذيع عبدالله آل يعن الله الشيخ المحتسب يوسف الأحمد للحديث عن (ظاهرة الفقر)، وكان سؤال الحلقة المركزي هو: هل الفقر يعتبر ظاهرة اجتماعية؟ والحقيقة أن جواب الشيخ يوسف في مفتتح الحلقة كان جواباً صادماً، وقد تضمن تأصيلاً فقهياً طريفاً ومؤلماً في ذات الوقت، يقول الشيخ يوسف في جوابه على سؤال الحلقة:

(بحسب تعريف الفقهاء للفقر، فإن أكثر المجتمع فقير، فالذي لا يكفيه راتبه إلا عشرين يوماً، أو شخص مدين لا يستطيع السداد؛ فهو داخل في دائرة الفقر. نحن لدينا الصورة الذهنية للفقر أنه شخص يعيش في “عِشّة” ولا يجد ما يأكل أو يشرب، هذه صورة نمطية، لكن الفقر في حياتنا أوسع من ذلك، قد يكون أستاذ في الجامعة وهو فقير، قد يكون معلم وهو فقير..، ومن المخالفات التي يجب فيها الاحتساب حقوق الناس، والمشكلة موجودة ويجب أن نبذل الوسائل الشرعية والحسية في معالجتها) [حلقة الفقر الخط الأحمر، الحلقة مسجلة في موقع مشاهد نظرة نقية]

كما أن الشيخ يوسف ألقى محاضرة بعنوان (الإصلاح المالي)، وقد طرحها بنفس مادتها مراراً، وسجلها عدة قنوات فضائية، لكن الطريف أنها في كل المرات التي تسجل فيها يعتذر أصحاب القناة عن بثها بحجة أن (المحاضرة صريحة سياسياً بشكل محرج!)

ومما تبناه مكتب الشيخ المحتسب يوسف أيضاً: الشفاعات العامة للناس، فيتقدم إليه الكثير من الشباب الراغب في الزواج يريد، وبعضهم تعثر قبوله في الجامعة، وبعضهم عجز عن دخول المستشفى، وغيرها كثير، فتحرر الشفاعات للمسؤولين والأثرياء، يحدثني الشيخ ويقول: والله إنني في بعض الشفاعات أكتبها وأنا لدي شبه يقين أنها لن تثمر لكن من باب تطبيق قول النبي صلى الله عليه وسلم “اشفعوا فلتؤجروا” ، ومع ذلك فيتحقق في كثير منها آثار طيبة لم تقع لي على بال.

الاحتساب في الحقوق المالية للنساء:

من الأمور المؤلمة في مجتمعنا ونظمنا الوظيفية أن المرأة في فترة (الحمل والحضانة) لا يتم مراعاة ظروفها بمنحها الإجازة الكافية والمبلغ المالي الذي يسد احتياجاتها وطفلها، خصوصاً مع تزايد كلفة برامج متابعة الحمل والولادة والحضانة، وقد اعتنى الشيخ المحتسب بهذه القضية بخصوصها، وتحدث عنها في عدة مؤتمرات وملتقيات، وفي أحد تلك الملتقيات تأثرت النساء الموظفات تأثراً بالغاً، وشرحن معاناتهن مع نظم العمل والتوظيف في السعودية التي لا تمنح المرأة حقوقاً كافية، كما كتب الشيخ المحتسب يوسف الأحمد مقالات في هذا الصدد، ففي مقال له بعنوان (حق المرأة الحاضنة) جاء فيه مايلي:

(المرأة التي تركت العمل من أجل تربية أبنائها هي من أولى الناس بتقدير مهنتها وتعويضها مادياً ولو بالحد الأدنى، فيخصص لكل امرأة حاضنة لطفل مكافأة شهرية من المال العام لا تقل عن ثلاثة آلاف ريال شهرياً، وأراه حقاً من حقوق المرأة الحاضنة في المال العام، وأولى ما يبذل فيه فائض الميزانية، وهذه الفكرة ليست مقترحاً جديداً بل هو أمرٌ مطبق في عدد من الدول ونحن أولى بها) [صحيفة الجزيرة، حق المرأة الحاضنة، 22/12/1428هـ].

الاحتساب في هموم المسلمين في الخارج:

للشيخ المحتسب يوسف الأحمد فتاوى كثيرة في العناية والمناصرة لقضايا المسلمين في الخارج، ومنها:

فتوى في الحكم بأن من أغلق معبر رفح ومنعَ الأغذية والأسلحة عن الفلسطينيين فقد ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام! (الفتوى بتاريخ 12/1/1430هـ، الموقع الرسمي)

وفتوى في الجدار الفولاذي الذي يبنيه النظام السياسي المصري وأنه يدخل في تولي الكافرين على المسلمين (الفتوى بتاريخ 13/1/1431هـ)

وفتوى في أن الحكومات العربية لا يلزمها أي عهود أومواثيق مع اسرائيل، لأن اليهود في فلسطين محاربون لاعهد لهم ولا ذمة وقد نقضوا عهودهم بالحصار والقتال (الفتوى بتاريخ 15/1/1430هـ، الموقع الرسمي).

وشارك في التوقيع على البيان الجماعي الأخير للعلماء والدعاة في نصرة قافلة الحرية والترحم على شهدائها من المسلمين، وكان على رأس الموقعين فضيلة الوالد عبدالرحمن البراك.

وللشيخ يوسف -أيضاً- فتوى ضد تهجم الرئيس الفرنسي ساركوزي على الحجاب (الفتوى بتاريخ 1/7/1430هـ، الموقع الرسمي).

وفتوى في نصرة المنقبات في بلجيكا بعد سعيها في سن قانون يمنع النقاب في الأماكن العامة ويعاقب بالسجن والغرامة المنقبات في الأماكن العامة (الفتوى بتاريخ 9/5/1431هـ).

وفتوى في نصرة المنقبات في سوريا بعد قرارها منع النقاب في التعليم العالي (الفتوى بتاريخ 10/8/1431هـ)

وفتوى بخصوص تهجم الرئيس الإيراني أحمدي نجاد علناً ضد ثلاثة من أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- وهم: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، ومعاوية بن أبي سفيان (الفتوى بتاريخ 24/6/1430هـ، الموقع الرسمي)

الاحتساب في قضايا الفضيلة:

لما صدر قرار مجلس الوزراء في 12/4/1425هـ بزيادة فرص عمل المرأة في القطاع الأهلي احتسب الشيخ في الدفاع عن حقوق النساء، فإن جماهير الفتيات السعوديات لا يرغبن في العمل في بيئات مختلطة، لأن ذلك يؤذيهن، ويسئ لسمعتهن، وهذا هو السبب في كون الفتيات السعوديات يتقاتلن على وظائف المعلمات ويدعن كثيراً من الوظائف الصحية التي أرغم النظامُ الفتياتِ فيها على الاختلاط، وقسرهن عليه قسراً، فكثير منهن يعملن تحت ضغط الحاجة لا لقناعة بأن هذه هي البيئة المناسبة للمرأة المسلمة، وقد كتب الشيخ يوسف توضيحاً مهما في هذه الصدد يقول فيه تعليقاً على قرار مجلس الوزراء المشار إليه:

(اطلعت على الكتاب الإحصائي السنوي لوزارة الصحة فوجدت فيه عشرات الآلاف من الوظائف المتاحة للمرأة السعودية؛ كالتمريض والوظائف الفنية والطبية وبمرتبات جيدة، والمتطلبات الدراسية لها في معظمها قصيرة الزمن سنتان أو ثلاث أو أربع بعد الشهادة الثانوية، والسبب الأساس في إحجام المرأة السعودية عن هذا الكم الهائل من الوظائف هو: وجود الاختلاط المحرّم فيها، ويؤكد هذا السبب تزاحم النساء على وظائف التدريس في مدارس الطالبات، حتى إن المعلمة تغترب السنة والسنتين والثلاث وأكثر من ذلك، فتكون من سكان الرياض وتقبل بالوظيفة في عفيف ونجران وتبوك، وفي قرى وهجر، ويبقى محرمها معها طيلة هذه السنوات، والحل هنا سهل؛ وهو فصل مستشفيات الرجال عن النساء، وحينئذٍ ستكون حال هذه الوظائف كحال وظائف التعليم) [الإسلام اليوم، رؤية في قرار مجلس الوزراء حول المرأة، يوسف الأحمد، 16/5/1425هـ]

ولو تم فعلاً  تنفيذ هذا المقترح، أعني أن فصل أماكن الرجال عن النساء في المرافق الصحية فكم سيوفر ذلك من فرص وظيفية مذهلة للنساء اللاتي طحنتهن حاجات الحياة اليومية المتزايدة، وتوفر لهن حياةً كريمة، ولكنه عناد مجموعة من المسؤولين التغريبيين الذين يحرصون على أن تختلط المرأة أكثر من حرصهم على حفظ كرامتها وسد حاجتها، وصار الأمر عندهم نوعٌ من التحدي والمكابرة على حساب حاجة الفتاة المسلمة.

ومن أهم المشروعات التفصيلية التي طرحها الشيخ المحتسب الأحمد مشروع بعنوان (مشروع السوق النسائي المغلق) وطرح فيه تفصيلاً للتصور المقترح لنموذج السوق النسائي المغلق، وكيف يمكن أن يتضمن: الشركات الراقية، والمرافق الترفيهية، وأجهزة الصرافة، ومضمار للمشي والرياضة، وعيادة نسائية، ومصليات، الخ، ويمكن مطالعة المشروع في الموقع الرسمي للشيخ.

ومن أهم الأمور في هذا الباب سهر المحتسبين وتيقظهم لما يحاك في الخفاء، طالع معي هذا الخطاب الذي كتبه الشيخ المحتسب يوسف الأحمد وبعثه لرئيس مجلس القضاء الأعلى في حينه حيث جاء فيه:

(أرفق لكم تقريراً مهماً وصلني من أحد طلاب العلم عن حذف وزير العمل لنص المادة الرابعة لضوابط عمل المرأة ونصها: “أن تؤدي المرأة عملها في مكان منفصل تماماً عن الرجال” ، والاستعاضة عنها بهذا النص: “يجب على صاحب العمل والعامل عند تطبيق أحكام هذا النظام الالتزام بمقتضيات الشريعة الاسلامية” ، ونظراً لخطورة هذا التغيير، وأن الهدف يصب في المشروع التغريبي، فآمل منكم التكرم بالنظر واتخاذ ماترونه مناسباً) [وثيقة من مكتب الشيخ الأحمد، برقم 371/خ، وتاريخ 10/4/1429هـ]

وللشيخ يوسف –مع إخوانه المحتسبين- جهود كبيرة وواسعة في مقاومة مشروعات تغريب الفتاة المسلمة وتهتيك الفضيلة، ومن ذلك فتواه في مصافحة الملك للخريجات في حفل التخرج لهيئة التخصصات الصحية للأطباء والصيادلة في 17/5/1430هـ وما فيه من اختلاط محرم (الفتوى بتاريخ 25/5/1431هـ، موقع الشيخ الأحمد الرسمي).

وفتواه في السابقة الخطيرة وهي الوفد النسائي السعودي من المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني الذي قام بزيارة لتونس لدراسة التعاون الثنائي في مجال التدريب التقني (الفتوى بتاريخ 3/5/1430هـ، موقع الشيخ الأحمد الرسمي).

وغيرها من القضايا الكثيرة في مجال مقاومة بذور الاختلاط المحرم في بعض الدوائر الحكومية.

