معايير تحديد أولويات المواجهة

أضف تعليق

 

       هناك فريق من الناس يشنع كثيراً على دعاة أهل السنة بالقول بأنهم لايرتّبون الإنحرافات بشكل صحيح، فتراهم يردون على من يخالفهم في بعض الملفات الشرعية، ويدعون العلمانيين الأقحاح، أو يقولون أحياناً: سلِم منكم اليهود والنصارى ولم يسلم منكم مفكرون لازال يشملهم الإسلام. أو يقولون أحياناً: أهل السنة يحتاجون إلى الوعي بأي الحروب أولى بالمواجهة. أو يقولون في أحيان أخرى: هرم الانحرافات يقف بالمقلوب في الوعي السني!

وقد لاحظت أن أغلب من يردد هذه الحجج هم التيارات المنتسبة للاستنارة الإسلامية، والإصلاح السياسي، ويرددها –أيضاً- تيار جديد بدأ يظهر على الساحة الآن وهو تيار (الوطنية الإسلامية) وهو تيار يعلن –بمناسبة وبلامناسبة- ولاءه السياسي الكامل والمطلق، ويتعامل مع المخالفين على أساس أنهم “شركاء في الوطن”، ويؤسس شرعية مطالباته وقائمة أجندته الفكرية على أساس “ثوابت الوطن”، ويتحاشى بطريقة فوبيّة غريبة أية لغة يفهم منها البناء على أسس “عقائدية”.

على أية حال.. لسنا معنيين كثيراً بمن يردد هذه الحجج، ولكن يعنينا هاهنا أن نحلّل مدى شرعية هذه الحجج؟ وهل تتفق مع المنهج الدعوي عند أهل السنة، أم هي بدعة وإحداث في دين الله؟.

حين نعيد تأمل هذه اللافتات التي يرفعونها حول “أولويات بيان الانحرافات والرد على المخالفين” نلاحظ أنها تنطوي على “معيار” ضمني، هذا المعيار هو بكل وضوح أن أولوية الرد على المخالف تتحدد على أساس “حجم الانحراف” فالملحد أولى بالرد من العلماني، والعلماني أولى بالرد من المخالف المنهجي لأهل السنة، والمخالف المنهجي لأهل السنة أولى بالرد على الخطأ الفقهي الجزئي، وهكذا.   ولذلك إذا رأو عالماً أو داعية يرد على “مخالف منهجي” لأهل السنة، قالوا له: سلم منك الملاحدة والعلمانيون وجئت ترد على من يشاركك أكثر الأصول والهموم؟! هذا الموقف منعكس عن مقياس يجعل الأولوية مرتبطة بمراتب الانحراف ذاته. فما مدى صحة هذا الموقف؟.

الحقيقة أنه وبأدنى تأمل في طريقة السلف الصالح وأئمة الهدى فإن الباحث يعرف أن هذا معيار باطل مخالف للمنهج الدعوي عند أهل السنة، ومن تأمل ردود أهل السنة من الصحابة والتابعين وأئمة الأمصار من بعدهم فإنه سيلاحظ أن هناك معياراً مختلفاً كلياً. فالمعيار عند أهل السنة لايربط أولويات المواجهة بـ(حجم الانحراف)، وإنما يربط أولويات المواجهة بـ(حجم الحاجة إلى البيان).

تأمل معي بعض هذه النماذج، في الصحيحين أن عبد الله بن عمرو قال رجعنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر فتوضئوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فأخذ رسول الله ينادي بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار. لو طبقنا معيار الطوائف الفكرية بأن البيان والرد يكون على (حجم الانحراف) لقلنا: لماذا يهتم النبي وينادي بأعلى صوته بقضية جزئية لاتتعدى أن بعض الناس بسبب السرعة نسوا جزءاً يسيراً من أقدامهم لم يمسه الماء؟! هل يسوغ أن نقول: الأمم من حول النبي فيهم اليهود والنصارى وعبدة النار والمشركون، والداخل الإسلامي يعاني من الفقر، ومع ذلك يعتني النبي بقضية جزئية تتصل بأحد جزئيات الطهارة؟.  هذه التساؤلات لايستطيع أن ينفك عنها العقل الذي تشبع بالمعيار الفكري بأن الرد والبيان يكون على حجم الانحراف، أما العقل الرصين الذي تشبع بالمعيار الشرعي بأن الرد والبيان يكون بحسب الحاجة إلى البيان فإنه يفهم هذا الفعل النبوي فهماً صحيحاً.

