تأنيث الصبيان

2 تعليقان

الحمدلله وبعد،،
مدارس آيلة للسقوط في أنحاء الممكلة .. تفاقم مزري لظاهرة المدرس الخصوصي .. تدهور فلكي في أخلاقيات الطلاب .. مخرجات تعليمية لاتتعلم حب القراءة والبحث ومهارات التحليل العلمي.. ازدياد حالات العدوان على المعلمين .. تنامي حالات الهروب من المدرسة .. وضع صحي بائس لمطاعم المدارس .. نقص فادح في المرافق التربوية كتجهيزات المختبرات والمكتبات والصالات الرياضية التي تجعل المدرسة شعلة من النشاط .. ومع ذلك كله .. مع كل هذه الاخفاقات الهائلة لوزارة التربية والتعليم في أسس التعليم ذاتها .. إلا أنها أهملت ذلك كله وذهبت توقد المعارك المجتمعية عبر (إدخال النساء في مدارس البنين)!
 
صارت وزارة التربية والتعليم كطبيب شعبي رأى يداً كسيرة فبدلاً من أن يعالجها جعلها كسراً مضاعفاً ! ياللسخرية .. وزارة المدارس المستأجرة تبدأ حلولها بإدخال النساء في مدارس البنين!
 
كنت أسمع بعض المهتمين يقولون “الوزارة نايمة” .. وصرت أقول الآن ياليتها كانت نائمة.. ولكن العين التي تنفع الناس نائمة .. وعين الاختلاط مستيقظة مرابِطة!
 
قدِّم لوزارة التربية والتعليم أي مشروع خدمي ينفع المدارس أو العملية التعليمية وستجد مشروعك راقداً بين أكوام المشروعات المماثلة في أدراج مسؤوليها .. وقدم بالمقابل أي مشروع يدفع باتجاه نهش شئ من جسد الفضيلة وستجدك غداً مدعوا لاجتماع وقور مع معالي الوزير!
 
وزارة أهملت أزمات تمس أسس العملية التعليمية ذاتها .. هل تريدنا أن نصدق أنها انطلقت في قضية لاتمثل أزمة من “دراساااات علمية” حرصاً على التعليم؟! هل وصل المجتمع إلى هذا المستوى من السذاجة ليصدق فكرة الانطلاق من دراسات حرصاً على التعليم؟ حين ترى مقاولاً يهمل أعمدة المبنى ويحرص على وضع صوتيات الموسيقى داخل الغرف .. فهل تريدنا أن نصدق أنه حريص فعلاً على راحة الساكنين وسلامتهم؟!
 
منذ عدة عقود مضت أخذت تتزايد أعداد المعلمات في الصفوف الدنيا في بريطانيا، حتى أصبحت الصورة النمطية أن الصفوف الدنيا تناسب المعلمات، وكان هذا التوجه متوازياً تاريخياً مع أوج ضغوط الحركات النسوية، وخصوصاً بعد الستينات وهي النقطة التاريخية التي يرى المؤرخون الغربيون أنها المفصل الزمني الحاسم في أكثر التغيرات الاجتماعية الغربية وخصوصاً مايتعلق بوضع المرأة من لباس وعمل وعلاقات الاقتران.
 
وفي السنوات الأخيرة ظهرت عدة أبحاث تدرس (آثار غياب المعلم الرجل على شخصية الطالب في الصفوف الدنيا في بريطانيا) وكانت المسألة محل جدل، لكن كثيراً من هذه الأبحاث أظهرت خطر هذه الظاهرة، وحاجة الطالب الذكر إلى المعلم الرجل، وكانت هذه الأبحاث تدور حول بناء الثقة لدى الطالب، وحتى تستطيع البيئة التعليمية أن تقدم قدوة (Role model) تتناسب مع شخصية الطالب الذكر، وأشارت الدراسات إلى مفهوم ثقافة الرجل (Lad culture) وعلاقة مثل هذه الأجواء النسوية بها.
 
المهم في القضية أن المؤسسة الرسمية المعنية في بريطانيا وهي وكالة التطوير والتدريب للمدارس (TDA) استندت إلى هذه الأبحاث واتخذت قراراً بزيادة أعداد المدرسين الرجال لاستنقاذ التكوين التربوي للصبيان في الصفوف الدنيا (نقلت الوكالة خلاصة هذه الدراسات في موقعها  الرسمي على الشبكة (www.tda.gov.uk) فيمكن مراجعتها من هناك).
 
وفي أواسط العام الماضي 2009 أطلقت الوكالة ذاتها (TDA) حملة فعاليات في المدارس البريطانية لتشجيع وإقناع المدرسين الذكور للتعليم في الصفوف الدنيا، وفي شهر يوليو تحديداً من العام 2009 تصور الكاتبة “آسثانا” هذه الحملة التي تقودها وكالة (TDA) الرسمية بقولها: (الدفع الأضخم لزيادة أعداد المعلمين الذكور في الصفوف الأولية تم إطلاقه هذا الأسبوع في محاولة للتغلب على الشح الحاد في المعلمين الذكور الذي يقول الخبراء أنه يؤثر على الصبيان. المئات من الرجال سيحضرون الفعاليات في المدارس حيث يتواجد المدراء والوكلاء والمدرسون لإقناعهم بالعمل في هذه المهنة) [Guardian,12Jul2009]
 
ومن شدة عناية وكالة التطوير والتدريب البريطانية (TDA) بهذه القضية صارت تهاجم من قبل الناشطين في الحركات النسوية والمعارضين لهذه التوجهات، حتى أن الرئيس التنفيذي للوكالة المشار إليها وهو “جراهام هولي” أظهر انزعاجه من ذلك وقال (كلما تحدثت عن حاجتنا لزيادة أعداد المدرسين الذكور في الصفوف الأولية تقول الاتحادات عني أنني أصبحت ضد المرأة!) [Guardian,12Jul2009]
 
وتنقل الكاتبة المهتمة بشؤون التعليم “ليبست” عن البعض قولهم (إن نقص المعلمين الذكور في الصفوف الأولية يعني أنه لن يكون لديهم تواصل منتظم بالرجال حتى سن الحادية عشرة!) [Guardian,23Mar2009]
 
وهذا بدهي أصلاً لايحتاج لكبير دراسات، فإن المدرس الذكر يملك خبرات يحتاجها الطالب الذكر لاتملكها المعلمة المرأة ولاتستطيع إيصالها، والاستهتار بخبرات الرجال وتربية الأجيال عليها يعكس سطحية خطيرة.
 
وبعيداً عن إدراك كثير من الغربيين –وإن كان إدراكاً متأخراً- لخطورة فصل الفتيان عن الرجال، فإن فقهاءنا رحمهم الله حين كتبوا عن التعليم وآدابه نبهوا على كثير من المسائل ذات الصلة، وتكلموا عن أهمية تربية الفتى بين الرجال ليكتسب من شخصياتهم، بل ونبهوا على أهمية فصل الفتيان عن الفتيات في التعليم حتى وهم صغار مراعاة لذلك، فهذا الإمام المشهور سحنون (ت256هـ) كتب رسالة تربوية عن أحكام التعليم وقال فيها (وأكره للمعلم أن يعلم الجواري ويخلطهن مع الغلمان، لأن ذلك فساد لهم) [آداب المعلمين، الإمام سحنون، ت.أحمد الأهواني، دار المعارف، ص263]
 
وهذا العلامة القابسي(ت403هـ) فقيه القيروان كتب رسالة تربوية –أيضاً- حول التعليم ونبّه على هذه القضية فقال في طريقة تعليم الصبيان: (ومن صلاحهم، ومن حسن النظر لهم؛ أن لايخلط بين الذكران ولإناث) [الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلِّمين، لأبي الحسن القابسي، ت أحمد خالد، الشركة التونسية للتوزيع، ص131]
 
والحقيقة أنني حين أتذكر مصيبة كثير من المعلمين العاطلين الذين لم يجدوا وظيفة، ثم أقارنها بهذا القرار التعيس الذي سيزيد حرمانهم فإنني أتحسر على أن تخطط أمورنا المدنية بهذا الشكل .. آلاف من الشباب الآن -وهم أرباب الأسر- المتخرجين بشهادات معلمين لايجدون وظائف.. ثم يأتينا هذا القرار!
هذا التوجه لوزارة التربية والتعليم لايصب في مصلحة تخفيف البطالة بل يصب الكيروسين على نيران البطالة .. بدلاً من أن يفتح للشاب وظيفة جديدة راح يغلق وظائف موجودة!
بدلاً من أن يوظف رب الأسرة ذهب يوظف زوجته ويحرم زوجها من وظيفته!
 