-الاحتساب في قضايا الانحراف الثقافي والفني:

للشيخ المحتسب يوسف الأحمد –مع إخوانه من المحتسبين- جهودٌ كبيرة في مقاومة الانحرافات التي يبثها بعض المنتسبين للثقافة عبر معارض الكتاب أو الأندية الأدبية أو المقالات الصحفية ونحوها، ومن ذلك:

فتواه في وجوب محاسبة وزارة الثقافة والإعلام على الانحرافات الثقافية في معرض الكتاب بالرياض المتضمن التمكين لدور النشر المنحلة والإلحادية، وترويج الدواوين التجديفية والروايات الساقطة، واستضافة رموز الانحراف الفكري العربي وتهيئة الأجواء لهم ليبثوا سمومهم، والحقيقة أن كل ذلك يهبط بمستوى الثقافة الجادة النافعة للمجتمع (الفتوى بتاريخ 14/3/1430هـ، الموقع الرسمي).

ومن أكثر الأوراق التي كتبها الشيخ المحتسب الأحمد تميزاً ورقة بعنوان (من يحاكم الإعلاميين ياوزير العدل؟) وهي ورقة مطولة تضمنت مناقشة قانونية دقيقة لإشكالية جهة الاختصاص في محاكمة الإعلاميين، وقد راجعها عددٌ من المختصين، وقد صار لهذه الورقة دوي داخل الأجهزة المعنية.

-الاحتساب في قضايا العقيدة:

قام الشيخ المحتسب يوسف الأحمد ومجموعة من إخوانه بزيارة تصويرية تكررت ثلاث سنوات متوالية لبعض البقاع التي تقع فيها الشركيات في مكة المكرمة، وهي ثلاثة مواقع: شاخص جبل عرفة، وغار حراء، ومكتبة الحرم التي يعتقدون أن النبي –صلى الله عليه وسلم- ولد فيها، وصورت الممارسات الشركية في قرص مدمج (CD) وتم إرسالها إلى الجهات المعنية.

وكان من أكثر المشاهد المصورة قبحاً أن أحد الجهلة يسجد تجاه مكتبة الحرم ويستدبر الكعبة، ظناً منه أن هذا توقير لموضع ولادة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنه يجلب البركات، والمشكلة أن عدد الجهلة حول هذه الأماكن كثير جداً، بل واللافت أنه يتزايد سنةً بعد أخرى، حتى تحول إلى “مزار” .

حين طالعت هذه المواد، وخصوصاً الشخص الذي سجد لمكتبة الحرم مستدبراً الكعبة، حمدت الله أن علماءنا ودعاتنا لم يغتروا بالموضات الفكرية التي تزهِّد في ترسيخ التوحيد وتعاهده في النفوس، وما أجمل العبارة التي نقلها الذهبي في تاريخه عن الإمام أبي زرعة الرازي أنه قال (ما أسرع الناس إلى البدع) [تاريخ الإسلام، للذهبي، 18/209] وقد صدق رحمه الله، وهذا يكشف شيئاً من خبرة السلف بالنفوس البشرية وقوانين التاريخ في سرعة التحولات العقدية مالم يقف لها المحتسبون الصابرون.

ما سبق كله نماذج مختارة فقط، ولدي الآن طوابق من الوثائق الأخرى حصلت عليها من مكتب الشيخ يوسف الأحمد وتركتها تحاشياً للإطالة، وثمة وثائق أخرى –أيضاً- موجودة في (الموقع الرسمي للشيخ الأحمد) ومن أحب أن يطالع المزيد يجدها على العمود الأيمن في الموقع بعنوان (حقيبة الحسبة).

-تفعيل آلية دعاوى الحسبة:

نشط الشيخ المحتسب الأحمد –ومعه إخوانه من المحتسبين- في إقامة دعاوى الحسبة، والحقيقة أنه تطورت خبراتهم النظامية والقضائية بشكل ملحوظ مع كثرة لجوئهم للقضاء ومداولاتهم مع القضاة وممثلي التحقيق والادعاء العام والمحامين ونحوهم، وأخبرني الشيخ يوسف أن لديه حالياً سبع قضايا يتابعها، بعضها على جهات وبعضها على أشخاص.

ومن الدعاوى الطريفة التي رفعها الشباب المحتسبون الدعوى في قضية (سينما مناحي) في جمادى الثانية 1430هـ، حيث لما أراد الأمير الوليد بن طلال فرض السينما بالقوة بغطرسته المعروفة اشترى مجموعة من الشباب عدداً من التذاكر للحضور، ولما أرادوا الحضور منعهم رجال الأمن، وصار اشتباك بينهم، واعتقل هؤلاء الشباب، فلم يبقوا صامتين، بل رفعوا دعوى على الجهة التي اعتقلتهم، ولما حضر ممثل الجهة المدعى عليها تفاجأ بإصرار القاضي على مطالبته بالأسانيد والحيثيات التي ترتب عليها القبض والسجن، وما الجريمة التي ارتكبوها؟ وكان كل مرة يأتي ممثل الجهة المدعى عليها بلا جواب! وأصر الشباب الأربعة على المطالبة بحقوقهم وتعويضهم، وأنهم لم يثبت عليهم أي جرم في الدعوى.

-دورات تدريب المحتسبين:

تم استضافة الشيخ المحتسب الأحمد مرات كثيرة في عددٍ من دول الخليج لإلقاء دورات تدريبية، حيث استضيف في الكويت ثلاث مرات، وممن حضر بعض تلك الدورات شخصيات من جمعية الإصلاح، واستضيف الشيخ في قطر مرتين، وفي البحرين مرة.

والحقيقة أن الكويت فيها نشاط احتسابي متزايد الآن، وفيها مكاتب حسبة كثيرة، ومن ضمن من يقوم عليها من المشايخ: فايز العنزي، وعبدالمحسن بن زبن المطيري ونحوهم، بيض الله وجوه أولئك الأبطال.

-هل هو الأحمد لوحده؟

لا، قطعاً، بل هناك الآلاف من الدعاة والشباب المباركين العاملين في مجال الاحتساب الشرعي، بل أعرف الآن بعض الدعاة المحتسبين لهم جهود أضعاف أضعاف مايبذله الشيخ يوسف الأحمد، ولكنهم يمتنعون عن تزويد الباحثين بالوثائق لاعتبارات متفاوتة تخصهم، بل وحدثني الشيخ يوسف الأحمد نفسه أن أحد الشباب الذي لازال في مقتبل العمر يكتب شهرياً ما لايقل عن أربعمائة خطاب في سائر المنكرات.

ومن الدعاة المعروفين في مجال الحسبة على سبيل المثال المشايخ: فهد القاضي وعبدالمحسن العسكر والوطبان وابانمي والمبرد وغيرهم كثير، بل من اللطائف التي أخبرني بها الشيخ الأحمد أنه يقول: في كل فترة نتعرف على مجموعات من الشباب لم نكن نعرفهم ونجد لديهم نشاط احتسابي مذهل، وتجدهم يعملون لوحدهم ويتواصلون ويتواصون.

-الارتباط بالعلماء والأنظمة:

سألت الشيخ المحتسب يوسف الأحمد: ما هو أهم اعتبار يراعيه الشباب المحتسبون في الميدان؟ فقال لي: أهم اعتبار أمران: الأول: الارتباط بالعلماء لكي يرشِّدوا المسيرة ويضمنوا عدم الانفلات أو التصرفات المتهورة، والثاني: احترام الأنظمة والدراسة المستمرة للفرص الاحتسابية التي تتيحها الأنظمة وهي كثيرة.

-ما ثمرة المخاطبات والجولات الاحتسابية؟

قد يتساءل البعض: هل هناك فوائد عملية من تلك المكاتبات والجولات الاحتسابية؟ والواقع أنه قبل الجواب على هذا السؤال يجب تقرير الحقيقة الشرعية البدهية في هذا الموضع هي أن (الإنكار غايته الأولى هي الإعذار ثم التغيير)، فإذا لم يحصل التغيير، كان الإعذار قد وقع، كما قال تعالى في حكاية شأن الفريقين الذين اختلفوا في الإنكار طالما أنه لن يغير:

(وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأعراف 164].

فتأمل كيف قدموا الإعذار ثم ثنّو بالتغيير.

هذا من حيث التأصيل الشرعي، أما من حيث الواقع العملي فكل من كان في الميدان وسألته أجابني باندهاش من قوة تأثير هذا الإلحاح والضغط، وصار كثير من المسؤولين يحجزه عن الشر خوف إثارة المحتسبين عليه، ويقول: لا أريد أن أسبب لنفسي بلبلة قد تؤثر على منصبي. بل وفي أحد المرات بعث الشيخ المحتسب الأحمد خطاباً لبعض الدوائر ومنها الديوان الملكي والمجلس الأعلى للقضاء، ونسي الموظف وضع الدراسة المرفقة، فاتصل الديوان والمجلس الأعلى للقضاء كلاهما يطلبان الدراسة المرفقة. وأخبرني بعض المحتسبين عن تشكيل لجان كثيرة على أساس ضغوط مكاتبات ومخاطبات المحتسبين، وخصوصاً أنها ترد إلى الدائرة المعنية بالمئات من مختلف مناطق المملكة.

بل وفي كثير من المنكرات صار المفسدون يقيسون ردة فعل المحتسبين، فيسربون خبراً عائماً للصحافة، كبالون اختبار، فإذا وجدوا مناهضة ومقاومة تملصوا بالتأويلات، وإذا وجدوا صمتاً واصلوا.

وأهم فوائد تلك الضغوط الاحتسابية أنها حتى لو لم تمنع المنكر كلياً، فإنها تقلص الشر كثيراً، فكثير من المنكرات التي فرضت بالقوة لو لم تجد مقاومة لكانت أكثر انحرافاً، لكن المحتسبين فرضوا جزءاً من شروطهم عليها.

ولهذا السبب كان السلف الصالح مواظبون على التزام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى نقل الذهبي في تاريخه خبراً معبراً عن الإمام المحتسب سفيان الثوري:

(وقال شجاع بن الوليد: كنت أمشي مع سفيان، فلا يكاد لسانه يفتر من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر) [تاريخ الإسلام، الذهبي، 10/237]

وبعض الشباب يقول: أليس من الأولى أن تقوم به مؤسسات؟ والجواب: لا تعارض بين المؤسسات والضغط الشعبي، ففي كل دول العام توجد مجموعات الضغط والتكتلات كما توجد المؤسسات، بل إن أكثر التغيير في المجتمعات يأتي من قوى الضغط الشعبي وليس من المؤسسات الرسمية، ومن كان لديه خبرة بإنشاء المؤسسات فليتقدم إلى الميدان ويساهم بما يعرف، أما أن يجلس في بيته ويسخر بمن يعملون متظاهراً بالوعي السياسي فهذه تسلية البطالين.

-خاتمة: الغاية من هذه الورقة:

الحقيقة أن هذه الورقة هي حلقة من سلسلة في ثلاثة مسارات:

المسار الأول: استعراض لأعمال بعض رموز الاحتساب الشرعي ومنجزاتهم، وقد أمكنني المبادرة بتحرير هذه الحلقة عن الشيخ يوسف الأحمد لأنه –شكر الله سعيه- تعاون معي، وزودني بكل الوثائق التي تطلبها تحرير هذه الورقة، وسأواصل الإلحاح على بقية شيوخ الحسبة ليتيحوا للباحثين الاطلاع على منجزاتهم، ولذلك آمل من إخواني الشباب الذين لديهم مشروعات احتسابية أن يزودوني بالمادة على بريدي الإلكتروني أسفل هذه المقالة.

المسار الثاني: رصد واستعراض المنجزات المؤسسية الدعوية الإسلامية، سواءً كانت مؤسسات علمية إسلامية مثل: مركز تأصيل، ومركز الفكر المعاصر، ومركز تدبر، وبرنامج النخبة للعلوم الشرعية، ومركز رؤية في الرس، ومؤسسة زاد، ومركز باحثات، الخ

أو كان مؤسسة اجتماعية إسلامية: مثل قافلة الخير بالمنطقة الشرقية، وجمعية وئام لتيسير الزواج، وجمعية تكافل لرعاية الأيتام، الخ.