وهذا المثال طبّقه على سائر مواقف النبي –صلى الله عليه وسلم- التي غضب فيها وأظهر فيها اهتماماً واضحاً في مسائل جزئية فقهية يحتمل الخلاف فيها، وقارنها بحال المجتمع النبوي الذي يحيط به أصناف الكفار، وفي داخله أعتى المنافقين، ويعج بالفقراء والمعوزين، ومع ذلك كله يهتم النبي بجزئيات المسائل ويرد على أناس من الداخل الإسلامي ذاته. وإذا شاء القارئ الفاضل المزيد من هذه النماذج فيمكنه مراجعة بابٍ لذيذٍ إلى الغاية عقده عبقري السنة الإمام البخاري في صحيحه باسم (باب الغضب في الموعظة والتعليم) وهو موجود في  الصحيح في (كتاب العلم) فقد ساق فيه شواهد نبوية على اهتمام النبي وغضبه في مسائل جزئية، وعلى أية حال فكتاب العلم في صحيح البخاري إذا تأمله طالب العلم وجد أنه يحسم كثيراً من مسائل النزاع في المنهج الدعوي لأهل السنة.   خذ مثالاً آخر، حين مات النبي –صلى الله عليه وسلم- كان جيش أسامة لغزو الروم قد عقدت رايته، وفي الداخل الإسلامي ظهرت طائفة تنكر وجوب دفع الزكاة لأحد بعد رسول الله، فجهز أبوبكر الجيوش لقتالهم، برغم أنهم يعلنون أنهم مسلمون ويقولون “لا إله إلا الله”، لكن لديهم تأويل لآيات الزكاة بأن المخاطب والمختص بأخذها هو النبي لاغيره فكانوا يقولون: كيف يحق لأبي بكر أن ينزل نفسه منزلة النبي في هذه الفريضة؟!   وقد شرح الإمام ابن تيمية تأويلهم فقال (وأما مانعوا الزكاة فقد ذكروا أنهم قالوا: إن الله قال لنبيه “خذ من أموالهم صدقة” وهذا خطاب لنبيه فقط، فليس علينا أن ندفعها لغيره، فلم يكونوا يدفعونها لأبي بكر ولا يخرجونها له) [الفتاوى، 28/542]   فهؤلاء منتسبون للإسلام، ومتأولون لا في أصل الزكاة، بل في حق أبي بكر باستلامها، حتى أن بعض كبار الصحابة أشكلت عليه المسألة بادئ الأمر كما قال عمر (كيف تقاتلهم وهم يقولون لا إله إلا الله)، ومع ذلك فقد جرد أبوبكر سيفه وجهز الصحابة لقتالهم، بكل مايتضمنه القتال من سفك الدماء وغنيمة الأموال. فلم يقل أبوبكر: جيش أسامة على تخوم البلقاء يقاوم الروم النصارى، ونحن نقاتل متأولين في مسألة فيها احتمال! بل علم بفقهه الدقيق أن مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة في تحريف الإسلام من الداخل في مثل هذا الظرف لاتقل عن أهمية مواجهة النصارى. فلو طبقنا المعيار الفكري بأن (المواجهة على قدر الانحراف) لقلنا أخطأ ابوبكر، لأن مواجهة نصارى الروم وهم كفار أصليون محاربون أولى من مواجهة متأولين في الداخل المسلم يقولون لا إله إلا الله، فضلاً عن مقاتلتهم!   لكن لو طبقنا المعيار الشرعي بأن (المواجهة على قدر الحاجة إلى البيان) لاستوعبنا حنكة أبي بكر ودقة فقهه وعمق علمه بدين الله، ولذلك تكلم علماء الإسلام كثيراً عن البركات التي حصلت بعزمة أبي بكر على قتال المتأولين في الزكاة.   ويمكن أن نشاهد هذا المعيار السني في تطبيقات الصحابة بشكل عام، كمثل تشديد ابن مسعود على المتأولين في الذكر الجماعي، وتشديد ابن عمر على المتأولين في كون المعاصي مقدرة (وهم الذين سموا القدرية لاحقاً)  برغم أنهم لم ينكروا أصل القدر، بل تأولوا بعض معناه فقط، وبرغم أنهم ينتسبون للعلوم الشرعية كما يصفهم الراوي في صحيح مسلم حين جاء يسأل ابن عمر (فقلت أبا عبد الرحمن: إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم – وذكر من شأنهم – وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف) ، ومع ذلك كله قال فيهم ابن عمر مقالته الشديدة المعروفة. فهل يصح القول: كيف يشدد الصحابة على هذه الاجتهادات في التأويل ويدعون الملاحدة واليهود والنصارى والمجوس والولاة الظلمة والمظالم المالية؟!   بحسب معيار الطوائف الفكرية المعاصرة، نعم، فإن معيارهم سيقودهم إلى التورط بإدانة الصحابة ذاتهم، لكن بحسب المنهج الدعوي عند أهل السنة فهذه المواقف الصحابية معدودوة في مناقبهم ومن شواهد عمق فقههم وعلمهم.