ومن شبهاتهم التي يتذرعون بها قولهم (إن هذا فيه توظيف للمرأة)، والحقيقة أن توظيف المراة يكون بخلق فرص وظيفية مناسبة لها، وليس باجتياح وظائف الشباب المسكين الذي يعاني هو الآخر من البطالة! هذا كمن رأى رجلاً فقيراً فراح يتصدق عليه بالأخذ من رصيد مفلس أسوأ منه حالاً!
 
ومن شبهاتهم التي يتذرعون بها قولهم (نريد رقة في تعليم الصبيان) وكأننا نعاني من ازدياد الرجولة في صبياننا؟! وكأن الجيل الجديد يتفجر فروسية وفتوة! بالله عليك خذ جولة في المجلات الشعرية المصورة، وكثيراً من ضيوف الفضائيات، واشمئز بقدر ماتستطيع من ظاهرة التأنث في الحديث، والتمايل والأصوات الناعسة، والصور المستلقية على أحد جانبيها، بل وخصلات الشعر التي صار يلقيها بعض الرجال على أحد عينيه!
 
نحن في عصر استنوق فيه الجمل وهؤلاء يقولون نريد رقة نسائية في تعليم أبنائنا .. نحن لانريد رقة، فقد أصيب أبناؤنا بأمراضها .. بل نريد ثقافة رجولية يفهم فيها الفتى معنى المسؤولية والصمود والغيرة والحمية بمعناها اللائق به..
 
بدلاً من أن يكون الفتى في ذروة سنوات التربية يرى اللحية والشماغ والثوب ويردد قال الأستاذ وحكى لنا الأستاذ، ويقف أمام أستاذه رجلاً لرجل .. يأتيك طفلك غداً لايرى إلا تنورة وأسورة وقلائد وقروط وروجاً وقصات شعر نسوية ويردد قالت الأبلة وحكت لنا الأبلة، ويقف أمام أبلته بكيان مختلف عن كيانها، لايدري وهو يشعر بغربته بينهن أين مساره؟!
 
ومن شبهاتهم التي يتذرعون بها قولهم (حتى نحمي طلاب الصفوف الدنيا من التحرش من طلاب الصفوف العليا)! والحقيقة أنني حين أسمع مثل هذا الاحتجاج لا أستطيع كظم استيائي من حجم التمثيل البارد .. فهؤلاء الذين يسعون ليل نهار لاقرار الاختلاط في التعليم والعمل هل يمكن أن يكونوا مهجوسين أصلاً بقضية التحرش؟! لكن دعنا نفترض أن هذه حجة يعتقد بعض المحايدين صحتها –لنفترض ذلك جدلاً- فالحل هو فصل المرحلتين عن بعضهما، مع بقاء الرجال في تدريس المراحل الدنيا، هل يمكن لعاقل يحترم عقله أن يصدق أن تأنيث معلمي الصفوف الدنيا مقصوده حماية الطلاب من تحرش الصفوف العليا، ماصلة الحل بالمشكلة بالله عليكم؟! هذا كمن رأى طفلين يتشاجران في غرفة فوضع أحدهما في بيت الجيران! هذا نموذج للحل الذي لاصلة له بالمشكلة!
 
ثم افترض أن أحد الطلاب رسب في بعض سنواته الأولى لأي ظرف مرّ به، ثم صار في الصف الرابع وقد صار كبيراً، فهل سيقى بين المعلمات؟ أم سيكون له وضع خاص؟ هذه مشكلة القرارات التي تبحث عن استعراض أمام الأمريكان أكثر من مراعاة مصلحة البلد.
 
ما أعظم جريرة الوزارة في هذا القرار الغاشم.. أما الإعلاميين الذين شاركو معكم في هذا القرار البشع فوالله لن يفلتو من ضمير الأمة.. وستبقى سبة وعاراً في جبينكم الى يوم الدين.. قناة استبشرنا بإسلاميتها فإذا بها تبرم العقود الخلفية المتعفنة لترويج القرارات الفاشلة.. وتسعى لتطبيع الموقف الاجتماعي من شخصيات تصف أحاديث رسول الله بالوحشية.. وتروج لبعض المعتوهين الذين يسبون صراحة مفهوم (القتال) في القرآن ويرونه تخلفاً وبدائية، مفهوم (القتال) القطعي في القرآن يسب جهاراً نهاراً في أرض الحرمين فهل بعد هذا زندقة؟ بل ويسمونه في الحلقة مفكر اسلامي! أي تدليس أكثر من ذلك؟ كنا نظنها دليلاً الى الحق فإذا بها دليلٌ إلى الشبهات ..
 
على أية حال .. سيسهم في إنجاح المشروع فريقان من الناس: فريق (الترويج الليبرالي) وهو الذي ينشط فيه الاعلاميون الليبراليون.. والفريق الثاني هو فريق (التخذيل الإسلامي) وهم مجموعة من المنتسبين للعلوم الشرعية دأبوا في كل منكر أو ذريعة للمنكر أن يخرجو على الناس ويرددو مقطوعتهم المستهلكة: لماذا تضخمون الأمور، القضية أبسط من ذلك، يجب أن نعالج الأمور بالحوار والهدوء، ولاداعي للصراخ، ويجب أن نعتني بحاجات الناس الفعلية..الخ وكأن النبي –صلى الله عليه وسلم- إذا خطب لم يكن يغضب حتى كأنه منذر جيش كما في صحيح مسلم (كان رسول الله إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم) [صحيح مسلم2042] فأين هذا من برود فريق التخذيل الإسلامي؟!
 
وأما قولهم (يجب أن نعتني بحاجات الناس) فهل الفضيلة وسد ذرائع انتهاكها والتفطن لمخططات الليبراليين ليست من احتياجات المسلمين الماسة!
 
وأما قولهم (لاداعي لتضخيم الأمور) فالحقيقة أن من تأمل ثناء الصحافة الأمريكية على الإدارة الحالية لوزارة التربية والتعليم، ومن تأمل عدداً من القرارات التي غدر بها الفقهاء فلما أجازوها إذا بها مطية لغيرها؛ علم أن هذا الشك والارتياب هو مقتضى العقل والفطنة، وأن ضده ماهو إلا دس للرأس في الرمال..
 
والله ليسألنكم الله عن فتيان أنثتمو تربيتهم .. والله ليسألن الله كل من بارك هذه الخطوة وهو يعلم أنها خطوة لغيرها، خصوصاً وهو يعلم أن الله تعالى قال في أربعة مواضع من كتابه في البقرة مرتين وفي الأنعام والنور (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ).. والله ليسألنكم الله عن شاب تخرج بشهادة معلم ينتظر الفرج فإذا بكم تغدرون به ذات صباح وزدتم حرمانه وحرمان أسرته لأنكم أردتم أن تقول الصحافة الأمريكية عنكم إنكم أناس راقون متقدمون!
 