وقد اجتمع لدي الآن قائمة ضخمة من هذه المؤسسات الإسلامية (علمية واجتماعية)، ولا زلت أطمع في المزيد من المعلومات، ويحتاج تحريرها إلى وقت، وقد اقترب شهر رمضان وله خصوصيته المعروفة، فلعلي أحرر هذه الورقة بعد رمضان بإذن الله، وآمل من إخواني الشباب الذين يملكون معلومات عن المؤسسات الاسلامية (علمية أو اجتماعية)، وليس لأصحابها تحفظ على نشرها؛ أن يزودوني بها مشكورين على بريدي الالكتروني أسفل هذه المقالة.

المسار الثالث: استعراض الدراسات الشرعية في الحقول المدنية، وقد جمعت بيبليوجرافيا ضخمة عن دراسات الشرعيين في المجالات المدنية المعاصرة، أعني الدراسات الشرعية في قضايا: السياسة والاقتصاد والقانون والحقوق والفقه الطبي والتقنية والفلسفات الفكرية الحديثة. وسبق أن نشرتُ جزءاً من عناوين هذه الدراسات في ورقة بعنوان (الخطاب الشرعي والحقول المدنية) ، ولكنني في المرة القادمة سأوسع هذه القائمة وأتمنى من أحد الباحثين أن يقوم باستعراض عام لخلاصات تلك البحوث.

ولكن ما الهدف من هذه المسارات الثلاث؟

الحقيقة أنني أتمنى وآمل من خلال هذه المسارات الثلاث أن أوصل ثلاث رسائل لثلاث فرق، فريق المتطلعين، وفريق المخذلين، وفريق الليبراليين.

فأما فريق (المتطلعين) فأعني بهم دعاة الجيل الجديد من الشباب المتطلعين للعمل الاسلامي والذين يقولون دوماً لا نريد كلاماً نظرياً، نريد أن نرى نماذج عملية على الأرض نستفيد من تجاربها، ولذلك فمن حق هؤلاء الشباب علينا أن نوفر لهم التجارب الإسلامية الموجودة في الاحتساب، وفي المؤسسات الإسلامية، وفي الدراسات الشرعية في القضايا المدنية، بحيث يستطيعوا أن ييستفيدوا من تراكم هذه التجارب والخبرات ويطوروها تجاه المزيد من الدقة والتصحيح، ويواصلوا المسيرة لا أن يقوضوها.

وأما فريق (المخذلين) فأعني بهم مجموعات متناثرة تضع نفسها داخل الصف الإسلامي، لكن قضيتها وديدنها انتقاص الصحوة والسلفية والدعاة والمحتسبين وطلاب العلم بأنهم عبيد الحكومة وخدم الاستبداد وأنهم لم يقدموا شيئاً، وكل واحدٍ من هؤلاء قد فتح له صفحة شخصية على شبكة الانترنت يوهم نفسه ومن حوله أنه “غيفارا جزيرة العرب”، فأقول لهؤلاء: أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا، وخير من ذلك قوله تعالى (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ) [التوبة 79]

وأما فريق (الليبراليين) فإني أتمنى أن تصل إليهم الرسالة أكثر صراحة ووضوحاً، وهو أنه مهما استغليتم توازنات الظرف السياسي الحالي للتأليب الإعلامي ضد علمائنا ودعاتنا ومحتسبينا فإننا سنزداد توقيراً لهم، وذباً عنهم، ونصرةً لهم، فنحن أمة لا تعق مصلحيها بإذن الله، بل كل من وضع لبنة واحدة في العمل الإسلامي وضعناه فوق رؤوسنا.

إن الآلية المزدوجة التي صار يستعملها الإعلام الليبرالي وهي آلية (التشويه والتشييخ) أعني تشويه عامة علماء أهل السنة عبر الترصد لفتاواهم وعرضها في قوالب نمطية محرّفة، في مقابل تشييخ وترميز شخصيات منتسبة للشريعة بعينها وهي التي تتوافق مع متطلبات الفكر الليبرالي، بأن تكون شخصيات لا تهدد الأجندة الليبرالية، هذه الآلية المزدوجة لم تعد تنطلي على من له أدنى متابعة في الساحة، وصاحب المروءة تأبى عليه مروءته أن يكون شيخاً وفق متطلبات الإعلام الليبرالي لكن لله في خلقه شؤون.

والله أعلم،،

أبو عمر

شعبان 1431هـ

25 يوليو 2010

الإصلاح على طريقة لمز المطوعين

تعليق واحد

 

الحمدلله وبعد،،

في كل بلد في العالم فإن الإصلاح المدني يعني تقديم خطط وبرامج ومشروعات وحلول مدنية عملية للأزمات المدنية التي يعاني منها الناس.. يعتبر الشخص مصلحاً مدنياً إذا قدم إصلاحات مدنية على الأرض.. هذا هو تعريف الإصلاح المدني في العالم ببساطة .. إلا في بلدي السعودية التي تفردت بتعريفات كثيرة ولله الحمد .. فإن الإصلاح المدني له تعريف آخر .. تعريف آخر مختلف كلياً.. وهذا لعله جزء من فرادتنا!

 

الإصلاح في السعودية ليس أن تقدم برامج ومشروعات مدنية في الجوانب الناقصة.. لا.. لا تحتاج ذلك أبداً، فقط استمتع بالتهكم بالفقهاء والدعاة الإسلاميين والمحتسبين لماذا لم يقدموا هم؟! وستجد نفسك في دقائق إصلاحياً كبيراً !

 

إصلاح أزمات الإسكان والصحة والخدمات التي يئن منها الناس في السعودية ليس بأن تقدم خطط ودراسات مدنية بشأنها.. لا.. لا.. هداك الله.. لا تحتاج إلى ذلك كله.. فقط انتقد المشايخ لماذا لا يقدمون هم خطط ومشروعات، ولا تنس أن تدخل في حديثك عبارات من نوع: فهم العصر وإدراك المتغيرات الخ! وستكون حينها أردوغان السعودية!

 

الشجاعة في المسائل السياسية الحساسة في السعودية ليس أن تقدم برامج وخطط إصلاحية لحل مظالم الإقطاع العقاري والحبس بلا مقاضاة ونحوها .. لا.. لا.. لا يحتاج الأمر أن ترهق نفسك.. اجلس في المساء على صفحتك الشخصية الإلكترونية مع كوب من اللاتيه واستمتع بتعيير الفقهاء بعجزهم السياسي والأمني! وستكتشف نفسك حينها سيفاً إصلاحياً لا يغمد!

 

الإصلاح في السعودية ليس إصلاح الخلل، وإنما شتم الآخرين لم لا يصلحون الخلل؟! هكذا بكل بساطة!

 

قرأت لأحدهم مرةً يتهكم بخطيب الجمعة في مسجدهم لماذا لا يصلح قضايا التنمية (أخذت أتساءل: ربما الأخ يظن أن خطباء الجمعة هم الوزراء في الدولة؟! )

 

دعونا نتذكر صغار الصحابة ونقيم شيئاً من المقارنات .. صغار الصحابة كابن عباس وابن عمر .. أو بشكل عام من تأخر موته من الصحابة رضوان الله عليهم، ففي البصرة توفي أنس بن مالك أحد المكثرين وخادم رسول الله عام (93هـ) ، وفي مكة توفي ابوالطفيل عامر بن واثلة (110هـ) ، وفي حمص توفي عبدالله بن بسر المازني (96هـ) ، وفي الكوفة توفي عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي (87هـ) ، ونحو هؤلاء الصحابة الذين تأخر موتهم وأدركوا من حكم المتغلبين ومن الخلل السياسي عقوداً متتابعة.

 

أي أن الصحابة أدركوا من ولاية المتغلبين –في أشد الأقوال- مايقارب (70 سنة) وهي الحقبة التاريخية الواقعة بين (41 – 110) .. وفي هذه الفترة قامت عدة نظم سياسية متغلبة وفيها خلل سياسي كبير مثل: يزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، وعبدالملك بن مروان، والوليد بن عبدالملك، وسليمان بن عبدالملك.

كل هؤلاء حكموا والصحابة لا زالوا متوافرين..

 

السؤال الآن: ترى لو عاشت هذه الطوائف الفكرية في عصور أولئك الصحابة فماذا سيقولون عنهم؟ هل سيلومون ابن عباس وابن عمر وأنس ونحوهم من أجلة الصحابة ويقولون لهم: أنتم مشغولون برواية الحديث وتعليم الناس السنن وهذا إشغال للناس عن مقاومة الخلل السياسي؟

 

هل سيقولون لابن عباس: أشغلت الناس بتفسير القرآن وكلام العرب عن الأزمات التي تمس حقوق الناس؟! حاشاه رضي الله عنه.

 

هل سيقولون للصحابة: أنتم تشددون النكير على القدرية وهم قوم لهم تأويل وإنما أرادوا البحث عن الحق ولهم حرية الرأي، بينما تحرمون الخروج على هذه النظم السياسية المتغلبة!

 

وفتاوى الصحابة في مسائل الفقه ملأت أسفار كتب الآثار وفقه الحديث من باب المياه إلى باب الإقرار.. فهل هذه الفتاوى الصحابية كلها كانت تغييباً لعقول الناس عن النظم السياسية المتغلبة؟!

 

عمل فقهاء ومفتي الصحابة مع أمثال يزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، وعبدالملك بن مروان، والوليد بن عبدالملك، وسليمان بن عبدالملك .. أصل في معرفة الحق لمن أراده.

 

فقد استمر الصحابة في عصور التغلب في تفسير القرآن ورواية الحديث وبيان السنن وتعليم الناس والفتيا في دقيق الأمور وجليلها، ولم يعتبروا أن بيان مسائل الدين هو اشتغال بمسائل هامشية كما يدعي هؤلاء..

 

ولذلك تجد علماء أهل السنة ساروا طوال القرون الماضية على طريقة الصحابة، استمروا في بيان مسائل الدين دقيقها وجليلها، ولم يعتبروا أنها إشغال للناس بالتوافه ..

 

هل تريدني أن أصدق أن فقهاء الصحابة ومفسريهم ومفتيهم ومن بعدهم من العلماء لم يفهموا حقيقة الإسلام وفهمه بعض المنتسبين للفكر المعاصر! يارحم الله العقول إذن!

 

على أية حال .. الجوانب المعاشية في المجتمع مسؤولية الجميع .. وليست مسؤولية الفقهاء والمحتسبين وحدهم .. وعلماء الإسلام بلا استثناء يعدون كل بابٍ منها شعبةٌ من الاحتساب.. وشعب الإيمان بضع وسبعون شعبة .. بل إن الخبراء –كلٌ في مجاله- عليهم مسؤولية خاصة في أنتاج الحلول المدنية للمشكلات المعيشية للمجتمع..

 

فالاقتصادي والمهندس والإدراي هم الذين يملكون الخبرات المدنية للمشكلات المدنية.. هل ننتظر من الفقهاء والخطباء والدعاة أن ينتجوا خططاً لمشروعات الطرق وبرامج العلاج والتمويل العقاري؟! هذا خلط في الوظائف .. هذا كمن يقول على المهندس أن يحقق أسانيد مسند أحمد! والجميع يدرك أنه ليس عليه ذلك..

 

وهذا هو الفرق بين مفهوم (العلمانية) المرفوض شرعاً .. ومفهوم (التخصص) المطلوب شرعاً .. فالعلمانية توزع المهام المدنية مع جعلها غير محكومة بالشريعة .. أما التخصص فتوزيع المهام مع جعلها جميعاً محكومة بالشريعة..

 

ومن أهم كوارث هذه الطوائف الفكرية أنها دوماً تقع في (تنقيض الفروض الكفائية) أي وضع المطالب الشرعية أضداداً ونقائض لبعضها، فهم لا يقولون مثلاً: شكر الله لمن اعتنى بنشر السنن وإماتة البدع، ونحن فريق آخر سنعتني بقضايا الحقوق المالية، بل يجعلون هذه نقيضاً لهذه!