وهكذا –أيضاً- انظر في أقوال الأئمة الأربعة في بدعة تأويل الصفات الإلهية، وكيف كانت مواقفهم الشديدة التي وصلت للحكم بكفر المعين أو لعن المعين على أمثال الجهم بن صفوان وعمرو بن عبيد وحفص الفرد ونحوهم (وأقوال السلف في هذا الباب مجموعة في العلو للذهبي واجتماع الجيوش الاسلامية لابن القيم).   فهل يمكن أن نقول للأئمة الأربعة –أبوحنيفة ومالك والشافعي واحمد- أنتم تصرفون جزءاً من وقتكم في التشديد البليغ على من يتأول بعض نصوص الصفات وهي مسائل تحتملها لغة العرب، وتتركون الملاحدة واليهود والنصارى والفساد السياسي في عصوركم؟!  

هذه الطوائف الفكرية تنتج معايير ولاتراعي أن معاييرها تقودها إلى إدانة السلف ذاتهم! وهم يتفاوتون في الموقف من ذلك، فبعضهم يطرد قاعدته وأصله ولايبالي إن كانت قاعدته تقتضي انتقاص السلف واستجهالهم واستبلاههم، وبعضهم فيه بقية دين فيتحاشى أن يطبق قاعدته على عمل السلف، ويفضل أن يعيش بهذا التناقض على أن يواجه لوازم قاعدته.

ومن تطبيقات هذه الإشكالية: ظاهرة “الإباحية الفقهية” المعاصرة، وهي أن بعض أصحاب تدجين الخطاب الدعوي المتصدرين في الفضائيات اليوم صاروا يسلكون منهج “تتبع رخص العلماء وزلاتهم والفتيا بها” بشكل واضح، بل وباندفاع في هذا المجال وتصفيق إعلامي ملفت، وصار عند هؤلاء “لجان علمية” وظيفتها البحث في كل مسألة عن من أباحها من أهل العلم للفتيا بموجب ذلك، لجان يسمونها علمية كل وظيفتها “البحث عن مبيح”!، وتتاح لهم برامج أوقات الذروة ليحقنوا المسلمين المستهدفين بزلات العلماء، كان الله في عوننا نحن المشاهدين المساكين، فبدلاً من أن نجد علماً يحي قلوبنا، صرنا نجد شبهات تربت على اهوائنا لنستكين على وضعنا، شخصيات تصدرت للناس بدلاً من أن تكون وظيفتها إحياء الإيمان في النفوس، صارت وظيفتها توهين التدين في نفوس الناس، وتوفير مبررات الفتور التعبدي والبرود الدعوي.

المهم.. أنه إذا قام أحد علماء ودعاة أهل السنة ببيان الانحراف في عين فتوى بذاتها، أو تجاه مسلك هذا الرجل بعمومه، قاموا عليه وأخذوا يتساءلون باستغراب: تترك العلمانيين وتأتي لهذا المنتسب للدعوة؟! هذا خلاف فروعي لايستدعي منك أن تكتب في بيانه؟! تترك المخالف في الأصول ترد على المخالف في الفروع؟! ونحو هذه العبارات. وإجابة على هذه الدعوى يقول ابو العباس ابن تيمية رحمه الله مبيناً أن الحاجة للبيان في مثل هذه المسائل قد تفوق الحاجة للبيان في بعض مسائل العقيدة الظاهرة لكل أحد، كما يقول رحمه الله: (فإن فتوى من مفتٍ في الحلال والحرام، برأيٍ يخالف السنة أضر عليهم من أهل الأهواء ، وقد ذكر هذا المعنى الإمام أحمد وغيره ، فإن مذاهب أهل الأهواء قد اشتهرت الأحاديث التي تردها واستفاضت ، وأهل الأهواء مقموعون في الأمر الغالب عند الخاصة والعامة، بخلاف الفتيا فإن أدلتها من السنة قد لا يعرفها إلا الأفراد، ولا يميز ضعيفها في الغالب إلا الخاصة ، وقد ينتصب للفتيا والقضاء ممن يخالفها كثير) [الكبرى، 6/144] .  فبالله عليك تأمل في عمق هذا الفقه، حيث جعل الرد على بعض الفتاوى الفروعية التي شذّت عن طريق أهل العلم، قد تكون أولى بالبيان من بعض البدع الكبرى، لأن الأولى خفيّة والثانية ظاهرة، فجعل المعيار رحمه الله ليس حجم الانحراف، بل مدى حاجة الناس للبيان.