والله أعلم،،
أبو عمر
جمادى الثانية 1431هـ
29 مايو 2010

Advertisements

عصر دبلجة الواقع

تعليق واحد

الحمدلله وبعد،،

تستحق هذه المرحلة التي نعيش فيها أن تسمى حقبة (دبلجة الواقع) .. فكتابات الطوائف الفكرية المعاصرة اليوم هي أشبه باستديو فكري يحترف التصوير المضلّل أكثر من كونه خطاب نزيه يختلف معك في التقييم لكنه أمين في نقل الواقع كما هو .. ولذلك فالصور التي ترسمها الطوائف الفكرية عن الواقع الإسلامي كلها –تقريباً- صورٌ قد تمت معالجتها بالفوتوشوب الفكري.. وتدهشني للغاية قدرات الخداع التصويري الذي تمتهنه هذه الطوائف الفكرية في مقالاتها الصحفية وحواراتها الفضائية. دعونا نقف سوياً على نماذج طريفة من هذه الفبركات التي أنتجتها استديوهات الفكر العربي والمحلي المعاصر:

تحدثنا الطوائف الفكرية كثيراً عن أن الفتوى المحلية عندنا لديها مغالاة في (سد الذرائع) وأن مشايخنا يسدون كل ذريعة، وأنهم لايعرفون قاعدة فتح الذرائع، وبعضهم يقول: كل ذريعة تتصل بالمرأة فإن الفتوى المحلية تبادر لسدها وتحريمها، فهل هذا التصوير صحيح؟   عدت لواقع الفتوى المحلية فوجدت الذرائع التي فتحها مشايخنا أضعاف أضعاف الذرائع التي سدوها، فكل ذريعة لم تتحقق فيها شروط سد الذريعة فتحوها، خذ فقط بعض الأمثلة:   السفر لبلاد الكفار لعلم أو تجارة فيه ذريعة إلى التأثر بالكفار والنظر المحرم وغير ذلك، ومع ذلك لم يحرمه مشايخنا لأنه عارضته مصلحة راجحة. إدخال الانترنت إلى المنزل فيه ذريعة إلى دخول المواقع الفاسدة، ومع ذلك لم يحرمه مشايخنا للمصلحة الراجحة. ركوب الطالبات في حافلة يقودها رجل فيه ذريعة لفتنته بهن، ومع ذلك لم يحرمه مشايخنا للمصلحة الراجحة، وهكذا أيضاً : اتصال النساء بالبرامج الفضائية والإذاعية للسؤال والاستشارة بأصواتهن علناً فيه ذريعة إلى الفتنة، اتصال العوائل بمطاعم التوصيل السريع وتوصيف البيت لهم وإيصال الطلبات فيه ذريعة للفتنة، ويوجد في كثير من المشاغل النسائية غرف لتبديل الملابس وفيها ذرائع كبيرة لأن يستغلها بعض ضعاف النفوس ولكن مشايخنا لم يجزموا بالتحريم لأنه لم يتبين لهم إلى الآن كثرة إفضائها إلى المفسدة.   ومن الأمثلة العامة أيضاً: السهر في الولائم فيه ذريعة قوية للنوم عن فريضة صلاة الفجر، تأجير الناس الاستراحات وفيها ذريعة لأن يستخدمها بعض المستأجرين في اجتماعات غير مقبولة شرعاً، شراء السيارة للمراهق وفيها ذريعة لأن يستعملها في أغراض مضرة، الخ الخ.   وكل هذه الذرائع السابقة لم يحرمها أهل العلم عندنا، وهكذا لو تتبعت احتمالات الذرائع في تصرفات الناس فإنك لن تنتهي، ومع ذلك فإن فقهاءنا الشرعيين لم يحرموا إلا نزراً يسيراً من الذرائع التي تحققت فيها شروط سد الذريعة، وأما هذه الذرائع التي لاتخلو منها تصرفات الناس وأحوالهم الاجتماعية فإنهم لم يسدوها إما لندرة إفضائها إلى المفسدة، أو لأنه عارضتها مصلحة شرعية راجحة، أو ترتب عليها مشقة على الناس تفوق مايتخوف فيها من الفساد، كما قال ابوالعباس ابن تيمية وهو من أشهر الفقهاء الذين احتفو بقاعدة سد الذرائع (الذريعة إلى الفساد يجب سدها؛ إذا لم يعارضها مصلحة راجحة) [الفتاوى 15/419]   وأنت إذا تأملت فتاوى أهل العلم عندنا وجدتهم في غاية التوازن في قاعدة سد الذرائع، وصدق الحرص على تحقيق مصالح الناس الدينية والدنيوية، فإذا ترجح وقوع المفسدة ولم يعارضها مصلحة راجحة منعو، وإذا كان الإفضاء إلى المفسدة نادراً، أو كان كثيراً لكن عارضته مصلحة راجحة لم يسدو الذريعة بل فتحوها، فكيف يقال: أنهم يسدون كل ذريعة، أو أن لديهم مغالاة في سد الذريعة، أو أنهم لايعرفون قاعدة فتح الذرائع؟ أظن من يقول ذلك لديه تساهل في سد الذريعة ولذلك يتبرم بمنهج المتوازنين.   حسناً ..

لنواصل أمثلة أخرى من فبركات الطوائف الفكرية: تحدثنا الطوائف الفكرية بكثرة عن أن أهل السنة والمتبعين لمنهج السلف أشغلوا الناس بمسائل جزئية وصارت حياة الناس كلها نقاش في فتاوى فقهية وتدقيقات عقدية، وهذا بالتالي أبعدنا عن النهضة والحضارة، لما سمعت الطوائف الفكرية تكرر هذا الكلام قلت في نفسي: الله يهدي الدعاة محتمل أنهم أشغلوا الناس فعلاً؟ وصرت مهتماً برصد نمط الحديث في مجالس الناس، فما رأيت هذا الذي يقولونه، ولا رأيت مسائل عقدية ولا فقهية أشغلت مجالس الناس.   بل رأيت مجالس الناس مشغولة بأخبار القرارات الحكومية، وأسعار العقار، والتشكي من سوء الخدمات البلدية والصحية، وإشاعات الصندوق العقاري، والتحليلات الرياضية، ومزاين الابل، وشاعر المليون، والمسلسلات التركية، والأحداث المحلية مثل أمطار جدة والرياض، والأحداث السياسية كالحوثيين وقراصنة الصومال والانتخابات الأمريكية، وألعاب البلايستيشن وأخواتها، بالإضافة إلى غرائب وعجائب من القصص تبدأ بقولهم (يقولون..) الخ الخ فلا أدري أين هذه المسائل العقدية والفقهية التي أشغلت الناس؟!

ولما رأيت حمية الطوائف الفكرية لوقت الأمة وحرقتهم على الزمن قلت في نفسي ربما أن هؤلاء المنتسبين للفكر والثقافة مشغولون بمعالي الأمور فعلاً، فلما ذهبت لمواقعهم التي يكتبون فيها على الشبكة رأيت أحاديثهم: توصيات متبادلة بأفلام سينمائية، ومشاهداتهم السياحية، ومقاطع يوتيوب طريفة، وتتبع تفصيلي لأحداث سياسية خارجية لاناقة لهم فيها ولاجمل..   افترض أن العلماء والدعاة أشغلوا الناس بالمسائل الشرعية فوالله إن ذلك خير من إشتغالكم بأخبار الأفلام السينمائية وتحليلاتكم السياسية التي لاثمرة لها! لست أدري أين تلك الغيرة الاستثنائية على الوقت التي تصيبكم حين الحديث عن العلماء والدعاة؟!

وتحدثنا الطوائف الفكرية أيضاً أن الخطاب الشرعي لأهل السنة هو المسؤول عن تخلف العلوم المدنية، فلما ذهبت للخطاب الشرعي وجدت العلماء يقولون إن العلوم المدنية التي تحتاجها الأمة (فرض كفاية) إن قام بها من يكفي وإلا أثم الجميع، ووجدت في تراجم الفقهاء من جمع إلى تخصصه الفقهي دراسة الطب، أو دراسة الهيئة والفلك، ونحو ذلك، بل لما نظرت في دعاتنا المعاصرين وجدت الكثير منهم جمع لتخصصه الدعوي تخصصاً مدنياً فالشيخ الداعية محمد المنجد متخرج من جامعة البترول، والشيخ د.خالد الجبير طبيب (استشاري أمراض القلب)، والشيخ الداعية عبدالمحسن الأحمد طبيب (وحدة التنفس الحرجة) وغيرهم، بل إن أكثر المناشط الطلابية الإسلامية فعالية وحراكاً توجد في كليات العلوم الطبيعية في جامعة الملك سعود وجامعة البترول، الخ   بل إن المفكر الفرانكفوني المتطرف محمد أركون اضطر للاعتراف بإقبال الإسلاميين على كليات العلوم الطبيعية حيث يقول عن الإسلاميين: (نلاحظ مثلاً أن دارسي العلوم الفيزيائية والرياضية والطبية وغيرها ينخرطون في صفوف هذه التيارات –أي الإسلامية- أكثر  بكثير من المختصين بعلوم الإنسان والمجتمع، وقد عرفنا أثناء المعارك والاشتباكات التي جرت في جامعات تونس والجزائر والقاهرة الخ أن المتعصبين والمتزمتين ينتمون بشكل خاص إلى كليات العلوم، إنها ظاهرة تستحق التأمل والتفكير) [تاريخية الفكر العربي، أركون، 26].