 

بل ويصرحون أحياناً بأن أي اشتغال بقضايا العقيدة أو الفضيلة أو مقاومة الربا ونحوها أنه تضييع للجهود وتشتيت للتركيز وصرف للانتباه عن القضية الحقيقية التي هي القضايا السياسية والمالية! فانظر كيف أفسدوا جهودهم بمثل هذه المتضادات التي يفتعلونها، مع أن علماء أهل السنة كانوا ينتظرون منهم أن يكونوا عوناً لهم على استكمال جهود الإصلاح الشامل فتحولوا إلى معاول هدم بجعلهم بعض الشريعة نقيضاً لبعضها.

 

ولذلك كان بعضهم يستاءل: لماذا وقف الإسلاميون والخطاب الشرعي ضد شخصيات إصلاحية معروفة مادام أن الإصلاح السياسي والمالي جزء من الشريعة؟!

وهذا تزييف للواقع، فكل الشخصيات الإصلاحية التي انتقدها الخطاب الشرعي لم ينتقدها لأنها طالبت بالإصلاح المالي، وإنما انتقدها لأنها توسلت بالقضية الإصلاحية لتمرير تحريفاتها للشريعة كالإزراء بعلوم السلف، أو التهوين من مرجعية الصحيحين، أو جحد حد الردة، أو السخرية بكتب العقيدة كالطحاوية ونحوها..

 

بل إنني أعمم -وأنا مسؤول عن هذا التعميم- وأقول أنه طوال تاريخنا المحلي فإن كل الشخصيات التي اعتنت بشكل عام بـ(النقد السياسي) وأظهرت في نفس الوقت احتراماً للشريعة وعلومها ومنهج أهل السنة؛ فإنها لاقت تقديراً واحتراماً وإعجاباً في الوسط الإسلامي، وتداولاً لمقالاتها.

 

وهذا الموقف من أشد نقاط التميز في الاتجاه الإسلامي –ولله الحمد- وهو أنه يحترم الشجاعة السياسية بشرط أن لاتتحول إلى جسر لنفي شئ من أحكام الشريعة ومنهج أهل السنة.

 

ونظير ذلك: أننا نحترم الطبيب المبدع بشرط أن لايستغل إبداعه العلمي لترويج الاختلاط بين الجنسين، ونحترم الروائي المبدع بشرط أن لايستغل أدبه لتمرير المجون، ونحترم الإعلامي المتميز بشرط أن لايستغل مهنيته للتأليب ضد الأنشطة الإسلامية، وهكذا.

 

بل تأمل معي في نموذجٍ أكثر دلالةً من ذلك، وهو أن الشخصيات التي تكلمت عن (الجهاد الشرعي) لقيت احتراماً بين الإسلاميين، لكن لما صار بعضهم يستغل عنايته بالجهاد للتهكم بدروس العقيدة، أو تكفير علماء أهل السنة، أو تهديد أمن البلدان الإسلامية واغتيال العاملين في المؤسسات الأمنية وإتلاف الثروات العامة للمسلمين، فإن الإسلاميين بعامة أطبقوا على منافرته وذم طريقته، لا لأنه اعتنى بالجهاد، ولكن لأنه استغل عنايته بالجهاد لتمرير أفكار منحرفة.

 

وهكذا كل الشخصيات التي تاجرت بالإصلاح السياسي لبث أفكارها المنحرفة فإنه يجب مقاومة تحريفاتها، لا لأنها اشتغلت بالاصلاح السياسي، وإنما لأنها استغلت الإصلاح السياسي لشرعنة تأويلاتها للنصوص.

 

ياحسرةً على مجموعات رفعت شعار (معارضة الدولة) بينما برنامجها العملي (معارضة العقيدة)..

 

أريد هاهنا أن أشير لتحفظ ضروري: وهو أنه ليس كل من رفع شعار الإصلاح السياسي وقع في هذه المشكلات، معاذ الله، بل هناك شخصيات سعودية قدمت جهوداً في الإصلاح السياسي مع احترامها لمنهج أهل السنة في العقيدة والفقه، ولا بأس أن نضرب أمثلة من شخصيات بعينها لتأكيد ذلك، فممن لاحظت محافظتهم على الأصول الشرعية ممن لهم جهود إصلاحية:  الشيخ سفر الحوالي وسليمان الرشودي وعبدالعزيز الوهيبي ود.محمد الحضيف، ونحوهم ممن لعله غاب عني إسمه الآن، فهؤلاء كلهم كان لهم جهود في الإصلاح السياسي، وحصلت لهم مضايقات إن شاء الله أنها في ميزان حسناتهم، ومع ذلك لم نقرأ لهم حرفاً واحداً في تحريف ونبز عقيدة وفقه أهل السنة والجماعة، بل كلهم يفخرون بالأصول الشرعية ولله الحمد، ولم نقرأ لهم حرفاً واحداً في تأليب الناس ضد العمل الدعوي والإسلامي، فأمثال هؤلاء قامات ينتصب المرء لها إجلالاً.

 

هناك فقهاء ودعاة كثيرون يقولون لك: يا أخي ثمة أموراً سياسية كثيرة نعجز عنها والله ولا نطيقها، وسنقوم بما نطيقه من القضايا الشرعية، وهذا هو غاية جهدنا، فيأتي من يسمون أنفسهم تنويريين وإصلاحيين ويوسعونهم همزاً ولمزاً ، فإذا رأيت هذا المشهد لم أستطع أن أمنع لساني من أن يتمتم بقوله تعالى:

(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ) [التوبة، 79]

  والله أعلم،،

 

أبو عمر

شعبان 1431هـ

21 يوليو 2010

معادلة المخالف والمخذل

أضف تعليق

الحمدلله وبعد،
جلست مرةً أتأمل الفتن التي تدحرجت علينا طوال السنة الماضية .. وكنت في كل فتنة تمر ألاحظ أنه يبرز في المشهد دوماً فريقان من الناس .. فريق (مخالف) يتبنى المنكر بضراوة ويدافع عنه ويعطي الإشارة لبدء الغارة الصحفية .. وفريق آخر لا ينتمي لهؤلاء ولا يتبنى المنكر لكنه (مخذل) يبدأ في إصدار عبارات التهوين من القضية وأن الأمر لا يستدعي الإنكار ولا الغيرة ولا الحمية تحت الشعارات المعروفة: لماذا تضخمون الأمور؟ أين حاجات الناس الفعلية؟ الخ.
 
من الناس من ينكسر أمام ضغط (المخالف) فالمخالف اليوم له طريقته الخاصة والمتميزة في إسالة لعاب الباحثين عن المنصب والمكافآت المالية والفلاشات الصحفية..
 
ومن الأخيار -والله الحمد- من هو شريف النفس فلا يرضى أن يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، ولذلك لا يرضخ لإغراءات وجبات (المخالفين) الدسمة .. لكن ينهار أمام ضغط (المخذلين) .. لأن كثيراً من المخذلين يظهر في صورة أنه رجل من الصف، ولذلك يكون أثر (المخذلين) على كثير من الأخيار أكثر من أثر (المخالفين) ..
 
فالمخذلون يقولون لك غالباً: نحن لا نختلف مع المحتسبين في أن هذا غير مقبول شرعاً، والحقيقة أنه لم يكن يعجبنا أنه حصل، لكن الأمر يسير جداً، فلا داعي لإنكار المنكر، ولا داعي لمقاومة من يتعدى على الحكم الشرعي، تارةً يقولون هذا الكلام باسم احترام المخالف وأن الشريعة كفلت الحرية للزندقة إذا لم يتعدَّ على الآخرين، وتارة يجعلون هذا باسم تركيز الاهتمام بالقضايا الكبرى (القضايا الكبرى عندهم ليست هي كل القضايا التي عظمها القرآن، وإنما هي يختصرونها فقط في القضايا المادية للناس).
 
حسناً.. دعونا مما سبق .. فليس هو المهم .. وإنما المهم أنني كنت أظن أن هذا التصنيف إلى (مخالف) و (مخذل) أنه مجرد ملاحظة شخصية اتفقت عرضاً .. وقبل يومين مر بي حديث شهير جداً خرّجه البخاري في الصحيح توقفت أمامه برهة كأنني لأول مرةً أقرؤه في حياتي.. توهمت كل شئ إلا أن يكون الرسول نفسه –صلى الله عليه وسلم- أشار إلى هذا التصنيف (المخالف) و (المخذل) .. والله لقد غمرني شعور غريب وأنا أرى النبي نفسه يقسم الناس أمام الدعاة إلى هذين الفريقين اللذين كنت أراهما عياناً أمام ناظري في كل فتنة تمر ..  يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(لا يزال من أمتي أمةٌ قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك) [البخاري 3641]
 
ورب محمد أنني جمدت وأنا أقرؤ هذا الحديث كأنني أقرؤه لأول مرة .. فتأمل كيف نبه النبي –صلى الله عليه وسلم- على (المخالف) و (المخذل) وعد بذهنك لكل فتنة مررنا بها وسترى مصداق خبر محمد صلى الله عليه وسلم ..
وتأمل كيف نبه النبي–صلى الله عليه وسلم-  إلى أن لكلٍ من هذين الفريقين (ضرر)، فهذا يعني أن هناك من سيتضرر وإلا لما سماه النبي ضرراً ..
وتأمل كيف نبه النبي–صلى الله عليه وسلم-  إلى أن المحتسبين الناجحين هم من يستطيع التخلص من ضرر (المخالف) و (المخذل) سوياً..
 
ثم تأمل كيف نبه النبي على أن هذه الطائفة (قائمة بأمر الله) وأمر الله يشمل الدين كله .. فمن أحدث في الأحكام الشرعية محدثات تحت ضغط الثقافة الغربية فقد خرج عن القيام بأمر الله بقدر ما أحدث ..
 
لكن أين خطورة التخذيل على المخذِّل نفسه؟ هؤلاء المخذلون –هداهم الله- كم أتمنى أن يأخذوا ساعة تأمل يسيرة مع أنفسهم ويتدبروا كيف جعل الله تعالى (التخذيل شعبة من النفاق) .. كما نبه القرآن لذلك في قوله تعالى (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ) [الأحزاب 18].
 
وهاهنا سننتقل إلى السؤال المنطقي اللاحق: وما خطورة الشعبة الواحدة من شعب النفاق؟ الشعبة الواحدة من شعب النفاق خطورتها أنها بريد النفاق الخالص .. فالمرء إذا وقع في شعبة نفاق جرته الشعبة إلى شعبة مثلها فتتكاثر عليه شعب النفاق حتى تخرجه من الإيمان.. فشعب النفاق تتصارع في القلب مع شعب الإيمان .. والمحصلة النهائية لمن غلب.. ولا يدري المرء بم يختم له ..
 
بل إن الله جل وعلا قد يعاقب من استرسل في شعبة من شعب النفاق بأن يسلط عليه مثلها كما نبه القرآن على ذلك في قوله تعالى (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) [البقرة 10] ، وقوله تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) [الصف 5].
 
فتأمل كيف أشارت الآيات إلى أن الإنسان إذا تساهل في شئ من الضلال فإن الله قد يعاقبه بأن يزيده من جنس ضلاله .. نسأل الله أن يحفظنا وإخواننا المخذلين .. وأن يهدي المخالفين يارب .. وأن يزيد الله نصره للمحتسبين القائمين بأمر الله..

أبو عمر
شعبان 1431هـ
14 يوليو 2010

التهوين من الأحكام الشرعية بسبب التصور الخاطئ لشبهات الجهاديين

أضف تعليق

  الحمدلله وبعد.