وثمة مقولتان للعلامة المتفنن بكر ّبوزيد كلما قرأتهما رقصت جوانحي طرباً لهما، وما رأيت كلام هذه الطوائف الفكرية في هذا الباب إلا تذكرت عبارته يرحمه الله، وهاتان العبارتان كلاهما مذكورتان في كتابه “الردود”، فأما العبارة الأولى فهي قوله رحمه الله وغفر له: (إذا رأيت من ردّ على مخالف في شذوذ فقهي، أو قول بدعي، فاشكر له دفاعه بقدر ‏ما وسعك، ولا تخذله بتلك المقولة المهينة “لماذا لا يرد على العلمانيين”)[الردود، بكر ابوزيد، 49 ]. وأما العبارة الثانية فهي قوله رحمه الله:  (فقل لي بربك: إذا أظهر المبطلون أهواءهم، والمرصدون في الأمة: واحد يخذّل، وواحد ساكت، فمتى يتبين الحق؟) [الردود، بكر ابوزيد، 17 ]  .

وعلى أية حال .. أولئك الذين يلومون علماء ودعاة أهل السنة على مقاومتهم للانحرافات المنهجية –حتى المنتسبة منها للفكر الإسلامي- بحجة أن مقاومة اليهود والنصارى والملاحدة والعلمانيين أولى إنما يتمسكون بحجة مؤداها الإزراء بجهود النبي وأصحابة وأئمة الهدى من بعدهم في العناية بسائر تشريعات الإسلام كليها وجزئيها، وأن جهود البيان والرد عندهم ليست مرتبطة بحجم الانحراف، بل مرتبطة بمدى حاجة الناس للبيان.

 

 

 

أبو عمر

ربيع الأول 1431هـ

21 فبراير 2010

مجموع نسائم القرآن الرسالة الثالثة: كنت أظنه ظاهرة جديدة

أضف تعليق

مجمــوع نســـائم القــــرآن

الرسالة الثالثة:

كنت أظنه ظاهرة جديدة .

سمعته يلوم المقاومة ويتهكم بها بأنهم لو كانوا عقلاء وسمعوا نصيحتنا والتزموا الصمت لما وقع عليهم القتل والذبح .. فظننت أن مثل هذه المواقف إنما هي من الانتكاسات المعاصرة التي لاسابق لها .. حتى قرأت قوله تعالى:

(الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا)

 

ورأيت عدداً من المتثيقفين يردد شعارات الوطنية ويقول أن غزة شأن فلسطيني لسنا مسؤولين عنه، بل يجب أن نركز ثروتنا وطاقتنا في الشأن السعودي فقط، نحن سعوديون أولاً، فتوهمت أن هذا التذرع بالوطنية للتنصل من المسؤولية الدينية في دعم المقاومة إنما هي انحراف معاصر.. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا)

 

ورأيت كاتباً آخر يلوّح بأن اختيار المقاومة فصل الشتاء القارس للتصعيد السياسي جريمة تجعل المسؤولية مسؤوليتها في ضخامة الأضرار .. فظننت أن هذا التعلل بالفصول الأربعة في التهرب عن نصرة المقاومة إنما هو تقليعة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ)

 

ورأيت كاتباً آخر ينهر المحتاجين في غزة، ويعلن في عنوان مقاله بكل فجاجة فيقول (وإذا تبرعنا فهل ستشكرون؟!) فتوهمت أن هذه المنة والأذية وتطلّب الامتنان والتقدير إنما هي مستوى قياسي جديد في التبذل الأخلاقي .. حتى قرأت قوله تعالى:

(قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ)

 

وسمعت أحد نظرائه يعتذر ويبرر ويقول: نحن ليس لدينا مشكلة في التبرع للإسلام، ولكن ليس لهؤلاء الفلسطينيين والإخوانيين والحمساويين القذرين، ففرق كبير بين الاسلام وأتباعه، فالاسلام مقدس أما أتباعه فهم للأسف بشرٌ منحطون، فظننت أن هذا تفصيلاً جديداً في التبرع.. حتى قرأت قوله تعالى:

(هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا)

 

ولطالما سمعت الليبراليين في وطني يتعللون في رفض الأحكام الشرعية والإصرار على تبديلها بحجة المخاطر الأمنية، فيقولون لك هذه الأحكام الشرعية ستسبب لنا إحراجات أمنية كبيرة مع العالم فيجب تبديلها ومحوها وتغييرها، ويشنعون على كل من همس بمثل هذه الأحكام بشماعة المخاطر الأمنية، فكنت أتوهم أن التذرع بالمخاطر الأمنية لرفض الشريعة إنما هي موضة سبتمبرية .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا)

 