كم أشعر بالأسى إلى أولئك الذين جعلوا مشروعهم هدم الخطاب الشرعي لأهل السنة بزعم أنه يتعارض مع العلوم المدنية، برغم أن الإسلاميين أسبق من غيرهم في هذا المضمار، ولكنهم يضعون المدنية الدنيوية في منزلتها التي أنزلها إياها القرآن، مجرد وسيلة لتحقيق المطالب الشرعية، ولايجعلونها هي معيار التقدم والحضارة، وإنما معيار التقدم والحضارة موافقة أولويات القرآن.  

قبل أن نستطرد لحديث آخر .. دعونا نكمل نماذج أخرى من مغالطات الطوائف الفكرية:تحدثنا الطوائف الفكرية كذلك عن أن أهل السنة والمتبعين لمنهج السلف لايقبلون بالخلاف في مسائل الاجتهاد، ولايرعون حق المخالف في المسائل الاجتهادية، وأن من لم يوافقهم على كل صغيرة وكبيرة فإنه سيتعرض لسلسلة مضايقات وتسلط، وأن فقه أهل السنة المعاصر يقوم على التنميط الكامل في كل المسائل ولايرحب بالتفكير والاجتهاد، ويستعملون في توصيف هذا الواقع مصطلحات مثل أدلجة وقولبة وتنميط الخ، وبعد أن يصورون هذا الواقع الإسلامي بهذا الشكل يبدؤون في نقل نصوص بعض أئمة السلف في تفهم الخلاف في المسائل الاجتهادية.. الحقيقة أن القارئ لهذه الطوائف الفكرية لايكاد يفكر بفحص هذه الدعوى، بسبب كثرة طرقهم لها بشكل مكثف ومستمر وبصيغ متنوعة..   وقفت مرة مع نفسي وقلت لماذا لا أختبر صحة هذه الدعوى؟ لماذا نستسلم لهذا الطوائف الفكرية؟ لماذا تخلب ألبابنا جاذبية الأضواء السينمائية الفكرية التي يستعملونها في خطابهم فتغيب عقولنا عن تحليل صحة الدعاوى التي يطلقونها؟   وضعت هذه الصورة التي تنقلها الطوائف الفكرية جانباً، وعدت للخطاب الشرعي لأهل السنة أتأمل موقفه من الخلاف في المسائل الاجتهادية، فلما قلبت بحوث الفقهاء وطلبة العلم الشرعي وجدتهم لاتكاد توجد مسألة من مسائل الاجتهاد في الفقه الإسلامي المقارن إلا وقد اختلفوا فيها، وتناقشوا وتباحثوا ورجح كل واحد منهم مارآه بنفوس ملؤها الحب والأخوة، خذ مثلاً بعض أمثلة هذه المسائل:   التسمية عند الوضوء، بداية احتساب مدة المسح على الخفين، نجاسة الدم، الطهارة للطواف، الطهارة لمس المصحف، ومن طهرت قبل خروج أحد فرضي الجمع هل تصليهما جميعاً أم الأخير منهما؟، نهاية وقت العشاء بمنتصف الليل أم بدخول الفجر، المفاضلة بين الأذان والإمامة، وسجود السهو قبل السلام أو بعده، مسألة قصر المسافر إذا أقام إقامة مؤقتة، زكاة الحلي ..الخ هذه نماذج لمسائل تراثية، أما مسائل النوازل المعاصرة التي اختلف فيها فقهاء أهل السنة والمتبعون لمنهج السلف بكل رحابة صدر فهي -أيضاً- كثيرة ومنها:   بدل الخلو، هل الشيك قبض؟، بيع الاسم التجاري، الموت الدماغي، تعذر الحصول على تصريح للحج هل يستقر الوجوب في ذمته فيحج عنه من تركته؟، استعمال المنظفات المعطرة للمحرم، لبس الكمامات للمحرم، تعذر المبيت بمنى ليالي التشريق،  حكم استثمار أموال الزكاة من قبل المؤسسات الخيرية، زكاة مكافأة نهاية الخدمة، زكاة الحقوق المعنوية، ومن مفطرات الصيام التي اختلف فيها الفقهاء المعصرون: التبرع بالدم، بخاخ الربو، أقراص الأدوية أسفل اللسان، منظار المعدة، قطرة الأنف وقطرة العين، تخدير المريض باستنشاق الغاز، الحقن المغذية والعلاجية، السفر بالطائرة بعد غروب الشمس بحيث تظهر له مرة أخرى فهل يمسك الصائم أم لا؟ الخ   ومامضى هي مجرد نماذج لآلاف المسائل الشرعية التي يختلف فيها طلبة العلم الشرعي عندنا أخذاً ورداً ونقاشاً واستدلالاً واعتراضاً، ومع ذلك لاينكر فيها على المخالف، بل بقيت بينهم أخلاق الأخوة والعلم، فكيف يفتري هؤلاء على أهل السنة ومتبعي منهج السلف أنهم لايقبلون الخلاف في المسائل الاجتهادية؟!   بل لقد حضرت في الرياض –عمرها الله بطاعته- عدة ندوات فقهية أقامها الناشطون الفقهيون حول البطاقات الإئتمانية و مسائل زكاة الصناديق الاستثمارية ونحوها من مسائل المعاملات المالية، وفي كل هذه الندوات –بلا استثناء- كان الفقهاء الشباب يختلفون ويتناقشون مع كل احترام وتفهم وتآخي، ولايخرجون من ندوة إلا لموعد ندوة أخرى.   بل وفي شهر محرم من هذا العام عقدت في الرياض ندوة حول مسائل الأسهم وألقى فيها فضيلة الشيخ الفقيه ابوسعد عبدالعزيز الدغيثر ورقة بعنوان (التعويض في سوق الأسهم) وفي مراسلة بيني وبينه قال لي بالحرف الواحد: (والعجيب أن الحضور وصلوا إلى آراء وقناعات تساوي عددهم، فلم يكد يتفق اثنان في مسألة).   وأرجوك أن تلاحظ أن هذه السعة في الاختلاف في الاجتهاديات بين طلبة العلم كلها إلى الآن في مسائل الفقه، أما لو انتقلنا لتصحيح الأحاديث وتضعيفها فسنشهد مظهراً آخر للتسامح في الاجتهاديات، فقد اختلف المشتغلون بالحديث من المعاصرين في تصحيح وتضعيف مئين من الأحاديث، ومع ذلك بقي هذا الاختلاف في دائرة التسامح والحب دام أنه لم يصل لتصحيح شديد الضعف، أو العدوان على أحاديث الصحيحين.   أغلقت بحوث طلبة العلم، وأوقفت ذاكرتي عن استحضار واقع الندوات الفقهية، وأدرت برامج الفتاوى التي يتصدر لها بعض طلبة العلم المعروفين بحسن الفتيا، فشهدت مظهراً آخر للاختلاف في المسائل الاجتهادية، بل لاتكاد تجد مسألة اجتهادية يفتي فيها شيخ معين إلا ووجدت شيخاً آخر يفتي بخلافه.    بل من الطريف أنني رأيت الناس كثيري التبرم باختلاف شيوخنا في الفتيا في المسائل الاجتهادية، ويسرُّ إليك كثير من الناس بأنه يقع في الحيرة بسبب اختلاف المشايخ في الفتيا في المسائل الاجتهادية، ومع كثرة اختلاف شيوخنا وطلبة العلم عندنا في الفتيا في المسائل الاجتهادية لم نرهم أقامو حرباً على بعضهم، ولاشنعوا على بعضهم في مثل هذه المسائل.. ومع ذلك تأتي هذه الطوائف الفكرية وتقول أنتم مؤدلجون تريدون الناس يوافقونكم في كل صغيرة وكبيرة، ولاتسمحون بالخلاف في المسائل الاجتهادية! يالله العجب ما أكذب هذه الطوائف الفكرية!   