 في الأيام الماضية عقد مؤتمر ماردين وكان مهندسه وصاحب أفكاره النهائية هو عبدالله ابن بيه، وقد قرأت مقالة للشيخ الفاضل عبدالوهاب الطريري يروي فيها منجزات مؤتمر ماردين، وأن أعظم إنجاز فيها –بحسب رؤية الدكتور الفاضل الطريري- هو تصحيح عبارة (“يقاتل” الخارج عن شريعة الإسلام) الواردة في الفتوى الماردينية لابن تيمية إلى (“يعامل” الخارج عن شريعة الإسلام).   ويشرح الدكتور الطريري -وفقه الله للحق- سبب هذه الأهمية بقوله (أصبحت الفتوى الماردينية بالنص المحرف مصدر استمداد لجماعات العنف والاقتتال داخل المجتمع الإسلامي، وممن أعتمدها بنصها المصحف وجعلها مصدر استدلال محمد عبد السلام فرج في كتابه (الفريضة الغائبة) (ص 6) وهو الذي كان دستور الجماعات القتالية).

ويبين الدكتور الطريري فائدة هذا التصحيح بقوله (وبتصحيح النص يتم تجريد الفتوى من هذا المتمسك للجماعات القتالية). ويؤكد الدكتور الطريري على عظمة هذا الإنجاز بقوله (ولو لم يكن من نتائج المؤتمر إلا إشهار هذا التصحيح لكان إنجازاً حقيقاً بالحفاوة).

لما رأيت هذا الكلام من الدكتور الفاضل الطريري استغربت جداً هذا التصور، فأي شخص طالع رسائل غلاة الجهاديين وبياناتهم يعلم يقيناً أن شبهات غلاة الجهاد ليس مرتكزها الأساسي هو الفتوى الماردينية، فضلاً عن عبارة (يقاتل) أو (يعامل)، ومع ذلك فقد قلت في نفسي ربما أنني لم أفهم رسائل غلاة الجهاديين جيداً، فرجعت بنفسي لكتاب (الفريضة الغائبة) وهو الذي أشار له الدكتور الطريري فتفاجأت بأن كلام الدكتور الطريري لم يكن دقيقاً، فكتاب الفريضة الغائبة لم يعتمد على النص المحرّف كما يقول الدكتور، بل كتاب الفريضة الغائبة ذكر في الحقيقة كلا الصيغتين (يقاتل) و (يعامل) [انظر: الفريضة الغائبة، ص 5، 8].  

ثم رأيت الدكتور الطريري يقول عن شيخ الأزهر (وقد تعقبه-أي كتاب الفريضة الغائبة- في ذلك جمع من العلماء منهم الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق ، والشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى في الأزهر رحمهم الله، في كتاب نقض الفريضة الغائبة (ص80) وقد ناقشوا مضمون الفتوى ولو وقفوا على النص الصحيح لها لكفوا كثيراً من القول).فرجعت لكتاب الشيخ جاد الحق في نشرته الأولى الموقّعة عام 1403هـ والمنشور ضمن فتاوى الأزهر فوجدت الشيخ جاد الحق ألحق بكتابه ملحقاً قال فيه (آثرنا أن ننقل نص كتاب الفريضة الغائبة كما ورد فى الأصل) ووجدت فيه كلا الصيغتين أيضاً (يقاتل) و (يعامل).

 مؤتمر كامل، ومصروفات، وأوقات، وبريق إعلامي، ومنجز يقولون عنه أعظم إنجاز، ومع ذلك يتبين أن كتاب الفريضة الغائبة، ومن رد عليه، نقلوا كلا الصيغتين أصلاً: (يقاتل) و (يعامل). ثم وعلى أساس هذا المنجز الوهمي (وهو تصحيح عبارة “يقاتل” للجهاديين) توصل المؤتمر إلى بيانه النهائي الذي قدم فيه لغة منهزمة حول: أحكام الجهاد، والولاء والبراء، والهجرة من دار الكفر مع الإمكان، الخ.

وأسوأ مافي هذا المؤتمر أمران: التلبيس على الناس باسم ابن تيمية والدفاع عن ابن تيمية وتصحيح فتوى ابن تيمية، وتبين أن الأمر كله بيان منهزم مبيّت بليل، وكان من أخلاق العلم أن لايتستر مهندس المؤتمر ابن بيه بابن تيمية وهو يعلم جيداً أن ابن تيمية يتعارض جذرياً مع أفكاره حول (الموقف من الكافر). والأمر الثاني المسئ في هذا المؤتمر هو التزين بأسماء بعض شيوخ العقيدة، واستضافتهم، وفي النهاية إصدار البيان الختامي دون استشارتهم، وقد وضّح ذلك الشيخ د.ناصر الحنيني في بيان خاص منشور بموقعه الشخصي يقول فيه (أنا لم أوقّع على هذا البيان، نعم تلي على الجميع ولما خاطبت المنظّمين بأن لدينا تحفظات وملاحظات، فقال: كل أحد له الحق في التحفظ، ولما رأينا أنهم لم يطلبوا منا توقيعاً على أوراق لم نظن أنه سوف تدرج أسماءنا في البيان). ويقول الشيخ الحنيني أيضاً (مما يؤكد مخالفتنا لبعض ما طرح في البيان الختامي أن ورقة العمل التي ألقيتها اشتملت صراحة على مخالفة ما في البيان). ماهو الدرس الذي أردت الوصول إليه من هذه القضية؟ الدرس الجوهري في هذه الحادثة هو يقين صار يتعاظم مع الزمن خلاصته أن كثيراً من الناس يطير في قضايا يكون فيها بعض الغضاضة على الأحكام الشرعية بحجة أن هذا فيه مقاومة لأفكار غلاة الجهاد، ثم يتبين أنه إنما أتي من قصور فهمه لشبهات غلاة الجهاد أصلاً، فأصبح أمثال هؤلاء: لا للأحكام الشرعية نصرو، ولا لغلاة الجهاد كسرو. لدي يقين تتزايد شواهده أن الخطابات التي انكسرت عن العزة ببعض معاني الإسلام هي أقل الخطابات تصوراً لشبهات غلاة الجهاديين، وهي أقل الناس إمكانية لتفكيك قناعاتهم وتصحيح تصوراتهم الشرعية، بل إن غلاة الجهاديين يفرحون كثيراً بأن يكون من يناقشهم متنازلاً عن العزة ببعض أصول أهل السنة، فإنهم يسقطونه مباشرة بمجرد ذلك، وأكثر الناس نفاذاً في الشباب الذين تورطو بأفكار الغلو هم الربانيون الراسخون المعتزون بكل معاني الإسلام والسنة.الخطاب المنكسر عن بعض أصول أهل السنة يوفر لغلاة الجهاد مبررات إضافية ويعزز موقفهم التفاوضي دوماً. وصيغة الفتوى الماردينية، سواءً كانت (يقاتل) أو (يعامل) ليست ذات موضوع بالنسبة لغلاة الجهاد، وليست هي مرتكزهم أصلاً. فغلاة الجهاديين يرتكزون على قضايا أخرى: الإجماع على قتال الطائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام، القياس على قتال أبي بكر لمانعي الزكاة، القياس على قتال التتار، مسألة التترس، كفر المظاهرة، كفر الجاهل، كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، قياس القوانين على الياسق، الخ.   وهذه القضايا فيها عشرات النصوص لابن تيمية، وفقهاء المذاهب الأربعة، بل إن محمد عبدالسلام فرج كان في مسألة الدور يستند على فقه أبي حنيفة وصاحبيه!   وأما تصور أن مستمسك غلاة الجهاديين هي عبارة وردت في فتوى ماردين فهذا فيه قصور فهم للواقع.   وأما مناقشة شبهات غلاة الجهاد، وبيان خطأ توظيفهم للأصول الصحيحة؛ فيحتاج إدراكاً عميقاً لأصول أهل السنة، واستيعاباً جيداً لخطاب غلاة الجهاديين ورسائلهم، وعزة بالمعاني الشرعية وعدم انكسار عنها.   بقي الآن مناقشة البيان الختامي لمؤتمر ماردين، ومافيه من الميوعة العقدية، لكنني أرى أنني قد كفيت هذا الأمر، فقد كتب الشيخان الفاضلان المبدعان: الشيخ د.عبدالعزيز العبداللطيف، والشيخ د.لطف الله خوجه، مقالتان علميتان دقيقتان حول البيان الختامي للمؤتمر، ومافيه من مخالفات لأصول أهل السنة، ووالله إنني أخجل أن أتكلم بعدهما، فأحيل القارئ الكريم عليهما.

 

أبو عمر

جمادى الأولى 1431هـ

24 أبريل 2010

ماهي منجزات الصحوة؟

2 تعليقان

الحمدلله وبعد.

كثيرون تعرضوا لمظالم.. كثيرون تعرضوا لنكران الجميل.. ومع ذلك كله فلم يتعرض أحد في هذا العصر للجور مثل ماتعرضت له “الصحوة الإسلامية” التي قامت على أكتاف علماء ودعاة ومفكري أهل السنة.. يتحمل المرء طعنات العلمانيين والليبراليين وأرباب الشهوات والشيعة.. لكن ما أصعب الأمر حين يكون الغدر من أبناء هذه الصحوة نفسها.. الواحد منهم إذا صادف معرض كتاب، أو زار ستاندرات مكتبة الكتاب، أو قرأ مجموعة روايات؛ جاء منتفخاً مزهواً يتوهم نفسه مفكراً اكتشف مالم يكتشفه الآخرون! مع أن كثيراً من هؤلاء المتنكرين كان جاهزاً للانقلاب قبل أن يقرأ أصلاً، لكن كان يبحث عن بطاقة دخول إلى نادي المنسلخين لا أكثر، ويريد أن يوهم نفسه ومن حوله بأنه تحول بسبب “قراءااات” واسعة، وأكثرها خلاصات انترنتية صادفها هنا أوهناك..

 

في الشهر الماضي فقط تلقيت على بريدي الإلكتروني الشخصي عدة رسائل تسأل: ماهي منجزات الصحوة؟ بعضهم يسأل مستفسراً، وبعضهم يسأل مساجلاً، وبعضهم يقول لي: دار نقاش في عدة مجالس حول هذا الأطروحة “الصحوة لم تقدم أية منجزات”..

 

ولقد علمتني التجارب الكثيرة مع أصناف المنحرفين أن (شحن الناس ضد الصحوة) هو أول خطوات الانزلاق.. وكلما رأيت شخصاً وقع في مصيدة “التجني على الصحوة” قلت لأصحابي هذا إن لم يلطف الله به فسترونه يوماً يردد مايردده الليبراليون والعلمانيون.. فالصحوة حلقة الباب من حركها اتهمناه على مافوقها..

 

أولئك المتسائلين والجاحدين الذين يقولون “ماهي منجزات الصحوة؟” أحب أن أوضح لهم أن الإشكال ليس في قراءة “المخرجات” .. وإنما الإشكال يسبق ذلك، إنه إشكال في “المعايير” .. قبل أن تسأل الآخرين: ماهي منجزات الصحوة؟ فاسأل نفسك: ماهو معيار المنجزات؟

كل من اضطرب وارتبك في قراءة منجزات الصحوة فليس بسبب خفاء المرئي وإنما بسبب تبدل جوهري في عيون الرائي نفسه ..

لوأعطيت الشيعي صحيح البخاري فسيقول لك الكتاب قصر في فضل آل البيت .. ولو أعطيت الناصبي نفس الكتاب لقال لك الكتاب غلا في آل البيت .. كيف اختلف التقييمان والكتاب واحد؟ ليس لاختلاف الأحاديث وإنما لاختلاف معايير القارئ..

قبل أن نسلط الضوء على منجزات الصحوة .. لنحاول تسليط الضوء أولاً على معايير هؤلاء الجاحدين لفضائل الصحوة..

 

يأتينا بعض هؤلاء وقد تشرب المعايير العلمانية أو الليبرالية أو التنويرية أو الديمقراطية أوبشكل عام (المعايير المستغربة) ثم يقول لنا: ماهي منجزات الصحوة؟ عقول تشبعت بالقيم الغربية في التعامل مع هذه الحياة وتأتي تسأل ماهي منجزات الصحوة الإسلامية؟

 

يا عزيزي قبل أن تسأل عن منجزات الصحوة، صحح معاييرك أولاً، ولذلك تجد هؤلاء يتحاشون أن يطبقوا معاييرهم على القرون المفضلة، لأنهم يعلمون أنها ستؤول إلى إدانتهمأن

!