ورأيت كثيراً من الكتّاب الخائضين في تبديل الأحكام الشرعية إذا أنكر عليه العاملون للإسلام، ونهوه عن تبديل الأحكام الشرعية، وساقوا له نصوص الوحي في وجوب التمسك بها، يترك مناقشة الأدلة الشرعية ويلوذ باتهام المنكرين عليه بأنهم طلاب سلطة وطموحات سياسية، وأن دفاعهم ضد تبديل الشريعة ليس دفاعاً عقائدياً بل مجرد غطاء للمضمر المصلحي.. فظننت أن اتهام الرافضين للتبديل بأنهم مصلحيون إنما هي تهمة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى:

(يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا)

 

ولطالما لاحظت في النصوص الشرعية بعض المواضع الملتبسة على القارئ، إما لإشكالية ثبوت أو إشكالية دلالة، فكنت أدعها وأتمسك بالنصوص الواضحة الظاهرة، حتى رأيت ثلة جديدة من الكتّاب تتطلب هذه المواضع الملتبسة وتنقب عنها وتجمعها، وتستغلها في توهين التمسك بالأحكام الواضحة الظاهرة، فكنت أتعجب من جهودهم في تتبع المتشابه واستغلاله لتصديع المحكم والتمتع بفتنة الناس في دينهم، وكنت أظن أن هذه ظاهرة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى:

(فأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ)

 

 

وكنت أرى مجموعة من الكتاب يتطلبون الاختلاف والمفارقة عن عامة المتدينين، بل تشعر أحياناً أن معيارهم في إصابة الحق هو “مخالفة المطاوعة”، فيصعب عليهم اتباع الحكم الشرعي الذي يجمعهم بعامة المتدينين، لما امتلأ في قلوبهم من الغرور والزهو الزائف، بل بعضهم إذا أراد الاحتجاج على رد مفهوم معين قال لك: ومافرق كلامك عن كلام دراويش الصحوة؟! فصار المعيار (المفارقة) وليس (البرهان)، فكنت أتعجب كيف يتورط الانسان بترك الشريعة لأجل مخالفة من يزدريهم فقط؟! وكنت أتوهم ذلك أمراً جديداً .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ)

 

بل لقد رأيت عدداً من كبار المثقفين الذين يكتبون في “إعادة قراءة التراث” ينادي بكل صراحة في عدد من كتاباته ومحاضراته بضرورة الاستفادة من التراث الاسلامي، فإن وافق المفاهيم الحديثة استعملناه في تأصيلها، وإن خالف المفاهيم الحديثة تجاوزناه. بمعنى أن العلاقة مع النص صارت علاقة مشروطة، السمع والطاعة إن جاءت بما نريده فقط، فكنت أتصور أن هذه انتهازية معاصرة .. حتى قرأت قوله تعالى:

(يحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا)

 

ورأيت شريحة أخرى لايرفضون الشريعة كلها، ويعلنون الالتزام بها، لكنهم يريدون أن يتوسطوا بين المتدينين الذين يأخذون الاسلام كله وبين العلمانيين الذي يرفضون الشريعة جملة، ويرى أن هذا من سبيل الوسطية والاعتدال بين الفريقين، فكنت أتعجب من هذا الفهم للوسطية! كيف تكون الوسطية هي التوسط بين الإسلاميين والعلمانيين؟! .. وكنت أتوهم هذا فهماً جديداً لمعنى الوسطية .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا)

 

ولطالما التقيت بعدد من المتثيقفين تمتد أمسياتهم الفكرية إلى آخر ساعات الليل.. فإذا أقحم أحد الحضور نصوصاً شرعية تضايقوا وتبرموا وانقبضت وجوههم، ولمزوا المتحدث بأن مقصوده المزايدة ورغبة الهيمنة.. فإذا ذكرت أسماء الأعلام الغربية الرنانة ابتهجوا وانبلجت أسارير وجوههم واستزادوا المتحدث .. فكنت أتوهم ذلك سلوكاً جديداً .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)

 

ورأيت شريحة أخرى تعلن الالتزام بالشريعة والإيمان بها، وأنها المقدس، وأنها عظيمة، لكن هؤلاء في كل دعوتهم وعملهم وخطابهم وكتاباتهم إنما يتحاكمون للثقافة الغربية والقوانين الغربية والدول الغربية .. فكنت أتعجب كيف يدعي الإيمان بالشريعة ويتظاهر بتعظيمها وهو لايتحاكم إليها؟! لم لايصرح ويكشف مرجعيته الحقيقية؟! وكنت أتصور أن هذا تناقض معاصر .. حتى قرأت قوله تعالى:

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ)

 

ورأيت طائفة من مثقفي إعادة قراءة التراث يبثون الارتيابات والتوجسات حول السنة النبوية، حيث يرون أن أحاديث الرسول كلها ليست تشريع، وإنما هي أمور تلقفها النبي من عصره ورددها، فكنت أظن هذا التنقص لمقام الرسول فكرة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى:

(ومِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ)

 

وشهدت عدداً من الكتّاب الشباب لازالت خصومتهم مع المتدينين تتجارى بهم، حتى بلغت بهم أن تورطوا في مقالات مليئة بمحادة النصوص ومشاقة الوحي. كل ذلك بدافع النكاية والمناكفة ومغاضبة المتدينين وإغاظتهم فقط، فكنت أتساءل بدهشة: كيف ينسى المرء ربه لأجل أن يسخر بخصمه فقط؟! وكنت أفترض أن هذه آثار صراعية جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى:

(إنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ)

 

 

ورأيت طائفة من المثقفين يبالغون ويغالون في تعظيم القرآن، وقداسة القرآن، وشمولية القرآن، بصورة انبهارية لايقولها مفسروا أهل السنة أنفسهم! فكنت أتساءل مالمغزى ياترى لهذه التوقير المفاجئ للقرآن؟ فماعهدت القوم نصوصيين! وإذا بهم يتخذون هذه المغالاة في التوقير مجرد مقدمة لينفذوا من خلالها لنفي السنة واغتيالها .. فيجعلون قداسة الله ذريعة لإنكار نصوص رسول الله .. فظننت هذا المدخل المخاتل شيئاً جديداً .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ)

 

ورأيت عدداً من الكتّاب يذكرون ماكان عليه أهل منطقتهم من رقص الرجال والنساء سوياً بكل نقاء وطهارة وصفاء نية، حتى جاءت الصحوة التي لوثت ذلك الصفاء ومنعت تلك المظاهر، فإذا قلت له: ولكن رقص الرجال والنساء سوياً لون من الفواحش التي نهى الله ورسوله عنها. فيستمر يحتج عليك بالماضي الذي دمرته الصحوة! .. فكنت أتوهم هذا التفكير الساذج لون جديد من التفكير .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا)

 

وقرأت لعددٍ من المثقفين الذين يعلنون احترامهم لمرجعية الوحي ومفاهيم القرآن والسنة، لكنه كلما عرض له مفهوم شرعي رده وشنع عليه، فإذا ساءله الناس عن ذلك؟ قال لهم: أنا ليس لدي مشكلة مع “النص”، وإنما مشكلتي مع “تسييس النص”، وهذه الخطابات الدينية كلها خطابات باحثة عن السيطرة.. فصار يتعلل في رد كل حقيقة شرعية بتهمة التسييس وقذف العاملين للاسلام بالبحث عن الهيمنة والنفوذ!. فكنت أعتقد أن اتهام العاملين للاسلام بذلك بهدف التخلص من كلفة الانقياد إنما هي فكرة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى:

(قالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ)

 

وسمعت مرة من بعض الليبراليين حنقه الشديد على ابن باز وابن عثيمين، وكان يقول فيهما كلاماً لايقوله المرء في أخس المجرمين، فسألته: ولماذا لاتصرح بذلك؟ ولماذا تستتر بمثل هذا الموقف المتشنج ضدهما؟ فقال لي بكل صراحة: لولا نفوذهم الاجتماعي لأشعلتها عليهم.. فظننت أن ذلك حالة جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ)

 

ورأيت كثيراً من المتثيقفين يفاضل بين الناس على أساس معيار مادي بحت، فالكافر العالم خير من المؤمن الجاهل، والكافر الثري خير من المؤمن الفقير، وكنت أتوهم أن هذا المعيار المادي فكرة جديدة لم تنبه إليها النصوص، حتى قرأت قوله تعالى:

(وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ)

 

وتلاحظ أنه حين تثور في المجتمع مسألة شرعية جهادية أو قضائية أو حسبوية أو دعوية أو غيرها فإن كثيراً من الكتّاب يتصدر للفتيا فيها وهو لم يبحثها أصلاً، ويذيع فتواه وينشرها، وينسب رأيه للشريعة بلا تردد، والاجتهاد في الشريعة ليس محصوراً على عرق أو نسب، وإنما هو مقيد بشروط علمية كغيره من التخصصات، فكنت أتعجب من تسابق هؤلاء الكتّاب على الفتيا دون علم.. فلاهم درسوا النصوص، ولا سألوا من يحسن الاستنباط منها، وكنت أظن ذلك شيئاً جديداً حتى قرأت قوله تعالى:

(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)

 

وكنت أسمع هؤلاء المتثيقفين إذا أرادوا أن يحقروا أحداً سموه بـ”الواعظ” تقليلاً لشأنه، وهذا التحقير بهذا الوصف فرع عن كونهم يرون المواعظ أحط مراتب الخطاب وأنقصها قيمة، فتسرب إلى ذهني هذا التحقير للمواعظ بشكل غير مباشر، وصرت مثلهم أعتقد أن المواعظ لاتليق بالخطاب الراقي، حتى رأيت الله تعالى وصف كتبه السماوية بأنها “موعظة” فعلمت أنه من المحال أن يختار الله لأعظم كتبه أحط الأوصاف!