أنا شخصياً لا أجد أي تفسير لما تقوله هذه الطوائف الفكرية عن الخطاب الشرعي لأهل السنة إلا أنه “كذب” محض وشهوة افتراء تعيث بنفوسهم ونقمة على الاسلاميين وطلبة العلم والمتبعين لمنهج السلف تدفعهم لتشويههم بهذا الشكل.   هل هذا يعني أنه ليس هناك أخطاء ولاهفوات في موضوع التسامح في المسائل الاجتهادية؟ لا، طبعاً، فهناك مواقف غير دقيقة ومن أشهرها حادثة كتاب الشيخ دبيان في القبضة، وهي التي يدندن حولها هؤلاء دوماً ويحولونها من حالة شاذة إلى قاعدة مطردة! وأي قارئ موضوعي سيعرف حتماً أن حادثة الشيخ دبيان هي الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، فكيف يدع هؤلاء آلاف المسائل التي اتسعت صدور شيوخنا الكبار وشيوخنا الشباب لها، ويتعنتون دوماً في التعلق بحادثة الشيخ دبيان؟! مثل هؤلاء كمثل رجل رأى مهندساً بنى ألف منزل ووقعت منه هفوة في منزل واحد، فقال إن هذا المهندس يهدم المنازل! هل هذا إلا من الجور والظلم الفادح؟! بل والله هذا عين الكذب الفج..   في ذهني الآن نماذج كثيرة لكذبات الطوائف الفكرية في تصوير الواقع الإسلامي بعامة، وواقع الخطاب الشرعي لأهل السنة بخاصة، لكنه لايمكنني مواصلة المزيد فقد أطلت، وإنما يهمني هاهنا هدف واحد فقط، وأعتقد أنني لو حققت هذا الهدف فلايسرني أن لي به حمر النعم، هذا الهدف بكل اختصار هو تنشيط جهاز الفحص لدى القارئ الذي وقع ضحية الطوائف الفكرية المناوئة لأهل السنة، وأن لايستسلم للمعطيات التي يقدمونها، فإذا سمعهم يتحدثون عن الواقع الإسلامي تحت لافتات (نقد الصحوة، نقد السلفية، الخ) فليتوقف عن الاسترسال، وليضع دعاواهم تحت الفحص، وصدقني أنه سيكتشف نماذج طريفة جداً من هوليوديات الطوائف الفكرية .

 

أبو عمر

جمادى الثانية 1431هـ

23 مايو 2010

منّة الاختراع

2 تعليقان

الحمدلله وبعد،،

طوال آيات القرآن يجد المرء كثرة امتنان الله على الناس بتسخير الآيات العظيمة لهم كالشمس والقمر والليل والنهار والرياح والمطر والأنعام والطيور وغيرها ..   يستطيع المرء أن يفهم جيداً وجه الامتنان على الناس بهذه الآيات العظيمة التي خلقها الله لهم وجعلها من أساسيات المعيشة الكريمة على كوكب الأرض .. فهذه الآيات تدور حول الأغذية والبيئة والصحة ونحوها من أسس الوجود البشري..   بل إن كثيراً من الناس حين يذكّرهم شخص بوجوب حمد الله وشكره على نعمه فإن أذهانهم تنصرف دوماً إلى نعمة الرزق والولد والمطر والأمن ونحوها..   لكن هناك مستوى آخر من المنن ذكره القرآن .. منّةٌ قليل من الناس من يتفطن لها .. بل كثيرمن الناس قلب معناها الذي أشار له القرآن للأسف.. هذه المنة ليست امتنان الله على الناس بمصنوعات الله المحضة؛ بل الامتنان على الناس بما هو من مخترعاتهم أنفسهم!   أن يذكّر الله العباد بآيات خلقها الله بصورة محضة كالمطر والشمس والقمر ونحوها فهذا أمر مدرَك لدى الكثيرين .. لكن أن يمتن الله على الناس بما أبدعوه بأنفسهم! ويجعل هذا من آيات عظمة الله ذاته فهذا معنى يغيب عن الكثيرين ..   هذا القصور في فهم وجه امتنان الله على الناس بما هو من ابداعاتهم واختراعاتهم من أسباب اهتزاز إيمان كثير من المنتسبين للثقافة لما رأو انفجار العلوم والمخترعات الإنسانية في هذا العصر.. وصار كل تطور علمي يشاهدونه يسحب المزيد من رصيد إيمانهم وثقتهم بدينهم.. لماذا؟ لأنهم لم يدركو سراً من أجمل أسرار القرآن .. إنه (امتنان الله على الناس بما هو من مخترعاتهم)..   حسناً .. سنتناول أمثلة لهذا التنبيه القرآني.. من أقدم الاختراعات التي اخترعها الإنسان هو (اختراع السفينة) وذلك فور احتياج البشرية إلى التنقل عبر المياه، ويذكر “جارلي” في كتابه (فلسفة بناء السفن) نقلاً عن علماء الحفريات (الأركيولوجيون) بأن أوائل صناعة السفن ظهر مع قدماء المصريين حوالي 3000 سنة قبل الميلاد وذكر شيئاً من تفاصيل طرائقهم في جمع الخشب والتنقل عبر وادي النيل (انظر: Frederick & Ward, p13) وأنا شخصياً مهزوز الثقة بهذه التعيينات التاريخية التي يذكرها الأركيولوجيون، لكن القدر الذي نجزم به أن السفينة اختراع بشري قديم..   ومع ذلك .. أي مع أن السفن هي من بنات أفكار الإنسان ومخترعاته إلا أن الله امتن على عباده بهذه السفن فقال تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ).   واعتبر الله السفن من نعم الله فقال سبحانه (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ).   بل قرن الله (السفن) بوسيلة نقل أخرى هي من محض خلق الله وهي (الأنعام) فقال تعالى (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ). فبالرغم من أن الأنعام من مخلوقات الله المحضة، والسفن من مخلوقات الله على يد الإنسان الذي اخترعها.. فإن كليهما جعله الله موضع امتنان، وجعلهما في نفس المرتبة وكأنهما مجرد مثالين لنوعين من الامتنان بحيث يعتبر الإنسان بهما ماكان من جنسهما..   وكان القرآن يشير في أكثر من موضع إلى جمال حركة السفن وهي تمخر عباب البحار كقوله تعالى في (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ).   فإذا تأمل متدبر القرآن كيف يمتن الله على الإنسان بالسفن برغم أنها من مخترعات بني آدم أصلاً، علم أن مخترعات وعلوم الإنسان ليست منافسة لقدرة الله، أو مزاحمة لها، بل هي مظهر إضافي جديد من مظاهر قدرة الله تورث المؤمن مزيد تعظيم لله كيف أقدر بني آدم وأمكنهم من ذلك..   حسناً .. دعنا نتأمل في نموذج قرآني آخر .. وليكن اختراع (القلم) .. فإن القلم من المخترعات المبكرة للإنسان .. ويذكر المؤرخون تطور أنواعه كالأقلام التي من ريش الطيور، وأقلام القصب، والقلم المزود بمخزن حبر، وقلم الرصاص ثم أنواع الأقلام المعاصرة، ويذكر العالم الألسني روجرز في كتابه المتميز (أنظمة الكتابة) بأن أقدم كتابة فعلية معروفة تعود إلى مدينة أوروك السومرية العتيقة (Rogers, p.84).   على أية حال .. ومع أن القلم وأنظمة وأنماط الكتابة هي ابتكارات بشرية إلا أن الله سبحانه وتعالى يمتن على عباده بهذا الذي اخترعوه هم فيقول سبحانه (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) .. بل يجعل سبحانه سورة كاملة باسم القلم يستفتحها سبحانه بالقسم بالقلم فيقول تعالى (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) ورجح كثير من المحققين أن القلم هنا هوجنس القلم..   ويمكن لمتدبر القرآن أن يرى –أيضاً- نماذج أخرى مما يمتن الله فيها على عباده بما هو من مصنوعاتهم، فمن ذلك أيضاً (فن النحت) فإنه من مبتكرات الإنسان وأفكاره وإبداعاته الجمالية، ومع ذلك فإن الله سبحانه امتن على ثمود بأعمالهم الجمالية في المدائن في الحجر شمال الجزيرة العربية فخاطبهم تعالى بقوله (وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ).   ومن أعمال بني آدم ومنتجاتهم فن العمارة وتصنيع المساكن، ومع ذلك امتن الله على عباده بما هو من مصنوعاتهم فقال تعالى (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا).   ومن إبداعات الإنسان فن الغزل وصناعة النسيج، ومع ذلك يمتن الله على الإنسان بما هو من إبداعه فيقول تعالى (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ).   ومن ابتكارات بني آدم الصناعة العسكرية وأدوات الدفاع في الحروب؛ ومع ذلك يمتن الله على عباده بذلك ويسميها نعمة فيقول تعالى (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ).   والقرآن مملوء بالإشارات إلى امتنان الله وإظهار تفضله وإنعامه على العباد بما هو من مصنوعاتهم ومخترعاتهم وعلومهم، وبما بذلوا هم الجهد في علمه ومعرفته، ولن يعوز متدبر القرآن أن يجد نظائر أكثر من ذلك ..   ومن المدهش أن يلاحظ المرء كيف يؤكد الله الامتنان بكلا النوعين: بما عملته يد الله، وبما عملته أيدي المخلوقين .. فيمتن علينا فيما عملته أيدي الله فيقول (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) .. ويمتن علينا تعالى بما عملته أيدينا فيقول (لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ) ..  فحتى ماتعمله أيدينا إنما هو محل امتنان بقدرة الله وعظمته ونعمته لأنه هو الذي زودنا بهذه الآلات والإمكانيات..   العقل العلمي الصحيح يقوده التقدم المعرفي إلى زيادة تعظيم الله .. والعقل البليد ينصاع لعلمه بدلاً من أن ينصاع لرب علمه .. وحين يعبد الإنسان علمه الذي أنتجه بعقله، وحين يعبد الإنسان فنه الذي نحته بيده؛ فهو لايبتعد كثيراً عن قوله تعالى (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) ..   الإنسان الذي في قلبه مرض كلما رأى انفجار العلوم المعاصرة داخلَه الاستعلاء على دين ربه ومولاه، والقلب السليم كلما رأى هذه العلوم المعاصرة ودقة فنونها وصناعاتها ازداد تعظيما لربه كيف أقدر بني آدم ومكّنهم من هذا الابداع في العلوم الطبيعية والإنسانية والمفاهيم العقلية الدقيقة! كيف وضع الله في العقل البشري كل هذه الإمكانيات، في هذا الجرم الصغير (العقل) عوالم متكاملة منظمة فسبحان بديع السموات والأرض..   العلوم المعاصرة بالنسبة للرجل العاقل تزيده إيماناً، فإذا ازداد إيماناً ازداد خضوعاً وانصياعاً للوحي .. والشخص السطحي إذا رأى العلوم المعاصرة ازداد ارتياباً في ربه ودينه وشرائع الوحي، فإذا داخلته الريب وتزعزع اليقين تعثر الانقياد وفاته شرف عبودية التسليم ..   ويمكن أن يلتمس المرء في القرآن هذه العلاقة بين قصور إدراك النعم من حولنا وبين التطاول على الشريعة .. كما قال تعالى (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ) فلو أدرك هذا المجادل في دين الله النعم من حوله على وجهها لقاده ذلك للانقياد وترك المجادلة في الله وفي دين الله..   كنت مرةً أقرأ مواضع من تفسير أضخم مرجعية فقهية سنية معاصرة وهو الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- فوجدته يقول: (الطائرات منة من الله عز وجل كمنته على عباده في جواري البحار، بل ربما نقول: إن السيارات أيضا من جواري البر) [تفسير سورة الرحمن، 24].   فلما قرأت ذلك أخذت أتعجب من صحة عقول أئمة أهل السنة وسلامة نظرهم، وكيف يصلون إلى المعاني الصحيحة بأيسر الطرق وأقرب الأسباب بلاتكلفات المفكرين ولاتقعرات المتفلسفة، وكيف تنسجم لديهم العلاقة بين الكوني والشرعي فيضعون لكل شئ موضعه..   والمراد من ذلك كله أن ينظر المرء كيف أن هذا التقدم العلمي المادي أنه من أدلة الإيمان والتسليم والانقياد لله وتعظيمه جل وعلا وتعظيم شريعته؛ فصيره الجهلة طريقاً لضد ذلك!  