 

بعضهم يجعل أولوية الإسلام ومركزه وقضيته الأساسية هي (العمران المادي) .. وبعضهم يجعل أولوية الإسلام هي (إطلاق الحريات الشخصية)، وبعضهم يجعل أولوية الإسلام (مقاومة الاستبداد السياسي) .. ثم يأتي ويقرأ الصحوة بهذه العين العوراء التي لاتبصر إلا قضية واحدة..

 

لا يا عزيزي .. الصحوة تختلف كثيراً عنك في معاييرها، الصحوة الإسلامية لم تنطلق بمعايير تغريبية، الصحوة الإسلامية لم ترسم مسارها بمعايير علمانية، ولا بمعايير ليبرالية، ولا بمعايير تنويرية، ولا بمعايير الديمقراطيين، ولا بمعايير أدعياء الوسطية، ولا بمعايير أدعياء الإصلاح السياسي، ولا بمعايير الوطنية الجاهلية،  .. ولكنها بمعايير (أهل السنة) .. أتعرف ما هو معيار أهل السنة؟ إنه (الإسلام الشامل) إنه أخذ الكتاب كله.. إنه الاستسلام والانقياد لكل مسائل الدين .. إنه الاعتزاز والفخر بكل حرف من حروف الشريعة.. إنه حمل رسالة الإسلام بكل تفاصيلها .. وليس بالأجزاء التي تهواها النفوس فقط.. كما قال تعالى في وصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) [آل عمران:119]..

 

أما هذه المدارس الفكرية المخالفة لأهل السنة في منهج الإصلاح فمصدر الخلل في معاييرهم تبعيض الكتاب الذي قال الله عنه (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) [البقرة:85].. وعبر عنه القرآن أيضاً بتعضين القرآن الذي قال الله عنه (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) [الحجر: 91] أي أجزاءً مفرقة.. وعبر عنه القرآن أيضاً بقرطسة النص الذي قال الله عنه (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) [الأنعام:91].

 

إن كنت ياعزيزي لازلت متشرباً أهواءك في حصر الإسلام في (العمران المادي) .. أوحصر الإسلام في (الحرية السياسية) .. أوحصر الإسلام في (ماوافق الغرب من المفاهيم) .. فلا داعي أن تتعب نفسك وتتعبنا معك في البحث عن منجزات الصحوة ..لأن مشكلتك ليست مع “الصحوة” .. بل مشكلتك مع “القرآن” .. صحح علاقتك بكتاب الله أولاً، ثم تعال نتناقش في منجزات الصحوة..

 

الصحوة الإسلامية ياعزيزي حين استوعبت أن معيارها هو معيار أهل السنة وهو الأخذ بالكتاب كله .. أثمرت منجزات شرعية في زمن قياسي قصير .. نجاحات متوالية مذهلة في مدة استثنائية ..

 

أعظم وأهم وأشرف منجزات الصحوة الإسلامية (ترسيخ التوحيد) الذي جعله الأنبياء والرسل رأس مشروعاتهم .. تأمل في البلدان العربية والإسلامية التي لم تنتعش فيها الصحوة السنية وابكِ -إن كانت دموعك يستثيرها التوحيد- على عدد الأضرحة والمزارات والقباب والمشاهد والمراقد المقدسة .. اسأل أي حركة قبورية في العالم عن أخطر توجه يهددهم وسيقولون لك “الصحوة السلفية” .. أي شرف أن يكون من يواصل مشروعات الأنبياء والرسل هم هذه الصحوة الإسلامية؟!

 

هل تعلم أنه في مولد أبي الحسن الشاذلي في محافظة البحر الأحمر في مصر ينحر ذبائح تصل إلى (120) ألف رأس من الخراف والماعز والإبل (صحيفة المصري اليوم، 28/12/2006) ..

هل تعلم أن حصيلة النذور في مصر في الفترة (2005-2006) بلغت 52 مليوناً و67 ألف جنيه؟ (حوار لوزير الأوقاف المصري مع جريدة الأخبار)..

 

هل تعلم أنه في المنطقة الشرقية والجنوبية من السعودية لاتزال تقام شعائر الشرك والوثنية في الاستغاثة والذبائح للحسين ولعلي ولبقية آل البيت؟

 

هل تعلم أن واحداً من أضخم الرموز الدينية في الحجازكتب كتباً ورسائل وعقد الدروس والمجالس يدعوا فيها لألوان من قوادح التوحيد.. حتى أن الشيخ عبدالله بن منيع لم يستطع احتمال الأمر وكتب كتاباً حزيناً في مناقشته والتحذير منه ومما قاله الشيخ ابن منيع في الكتاب:

(تدعو حال مؤلفات محمد علوي مالكي إلى اعتباره في طليعة الدعاة إلى البدع والخرافات والشرك بالله في ألوهيته وربوبيته ; ذلك الرجل الذي آثر ممن غرر بهم وأضلهم وأعماهم: لحسهم يده، وركوعهم له، وتبركهم بآثاره وأعضائه وملابسه) [حوار مع المالكي، للشيخ ابن منيع، المقدمة]

 

ورد عليه أيضاً صقر السنة سفر الحوالي –شفاه الله- بعدة رسائل وسماه (مجدد ملة عمروبن لحي) في رسالة خاصة بهذا العنوان.

وأنا شخصياً رأيت محمد علوي مالكي مرةً واحدة، ورأيت فيها مثقفين يقبلون يده، بعضهم كان يسارياً ثم الآن ليبرالي، ومع ذلك ينحني ويقبل يده أمامنا.

 

وهل انتهى دعاة الشركيات اليوم؟ لا، ياعزيزي لم ينتهوا، فانظر الآن في النشاط الغريب للحبيب الجفري والفقيه صالح الأسمري والمحدث محمود سعيد ممدوح، وغيرهم ممن يروجون الشركيات، والحبيب الجفري رد عليه أشاعرة الشام بكتاب اسمه (إلى أين أيها الحبيب الجفري؟) للباحث خلدون مكي، وقدم للكتاب عالمان من أفاضل الأشاعرة، وهما مصطفى الخن ومحمد راجح, وتحاشى المؤلف كتب ابن تيمية وابن القيم, فضلاً عن كتب علماء الدعوة النجدية, والمشائخ السلفيين المعاصرين، ففي رده عليه بيان لأفكار الجفري الخطيرة في باب الألوهية، وإن كان المؤلف جرى على مذهب الأشاعرة في مسائل كالتسلسل وغيرها.

 

بل الأمر الآن أشد، فقد كان دعاة الشرك في الجزيرة يتعيشون على حصيلة النذور التي يتبرع بها لهم الجهال، أما الآن فاختلف الحال، فقد صارت وزارة الشؤون الإسلامية في الإمارات تدعمهم وتمكن لهم، ظناً من بعض النافذين أنهم يقاومون نمط الإسلام التكفيري بدعم نمط الإسلام الصوفي المتسامح، فصار هؤلاء يدخلون الشركيات على الناس استغلالاً لظروف سبتمبر!وأهل الإمارات أخيار وفيهم طيبة لكن غلاة الصوفية استطاعوا النفاذ إلى مواقع مؤثرة سياسياً.. وأظن البلاء بدأ مع الخزرجي. والله أعلم.

 

ولذلك فإن بعض الناس يتساءل كثيراً عن سبب فشل مشروع الصفار وأمثاله في التقارب بين السنة والشيعة، ويظن هو وغيره من التقاربيين أن المشكلة في “سب الصحابة”!، وإذا تحدثوا في الموضوع لم يذكروا إلا سب الصحابة، أبعد هذا غربة لحقائق القرآن؟!

 

قضية سب الصحابة هي القضية رقم 2 بيننا وبين الشيعة، وإنما القضية الأولى هي الشركيات التي يقوم عليها المذهب الشيعي، كالاستغاثة بالحسين وغيرها، والشركيات امتزج بها لحم المذهب الشيعي ودمه، حتى أن المفكر الشيعي (أحمد الكاتب) وهو مفكر مثقف ومتأثر بالفكر العقلاني المعاصر، ويفوق الصفار وأمثاله عشرات المرات في الاطلاع والعمق والجرأة على نقد المذهب الشيعي (الصفار رجل دبلوماسية محض وليس له في العلم بالمذهب ولا في الثقافة المعاصرة نقير ولاقطمير)، ومع ذلك كله يقول أحمدالكاتب في كتابه (الفكر السياسي الوهابي) مايلي:

(ولكن الشيخ محمد بن عبدالوهاب، تبعاً للشيخ ابن تيمية، كان يعتبر بعض الممارسات المختلف حولها بين المسلمين، مثل دعاء الأنبياء والصالحين والاستغاثة بهم، شركاً، وشركاً أكبر مخرجاً عن الملة والدين) [ص 16، ط2 ، 2004م ]

 

وتبعاً لذلك فقد اعتبر أن “لا إله إلا الله” لاتعني إفراد الله بالألوهية والعبادة، بل تعني فقط إفراد الله بالربوبية! ولذلك يقول “أحمد الكاتب” في سياق انتقاده للشيخ محمد بن عبدالوهاب:

(ولذلك فقد أطلق الشيخ محمد بن عبدالوهاب كلمة “التوحيد” على “توحيد الألوهية” وهو توحيد الله بأفعال العباد كالدعاء والنحر والرجاء والتوكل، وليس “توحيد الربوبية” الذي يعني الإيمان بالخالق الواحد) [الفكر السياسي الوهابي، ص 17، ط2 ، 2004 م ]

 

هذا أحمد الكاتب (عاقل المرة) بالتعبير العامي؟! فكيف بمن هو دونه؟! ومع ذلك فله كلام فيه تراجع مجمل عن هذا التقرير، ولايزال فيه إشكالات.

 

والمراد أن جماهير رموز الشيعة اليوم مرتبتان: إما غارق في تحسين الاستغاثة بأئمة آل البيت، وإما يقول لك: لا نحن لانرى الاستغاثة بغير الله، وهي شئ غير جيد.

 

هكذا فقط، أما أن تجد رمزاً دينياً للشيعة يقول لك: من استغاث بالحسين فهو مشرك، والاستغاثة بغير الله من نواقض الإسلام، فهذا من النادر، وماحال من يستنكر الاستغاثة بغير الله دون أن يقر بكونها شرك وناقض من نواقض الاسلام، إلا كمن يقول لك: (أنا لا أزني، ولا أحبذ الزنا، والزنا عموماً شئ غير جيد)! فمالفائدة إن لم يعتبرها كبيرة من كبائر الذنوب؟! بل من فعل الزنا مع إقراره بكونه كبيرة هو خير ممن ترك الزنا مع جحد تحريمه.