فسمى القرآن موعظة فقال (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ)

وسمى التوراة موعظة فقال (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلا)

وسمى الإنجيل موعظة فقال (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)

 

ولطالما كنت أتوهم أن الاحتجاج على “صحة المبدأ بقوة أتباعه” إنما هي طريقة جديدة ساذجة في التفكير، وأن الناس كانت تدرك أن الحق لاصلة له بالقوة، حتى قرأت قوله تعالى:

(فأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟ )

 

ولطالما كنت أتوهم –أيضاً- أن الاحتجاج على “بطلان المبدأ بضعف أتباعه” إنما هي طريقة جديدة ساذجة في التفكير .. حتى قرأت قوله تعالى:

(قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ)

 

وكنت ألاحظ بعض المتثيقفين يستكبر عن الإنصات للخطاب الشرعي، وإذا عرض له شئ من ذلك، تظاهر باستكبار أنه لايفهم ماذا يقول هذا؟ وربما أخفى كبرياءه في سؤال استعلائي يقول فيه: ماذا يقول هذا الشيخ؟! وكنت أظن أن مثل هذه الأساليب الاستعلائية أساليب جديدة .. حتى قرأت قوله تعالى

(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا؟)

 

تلاحظ أن كثيراً من المتثيقفين حين تنقل لهم في أصل شرعي كبير تواطؤ أقوال أئمة الإسلام الكبار كفقهاء أصحاب رسول الله، ومفتي التابعين، وأئمة الأمصار المتبوعين، يقول لك: هؤلاء كلهم بشر، حتى لو تتابعوا على أصل معين فإنه لايلزمني، قلت له: هذا يلزم عليه أنهم كلهم ضلوا في أصل كبير من أصول الاسلام، فيقول لك: هذه لوازم لست معنياً بالتفكير فيها، ويبقى أنهم “بشر” .. ويتطور الأمر سوءاً عند بعضهم فلايقبل مروياتهم ولافقههم بحجة أنهم “بشر” .. فكنت ألاحظ كثرة تردادهم لبشرية السلف لبرهنة عدم حجية ماتتابعوا عليه نقلاً أو فقهاً .. وكنت أتوهم أن التذرع بالبشرية لرفض الانقياد للشريعة شأن جديد .. حتى قرأت قوله تعالى:

(فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا)

 

في منتديات وصوالين المتثيقفين تتفاجأ بكثير من العلمانيين الجذريين الذين لايعولون على حاكمية الشريعة في دقيق ولا جليل، وإذا كتبوا في منتديات الانترنت بالاسم المستعار رأيتهم علمانيين جلدين، لكنهم إذا كتبوا للناس بأسمائهم الصريحة في الصحافة أكثروا من ذكر “مع مراعاة ضوابط الشريعة” ، والاستفادة من الفكر الغربي بـ”ما لايعارض الشريعة”، ونحو هذه العبارات.

ولطالما وقفت متأملاً هذا (النفاق الفكري) .. فكنت أتعجب منهم كثيراً كيف يبيتون مالا يرضاه الله من العلمنة ورفض حاكمية الشريعة، فإذا كتبوا للناس أظهروا احترام الشريعة ومراعاتها؟! .. وكنت أظن هذه الحالة شأناً جديداً حتى قرأت قوله تعالى:

(يسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ)

 

وكنت حين أرى متثيقفاً من أصحاب (النفاق الفكري) الذين يسرون في صوالينهم ومنتدياتهم الانترنتية بالعلمانية ويتظاهرون في الصحافة بمراعاة ضوابط الشريعة أقول في نفسي: هل من المعقول أن يكون يخشى من حمية الناس لدينهم أكثر من خشيته وخوفه من الله رب الناس؟ فرأيت الله تعالى يقول:

(لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ)

 

وكثير من المفكرين العرب اليوم يقرر بكل صراحة بأن القضية الفكرية في أكثرها (لعبة لسانية) أو بمعنى آخر (مهارة لغوية) .. بمعنى أن القضية هي تبديل ألفاظ فقط.. ولذلك ترى الليبراليين عندنا يحرفون النصوص تحت شعار (إعادة القراءة) ، ويبدلون أحكام الشريعة تحت شعار (تجديد الخطاب الديني) ، ويدخلون المحرمات تحت شعار (الانفتاح) ، ويلغون الحواجز الشرعية بين الجنسين تحت شعار (المساواة) ، ويهيجون أهل البدع لنشر بدعهم تحت شعار (الحقوق الوطنية) ، وهكذا .. ثم يجمعون هذا الإفساد كله تحت شعار (حقبة الاصلاح) و (عهد الإصلاح الميمون) و (ملك الإصلاح) الخ!