 

 

 

أبو عمر

جمادى الثانية 1431هـ

17 مايو 2010

سطـوة القـرآن

أضف تعليق

  الحمدلله وبعد،،

 من أعجب أسرار القرآن وأكثرها لفتاً للانتباه تلك السطوة الغريبة التي تخضع لها النفوس عند سماعه .. (سطوة القرآن) ظاهرة حارت فيها العقول ..   حين يسري صوت القاري في الغرفة يغشى المكان سكينة ملموسة تهبط على أرجاء ماحولك .. تشعر أن ثمة توتراً يغادر المكان .. كأن الجمادات من حولك أطبقت على الصمت.. كأن الحركة توقفت.. هناك شئ ما تشعر به لكنك لاتستطيع أن تعبر عنه..   حين تكون في غرفتك –مثلاً- ويصدح صوت القارئ من جهازك المحمول، أوحين تكون في سيارتك في لحظات انتظار ويتحول صوت الإذاعة إلى عرض آيات مسجلة من الحرم الشريف .. تشعر أن سكوناً غريباً يتهادى رويداً رويداً فيما حولك.. كأنما كنت في مصنع يرتطم دوي عجلاته ومحركاته ثم توقف كل شئ مرة واحدة.. كأنما توقف التيار الكهربائي عن هذا المصنع مرة واحدة فخيم الصمت وخفتت الأنوار وساد الهدوء المكان..   هذه ظاهرة ملموسة يصنعها (القرآن العظيم) في النفوس تحدث عنها الكثير من الناس بلغة مليئة بالحيرة والعجب..   يخاطبك أحياناً شاب مراهق يتذمر من والده أو أمه .. فتحاول أن تصوغ له عبارات تربوية جذابة لتقنعه بضرورة احترامهما مهما فعلا له .. وتلاحظ أن هذا المراهق يزداد مناقشة ومجادلة لك .. فإذا استعضت عن ذلك كله وقلت له كلمة واحدة فقط: يا أخي الكريم يقول تعالى (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الإسراء:24] رأيت موقف هذا الفتى يختلف كلياً.. شاهدت هذا بأم عيني .. ومن شدة انفعالي بالموقف نسيت هذا الفتى ومشكلته .. وعدت أفكر في هذه السطوة المدهشة للقرآن.. كيف صمت هذا الشاب وأطرق لمجرد سماع قوله تعالى (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)  .. حتى نغمات صوته تغيرت .. يا ألله كيف هزته هذه الآية هزاً ..   حين قدمت للمجتمع الغربي أول مرة قبل ثلاث سنوات اعتنيت عناية بالغة بتتبع قصص وأخبار (حديثي العهد بالإسلام) .. كنت أحاول أن أستكشف سؤالاً واحداً فقط: ماهو أكثر مؤثر يدفع الإنسان الغربي لاعتناق الإسلام؟ (حتى يمكن الإستفادة منه في دعوة البقية)، كنت أتوقع أنني يمكن أن أصل إلى (نظرية معقدة) حول الموضوع، أوتفاصيل دقيقة حول هذه القضية لايعرفها كثير من الناس، وقرأت لأجل ذلك الكثير من التجارب الذاتية لشخصيات غربية أسلمت، وشاهدت الكثير من المقاطع المسجلة يروي فيها غربيون قصة إسلامهم، وكم كنت مأخوذاً بأكثر عامل تردد في قصصهم، ألا وهو أنهم (سمعوا القرآن وشعروا بشعور غريب استحوذ عليهم) هذا السيناريو يتكرر تقريباً في أكثر قصص الذين أسلموا، وهم لايعرفون اللغة العربية أصلاً! إنها سطوة القرآن..   ومن أعجب أخبار سطوة القرآن قصة شهيرة رواها البخاري في صحيحه وقد وقعت قبل الهجرة النبوية وذلك حين اشتد أذى المشركين لما حصروا بني هاشم والمطلب في شعب أبي طالب، فحينذاك أذن النبي  -صلى الله عليه و سلم- لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة، فخرج أبوبكر يريد الهجرة للحبشة فلقيه مالك بن الحارث (ابن الدغنّة) وهو سيد قبيلة القارَة، وهي قبيلة لها حلف مع قريش، وتعهد أن يجير أبا بكر ويحميه لكي يعبد ربه في مكة، يقول الراوي:  (فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وبرز فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقصّف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين). [البخاري: 2297]   هذه الكلمة (فيتقصّف عليه نساء المشركين وأبناؤهم) من العبارات التي تطرق ذهني كثيراً حين أسمع تالياً للقرآن يأخذ الناس بتلابيبهم .. ومعنى يتقصّف أي يزدحمون ويكتظون حوله مأخوذين بجمال القرآن.. فانظر كيف كان ابوبكر لايحتمل نفسه إذا قرأ القرآن فتغلبه دموعه .. وانظر لعوائل قريش كيف لم يستطع عتاة وصناديد الكفار عن الحيلولة بينهم وبين الهرب لسماع القرآن..