 

وأتذكر أنه في أعوام 1415هـ ومابعدها نشط كثير من دعاة الصحوة في إلقاء المحاضرات التبي تبين للشباب أن هناك كثيراً من السعوديين في مناطق المملكة واقعون في ألوان من الشركيات بسبب البعد عن مراكز المدن الكبرى، فكان “شباب الصحوة” المباركين يهبون فرقاً وآحاداً يذرعون أرجاء المملكة يلقون الكلمات عن قوادح التوحيد، يستنقذون الناس من حبوط أعمالهم ومن المصير الأخروي البائس الذي ينتظر المشركين (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الزمر:65]

 

والحديث عن كارثة الشركيات في هذا العصر، وكيف استغل دعاتها بعض المؤسسات الحكومية في الخليج والمغرب العربي، وكيف صارت بعض النظم السياسية الفاسدة تدعمهم في مواجهة مايسمونه الإسلام السياسي (وليس هناك إسلام سياسي بل الإسلام شامل)، وكيف صارت لهم فضائيات يروجون بها أفكارهم الخطيرة في باب الألوهية؛ ليس هذا موضعه، وإنما أردت فقط أن أضع المتسائلين عن منجزات الصحوة أمام سؤال واضح وبسيط:

بالله عليكم هل سبق لك أن رأيتم علمانياً أو ليبرالياً أوتنويرياً أو ديمقراطياً أو إصلاحياً سياسياً يؤلف الرسائل في مناقشة شبهات الوثنية؟ ويتحرق في دعوة الناس إلى إفراد الله بالعبادة؟

اسألوا أنفسكم وأجيبوا: من الذي قاد حملة إشعال الوعي المعاصر بأهمية التوحيد وخطر صور الشركيات؟ أليست الصحوة الإسلامية؟

 

أما إن كنتم ترون أن هذه القضية (التوحيد والشرك) قضية هامشية، وشغلات وعاظ، واهتمامات دراويش، وإشكاليات البسطاء من الناس، فإن هذا يعني بكل وضوح أن مشكلتكم ليست مع الصحوة، بل مشكلتكم مع الأنبياء والرسل، ومشروعات الرسل ليست قضية غامضة ولا موضوع يحتاج لتحليل، فقد كشف القرآن بشكل متكرر عن رأس أولويات الرسل، كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء:25]

وقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: 36]

 

بالله عليكم يامعاشر الطوائف الفكرية ألا تخجلون من الله حين تزهِّدون في الدعوة للتوحيد ومقاومة الشركيات، وأنتم ترون الله جل وعلا يظهر لنا في القرآن حبه للتوحيد وتعظيمه له، وتخصيصه أنبياءه بالدعوة إليه؟

حين أتأمل المدارس الفكرية اليوم ولا أجد فيها من يحمل راية التوحيد وتدريس الكتب الشرعية التي تقرره والرد على المبطلين فيه إلا “الصحوة الإسلامية”، فإني أتعجب من شدة توفيق الله لهذه الصحوة المباركة، ومن خذلان هذه المدارس الفكرية عن أعظم حقائق القرآن على الإطلاق.

 

وأنا أعرف جيداً لماذا خرجت قضية التوحيد والشرك من معاييركم، ولم تعد جزءاً من آلية القياس والتقييم لديكم؟ السبب بكل وضوح أنكم تشربتم “المفاهيم المادية الغربية”، ولذلك عجزتم عن قراءة منجزات التوحيد ومشكلة الشرك.

 

ويشبه هذا الأمر مافعلته قريش حين احتجت على النبي وأصحابه بكونها خير منه لأنها تقدم نفعاً مادياً للناس وهو (تموين الحجاج وبناء الحرم) فرد الله عليهم مبيناً أن نفع التوحيد أعظم من النفع المادي حتى لوكان للحجاج وفي الحرمين، كما قال تعالى (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ) [التوبة:19].

 

ويشبه هذا أيضاً أنه لما استنكر بعض الناس زمن النبوة أموراً فعلها النبي وأصحابه وعدوهاً إرهاباً وقتلاً، فبين الله أن “الفتنة الدينية” أشد وأخطر من “القتل”، كما قال تعالى في موضعين (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) [البقرة:191] وقال تعالى (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) [البقرة:217]. فجعل الفتنة في الدين أعظم من أمر الدماء، مما يدل على جعل العقيدة فوق المصالح المادية.

 

فانظر الى منزلة جنس التوحيد والعقيدة ونفعها، حتى جعلها الله فوق منزلة النفع المادي للناس، وفوق منزلة الأمن، ومع ذلك كله حين تتحدث الطوائف الفكرية عن المنجزات فإن آخر شئ تفكر فيه هو (منجز  ترسيخ التوحيد ومقاومة الشركيات).

 

وقد شاهدت خارج المملكة أموراً عجيبة تدل على عظمة منجز الصحوة في نشر التوحيد، ذلك أنني أشاهد أحياناً شخصيات عربية فيها فضل وخير، لكنها نشأت في أجواء بعيدة عن الصحوة الإسلامية، ومع شدة تدين بعضهم وحرصهم على الخير إلا أنه يقع في قوادح خطيرة للتوحيد وهو لايعلم، ويجد من يناقشه صعوبة في توضيح الأمر له، وأقارن ذلك ببعض الشباب المبتعثين الذين ليس فيهم حرص على التدين، ولكن بسبب نشأتهم في أجواء الصحوة وانتفاعهم بجهودها في نشر التوحيد تجد لديهم حساسية شديدة منذ أن تقترب من حمى التوحيد وباب الألوهية.

 

بل إن بعض الناس يرى أن “الأخلاق المهنية” كالأمانة في العمل أهم من “التوحيد”! وهذا بسبب جهلهم بأعظم المطالب القرآنية، ولذلك يقول ابن مسعود فيما رواه الطبراني وابن أبي شيبة وابن حزم: (لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقا).

قال أبوالعباس ابن تيمية في تعليق شهير على هذا الأثر (لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق)..فكم فات على هذه التيارات الفكرية معرفة منزلة “حسنة التوحيد” وأنها تفوق كل الحسنات التي يعرفونها..بث معاني التوحيد في الناس، وإصلاح قوادح التوحيد، منجز أعظم من مجلس العموم ووكالة ناسا وأبراج دبي .. لوكنا فعلاً ندرك مراتب الفضل في القرآن، ومحاب الله ومباغضه سبحانه وتعالى..

 

وأذكرمرة أنني ذكرت لأحد هؤلاء الشباب المتأثرين بهذه المدراس الفكرية ظاهرة عقدية خطيرة انتشرت، وهي انتعاش ظاهرة “تعطيل الصفات الإلهية” ونشاط بعض الرموز في الدعوة إليها، وأن هناك بعض الفضلاء احتسبوا في إعداد بعض البحوث لإصلاحها، فقال لي (وافترض أنهم قضو على كل المعطلة على وجه الأرض فمالفائدة من ذلك ونحن نرى الاستبداد السياسي؟!) أو كلاماً هذا معناه! فانظر كيف صارت قضايا تنزيه الله سبحانه وتعالى وتوقير صفاته جل وعلا قضية هامشية لاتعنيه، بسبب تشرب قلبه القيم والمفاهيم المادية الغربية..

 

ماسبق كله في محور واحد من محاور التوحيد وهو (توحيد الشعائر)، وأما المحور الثاني من محاور التوحيد والذي أنجزت فيه الصحوة مالم تنجز كل المدارس الفكرية الأخرى فهو (توحيد التشريع).

فمع هيمنة القوانين الوضعية الغربية المناقضة لشريعة رب الأرض والسموات لم يقف في وجهها ويقاومها ويكتب المؤلفات حولها ويخطب عنها ويرد على الشبهات التي تهونها إلا “الصحوة الإسلامية” ..

لقد ملئت ديار المسلمين من “شرك التشريع” ومع ذلك تجد المدارس الفكرية الأخرى في غاية البرود من إفراد الله في التشريع، ولاتجد إلا شباب الصحوة الإسلامية هم الذين حققوا منجزات في هذه القضية لم يحققها غيرهم، وابتدأت هذه الحملة المباركة برسالة الشيخ محمد ابن ابراهيم رحمه الله (تحكيم القوانين) ثم شرحها الشيخ سفر الحوالي في عدة أشرطة، وكتب فيها الشيخ عبدالرحمن المحمود رسالة موسعة فند فيها شبهات مرجئة العصر في التهوين من هذه القضية، وغيرها، والمراد التمثيل.

 

وكل تشريع يخالف تشريع الله ورسوله فهو شرك كما قال تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) [الشورى:21]

وتوحيد التشريع وإفراد الله بالطاعة ليس شيئاً هامشياً في مشروعات الرسل، بل قال الله تعالى عنهم (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) [النساء:64] 

 

فهذه الصحوة الإسلامية قامت بمنجز عظيم في نوعي التوحيد (توحيد الشعائر) ضد المتصوفة والشيعة وأضرابهم. و (توحيد التشريع) ضد النظم السياسية الفاسدة والمثقفين المروجين لها. فهاتوا لي حركة في العالم كله قامت بنوعي التوحيد خيراً مما قامت به الصحوة الإسلامية؟ هاتوا لي منجزاً واحداً في العالم يضارع أو حتى يقارب منجز ترسيخ توحيد الشعائر والتشريع؟

يأتوننا ويقولون: وماهي منجزات الصحوة الإسلامية؟ بل أنتم ماهي منجزاتكم؟!

 

ومن منجزات الصحوة الإسلامية نشر السنن وإماتة البدع، وكم للاسلاميين من جهود مشكورة في ملاحقة أعيان البدع وآحادها والصبر على تبيينها للناس، تخيلوا الناس بدون هذه الجهود؟! كيف سيكون حال عامة الناس؟ وكيف سيدخل في دين الله من المفاهيم الخاطئة المحدثة مالله به عليم؟ ومن قرأ تاريخ السلف فيستطيع بكل اختصار أن يقول عنه (تاريخ مقاومة البدع).

 

على أية حال .. لايمكننا التوسع أكثر من ذلك، لكن سنعرض على سبيل الإشارة لبعض منجزات الصحوة الأخرى:

فمن منجزات الصحوة إحياء الجهاد الشرعي المنضبط بأصول أهل السنة، والدفاع عن بلدان المسلمين في كل مكان، ولذلك فإن أكبر خسارة تعرض لها (غلاة التكفير والقتال) ليس حين واجهتهم أمريكا، ولاحين واجهتهم النظم العربية، وإنما حين نافرتهم “الصحوة الإسلامية” ورفعت يديها عنهم وحذرت منهم، بعد أن ظهرت انحرافاتهم عن أصول أهل السنة في باب الجهاد حين استهدفوا أمن البلدان الإسلامية، وقد كان هذا بالنسبة لأدعياء الجهاد بمثابة فصل أنبوب الأكسجين..

 

ومن منجزات الصحوة الإسلامية مقاومة مشروع (تغريب الإسلام) وهو مشروع تأويل مفاهيم الإسلام لتتوافق مع الثقافة الغربية المنتصرة، إما بجحد ألفاظ النصوص، أو بجحد معاني النصوص، ومحاولة التفتيش في التراث عن أي سند تراثي للمفاهيم الغربية الجاهزة مسبقاً، وهو مشروع واسع وضخم وكتبت فيه مئات الكتب المعاصرة منذ لحظة الأفغاني وحتى لحظة الجابري، وأكثر مادة متأخريهم التفصيلية استمدوها من عمالقة الاستشراق التقليدي مثل جولدزيهر وشاخت وهنري كوربان ورينان (هؤلاء الأربعة بشكل خاص)، فهي إعادة إنتاج للاستشراق التقليدي بلغة جديدة، وابتلع نتائجهم كثير من هذه المدارس الفكرية ظناً منهم أنها أبحاث لهم، وأنها أبحاث علمية جادة! والحق يقال أن المستشرقين أكثر جدية في البحث من هؤلاء المروجين كالجابري ونصر ابوزيد وعبدالجواد ياسين (وهوينقل عن الاستشراق بالواسطة) ونحوهم.

 

ومن أوائل الأطروحات التغريبية للاسلام التي واجهت الصحوة في السعودية أطروحات الترابي وهو يستمد سنده المعنوي بناء على تجربة سياسية نجحت مؤقتاً، وكانت أطروحاته تلك الأيام عن أصول الفقه مربكة، حتى أن أحد الفضلاء (وهو الآن خارج المنظومة الدعوية) ألقى محاضرة في الرياض عن تجديد أصول الفقه كانت إعادة عرض لأفكار الترابي (فكرة الاجماع الواسع، نفي السنة، اجتهاد العوام، العقل، رأي ولي الأمر، الخ).