فكنت أتوهم أن هذا التلاعب اللغوي شأن جديد .. حتى قرأت قوله تعالى:

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)

 

 

ورأيت طائفة من الناس ليسوا بعلمانيين ولا شهوانيين، ولكن غالب وقتهم هو التهكم وانتقاص العاملين للإسلام، فيحصون النقير والقطمير على العاملين للإسلام ويشنعون عليهم بأقل أخطائهم، ولايبصرون الأفاعي في عيون العلمانيين والشهوانيين، بل تجدهم في مجالسهم في غاية اللطف واللين معهم، فكنت أتعجب ممن يمضي عمره في الرقابة على المصلحين وهو لم يقدم شيئاً، ويتلطف للعلمانيين ومروجي الشهوات، وكنت أظن انتقاص جهود العاملين للاسلام سلوك معاصر حتى قرأت قوله تعالى:

(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ)

 

 

بل إن بعض الأخيار في أنفسهم يجادل عن العلمانيين، ويبرر لهم، ويبحث عن التسويغات لأقوالهم، بحجة طلب هدايتهم، في الوقت الذي يتشنج فيه ضد أخطاء المحتسبين .. فكنت أظن افتراق المؤمنين في الموقف من المفسدين إنما هو شأن جديد .. حتى قرأت قوله تعالى:

(فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ)

 

ورأيت آخرين يشاركون في العمل الإسلامي والأنشطة الدعوية، ولكنه شديد التذمر والشكاية، وإذا تأملت محل تذمره ومحل رضاه؛ اكتشفت أنه ليس مبنياً على أساس عقدي رسالي، بل هو مبني على “حظ النفس”، فإذا كان التصرف الدعوي يراعي حظوظه الشخصية رأيته متبنياًً مدافعاًً، وإذا كان التصرف الدعوي ليس له فيه حظ ولاتشريف رأيت نياحته لاتنتهي .. فكنت أظن هذا الانتماء الدعوي المشروط على أساس حظ النفس إنما هو شئ جديد .. حتى قرأت قوله تعالى: (مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ)

وتجد بعض الناس لم يستطع أن يحسم خياراته وسط معركة العقيدة والشريعة والفضيلة هذه .. بل هو يحب أن يكسب العلمانيين ويحب أن يكسب العاملين للإسلام .. ولايحب أن يكون في أحد الكفتين.. وهو صادق في محبته لكلا الطرفين .. فكنت أتعجب من هذه الشريحة التي لم تحسم خياراتها بعد .. وأتساءل عن موقف العاملين للإسلام منها .. حتى قرأت قوله تعالى:

(سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا)

وكنت ألاحظ أن بعض الأخيار يرخي أذنه إلى هؤلاء المحرفين ويستمع لهم، لكن استماعه مع الوقت يتحول من استماع فضول إلى استماع تأثر .. فتتشوش الأمور عنده وتهتز قناعاته.. فيطوح به ذلك الاستماع إلى غيوم الفتنة .. كما قال تعالى:

(يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ)

وكثير من الأخيار يبقى يتلظى بنيران الحيرة، فلا هو استطاع أن يحسم خياراته .. ولا هو استطاع أن يوقف سيل التساؤلات .. ويصبح انتماؤه كغصن عذبته تقلبات الرياح .. فلاهو استلقى على أحد جانبيه .. ولا هو انكسر فاستراح .. ومن جرب عذابات الحيرة والشكوك والارتيابات عرف أنها أكثر ألماً من الضلال ذاته.. ولذلك قال تعالى:

(مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا)

  حين رأيت هذه الأمثلة السابقة كلها ..

 وغيرها كثير كثير .. لايمكن الإطالة بذكره ..

علمت بالضبط ماذا يعني أن القرآن تبيان لكل شئ..

حينها وحينها فقط .. أدركت شيئاً من أسرار قوله تعالى:

(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ..

أمثال مضروبة في القرآن فيها الإجابة عن كل شئ في حياتك .. من شعائرك ومعاملاتك إلى دقائق الصراعات الفكرية والسياسية ..

دع عنك المظاهر والرسوم .. ورفرف بين أمثلة القرآن .. وتأمل المعنى المشترك بين (المثل القرآني)  و (الصورة المعاصرة) وستنكشف لك سجف الحقائق ..

صدق القائل سبحانه:

(وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)

من كل مثل .. من كل مثل ..

 

أبو عمر

صفر 1431هـ

23 يناير 2010