ومن أكثر الأمور إدهاشاً أن الله -جل وعلا- عرض هذه الظاهرة البشرية أمام القرآن كدليل وحجة، فالله سبحانه وتعالى نبهنا إلى أن نلاحظ سطوة القرآن في النفوس باعتبارها من أعظم أدلة هذا القرآن ومن ينابيع اليقين بهذا الكتاب العظيم، ولم يشر القرآن إلى مجرد تأثر يسير، بل يصل الأمر الخرور إلى الأرض .. هل هناك انفعال وتأثر وجداني أشد من السقوط إلى الأرض؟ تأمل معي هذا المشهد المدهش الذي يرويه ربنا جل وعلا عن سطوة القرآن في النفوس: {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} (107) سورة الإسراء   بالله عليك أعد قراءة هذه الآية وأنت تتخيل هذا المشهد الذي ترسم هذه الآية تفاصيله: قوم ممن أوتو حظاً من العلم حين يتلى عليهم شئ من آيات القرآن لايملكون أنفسهم فيخرون إلى الأرض ساجدين لله تأثراً وإخباتاً .. يا ألله ما أعظم هذا القرآن..   بل تأمل في أحوال قوم خير ممن سبق أن ذكرهم الله في الآية السابقة .. استمع إلى انفعال وتأثر قوم آخرين بآيات الوحي، يقول تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا}   هذه الآية تصور جنس الأنبياء .. ليس رجلاً صالحاً فقط.. ولا قوم ممن أوتو العلم .. ولا نبي واحد أو نبيين .. بل تصور الآية (جنس الأنبياء)  .. وليست الآية تخبر عن مجرد أدب عند سماع الوحي وتأثر يسير به .. بل الآية تصور الأنبياء كيف يخرون إلى الأرض يبكون..   الأنبياء .. جنس الأنبياء .. يخرون للأرض يبكون حين يسمعون الوحي .. ماذا صنع في نفوسهم هذا الوحي العجيب؟   وقوم آخرون في عصر الرسالة ذكر الله خبرهم في معرض المدح والتثمين الضمني في صورة أخاذة مبهرة يقول تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} [المائدة:83]   أي شخص يقرأ الآية السابقة يعلم أن هذا الذي فاض في عيونهم من الدموع حين سمعوا القرآن أنه شئ فاق قدرتهم على الاحتمال .. هذا السر الذي في القرآن هو الذي استثار تلك الدمعات التي أراقوها من عيونهم حين سمعوا كلام الله .. لماذا تساقطت دمعاتهم؟ إنها أسرار القرآن..   هذه الظاهرة البشرية التي تعتري بني الإنسان حين يسمعون القرآن ليست مجرد استنتاج علمي أو ملاحظات نفسانية.. بل هي شئ أخبرنا الله أنه أودعه في هذا القرآن .. ليس تأثير القرآن في النفوس والقلوب فقط .. بل –أيضاً- تأثيره الخارجي على الجوارح .. الجوارح ذاتها تهتز وتضطرب حين سماع القرآن.. قشعريرة عجيبة تسري في أوصال الإنسان حين يسمع القرآن .. يقول تعالى: { اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر : 23]   لاحظ كيف يرسم القرآن مراحل التأثر، تقشعر الجلود، ثم تلين، إنها لحظة الصدمة بالآيات التي يعقبها الاستسلام الإيماني، بل والاستعداد المفتوح للانقياد لمضامين الآيات.. ولذلك مهما استعملت من (المحسّنات الخطابية) في أساليب مخاطبة الناس وإقناعهم فلايمكن أن تصل لمستوى أن يقشعر الجلد في رهبة المواجهة الأولى بالآيات، ثم يلين الجلد والقلب لربه ومولاه، فيستسلم وينقاد بخضوع غير مشروط..   هذا شئ يراه المرء في تصرفات الناس أمامه.. جرب مثلاً أن تقول لشخص يستفتيك: هذه معاملة بنكية ربوية محرمة بالإجماع، وفي موقف آخر: قدم بآيات القرآن في تحريم الربا، ثم اذكر الحكم الشرعي، وسترى فارق الاستجابه بين الموقفين؛ بسبب ماتصنعه الآيات القرآنية من ترويض النفوس والقلوب لخالقها ومولاها، تماماً كما قال تعالى (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ)..   وفي مقابل ذلك كله .. حين ترى بعض أهل الأهواء يسمع آيات القرآن ولايتأثر بها، ولايخضع لمضامينها، ولاينفعل وجدانه بها، بل ربما استمتع بالكتب الفكرية والحوارات الفكرية وتلذذ بها وقضى فيها غالب عمره، وهو هاجر لكتاب الله يمر به الشهر والشهران والثلاثة وهو لم يجلس مع كتاب ربه يتأمله ويتدبره ويبحث عن مراد الله من عباده، إذا رأيت ذلك كله؛ فاحمد الله يا أخي الكريم على العافية، وتذكر قوله تعالى {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 22]   وحين يوفقك ربك فيكون لك حزب يومي من كتاب الله (كما كان لأصحاب رسول الله أحزاب يومية من القرآن) فحين تنهي تلاوة وردك اليومي فاحذر يا أخي الكريم أن تشعر بأي إدلال على الله أنك تقرأ القرآن، بل بمجرد أن تنتهي فاحمل نفسك على مقام إيماني آخر؛ وهو استشعار منة الله وفضله عليك أن أكرمك بهذه السويعة مع كتاب الله، فلولا فضل الله عليك لكانت تلك الدقائق ذهبت في الفضول كما ذهب غيرها، إذا التفتت النفس لذاتها بعد العمل الصالح نقص مسيرها إلى الله، فإذا التفتت إلى الله لتشكره على إعانته على العبادة ارتفعت في مدارج العبودية إلى ربها ومولاها، وقد نبهنا الله على ذلك بقوله تعالى (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا) [النور: 21]   فتزكية النفوس فضل ورحمة من الله يتفضل بها على عبده، فهو بعد العبادة يحتاج إلى عبادة أخرى وهي الشكر والحمد، وبصورة أدق فالمرء يحتاج لعبادة قبل العبادة، وعبادة بعد العبادة، فهويحتاج لعبادة الاستعانة قبل العبادة، ويحتاج لعبادة الشكر بعد العبادة.. وكثير من الناس إذا عزم على العبادة يجعل غاية عزمه التخطيط والتصميم الجازم .. وينسى أن كل هذه وسائل ثانوية .. وإنما الوسيلة الحقيقية هي (الاستعانة) .. ولذلك وبرغم أن الاستعانة في ذاتها عبادة إلا أن الله أفردها بالذكر بعد العبادة فقال (إياك نعبد وإياك نستعين) .. وهذه الاستعانة بالله عامة في كل شئ، في الشعائر، وفي المشروعات الاصلاحية، وفي مقاومة الانحرافات الشرعية، وفي الخطاب الدعوي، فمن استعان بالله ولجأ إليه فتح الله له أبواب توفيقه بألطف الأسباب التي لايتصورها..   اللهم اجعلنا من أهل القرآن، اللهم أحي قلوبنا بكتابك، اللهم اجعلنا ممن إذا استمع للقرآن اقشعر جلده ثم لان جلده وقلبه لكلامك، اللهم اجعلنا ممن إذا سمع ما أنزل إلى رسولك تفيض عيوننا بالدمع، اللهم اجعلنا ممن إذا تليت عليهم آيات الرحمن خرو سجداً وبكياً، اللهم إنا نعوذ بك ونلتجئ إليك ونعتصم بجنابك أن لاتجعلنا من القاسية قلوبهم من ذكر الله.