فشعر الشيخ سفر الحوالي بأن أصول أهل السنة مهددة، فألقى بعدها بزمن يسير في الرياض محاضرة بعنوان (العلمانية في طورها الجديد) وقد شعر كثير من المراقبين بالربط بين الحدثين، حتى أن الشيخ احتاج لاحقاً أن ينفي ذلك وقال في درس له بعد ذلك (ولقد تعرضت في محاضرة سابقة كان عنوانها العلمانية في طورها الجديد لهذا الاتجاه ولخطره، ففهمت على أننا نتعرض لبعض الدعاة، سبحان الله! يا قوم أنتم في وادٍ ونحن في واد) وبين أن المسألة ليست في أشخاص ولكنها في اتجاه بدأ يتنامى، وقد صدق حدس الشيخ شفاه الله، فإن إعادة تعليب المفاهيم العلمانية المادية في ثياب إسلامية صار سلعة رائجة الآن!

 

وكتاب الإرجاء للشيخ سفر الحوالي فيه موضعان شكلا علامات تاريخية فارقة، الأول تحدث فيه عن الزندقة العصرية الجديدة (أي مشروع تغريب الاسلام)، والثاني عن ظاهرة الارجاء بين بعض المنتسبين للسلفية الحديثية، وكلا الموضعين وضعا حداً لكثير من الانحرافات عن أصول أهل السنة.

 

والمراد أنه في الوقت الذي ترى فيه كل المدارس الفكرية المعاصرة بلا استثناء استسلمت للضغط الثقافي الغربي وانكسرت أمام سطوته ووقعت في شئ من تغريب الاسلام (قل أو كثر على تفاوت بينها) تجد الصحوة الإسلامية هي الوحيدة التي احتفظت برباطة جأشها ونفخت في روع أبنائها الثقة بالشريعة وبمنهج أهل السنة، وأننا قادرون على إصلاح دنيانا دون الحاجة إلى العبث بالشريعة.

 

ومن منجزات الصحوة الحفاظ على الفضيلة، ومقاومة مشروعات المنافقين لإخراج المرأة عن حشمتها وعفتها، وتقويض الحواجز بين الجنسين التي شرعها القرآن، وأنتجت الصحوة الإسلامية في هذا المنجز آلاف المواد الصوتية والمقروءة، وبعض الناس يحاول الالتفاف على المشكلة بالقول (لماذا يجعل الصحويون أكبر همهم مراهق في المنتديات، أوشاب طائش يعاكس) وهذا كله تزوير للواقع يعرف من يقوله أن يكذب، فمشروع تغريب المرأة يتم عبر جيوش من كتاب الصحافة والبرامج التلفزيونية والروايات الماجنة، وخلف هؤلاء كلهم مسؤولون ليبراليون استطاعوا النفاذ إلى بعض مفاصل القرار ودعم هؤلاء العاملين في الميدان، وسوى الروم خلف ظهرك روم..

فمن لم ير من مشروع تغريب المرأة إلا مراهق ومعاكس؛ فهو إما كاذب وإما مغفل.

 

حسناً .. مالذي يدفع بعض من لايزال فيهم خير من المدارس الفكرية المنحرفة إلى الكذب وتصوير الواقع على أنه مجرد مشكلة (مراهق منتديات، ومعاكس في سوق) ؟!

الحقيقة أن هؤلاء لو اعترفوا فعلاً بوجود مشروع خطير لتغريب المرأة؛ لأصبحت جهود الصحوة في حفظ الفضيلة مبررة، ولذلك سعياً منهم لتجريد جهود الصحوة في حفظ الفضيلة من حيثياتها الموضوعية، يصورون مشكلة تغريب المرأة على أنها مجرد (مراهق منتديات، ومعاكس طائش)، وهذا رهان سجالي فاشل بمجرد أن يستحضر القارئ الحملات المنظمة على الفضيلة ودعاتها.

 

فيا لله العجب.. كيف يرون الجهود الجبارة لفرض نموذج (الاختلاط في التعليم والعمل) ثم يقولون المشكلة مشكلة مراهق وطائش؟!

 

ومن منجزات الصحوة ربط الناس بالقرآن، ونشر دور حفظ القرآن، والتبرع لها، فبينما يدير المنتسبون للثقافة كؤوس الشاي بعد صلاة العصر يتسلون بالصحف تجد شباب الصحوة قد جلسوا بين سواري المساجد يسمّعون للشباب أنوار القرآن، ويلي جهود حفظ القرآن جهود حفظ السنة النبوية.

 

ومن مآثر ومفاخر الصحوة الإسلامية نشر العلوم الشرعية وأنوار الوحي في الناس، وتصميم الدروس الأسبوعية، والدورات الصيفية، وتسجيلها للشباب، وبثها عبر الشبكة، بل وتوفير شقق سكنية لمن يسافرون لحضور الدورات.

 

ومن منجزات الصحوة الإسلامية تعميق الإيمان وإنتاج الكتب والمحاضرات عن (التزكية) وكثرة الحديث عن الإخلاص والتقوى والمراقبة والانقياد واليقين الخ من أعمال القلوب التي هي محل نظر الرب من العبد، وهذا لاتعرفه المدارس الفكرية أصلاً، فضلاً عن أن تشارك فيه، والصحوة الإسلامية هي التي روجت كتب ابن القيم التزكوية (المدارج والجواب الكافي وحادي الأرواح وطريق الهجرتين الخ)

 

ومن منجزات الصحوة الإسلامية المشاركة في المعرفة، وفي التصحيح الإسلامي للمعرفة، وظهور مايسمى أسلمة العلوم  (انظر على سبيل المثال: في علم النفس: تمهيد في التأصيل الاسلامي لعلم النفس للدكتور عبدالله الصبيح، وفي الفلسفة: نظرية المعرفة للشيخ عبدالله القرني، وفي السياسة: أحكام الانتخابات في الفقه الاسلامي للشيخ فهد العجلان، وفي علم الاعلام: كيف تؤثر وسائل الاعلام في الناس؟ للدكتور محمد الحضيف، وفي العلاقات الدولية: فقه المتغيّرات في علائق الدولة الإسلامية بغير المسلمين للشيخ سعد مطر العتيبي)

 

وهذه فقط نماذج، ومن أراد المزيد من دراسات طلاب العلوم الشرعية في كافة الحقول في الاقتصاد والقانون والإدارة والاجتماع والعلاقات الدولية والقضايا الطبية والتكنولوجية والأفكار الحديثة فليراجع رسالة مختصرة سبق أن نشرت بعنوان (احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي).

 

ومن منجزات الصحوة الحرص على الفقراء والمساكين وإنشاء المؤسسات الخيرية التي ترعى أحوالهم وتنظم إيصال المعونات لهم، والصحوة هي من طبق عملياً ومؤسسياً فكرة كفالة اليتيم، واستقبال وتوزيع فائض الأطعمة، ومشروع بطانية الشتاء، ومشروع توفير المستلزمات المدرسية للأسر الفقيرة بداية كل عام.

 

وأما في المنكرات المالية فالصحوة الاسلامية هي التي خطبت وحاضرت وكتبت وأفتت في تحريم الربا والرشوة والاحتكار وأكل أموال الناس بالباطل.. والصحوة هي التي كتبت مذكرة النصيحة الشاملة، والصحوة هي التي كتبت بيان الغلاء الأخير..

 

ومن منجزات الصحوة المبادرة للاستفادة من الوسائل المعاصرة في حينها كالكاسيت وشبكة الانترنت والفضائيات الخ.

 

والكثير الكثير لو اراد المنصف أن يقرأ منجزات الصحوة، فقارن ذلك كله بمنجزات المدارس الفكرية الأخرى: العلمانيين، والليبراليين، والتنويريين، وأدعياء الوسطية، ومتفقهة التغريب، والديمقراطيين، وأدعياء الاصلاح السياسي، والوطنيين؟!

أنتم الذين ماذا قدمتم بالميزان الشرعي؟!

أنتم بتهكمكم بالقضايا العقدية والفقهية صرتم جزءاً من المشكلة بدل أن تكونوا جزءاً من الحل، تطالبوننا بأن نحتسب على السياسي، المفروض الآن هو الاحتساب عليكم من تحريفكم للشريعة قبل أن نحتسب على السياسي، فخطر أهل الأهواء أشنع وأفظع من خطر أئمة الجور، كما ذكره الإمام مالك وشيخ الاسلام ابن تيمية، ولذلك يصلى خلف أئمة الجور مع وقوع الخلاف في الصلاة خلف بعض أهل الأهواء، وأمر النبي بقتال الحرورية أهل الأهواء، ونهى عن قتال أئمة الجور.

 

فتبديل كلام الله ونشر الفاحشة في الذين آمنوا أخطر شرعاً من فساد بعض العقود الحكومية واغتصاب بعض العقارات، وهذا لايعني التهوين من الجرائم المالية، ولكن لأبين أن كثيراً ممن يظنون أنفسهم يصلحون أنهم يفسدون أكثر من فساد السياسي، لأنهم يفسدون الأديان والسياسي يفسد الأموال، وفساد الأديان أشنع من فساد الأموال، وقد اتفق أهل السنة بجميع مذاهبهم على أنه في مقاصد الشريعة مقصد (حفظ الأعراض) مقدم على مقصد (حفظ الأموال)، وقد شرح ذلك الشاطبي في الموافقات في عدة مواضع.

 

وأما قولهم: أين الصحوة عن الإصلاح السياسي؟ فالجواب بل أينكم أنتم؟ فالإصلاح السياسي رأسه وأسه جوهره (تحكيم الشريعة) فالمطلوب من ولي الأمر تحكيم الشريعة التي تشمل حفظ العقيدة وحفظ الأعراض وحفظ الأموال وتطبيق أحكام الله، وحديث الصحوة عن تحكيم الشريعة لايماثله كل الطوائف الفكرية المعاصرة.

 

وأما قضية (الفساد المالي) فالحديث عن قضية الفساد المالي لم يعد مشكلة الآن، فلايوجد صحيفة سيارة إلا ويكتب فيها يومياً عن الفساد المالي، ولكن المشكلة أعمق بكثير من قضية الحديث عنها.

 

وأما قولهم (العدل ونفي الظلم هو مركز الشريعة، والصحوة لم تقم به) فهذا من جهلهم بالمفاهيم الشرعية، فأعظم الظلم هو الشرك، والبدع ظلم، والفواحش ظلم، وليس الظلم فقط هو المظالم المالية للولاة.

 

الخلاصة .. أن هذه الصحوة الإسلامية منة الله على هذا العصر.. ووالله العظيم لو كشفت مابنفسي من التتيم بهذه الصحوة لظنني البعض أحد “الغلاة في الصحوة” .. ومن أحب المواضيع إلي في الكتابة إبراز محاسن هذه الصحوة الإسلامية والرد على التجنيات الموجهة إليها، ولولا خجلي من أن يقول الإخوان لقد أكثرت في هذا الموضوع لما توقفت.. ولعل لا أذيع سراً إن قلت أنني كثيراً ما أقرأ في الصحافة الورقية والالكترونية موضوعات منحرفة.. صحيح أنني أنزعج منها، لكن الموضوع الذي لا أملك مشاعري حين أقرؤ عنه هو (التجني على الصحوة الإسلامية).. ناقشني مرةً ليبرالي مبتدئ فقال لي على سبيل التهمة “أنت صحوي” فأطرقت وقلت له: هذا شرف لا أدعيه..

 

كل ما أردت أن أصل إليه في هذه المقالة هو شئ واحد:

إذا سألك أي شخص من أهل الأهواء: ماهي منجزات الصحوة؟ فقال له: وماهو معيارك أنت للمنجزات؟ إن كان معيارك تحقيق مطالب القرآن والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فتعال نتباحث، وإن كان معيارك محصوراً في العمران المادي، أو مقاومة الاستبداد السياسي، أو إطلاق الحريات، فصحح معاييرك أولاً، ثم تعال نتباحث حول منجزات الصحوة.

 

أبو عمر

ربيع الثاني 1431هـ

9 أبريل 2010

Older Entries