 

أبو عمر

جمادى الأولى 1431هـ

6 مايو 2010

ظلم المنقبات في البيئة المختلطة

3 تعليقات

الحمدلله وبعد،،

جلست مع بعض قريباتي وطلبت منهن المقارنة بين الدراسة والعمل في بيئة مختلطة وفي بيئة غير مختلطة، كنت أستمع لهن وأغذي النقاش فقط بالأسئلة المفتوحة، وكنت أدوّن بعض ما أسمع، أعترف لكم أنني ومع كل قراءاتي حول هذا الموضوع فإنني وقفت أمام براهينهن وحججهن والتفاصيل الواقعية التي يذكرنها موقف الجاهل، كنت كأنني صحفي يقرأ في المستصفى للغزالي! كانت جلسة مبهرة سأعرض هاهنا بعض ماتعلمته منهن.

 كنت أستمع لهن وأزداد حنقاً على دعاة الاختلاط كيف لايراعون مشاعر المرأة؟ كيف لايراعون احتياجاتها وأحاسيسها؟ كيف تنتهك حقوق المنقبات في البيئة المختلطة هكذا بكل بساطة؟!   تقول قريباتي: أنهن حين يدخلن الجامعة أو العمل غير المختلط ينزعن عباءاتهن ونقابهن ويتحركن في الممرات والقاعات وصالات الطعام بكل مرونة وانسيابية، ويتناولن طعامهن بكل راحة، ويشربن القهوة (أو الكوفي كما في روايتهن) وهن مرتاحات بلا نقاب، بينما في البيئة المختلطة فيفرض على المرأة أن تضع غطاءها على وجهها ثمان ساعات متواصلة، وهذا أمر مرهق للتنفس (أو حسب عبارتهن: نحس بكتمة)، ويحرمهن من راحة الحديث والطعام، بل حتى في هيئة الجلوس والاتكاء ستفرض علينا قيود في البيئة المختلطة لانتكلفها في البيئة غير المختلطة.

كنت أستمع لهن وأقول في نفسي: كيف لايتأمل دعاة الاختلاط هذا التعذيب الذي يفرضونه على المنقبات في البيئة المختلطة، هم يتجولون بكل راحة ويريدون هذه المسكينة أن تتلفع بنقابها ثمان ساعات متواصلة! تقول إحداهن: الرجل لو يجرب أن يضع قماشاً على وجهه ساعة واحدة لعلم ماذا يعني وضع المنقبات في البيئة المختلطة ثمان ساعات متواصلة! التعليم والعمل المختلط هو بكل اختصار: حرمان الفتاة من نزع نقابها والتحرك براحة في مجال التعليم والعمل.

 وتقول قريباتي أيضاً: أن البنات –خصوصاً- يحببن أن يتضاحكن ويمزحن وهذا ممكن في التعليم والعمل غير المختلط، لكن في البيئة المختلطة (حسب الضوابط الشرعية التي يقولونها) فإنه لايجوز للفتيات أن يتضاحكن ويقهقهن بين الرجال، وهذا يعني أن الفتاة في البيئة المختلطة يجب عليها أن تكون متحفظة ومشدودة طوال ثمان ساعات، وهذا أمر مرهق  جداً، هذا يعني أن التعليم والعمل المختلط يقتضي حرمان الفتاة الملتزمة بالضوابط الشرعية من حق المرح والفكاهة والمزاح لتلطيف أجواء الدراسة والعمل!   وتقول قريباتي أيضاً: أنه في البيئات غير المختلطة كثيراً ماتمر أحداث نحتفل بها مثل التخرج وسفر إحدى الصديقات أو تماثل إحدى الزميلات للشفاء ونحو ذلك، وفي هذه الحفلات نتخذ كل وسائل البهجة (وعلى حد عبارتهن: نجيب مسجل ويصير فيها تمثيل وضحك)، بينما يستحيل كلياً أن نحتفل بمثل هذه البهجة في البيئات غير المختلطة.

بالله عليكم أليس هذا انتهاك لحقوق الفتيات المنقبات والملتزمات بدينهن؟! بدل أن تكون الفتاة في البيئة غير المختلطة مبتهجة مرحة بين قريناتها، ستكون تحت الرقابة ثمان ساعات مفروض عليها أن تتكلم حسب مقاييس معينة، وتتكلم حسب الحاجة فقط، وضمن حدود وضوابط ستكون مرهقة!.

وتقول قريباتي أيضاً: أن الفتيات في الجامعة يتحدثن للدكتورة علناً ببعض خصوصياتهن، فالطالبة المتزوجة إذا كانت في فترة حمل أخبرت الدكتورة في القاعة وهي سعيدة بذلك، وكذلك إذا وضعت جنينها وعادت للدراسة تحادثن عن الموضوع علناً في القاعة، وكذلك إذا كانت الطالبة تمر بحالة عذر شرعي كفترة الطمث لم تجد حرجاً أن تخبر الدكتورة، فتمتنع من مس المصحف مثلاً في درس القرآن، كل هذا يتم براحة وانسيابية ومرونة بين بنات جنس واحد، لكن هذه الارتياح سيتوتر تماماً في الجامعة المختلطة وستفقد القاعة الدراسية كل حميميتها، وستتمزق الطالبة خجلاً أن تقول أمام الطلاب أنها تمر بفترة الطمث أو أنها حامل! وخصوصاً الفتيات الخجولات. فبالله عليكم أين حقوق الفتيات في أخذ راحتهن في بيئة خاصة بهن؟ لماذا يتم إحراج الفتاة عموماً والمنقبة خصوصاً؟ أين حقوق المرأة التي كفلها الشرع لها؟ .

وتقول قريباتي أيضاً: أن المرأة جبلها الله على حب الزينة (ويشهد لهذا قوله تعالى في سورة الزخرف “أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ” ) ففي البيئة غير المختلطة في الجامعة والعمل تستطيع الفتاة أن تضع عطراً إذا دخلت المبنى، وتلبس الملابس الجميلة وشيئاً يسيراً من المكياج، بينما في البيئة المختلطة (حسب الضوابط التي يطلبونها) فسنكون محرومين من هذا، ويجب أن نجتنب الزينة.   فهذا يعني أن الفتاة في البيئة المختلطة محرومة من حقها الفطري في التجمل! فلا أدري لماذا يصرّ دعاة الاختلاط على حرمانها من حقها الفطري؟!   باختصار شديد الفتاة في البيئة المختلطة ستتكلف ضوابط وقيود تحد من حريتها وارتياحها، بينما في البيئة غير المختلطة ستمارس حياتها الطبيعية وتمرح وتأكل وتتحدث بمساحات وحرية أوسع.   هل تعلم ماهي أكثر عبارة سمعتها تترد في حديثهن؟ هي كلمتي: الحرية والارتياح! لم أتصور بتاتاً أن العمل والتعليم المختلط هو بكل وضوح “اعتداء على حرية المرأة” ..

رسالة أخيرة إلى أولئك الكتّاب وضيوف الفضائيات المتحمسين لنشر الاختلاط: اتقوا الله في حقوق المنقبات ولاتظلمونهن، ووفروا لهن بيئة خاصة يمارسن فيها حريتهن وارتياحهن، وتذكروا أن تحويل فرص التعليم والعمل -رغم محدوديتها- إلى بيئات مختلطة يعني وضع الفتاة المنقبة أمام خيارات صعبة أشبه بوضع الشخص تحت برج مراقبة منه بالحالة الطبيعية.

 

أبو عمر

جمادى الأولى 1431هـ

5 مايو 2010